المقدِّمة
يوصف إقليم الشرق الأوسط بأنه «قلب العالم»؛ وذلك لاعتبارات سياسية واقتصادية وجيوسياسية، ويحظى بأهمية كبيرة في النظام الدولي والعلاقات الدولية، وقد جعله ذلك، في الغالب، ساحة تنافسية ووجهة استقطاب لمختلف الفاعلين الدوليين، مما عزز من حالة الفوضى فيه؛ فمنذ القِدم يُعاني من اختلالات بنيوية وهيكلية عميقة.
وبشكل تراتبي وارتباطي لهذا الواقع المُلتهب المأزوم، وفي سياق ديناميكي، تهيمن دوامة الصراعات والمُعضِلات الأمنية المتجذرة والمتلاحقة على الشرق الأوسط؛ متنوعة الأسباب، ومختلفة السمات، ومتشعبة الأطراف، وبمديات قصيرة وأخرى بعيدة، ممتدة لعدة أبعاد مركزية، أهمها: السياسية، والأمنية، والعسكرية، والاقتصادية، والاجتماعية، وغيرها، وتُلقي في أتونها سلسلةً من الظواهر المعقدة، أبرزها: التوترات، والأزمات، والنزاعات، والحروب، وما يتبعها من قضايا متشابكة، بما ينعكس على مختلف المستويات: المحلية، والإقليمية، والدولية.
ويتزامن مع هذا المشهد تصاعد المُعضِلات الأمنية الإقليمية، والتي تتبلور في بنى ومكامن مركبة "هجينة" غير تقليدية؛ إذ تنبثق عنها أشكال متباينة الأنماط، وتطال تبعاتها مختلف المجالات المرتبطة بأبعاد الاستقرار والأمن الوطني ومستوياتهما، ولعل أبرز محاورها ومفاصلها التي تتجلى بها، المُعضِلات المتعلقة بقضايا: المياه، والطاقة، والهوية الوطنية، والديموغرافيا، والتهديدات العابرة للحدود مثل: الإرهاب، والتطرف، والإتجار بالمخدرات والأسلحة وتهريبها، وغيرها.
وبطبيعة الحال، فإن التدهور المُزمن لهذه المتغيرات، وموجات الأحداث العاتية، وما تفرزه من ارتداداتٍ متفاقمة ومتنامية، تؤثر في جُل دول الإقليم، بما فيها الأردن، وذلك بفعل محدداته الداخلية والخارجية، والتي تتخذ تكوينات وقوالب متعددة، من أبرزها: موقعه الجغرافي، ومحدودية موارده، وبنيته الديموغرافية، وضعف اقتصاده، وغيرها. إلا أن موقعه الجيوسياسي، رغم أهميته، يتقدم هذه المحددات ويُشكل أبرز تحدياته؛ كنتيجة حتمية في ظل التخومية، فمجاورته لدولٍ تُعاني من الصراعات والمُعضِلات الأمنية، بمختلف أنواعها ومستوياتها، وما ينجم عنها من تداعيات، تمس استقرار الأردن وأمنه الوطني.
فالأردن شهد منذ تأسس محطاتٍ إقليميةً محوريةً، وقد واجه على مر العقود الماضية تحديات متواصلة في مختلف المجالات والجوانب، وكانت القضية الفلسطينية مركزًا لها، وجابه في تاريخه المعاصر - ولا زال - منعطفات وصعوبات مصيرية، لعل أبرزها: قضايا اللجوء، والغزو الأميركي للعراق عام 2003، والربيع العربي منذ أواخر العام 2010، وما خلّفه من أزمات متراكبة ومتراكمة، كالأزمة السورية، وما تبعها من قضايا عديدة، أبرزها: ملف اللجوء السوري، وتصاعد قضايا الإرهاب والتطرف تزامنًا مع بروز "تنظيم داعش"، والاتجار بالأسلحة والمخدرات وتهريبها، وصولًا إلى سقوط النظام السوري السابق، لتشهد هذه القضايا تحولاتٍ وتطوراتٍ جوهريةً مستمرةً.
بيد أن اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول عام 2023 في أعقاب عملية "طوفان الأقصى"، شكلت نقطة تحول مفصلية ومحطةً فارقةً في مسار الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، وربما الأكثر عنفًا وتعقيدًا في العصر الحديث؛ لكونها من المواقد المُذكية للتصعيد الإقليمي؛ بسبب تعدد أطرافها، وتشابك أبعادها، وما خلّفته من أزمات مركبة ومتداخلة، وما أفرزته من تداعيات أثرت بعمق في الأردن، ولعل من أهمها: مخططات التهجير.
