الأمير الوالد: شرعية الإنجاز الداخلي والاستقلالية الخارجية

أقام الأمير الوالد، حمد بن خليفة، سياسته على ركيزتين: الأولى هي كسب الولاء الداخلي من خلال شرعية الإنجاز، فنقل قطر إلى المراتب الأولى في المعيشة والأمن، والركيزة الثانية هي ضمان استقلالية قطر وقرارها من خلال جعلها دولة لا غنى عنها لمختلف القوى الدولية والإقليمية.
12 يوليو 2026
الأمير الوالد حمد: عهد من التحديث الداخلي والنفوذ الخارجي [Handout/Amiri Diwan]

أعلن الديوان الأميري القطري، الأحد، 12 يوليو/تموز 2026، عن رحيل الأمير الوالد، حمد بن خليفة آل ثاني، أمير قطر السابق، وعُدَّ رحيلُه خسارة وطنية، فهو أحد قادة قطر التاريخيين وأحد بناة نهضتها الحديثة. وقد شهدت قطر خلال فترة حكمه منذ 27 يونيو/حزيران 1995 إلى أن سَلَّم السلطة لابنه، الأمير تميم، في 2013، تحولاتٍ هائلة في الإنجازات الداخلية والخارجية، جعلت قطر الأولى في مراتب الدخل الفردي عالميًّا، وعقدةً مركزية رئيسية لا غنى عنها في التوازنات بين مختلف القوى الإقليمية والدولية المؤثرة في بيئتها الخارجية.

شرعية الإنجاز

أقام الأمير الوالد سياسته الداخلية على شرعية الإنجاز، كما توضح البيانات خلال فترة حكمه؛ فلقد نقل الناتج المحلي الاسمي (كل منتجات البلد خلال سنة) من 8 مليارات دولار في 1995 إلى 199 مليار دولار في 2013، فضاعفه بنحو 24 مرة، ونقل ناتج الفرد من 15-16 ألف دولار إلى 100 ألف دولار سنويًّا. وقد بلغت قطر قبل تنازله في مراتب الأمان المركز الأول في الشرق الأوسط والتاسع عشر عالميًّا حسب مؤشر السلام العالمي. وبلغت قوة الجواز القطري المركز 57 عالميًّا ليشمل نحو 71 وجهة عالمية دون تأشيرة. وجعل قطر تنتقل من مطار الدوحة القديم إلى مطار حمد الدولي الذي كان شبة مكتمل أثناء تسليم السلطة للأمير تميم؛ فلقد استقبل المطار الركاب في 2014، بعد عام من تنازل الشيخ حمد عن السلطة، وقد واصلت القيادة الجدية لقطر تطويره ليصل المرتبة الثانية عالميًّا والأولى في الشرق الأوسط، قبل أن تنسحب الخطوط القطرية من تصنيف سكاي تراكس، في 2026. وقد نقل الأمير الوالد قطر أيضًا من جامعة واحدة إلى تأسيس مؤسسة قطر التي ضمَّت جامعات دولية مرموقة مثل فرجينيا كومنولث وويل كورنيل للطب وتكساس وكارنيجي ميلون وجورج تاون ونورث ويسترن والمدرسة العليا للتجارة بباريس. وفي بداية عهده كانت هناك ثلاثة مستشفيات، هي مستشفى الرميلة ومستشفي حمد العام ومستشفى النساء، فأضاف لها مركز الأمل لعلاج السرطان، ومستشفى الخور في 2005، ومستشفى القلب في 2011، ومستشفى الوكرة في 2012، والمستشفى الكوبي في 2012، فنقل البلد من ثلاثة مرافق طبية إلى 8 خلال حكمه. كما بدأ في عهده مشروع مستشفى السدرة للطب، المختص في الأطفال واليافعين والمرأة، ودخل المستشفى الخدمة خلال الفترة التالية على تنازله عن الحكم.

مهَّد أيضًا قبل تنازله عن الحكم لإطلاق مشاريع تحضير الملاعب والبنية التحتية لتنظيم النسخة الثانية والعشرين لكأس العالم التي فاز بتنظيمها في 2010، وقد أطلق هذا الحدث نشاطًا عمرانيًّا وتسويقيًّا وتجاريًّا استثنائيًّا، ظلَّ متواصلًا إلى أن انعقد كاس العالم في 2022.

منحت هذه الإنجازات القطريين خاصة والوافدين شعورًا بالرضا عن أحوالهم المعيشية والفخر بالانتماء إلى بلد ينافس دول العالم في المستوى المعيشي والشعور بالأمان والتقدير الخارجي.

دولة لا غنى عنها

نَهَجَ الأمير الوالد سياسة خارجية تدعم السياسة الداخلية وتكملها في نفس الوقت، وترتكز أساسًا على الاستقلالية في القرار من خلال ترتيبات تجعل مختلف القوى الإقليمية والدولية تجد صعوبة بالغة في الاستغناء عن قطر. وقد عوَّض هذا الدور الحدود الهيكيلية التي تتصف بها قطر، مثل صغر المساحة النسبي وقلَّة عدد السكان وشُحِّ الموارد الزراعية.

