أعلنت الإمارات، في 28 أبريل/نيسان، الانسحاب من منظمة الدول المصدِّرة للبترول (أوبك)، وتحالف أوبك الموسع (أوبك+) الذي يجمع أوبك بدول مثل روسيا، وأن قرارها يدخل حيز التنفيذ، 1 مايو/أيار 2026. وبذلك تنهي الإمارات عضوية قاربت ستة عقود، كانت فيها من اللاعبين الرئيسيين في سوق الطاقة. وقد وضعت هذا القرار في سياق خطة طويلة بدأت سابقًا بضخ مئات المليارات من الدولارات لزيادة قدرتها الإنتاجية للبترول، وتقديرها أن نافذة الطلب على البترول تتقلص في المستقبل؛ لأن العالم يتجه إلى الطاقات البديلة وأن مصلحة الإمارات في تصريف أكبر كمية من بترولها قبل أن تغلق هذه النافذة.
التوتر المكبوت
هذا التطلع الإماراتي إلى زيادة إنتاج البترول وبيع أكبر كمية ممكنة يصطدم بسياسة أوبك وأوبك+ التي اعتمدت على توزيع حصص الإنتاج على الأعضاء للحفاظ على أسعار البترول في مستوى يخدم مصالح المصدِّرين. وكانت حصة الإمارات 3.2 ملايين برميل يوميًّا، وهي أقل من طاقتها الإنتاجية التي تبلغ 4.8 ملايين يوميًّا. وقد ظل هذا التفاوت الكبير بين الحصة المسموح بتصديرها والحصة التي تستطيع إنتاجها مصدر توتر في علاقة الإمارات بأوبك وأوبك الموسعة.
سبق هذا القرار اعتراضات إماراتية متتالية على سياسة الحصص المقررة في الأوبك. فلقد أعلن وزير الطاقة الإماراتي، سهيل المزروعي، في يوليو/تموز 2021، أن الاتفاق الذي توصلت إليه أوبك برفع سقف الإنتاج للمنظمة بنحو 400 ألف برميل يوميًّا ليس جيدًا للإمارات. في الأثناء، دعا وزير الطاقة السعودي، عبد العزيز بن سلمان آل سعود، إلى التوافق والعقلانية للتوصل إلى اتفاق. وقد توصلت الأطراف إلى قبول رفع حصة الإمارات من 3.17 إلى 3.65 ملايين برميل يوميًّا. لكن هذا الرفع أقل من قدرة الإمارات الإنتاجية البالغة نحو 4.85 ملايين برميل يوميًّا.
قبلت الإمارات بسقف الأوبك+ لاعتبارات جيوبوليتيكية أيضًا. كانت حريصة على تغليب مصلحة الدول الأعضاء لأنها تشترك معها إلى حدٍّ بعيد في منظورها للأمن الإقليمي والدولي، رغم تذمر الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، من أوبك+ لأن سياسة الحصص تمنع انخفاض سعر البترول الذي يريده للمستهلك الأميركي. لكن الحرب على إيران والهجمات الإيرانية على الإمارات، أحدثت تصدعات في العلاقة بين الإمارات وكثير من دول الأوبك. صرَّح أنور قرقاش، مستشار الرئيس الإماراتي، في مؤتمر المؤثِّرين، 27 أبريل/نيسان 2026، بأن موقف دول الخليج من الهجمات الإيرانية الأضعف تاريخيًّا قياسًا إلى طبيعة الهجوم وشدَّته. وأضاف أن سياسة دول الخليج في احتواء إيران مُنيت بفشل ذريع. في المقابل، عبَّر يوسف العتيبة، سفير الإمارات في الولايات المتحدة، في مقال بوول ستريت جورنال، 25 مارس/آذار 2026، عن امتنان بلاده للولايات المتحدة على دعمها لبلاده في مواجهة الهجمات الإيرانية، وطالب بمواصلة هذا الدعم.
عدَّلت الإمارات حساباتها الأمنية، فمالت إلى أن تعزيز علاقاتها بالولايات المتحدة هو الرهان الرئيسي لأمنها؛ لأنها وجدتها بجنبها وقت الشدة في مواجهة إيران لكنها لم تجد بقية دول الأوبك، فلم تعد تجد جدوى في إغضاب ترامب من خلال بقائها في أوبك، بل بات الأفضل لها ترضيته بترك أوبك+ لتحفيزه على مواصلة دعمها أمنيًّا، وتحقيق هدفها الرئيسي في تصدير كامل قدرتها الإنتاجية من البترول.