وفي طور هذه الإشكاليات الواسعة والمترابطة، تبرز عملية صُنع القرار بوصفها من أهم الوظائف المركزية التي يضطلع بها النظام السياسي الأردني للتصدي لتداعيات الصراعات والمُعضِلات الأمنية الإقليمية، وفي سياق هذه الموجبات الوظيفية، تتعاظم أهمية منهجية التحليل السياسي "عصبًا عقليًا" متأصلًا في كافة مراحل عملية صُنع القرار السياسي الأردني، ويرفدها بالبدائل والحلول العقلانية، بما يعزز من فاعليتها، ويصب في المصالح والأهداف الوطنية والحيوية الأردنية، وفي مقدمتها استدامة استقرار الأردن وأمنه الوطني وترسيخهما.
الإشكالية البحثية
تنطلق الأطروحة من إشكالية مركزية تتمثل في بحث دور منهجية التحليل السياسي في عملية صنع القرار الأردني في مواجهة تداعيات الصراعات والمعضلات الأمنية الإقليمية، ومدى إسهام ذلك في تعزيز استدامة استقرار الأردن وأمنه الوطني. ويمكن التعبير عن هذه الإشكالية في السؤال الآتي: كيف تسهم منهجية التحليل السياسي في عملية صنع القرار في التصدي لتداعيات الصراعات والمعضلات الأمنية الإقليمية، وما دور ذلك في تعزيز استدامة استقرار الأردن وأمنه الوطني؟ وتفرع عن هذا السؤال عدد من الأسئلة المتعلقة بفاعلية التحليل السياسي في صنع القرار، وأثر الأطر الدستورية والمؤسسية، وانعكاسات المحددات الداخلية والخارجية للواقع الأردني، ودور النماذج التحليلية المستحدثة ومأسسة التحليل السياسي في دعم الاستقرار والأمن الوطني.
واعتمد البحث فرضية رئيسة مفادها أن منهجية التحليل السياسي تسهم بفاعلية في عملية صنع القرار تجاه الصراعات والمعضلات الأمنية الإقليمية، وأن هذا الإسهام ينعكس إيجابًا على استدامة استقرار الأردن وأمنه الوطني. وتفرعت عن هذه الفرضية مجموعة من الفرضيات الجزئية التي تناولت أثر التقنيات والنماذج التحليلية الحديثة، ودور الأطر المؤسسية، وتأثير المحددات الداخلية والخارجية، وأهمية مأسسة التحليل السياسي في تعزيز قدرة الدولة على التعامل مع التحديات الأمنية والإقليمية.
منهجيًّا، اعتمدت الأطروحة مبدأ التكامل المنهجي، من خلال توظيف منهج صنع القرار ومنهج تحليل النظم بوصفهما المنهجين الرئيسين للدراسة، إلى جانب الاستفادة من المنهج المؤسسي والمنهج البنائي-الوظيفي. كما استند البحث إلى مسح واسع للأدبيات والدراسات السابقة والمصادر العلمية، مستفيدًا من أدوات وصفية وتحليلية وتفسيرية متعددة لفحص العلاقة بين منهجية التحليل السياسي في عملية صنع القرار، والصراعات والمعضلات الأمنية الإقليمية، واستدامة استقرار الأردن وأمنه الوطني.
النتائج
تمكنت الدراسة من الإجابة على أسئلتها، كما أثبتت المعطيات التحليلية ودلالاتها التي تجسدت في عدة شواهد؛ صحة فرضياتها، ويتجلى ذلك فيما يلي:
النتيجة الأولى: تُجيب هذه النتيجة عن سؤال الدراسة الرئيس، والذي يبحث في كيفية إسهام منهجيَّة التحليل السياسي في عملية صُنع القرار في التصدي لتداعيات الصراعات والمُعضِلات الأمنية الإقليمية، ودور ذلك في تعزيز استدامة استقرار الأردن وأمنه الوطني؛
إذ ثبت أن منهجيَّة التحليل السياسي - علميًا وعمليًا - في كافة مراحل عملية صُنع القرار تُسهم بفاعلية في التصدي لتداعيات الصراعات والمُعضِلات الإقليمية؛ وتنعكس طرديًا وإيجابًا على استدامة استقرار الأردن وأمنه الوطني؛ وبذلك، فإن الفرضية الرئيسة للدراسة صحيحة بدرجة كبيرة، وقد أثبت "التحليل المتكامل" الذي قدمته الدراسة ذلك، معززًا بتنوع البدائل التي اقترحتها وفقًا للمنهجيَّة التحليلية، كما برزت عدة نتائج فرعية، على النحو الآتي:
- يوجد علاقة تكاملية بين منهجيَّة التحليل السياسي وعملية صُنع القرار، وعلاقة طردية لذلك في التصدي للتحديات.