يمكن إيجاز الصيغة الإستراتيجية القطرية في الحرص على إقامة علاقات مع مختلف القوى المؤثرة في البيئة القطرية لتكون حصيلتها حرص هذه القوى على استقلالية القرار القطري لأن تكاليفه وعوائده أفضل لها من محاولة الهيمنة عليه أو ترك القوى المناوئة تهيمن عليه. توجد أمثلة لدول أخرى أقامت مثل هذه الترتيب لكن حسب منطق موقعها الجغرافي والقوى المحيطة بها ونوعية مواردها. يبرز مثال سويسرا التي تمكنت من حماية استقلالها رغم الاضطرابات الشديدة التي مرَّت عليها خلال تاريخها مثل الحربين العالميتين، لأن مختلف القوى المتصارعة فضَّلت صيانة استقلالية سويسرا لأنه أقل تكلفة وأفضل عائدًا من انتهاكه.

حرص الأمير الوالد على تنمية علاقات متوازنة مع الدول الإقليمية الرئيسية، مثل السعودية وإيران، ومع القوى الدولية، مثل الولايات المتحدة والصين، رغم أن علاقات السعودية والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى كانت تشهد فترات من التوتر الشديد، إلا أن حسابات الأمير حمد كانت التفريق بين التوترات المؤقتة والتوازن العام الذي يتأثر بقوة الجذب الإيرانية لأنها ناتجة عن كتلة كبيرة من الموارد في موقع مركزي، علاوة على أن قطر وإيران ترتبطان بمصلحة استغلال حقل الغاز المشترك. وقد عمل أيضًا على بناء علاقة متينة مع تركيا لأنها مركز جذب إقليمي لا يمكن تفادي تأثيراته.

كانت السياسة الملائمة لهذا التوازن هي الوساطة، لأنها تعمل على تسوية النزاعات التي قد تؤدي إلى تصادم هذه القوى الرئيسية، فتؤدي إلى حدوث اضطرابات قد تؤثر على استقرار قطر وتضعها تحت ضغوط هائلة قد تحدُّ من هامش تحركها الخارجي. تتصدر قائمة الوساطات، الوساطة بين حماس وإسرائيل في جولات القتال بينهما، وهو نزاع يهم الولايات المتحدة لأنه مرتبط بحليفتها، إسرائيل، ويهم إيران لأنه يرتبط بحليفتها، حماس، ويهم الفلسطينيين لأنه يخفف معاناتهم.

الركيزة الثانية في جعل القوى المتخاصمة تتفق على استقلال قطر هي تصدير الغاز؛ لأن قوى عديدة رئيسية تعتمد على استيراده سواء في نموها الاقتصادي أو أمنها القومي، نذكر منها الصين واليابان وكوريا الجنوبية والهند، هذه في آسيا، أما في أوروبا، فألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا. وهي دول أساسية في الاقتصاد العالمي وفي قاراتها، ويملك ثلاث منها حق النقض في مجلس الأمن. هذا الاعتماد على الغاز القطري يجعلها تحرص على استقرار قطر واستقلال قرارها، لأن كل اضطراب لأوضاع قطر سيؤثر سلبيًّا عليها، وكل محاولة من قوى معادية للهيمنة على القرار القطري قد تحرمها من الغاز القطري. يتضح هذا التوازن في المصالح في ارتكازه على كتلتين، هما آسيا من جهة وأوروبا من جهة أخرى، ثم داخل كل كتلة بين الصين من جانب والهند واليابان وكوريا الجنوبية من جانب آخر.

هذا التوازن جعل حسابات مختلف القوى المؤثرة في البيئة المحيطة في قطر تتوصل إلى نتيجة أنها ترضى باختلاف قطر معها في عدد من القضايا لأنه الثمن المقابل لتوافُقِها معها في قضايا أخرى. سلَّمت الويلايات المتحدة بتمسك قطر بعلاقتها الحسنة مع إيران لأنها لا تريد خسارة شراكتها الإستراتيجية معها، وسلَّمت إيران بشراكة قطر الإستراتيجية مع الولايات المتحدة لأنها لا تريد خسارة شريك خليجي يدعو باستمرار إلى الحوار الخليجي-الإيراني. هذا التوازن الدقيق منح قطر هامش مناورة معتبرًا، جعلها تلعب أدوارًا رئيسية في أهم قضايا منطقة الشرق الأوسط، وأتاح لها اتخاذ مواقف مستقلة عن شركائها، مثل تنديدها بالجرائم الإسرائيلية في فلسطين، رغم أن إسرائيل هي الحليف الرئيسي للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط، وأتاح لها توفير مساحة لقناة الجزيرة لنقل الانتهاكات الأميركية في العراق وأفغانستان والانتهاكات الإسرائيلية في فلسطين.

رهان الاستمرارية

رسم الأمير الوالد الاتجاهات الرئيسية للسياسة القطرية الداخلية والخارجية، وقد وفر لها عوامل الاستمرار بتنازله عن الحكم ونقله لابنه، الأمير تميم، الذي يتبنَّى نفس الإستراتيجيات، وأكمل منذ توليه الحكم إتمام ما مهَّد له والده. وقد أثبتت هذه السياسات الداخلية والخارجية فاعليتها في لحظة الشدة، مثل حصار 2017، عندما التفَّ القطريون والوافدون حول القيادة القطرية، رغم محاولات إحداث شروخ داخل المجتمع القطري، ووفرت مسارات برية وبحرية عاجلة لإمداد قطر بما تحتاجه من السلع الضرورية بل الكمالية، بينما سارعت تركيا في الوقوف العسكري إلى جانب قطر حتى تردع كل محاولة للنَّيْل من استقرارها ووحدتها وسيادتها. كذلك، فشلت محاولات عزل قطر خارجيًّا لأن غالبية القوى الأوروبية والآسيوية رأت مصلحتها في الدفاع عن استقرار قطر وصيانة استقلاليتها.

نبذة عن الكاتب