ضغوط متزايدة على أوبك
لن يؤثر قرار الانسحاب على أسعار سوق الطاقة في الأمد القريب؛ لأن قدرة الإمارات على تصدير البترول مقيدة بإغلاق إيران لمضيق هرمز، وتبلغ قدرة الإمارات في التصدير حاليًّا من خلال الأنبوب الذي يربط بين أبو ظبي والفجيرة نحو 1.7 مليون برميل يوميًّا. لكن توقع المشترين للطاقة بأن الإمارات ستصدِّر نحو 4.85 ملايين برميل يوميًّا ستجعلهم يخففون الطلب على الكميات المتواجدة حاليًّا في الأسواق في انتظار انخفاض الأسعار الوشيك مع تدفق البترول الإماراتي إلى السوق، فتدفع الأسعار إلى الانخفاض، فيخف الضغط على أسعار البنزين في الولايات المتحدة، فيخف الضغط قليلًا على الرئيس ترامب.
يتغير الوضع أكثر بعد نهاية الحرب على إيران، وإعادة فتح هرمز بالكامل، ستضخُّ الإمارات كميتها الإنتاجية كاملة في السوق، فتضعف قدرة دول الأوبك، خاصة السعودية، في ضبط الحصص التصديرية للأعضاء المتبقين حتى تظل الأسعار متوافقة مع الإيرادات التي بَنَت عليها دول الأوبك ميزانياتها الوطنية. وتكمن الصعوبة في أن مجوموعة أوبك+ ستضطر إلى خفض حصص الدول الأعضاء المتبقية بما يعادل الكمية الجديدة التي ستضخها الإمارات في الأسواق، لكن الدول الأعضاء قد تعد ذلك إضرارًا بمصالحها؛ لأنها ستبيع كميات أقل فتحصل على إيرادات أقل. وقد تختار السعودية خفض حصصها حتى تحافظ على تماسك أوبك+ لكن ستقل إيراداتها بينما هي مقبلة على مشاريع تنموية كبيرة تحتاج إيرادات كبيرة.
قد يجرُّ الإنسحاب الإماراتي دولًا أخرى، ستحسب أن زيادة كمية مبيعاتها بأسعار منخفضة أفضل لها من بيع كميات قليلة بأسعار مرتفعة قليلًا، ما دامت دول أخرى ستستفيد من هذه الأسعار المرتفعة دون التزام بخفض حصتها في السوق. وقد تكون الدولة المرشحة للانسحاب هي فنزويلا لأن قيادتها الحالية تعطي الأولوية للتوافق مع الرئيس ترامب الذي يعد أوبك تنظيمًا احتكاريًّا يرفع أسعار الطاقة التي تضر المستهلك الأميركي. وقد تلحق أيضًا نيجيريا بالمنسحبين؛ لأنها لم تعد تصدِّر البترول الخام حصرًا بل باتت تكرِّر بترولها الخام وتحوله إلى منتجات يمكن تصديرها بأسعار أرفع من أسعار البترول الخام. وذكرت تقارير أن نيجيريا باتت تستورد كميات من البترول الخام إضافة لبترولها من أجل تكرارها وتحويلها ثم بيعها للخارج. ومن هذا المنظور، تتعارض مصالح نيجيريا في رفع قدرتها الإنتاجية مع مصالح دول أوبك في خفض الحصص الإنتاجية عند سقف متفق عليه. وقد يدفع هذا التعارض بين المصلحتين نيجيريا إلى اللحاق بالدول المنسحبة.
رهانات معقدة
تراهن الإمارات على أن الطلب على البترول يظل مرتفعًا لفترة محدودة تعمل على تعظيم الاستفادة منها بتصدير أكبر كمية من إنتاجها البترولي. هذا الرهان يعتمد في نفس الوقت على استمرار دول أوبك+ في الحفاظ على ضبط كميات البترول المبيعة في الأسواق حتى تظل الأسعار عند مستوى يخدم حسابات المصدِّرين. لكن قد تندفع الدول المصدِّرة إلى التنافس في بيع أكبر كمية ممكنة، فتصاب سوق الطاقة بالتخمة وتنهار الأسعار على الجميع، سواء دول أوبك+ أو الدول غير المنتسبة.
قد تحسب بقية الدول المصدِّرة نفس الحساب الإماراتي، وتتوصل إلى أن نافذة الطلب على البترول ضيقة، وأن العالم سيتجه سريعًا إلى بدائل أخرى للطاقة، فتسارع مثل الإمارات إلى بيع أكبر كمية من إنتاجها البترولي، فتندلع حرب أسعار، قد تخفض سعر البترول إلى أقل من 50 دولارًا للبرميل، وهو سعر التوازن في ميزانية الإمارات بين الإيرادات والمصروفات، لكن هذا أقل من الإيرادات اللازمة لتغطية تكاليف المبالغ المستثمرة.
وضعت الإمارات في حسابها، أن أسعار الطاقة ستظل مرتفعة بما يكفي لتغطية تكاليف 150 مليار دولار المستثمرة في البنية الإنتاجية كي تتمكن من رفع إنتاجها إلى نحو 5 ملايين برميل يوميًّا بحلول 2027، لكن احتمال انهيار الأسعار قبل ذلك قد يؤثر في تلك الحسابات لأن الجدوى من المبالغ المستثمرة سيقاس بالإيرادات المنتظرة.