- تمتاز عملية صُنع القرار في النظام السياسي الأردني بتكيفها وتنوع أدواتها وقدرتها على التعامل مع مختلف المشكلات وفق طُرق تفكيرية متنوعة، ومن أهم سماتها أنها متسلسلة ومرنة وتتجاوب بشكل متواصل كفعل - استباقي - وأيضًا رد فعل - تجاوبي وعلاجي -.
- تفرض العقلانية أن يتم التعامل في عملية صُنع القرار مع المشكلة الماثلة حسب طبيعتها، وبالتالي، فإن بدائل مشكلة ما، ليس بالضرورة أن تكون فعالة في مشكلة أخرى، حتى وإن كانت شبيهة لها، وبذلك، يستنتج أن التحليل السياسي في عملية صُنع القرار في السياسة الخارجية الأردنية غير ثابت بمعنى الجمود، وإنما يتفاعل إيجابًا وبمرونة براغماتية حسب طبيعة المشكلة التي يواجهها.
- تدل محدودية البدائل في عملية صُنع القرار عند التعامل مع مشكلة ما - تداعيات، صراعات، مُعضِلات أمنية - على خطورة تلك المشكلة؛ أكثر من تلك المشكلات التي يتم التعامل معها في إطار بدائل متعددة ومتنوعة، وبالتالي، يمكن قياس مدى أولوية المشكلة ودرجة خطورتها من خلال ذلك.
النتيجة الثانية: تقدم هذه النتيجة إجابة للسؤال الذي تمحور حول معرفة مدى ما يؤدي إليه اعتماد منهجيَّة التحليل السياسي على التقنيات والآليات والمدارس الفكرية ومدارس الدراسات الأمنية والنظريات والنماذج التحليلية الحديثة إلى رفع مستوى فاعلية عملية صُنع القرار في السياسة الخارجية الأردنية؛
إذ تبين أن منهجيَّة التحليل السياسي تمتاز بتضمنها مجموعة متنوعة من التقنيات والآليات والمدارس الفكرية ومدارس الدراسات الأمنية والنظريات والنماذج التحليلية الحديثة، وتعتمد عليها، مما يرفع من مستوى فاعلية عملية صُنع القرار في السياسة الخارجية الأردنية؛
كما أظهر استناد الدراسة إلى عدة مدارس فكرية ومجموعة من النماذج النظرية التحليلية الحديثة، أن المدرسة الواقعية بكافة فروعها، ومدارس الدراسات الأمنية: مدرسة كوبنهاجن، ومدرسة باريس، ومدرسة آبيرستويث، من أبرز المدارس التي يمكن الاستناد إليها وتوظيفها خلال إجراء التحليل السياسي في عملية صُنع القرار تجاه الموضوعات التي تناولتها الدراسة، ونحوها؛
وأن نموذج الفاعل العقلاني، ونظرية الرابطة، ونموذج صُنع القرار في ظل الضغط، ونموذج سوء النية المتأصلة، ونموذج شجرة القرارات؛ من أهم النماذج النظرية التحليلية الحديثة التي ترتكز عليها منهجيَّة التحليل السياسي.
مع الإشارة إلى أن من الممكن استخدام مدارس أخرى، مثل: الليبرالية، والبنائية، وغيرها من المدارس الرئيسة، وكذلك الاعتماد على نماذج نظرية تحليلية أخرى، مثل: نموذج (SWOT)؛ مما يثبت صحة الفرضية الأولى التي وضعت مسارًا علميًا بحثيًا بهذا الخصوص.
النتيجة الثالثة: تشكلت هذه النتيجة استجابةً للسؤال الذي يدور حول معرفة كيفية إسهام الإطار الدستوري والمؤسسي المُنظم لعملية صُنع القرار السياسي في تعزيز منهجيَّة التحليل السياسي في هذه العملية، وتؤكد صحة الفرضية الثانية المتعلقة بهذا الشأن؛
إذ تبين من خلال استطلاع مواد الدستور الأردني والتشريعات والقوانين الناظمة، أن عملية صُنع القرار في النظام السياسي الأردني تقوم على أطر دستورية وقانونية، وفق هيكل يُنظم بنية ووظائف المؤسسات والجهات الفاعلة والمشاركة فيها، وأنها تتصف بالطابع الديمقراطي والمؤسساتي، وإلى جانب هذه النتيجة المركزية، برز عدد من النتائج الفرعية الآتية:
- يتسيد الملك عملية صُنع القرار في السياسة الخارجية الأردنية وتتركز بيده.
