موضوع الدراسة:
دفع التصاعد في الخلاف بين دولتي المغرب والجزائر إلى تعزيز حالة التنافس بين البلدين في إطار محيطهما الإقليمي والدولي، بما يضمن لكل منها تفوقاً على الآخر، وتحقيق الريادة الإقليمية، وتأمين وتعزيز المصالح والموارد، وهو الأمر الذي زاد المشهد تعقيدًا، وظهر في تحركاتهما تجاه القارة الإفريقية. وتتجلى ملامح التنافس بين البلدين في القارة الإفريقية في عدة أقاليم، بدءً من غرب إفريقيا، حيث يسعى المغرب إلى توسيع حضوره السياسي والاقتصادي؛ من خلال شراكات استراتيجية واستثمارات ضخمة، مرورًا بمنطقة شمال إفريقيا والتي تسعى فيها الجزائر إلى لعب دور المهيمن العسكري والسياسي، وتعمل على تقديم نفسها كداعم رئيس في محاربة الإرهاب وحفظ الاستقرار في الساحل الإفريقي، فيما يعتمد المغرب على توسيع شبكة علاقاته الدبلوماسية على مستوى الاتحاد الإفريقي واستقطاب دعم دولي لقضاياه، وخاصة قضية الصحراء.
ومنذ تسعينات القرن الماضي، انتقلت حالة التنافس إلى منطقة الساحل، وتحديدًا مع تصاعد الأزمات الأمنية، وتنامي نفوذ الجماعات المسلحة، وتزايد المخاطر المتعلقة بالإرهاب والجريمة المنظمة، حيث تزايدت أهمية المنطقة استراتيجيًا لكلا البلدين، وهو ما تزامن مع تصاعد حالة التنافس الدولي، لتصبح المنطقة أرضية خصبة للتنافس بينهما، حيث ركز المغرب، من خلال سياسته الخارجية القائمة على الاقتصاد والدبلوماسية الناعمة على إقامة شراكات تنموية، إلى تقديم نفسه كدولة مستقرة، لديها نموذجًا اقتصاديًا واجتماعيًا لدول الساحل، بينما ركزت الجزائر على أبعاد أمنية وعسكرية أكثر وضوحاً، مرتكزةً على خبراتها العسكرية في مكافحة الإرهاب، وتاريخها في دعم حركات التحرر ضد الاستعمار، بما يمكنها من لعب دور رئيس في تشكيل سياسات الأمن الإقليمي في المنطقة.
وبالتالي أسهمت هذه الأشكال المختلفة من التنافس في تعميق الانقسامات داخل دول الساحل الإفريقي نفسها، حيث أصبح دعم إحدى الدولتين بمثابة تقليص فرص التحالف مع الأخرى، على سبيل المثال، بعض دول الساحل، كموريتانيا، تتبنى مواقف موازنة بين الطرفين، فيما تسعى دول أخرى كتشاد إلى استغلال هذا التنافس لتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية.
وانعكست هذه التنافسية بين المغرب والجزائر أيضاً في شكل مبادرات متناقضة وأحياناً متقاطعة على مستوى المساعدات الإنسانية والتنموية، والتعاون في مكافحة الإرهاب، مما أدى إلى تعددية في المبادرات الإقليمية التي قد تكون في بعض الأحيان سبباً في إضعاف التنسيق الفعّال بين دول الساحل الإفريقي في مواجهة التحديات المشتركة، ليسهم هذا المشهد المركب في تأجيج حالة عدم الاستقرار بالمنطقة، حيث أصبحت دول الساحل غير قادرة على تبني استراتيجية موحدة لمواجهة أزماتها نتيجة الضغوط الخارجية والتنافس بين الفاعلين الإقليميين، والذي لا يزال مرشحًا للتصاعد، خاصة مع استمرار وتصاعد التوتر بين البلدين وتنامي التحديات الأمنية والاقتصادية في المنطقة.
مشكلة الدراسة:
على الرغم من الأهمية الجيوسياسية التي تتمتع بها منطقة الساحل ودورها المحوري في استقرار شمال وغرب إفريقيا، فإنها أصبحت منذ عام 1999 إحدى الساحات الرئيسة للتنافس الإقليمي بين المغرب والجزائر، حيث يوظف كل منهما محدداته الداخلية وأدواته السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية لتعزيز نفوذه داخل الإقليم، وقد امتدت آثار هذا التنافس لتشمل مختلف القضايا السياسية والاقتصادية والأمنية في منطقة الساحل الإفريقي، في ظل تزايد تأثير الأطراف الإقليمية والدولية في إعادة تشكيل موازين القوى داخل المنطقة.