- تؤدي مؤسسات النظام السياسي الأردني أدوارًا استشارية - غير مُلزمة - وتنفيذية ضمن إطار مؤسسي مرن، أبرزها: وزارة الخارجية، والمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية.
النتيجة الرابعة: تتمحور هذه النتيجة حول الإجابة عن السؤال الذي يبحث في طبيعة تأثير محددات الواقع الأردني الداخلية والخارجية ومقوماته في عملية صُنع القرار في السياسة الخارجية الأردنية؛ وكيفية انعكاس ذلك على قدرة النظام السياسي الأردني للتعامل مع الصراعات والمُعضِلات الأمنية الإقليمية وعلى استجابته؛ كما تُجيب هذه النتيجة عن السؤال المتركز في البحث عن أبرز الصراعات والمُعضِلات الأمنية الإقليمية، وتحديد مدى تأثير تداعياتها على استقرار الأردن وأمنه الوطني، وتساؤله عن كيفية وإمكانية توظيف منهجيَّة التحليل السياسي في عملية صُنع القرار للتصدي لذلك؛ وقد أكدت هذه النتيجة صحة الفرضية الثالثة القائمة على هذه الموضوعات؛
فقد تبين أن الواقع الأردني يزخر بمجموعة من المحددات: الداخلية والخارجية، ويمتاز بمقومات ومرتكزات، ويُشكل بعضها أثرًا إيجابيًا ويُنشئ بعضها الآخر تأثيرًا سلبيًا في عملية صُنع القرار في السياسة الخارجية الأردنية، وبالمجمل، ينعكس ذلك على قدرة واستجابة النظام السياسي الأردني للتعامل مع الصراعات والمُعضِلات الأمنية الإقليمية وتداعياتها؛ ومن ثمَّ على استقرار الأردن وأمنه الوطني، إذ يوجد ارتباط بين محددات الواقع الأردني ومقوماته واستقلالية القرار الأردني، وقد تمخض عن ذلك نتائج فرعية على النحو الآتي:
- لموقع الأردن الجغرافي الهام دور داعم في إسناد السياسة الخارجية الأردنية، بالمقابل، يتمركز الأردن في إقليم يفيض" بالصراعات والمُعضِلات الأمنية، مما يخلق واقعًا مُنشئًا للتداعيات والتهديدات، وقد شكلت بمجملها تحديات مصيرية، وثبت أنها تؤثر بدرجة كبيرة ومباشرة في استقرار الأردن وأمنه الوطني، وأن هناك ضرورة ملحة لتوظيف منهجيَّة التحليل السياسي في عملية صُنع القرار للتصدي لذلك؛
إذ تبين أن هناك العديد من الصراعات والمُعضِلات الأمنية في إقليم الشرق الأوسط، أبرزها: الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ عام 2023، ومُعضِلات أمنية عديدة نشئت بفعل الأزمة السورية؛ وقد ظهر أن الأردن يواجه العديد من التداعيات الناجمة عنها، وفي إطار ضرورة توظيف منهجيَّة التحليل السياسي في عملية صُنع القرار للتصدي لذلك؛ خلصت الدراسة إلى عدة نتائج فرعية مشتركة بخصوص عملية صُنع القرار والصراعات والمُعضِلات الأمنية الإقليمية، كما يلي:
بشأن القضية الفلسطينية ومخططات التهجير:
- تُعَدّ مخططات التهجير من أبرز التداعيات التي أفرزتها الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ عام 2023، خصوصًا في ظل تشابكها مع أبعاد: سياسية، واقتصادية، وديموغرافية، وأمنية مُزمنة، بالمقابل، عكست القرارات تجاهها فاعلية صانع القرار، متبعًا نهجًا متدرجًا تصاعديًا يقوم على التعددية والمرونة والعقلانية، وتوظيف أدوات السياسة الخارجية بشكل انسيابي، وتَصدُّر الدبلوماسية مقدمتها، كما أدت الأداة الإعلامية من خلال التصريحات الرسمية دورًا رئيسًا ومساندًا.
- بين التحليل بمساريه: "المُزامن واللاحق" للقرارات الأردنية في إطار التغذية الراجعة، مدى نجاعتها في توحيد المواقف العربية والإسلامية، وتوظيف العلاقات الدولية كرافعة للموقف الأردني.
- انطلق الدور الأردني في التصدي لمخططات التهجير من منطلقات المصلحة الوطنية والحيوية، وتغليب كفة القيم والثوابت العربية والإسلامية، مع التأكيد على أن خطر التهجير يشكل تهديدًا مزدوجًا؛ إذ يهدد الأردن ويهدد القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني بشكل مباشر ومصيري.
أما بخصوص تطورات قضايا الشأن السوري وتداعياتها:
- فقد تبين أنه وعلى الرغم من انتهاء الأزمة السورية التي اندلعت منذ عام 2011 إبان "الربيع العربي" وما تبعه من ثورات متتالية، فقد كانت "الثورة السورية" من أبرزها؛ لأنها لم تنحصر بمستوى الجغرافيا السورية، بل امتدت تجاه المستويين: الإقليمي والدولي وباتجاهات عديدة، ورغم سقوط النظام السوري السابق، وتشكل "نواة" نظام جديد، إلا أن الواقع يدل على أن تداعيات الشأن السوري المُزمنة لا زالت مستمرة.
- برز ملف اللجوء السوري واحدًا من أبرز التحديات التي واجهت الأردن ولا يزال، بوصفه ذا أبعاد أزمية كامنة ومتجددة، إذ يرتبط بمجموعة من المهددات والعوامل الأخرى. ورغم العودة الطوعية لعدد من اللاجئين، إلا أنه، وبحكم صلته بالواقع وآثار الصراع الذي استمر لأكثر من عقد، يظل قائمًا في المستقبل القريب - على أقل تقدير - ومقيدًا باستقرار سوريا ومعالجة الأزمات الأخرى، الأمر الذي يجعل سيناريو اندلاع أزمة لجوء جديدة مطروحًا، ولا يمكن إغفاله.
- تبقى قضية الاتجار بالمخدرات والأسلحة وتهريبها باتجاه الأردن وعبره قضية شائكة، إذ تشكلت بفعل سنوات طويلة، مما عزز من إمكانات العصابات القائمة عليها وراكم من خبراتها.
بالمقابل، حقق الأردن بفاعلية إنجازات عديدة ومكاسب جوهرية بصون استقراره وأمنه الوطني من خلال التصدي لتلك القضية، وكانت الأداة العسكرية والأمنية في مقدمة أدواته التي وظفها في سبيل ذلك، والتي نفذتها المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، وتراكمت لدى الأردن خبرات نوعية في مجال محاربة الاتجار والتهريب.
- يشكل موضوع استقرار سوريا والمحافظة على وحدة إقليمها وعدم تقسيمه، وتمكن "الإدارة الانتقالية" من الاستمرارية ونجاحها في العبور إلى بر الأمان، جوهرًا ومحورًا لحل كافة القضايا بدرجة عالية، وينعكس ذلك إيجابًا على استقرار الأردن وأمنه الوطني في كافة أبعادهما.
- يُعَدّ التدخل الإسرائيلي في الشأن السوري، واحدًا من أخطر التدخلات الخارجية التي تشهدها سوريا، فعلى الرغم من وجود دور ونفوذ تركي، وانتشار أميركي وآخر روسي في سوريا - والذي بدء بإعادة التموضع والانسحاب تزامنًا مع الانتهاء من إعداد هذه الدراسة - إلا أن التدخل الإسرائيلي يأتي في سياق سياسات إسرائيل العدائية تجاه الإقليم، وليس تجاه سوريا فحسب.
وتكمن خطورة هذا التدخل بالنسبة للأردن أنه يشكل أحد "فكي كماشة" عليه؛ "الفك الأول" في الأراضي الفلسطينية، و"الفك الثاني" في الجنوب السوري، وإلى جانب ذلك، تأتي سيطرة إسرائيل على منابع المياه في سوريا ضمن السياقات الضاغطة على الأردن بخصوص الأمن المائي، بالإضافة إلى ما يخلقه الواقع المحتمل من تحديات مرتبطة بالتغيرات الجيوسياسية والاستراتيجية الكُبرى.
- يشكل الاقتصاد الأردني "المتواضع" ما يمكن وصفه بـ"بؤرة" ضاغطة وعائقًا أمام عملية صُنع القرار، والتي قد تصل إلى شكل من أشكال "التبعية" وتحد من بدائل عملية صُنع القرار.
- تضع محدودية الموارد الطبيعية، خاصة في المياه والطاقة، عملية صُنع القرار "رهينة" حسابات معقدة.
- ظهر من خلال الإطار التأصيلي الذي قدمته الدراسة، أن السياسة الخارجية الأردنية تمتاز بالعديد من السمات، أبرزها: العقلانية، والواقعية، والحياد الإيجابي، والاعتدال، والوسطية، والمصداقية، والفاعلية، والانتشار الواسع، وغيرها من السمات، وتقوم على عدة ركائز، مثل: رسالة الثورة العربية الكُبرى، والشرعية الدينية والعربية والتاريخية، وأنها تنطلق وفقًا لأهداف تحدد قيمها وتوجهاتها، وفي مقدمتها حماية المصلحة الوطنية والحيوية، وما ينبثق عنها من صون الاستقرار والأمن الوطني، مرتكزة على أدوات بارزة توظفها في ذلك بشكل متسق وديناميكي، وفي طليعتها: الدبلوماسية الأردنية، الأداة العسكرية والأمنية، والأداة الإعلامية، وقد تكون الأداة الاقتصادية أقلها فاعلية نتيجة المحددات الاقتصادية.
النتيجة الخامسة: تضع هذه النتيجة إجابة للسؤال الذي يستفهم عن جدوى استحداث النماذج التحليلية وقدرتها على تعزيز فاعلية منهجيَّة التحليل السياسي في عملية صُنع القرار في السياسة الخارجية الأردنية؛ بما يدعم استدامة استقرار الأردن وأمنه الوطني؛
إذ تبين من خلال ما استحدثته الدراسة في "النموذج الشبكي - العُقدي لتحليل تداعيات الصراعات والمُعضِلات الأمنية" لمعالجة القضايا التي تناولتها الدراسة، ضرورة وإمكانية ابتكار نماذج نظرية تحليلية لمعالجة الحاجة في المعرفة العلمية المتواصلة، وسد الفجوات في الجانب العملي والتطبيقي؛ مما يؤكد صحة الفرضية الرابعة المبنية على أنه ورغم وجود العديد من النماذج النظرية التحليلية الحديثة التي تستخدم في التحليل السياسي في عملية صُنع القرار، إلا أن من الممكن والضروري استحداث نماذج نظرية تحليلية تتواءَم مع المشكلات والقضايا التقليدية وغير التقليدية.
النتيجة السادسة: تكمن أهمية هذه النتيجة في أنها تجيب عن سؤال ذو أهمية قد تمحور حول بيان مدى إسهام مأسسة التحليل السياسي في عملية صُنع القرار الأردني في تعزيز القدرة على التصدي لتداعيات الصراعات والمُعضِلات الأمنية الإقليمية، مما يؤدي إلى استدامة استقرار الأردن وأمنه الوطني؛
إذ قدمت الدراسة تصورًا نظريًا علميًا لمأسسة التحليل السياسي في عملية صُنع القرار في السياسة العامة الأردنية، وأن من الممكن تطبيقه عمليًا من خلال إنشاء "المركز الوطني للتحليل السياسي" مما يؤكد صحة الفرضية الخامسة، والتي ترى أن مأسسة التحليل السياسي في عملية صُنع القرار الأردني تسهم في تعزيز القدرة على التصدي لتداعيات الصراعات والمُعضِلات الأمنية الإقليمية، ويؤدي إلى استدامة استقرار الأردن وأمنه الوطني.
التوصيات
في ضوء النتائج التي تم التوصل إليها، تقترح الدراسة مجموعة من التوصيات العملية والعلمية، وعلى النحو الآتي:
التوصيات من الناحية العملية
- ضرورة تعزيز الاعتماد على منهجيَّة التحليل السياسي وتفعيلها كإطار مركزي في عملية صُنع القرار الأردني، وداعم لصانع القرار، وركيزة أساسية لتحقيق المصالح الوطنية الأردنية والأهداف المنشودة، خاصة في التصدي لتداعيات الصراعات والمُعضِلات الأمنية الإقليمية، وبما يعزز من استدامة استقرار الأردن وأمنه الوطني، وقد وضعت الدراسة توصيات عملية بهذا الخصوص، على النحو الآتي:
- مأسسة التحليل السياسي؛ من خلال إنشاء مؤسسة وطنية مختصة بالتحليل السياسي وتطبيقه في كافة مراحل عملية صُنع القرار في السياسة العامة الأردنية، وفي مختلف المجالات: السياسية، والعسكرية، والأمنية، والاقتصادية، والاجتماعية، وغيرها، وعلى كافة المستويات: المحلية، والإقليمية، والدولية، مقترحة الدراسة وسمه - على سبيل المثال – "المركز الوطني للتحليل السياسي"؛
ليكون بمثابة "بنك بيانات ومعلومات" ومركزًا للفكر التحليلي، ومخزونًا استراتيجيًا للبدائل والحلول، ومظلةٍ تحليليةٍ تفاعليةٍ لكافة المدخلات والمخرجات والعملية التفاعلية للنظام السياسي الأردني، ويؤسس لبنية داعمة لعملية صُنع القرار، ضمن إطار مؤسسي علمي وعملي، ويتكامل مع جهود المؤسسات المشاركة والفاعلة في عملية صُنع القرار ويؤطرها، مثل: مجلس الأمن القومي، ومجلس السياسات الوطني، والمركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات؛ لتشكيل داعم محوري لعملية صُنع القرار السياسي ومدمج بها.
- توسيع نطاق دور ومشاركة المؤسسات الأكاديمية، ومراكز الفكر والأبحاث واستطلاعات الرأي العام في التحليل السياسي، بالإضافة إلى "الاستئناس" برأي "التكنوقراط" في كافة التخصصات والمجالات؛ في تقديم تحليلات ومقترحات في مختلف الأبعاد والمديات الزَمَكانية، في إطار منهج تحليلي علمي تكاملي يستدمج العناصر الجوهرية التي تصب في دعم عملية صُنع القرار واستدامة استقرار الأردن وأمنه الوطني.
- أهمية التكامل بين الفعل الاستباقي وردود الفعل في عملية صُنع القرار، من خلال تفعيل منظومة للإنذار المُبكر المبنية على الرؤية الاستشرافية؛ تجنبًا للبيئة الضاغطة، وبما يُمكن صانع القرار من التصدي للتحديات، خاصة أن الدلائل تؤكد صيرورة الصراعات والمُعضِلات الأمنية الإقليمية وتداعياتها وأنها آخذة في التصاعد على المدى القريب أو البعيد.
- عدم انتهاج "الحياد المفرط" تجاه الصراعات والمُعضِلات الأمنية الإقليمية، إذ إنّ التجارب أثبتت أن التداعيات الناجمة عنها تؤثر بشكل كبير ومباشر في الأردن، مما يستوجب التصدي لها وفق منهجيَّة قائمة على التحليل السياسي، واتخاذ خطوات استباقية مبكرة تحد من تعاظمها وتمنع تجذرها انطلاقًا من شرعية "الدفاع عن النفس".
- في إطار الدور الريادي للسياسة الخارجية الأردنية، وفي سياق محددات الواقع الأردني ومقوماته، تقترح الدراسة توصيات لتعزيز فاعليتها، على النحو الآتي:
- تمتين تحالفات الأردن الإقليمية والدولية، وتنويع علاقاته الخارجية؛ لتقليل الاعتماد على الأطراف التقليدية؛ مما يوسع من البدائل السياسية ويدعم مرونة القرار الأردني الخارجي.
- للتخلص من عائق محدد الموارد الطبيعية ومحدوديتها، خصوصًا المتعلقة بالطاقة والمياه؛ هناك أهمية لتسريع الانتقال إلى طاقة أكثر أمنًا واستقرارًا واستدامةً، والسير قدمًا في مشاريع الأمن المائي المُشار إليها في الدراسة، والعمل على وضع بدائل عملية تكاملية لتعزيز تلك الموارد وتوسيع آفاق أخرى لمعالجة هذه المشكلات المُزمنة.
- في ظل بروز "مخططات التهجير" والقضايا الأمنية المنبثقة عن "الشأن السوري" إحدى أخطر تداعيات الصراعات والمُعضِلات الأمنية الإقليمية تجاه استقرار الأردن وأمنه الوطني، تضع الدراسة عدة توصيات مختصة لمعالجة هذه الموضوعات، كما يلي:
- الاستمرار في استثمار كافة أدوات الأردن الدبلوماسية لتداعيات الصراعات والمُعضِلات الأمنية الإقليمية، خصوصًا المتعلقة بقضايا اللجوء والديموغرافيا والهوية الوطنية الأردنية، ومثال ذلك، مواجهة "مخططات التهجير" وتفنيد الروايات الإسرائيلية، وإبراز السردية الحقيقية بشأنها وبخصوص المخاوف من تصفية القضية الفلسطينية عبر الأداة الإعلامية، وبما يرفع من الوعي المجتمعي حول ذلك، ويندرج ذلك في توظيف الدور الإنساني الأردني في معالجة ملف اللجوء السوري أيضًا، وإلى جانب ذلك، تبرز ضرورة تمتين السردية الوطنية الأردنية، خاصة فيما يتعلق بالهوية الوطنية.
- دعم الوجود الفلسطيني داخل الأراضي الفلسطينية وإسناده، واستثمار مواقف المنُظمات الدولية والقرارات الدولية التي تُدين مخططات التهجير، وتعزز الشرعية القانونية لمواقف الأردن؛ إذ يشكل دوره التاريخي والقانوني في القضية الفلسطينية، خاصة الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، أداة فعالة تستند أساسًا إلى قرارات الشرعية الدولية وبنود معاهدة السلام؛ مما يوفر قاعدة قانونية راسخة تقوي الموقف الأردني.
- تفعيل "قرار فك الارتباط" وقوننته وإمكانية إدخال تعديلات عليه تواكب التطورات وتراعي المصلحة الوطنية العُليا، ومراجعة التشريعات الوطنية لمنع التوطين، وتسخير كافة الجهود السياسية والدبلوماسية لتحشيد الدعم الدولي لوكالة الأونروا ماليًا وسياسيًا لضمان استمراريتها، باعتبارها مرجعية دولية تضمن عدم إلغاء حَقَّي العودة وتقرير المصير.
- التداعيات التي شكلتها التطورات في سوريا والتحولات في مختلف اتجاهاتها؛ وليدة قضايا أمنية غير تقليدية وغير ثابتة و"هجينة" وتقودها دول وفواعل من غير الدول، سواء في الاتجار بالمخدرات والأسلحة وتهريبها أو في الإرهاب والتطرف؛
وعليه، فإن ذلك يتطلب التصدي لها ببدائل غير تقليدية أيضًا، والتعامل معها بأدوات متنوعة بهدف المحافظة على الإنجازات وتعزيز النجاحات المحققة، هذا بالإضافة إلى ضرورة توظيف التكنولوجيا الحديثة للتقليل من الأخطار ومراقبة القضايا الأمنية العابرة للحدود.
التوصيات من الناحية العلمية
اجتهدت الدراسة وسعت إلى معالجة إشكالية واسعة، من خلال البحث في مشكلة بحثية معينة، وقد أثمر جهدها عن تحليل أكبر قدر ممكن من الموضوعات المحددة وخلال فترة زمنية معينة، إلا أنه وبُحكم أن العلم والبحث العلمي تراكميان، فهناك العديد من الجوانب التي يمكن أن يقوم بها الباحثون في دراساتهم وأبحاثهم، لتقدم الدراسة التوصيات الآتية:
- تتطلب موضوعات الدراسة إجراء أكثر من بحث، مما يدفع إلى ضرورة تنفيذ دراسات مُوسعة ومُعمقة حول التداعيات المتعددة للصراعات والمُعضِلات الأمنية في إقليم الشرق الأوسط، و/أو متابعة التداعيات التي تناولتها الدراسة في أزمان أخرى مستقبلًا، مع إمكانية توظيف مدارس فكرية أخرى، واستخدام نماذج تحليلية غير التي استخدمتها الدراسة، أو استخدامها ذاتها في موضوعات أخرى.
- تعزيز الدراسات السياسية المتخصصة في دعم عملية صُنع القرار في السياسة الخارجية الأردنية، في إطار منهجي علمي يركز على المحاكاة وتحليل ردود الفعل المحتملة والمترتبة على القرارات.
- إجراء أبحاث متخصصة تُعنى بتحليل التحديات المُزمنة والمستجدة في الموارد الحيوية، وفي مقدمتها الأمن المائي والطاقة؛ مما يعزز من تكامل العلوم - الجيولوجيا والاقتصاد - وغيرها من العلوم ذات الصلة بالعلوم السياسية والموضوعات التي بحثت فيها الدراسة؛ بهدف تقديم حلول واقتراح توصيات علمية تكاملية لمعالجتها، وتُعظِّم القوة الوطنية الأردنية الشاملة، بما يضمن استقلالية القرار الأردني، والحد من الاعتماد على الخارج، وفقًا لرؤية علمية مبنية على رؤى عدة تخصصات علمية.
- برز "النموذج الشبكي-العُقدي لتحليل تداعيات الصراعات والمُعضِلات الأمنية" ابتكارًا واستحداثًا علميًا هامًا وإضافة نوعية في التحليل السياسي، وقد أثبت فاعليته من خلال تطبيقه في الدراسة؛ لذا من الضروري الاستناد إليه في دراسات وموضوعات أخرى بشكل موسع، وإمكانية تطويره وتحسينه.
تنويه:
- تعبّر الآراء الواردة في هذا البحث عن وجهة نظر صاحبها.
- يمكن الاطلاع على البحث كاملًا عبر هذا الرابط.
- ترسل رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه إلى العنوان التالي: ajcs-publications@aljazeera.net
- النشر في باب "أطروحات جامعية" لا يحول دون قيام الباحثين بنشر رسائلهم وأطروحاتهم في أماكن أخرى.