ورغم تزايد الأدبيات التي تناولت العلاقات المغربية-الجزائرية أو أوضاع منطقة الساحل، فإن العلاقة بين محددات التنافس وأدواته وأبعاده، ودور الأطراف الخارجية في توجيه مساراته داخل منطقة الساحل، ما تزال بحاجة إلى دراسة تحليلية متكاملة، ومن ثم، تتمثل المشكلة البحثية في محاولة تفسير الكيفية التي أسهمت بها محددات التنافس المغربي-الجزائري، والأدوات التي وظفها الطرفان، والقضايا التي يدور حولها هذا التنافس، إلى جانب مواقف الأطراف الخارجية، في تشكيل ديناميات التنافس داخل منطقة الساحل منذ عام 1999، وانعكاسات ذلك على استقرار الإقليم. ومن ثم فإن التساؤل البحثي الرئيسي، هو: كيف أثر التنافس المغربي-الجزائري منذ عام 1999 على طبيعة العلاقات في منطقة الساحل؟
وينبثق عن هذا التساؤل تساؤلات فرعية:
- ما هي محددات التنافس بين المغرب والجزائر في منطقة الساحل؟
- ما أهم الأدوات والمظاهر التي اتبعها كلاً من المغرب والجزائر لتعزيز نفوذهما في منطقة الساحل؟
- ما هي قضايا التنافس المغربي - الجزائري في منطقة الساحل؟
- ما هي مواقف الأطراف الدولية ودول الساحل من هذا التنافس؟
أهمية الدراسة:
تتجلى الأهمية العلمية لهذه الدراسة في إسهامها في تعميق الفهم النظري للتنافس المغربي-الجزائري في منطقة الساحل، ويمكن توضيح ذلك على النحو الآتي:
- إثراء الفهم العلمي لديناميكيات التنافس الإقليمي في منطقة الساحل، من خلال تناول التفاعلات بين المغرب والجزائر في إطارها السياسي والأمني والدبلوماسي، بما يسهم في توسيع المعرفة المتعلقة بأنماط التنافس الإقليمي وانعكاساته على الاستقرار والأمن.
- الإسهام في تطوير الأطر النظرية المفسرة للنزاعات الإقليمية، عبر تقديم معالجة تجمع بين الأبعاد السياسية والأمنية والدبلوماسية والمؤسسية.
- سد جانب من الفجوة البحثية في الأدبيات العربية المتعلقة بالتنافس المغربي-الجزائري في منطقة الساحل، في ظل محدودية الدراسات التي تناولت هذا الموضوع بصورة متكاملة.
- توضيح الترابط بين التنافسات الإقليمية وأوضاع الاستقرار في دول الجوار، من خلال إبراز الكيفية التي تمتد بها آثار التنافس إلى البيئة الإقليمية المحيطة، مما يضيف بعدًا تفسيرياً لفهم التفاعلات الأمنية والسياسية في منطقة الساحل.
- دعم صانعي القرار بتحليلات علمية تساعد على فهم انعكاسات التنافس المغربي - الجزائري على الاستقرار الإقليمي وشبكة التحالفات في منطقة الساحل.
- توفير أساس علمي يمكن الاستناد إليه عند بلورة سياسات ومقاربات للتعامل مع التحديات الأمنية والسياسية الناجمة عن التنافس الإقليمي.
- إبراز مجالات التعاون الممكنة بين المغرب والجزائر بما يسهم في دعم المبادرات الرامية إلى الحد من التوترات وتعزيز الاستقرار الإقليمي.
- تقديم رؤية تطبيقية للعلاقة بين التنافس الإقليمي وتصاعد تهديدات الإرهاب والجريمة المنظمة، بما يفيد في تطوير سياسات أكثر تنسيقًا لمواجهة التحديات الأمنية العابرة للحدود.
الإطار المكاني والزماني للدراسة:
الإطار المكاني: يتمثل في منطقة الساحل الإفريقي.
تثير هذه المنطقة إشكالية تعريفية في الأدبيات السياسية والجغرافية بسبب تباين تحديد حدودها تبعًا للاعتبارات التاريخية والجيوسياسية؛ إذ تُعرَّف أحيانًا بوصفها حزام التماس بين شمال إفريقيا وإفريقيا جنوب الصحراء، وأحيانًا أخرى وفق نطاق جغرافي يمتد بين خطي عرض 12° و22°، مع اختلاف حول الدول الداخلة ضمنه تبعًا للمقاربات البحثية أو التنظيمات الإقليمية. وإزاء هذا التباين، يتبنى الباحث تعريفًا مكانيًا ضيقًا للساحل يقتصر على دول: السنغال، وموريتانيا، ومالي، وبوركينا فاسو، والنيجر، وتم إضافة نيجيريا، وتشاد بما يخدم متطلبات التحليل في الدراسة، وتشير الخريطة رقم (1) لموقع المغرب والجزائر بالنسبة لمنطقة الساحل الإفريقي.
خريطة رقم (1)
موقع المغرب والجزائر في إطار منطقة الساحل الإفريقي

الإطار الزماني:
تتمثل نقطة البداية الزمنية للموضوع في عام 1999، حيث تزامن تولي "الملك محمد السادس" مقاليد الحكم في المغرب في هذا العام مع تولي الرئيس الراحل "عبد العزيز بوتفليقة" السلطة في الجزائر، حيث بدأت تظهر استراتيجيات جديدة لكلا البلدين، بهدف تحقيق التفوق الإقليمي في القارة الإفريقية ككل، مع التركيز بشكل خاص على منطقة الساحل.
منهج الدراسة:
تستخدم الدراسة "منهج المصلحة الوطنية"، بوصفه أحد المفاهيم المحورية في النظرية الواقعية الكلاسيكية، بهدف تفسير طبيعة التنافس المغربي - الجزائري في منطقة الساحل، وينطلق هذا المنهج من افتراض أن المصلحة الوطنية تمثل الغاية العليا للسياسة الخارجية، وأن سلوك الدولة الخارجي يُصاغ ويُوجَّه وفقًا لأولوياتها الاستراتيجية وتقديرها لمصادر القوة والتهديد.
وفي إطار هذه الدراسة، يُعد منهج المصلحة الوطنية الأداة الأنسب لتحليل التنافس المغربي - الجزائري في الساحل الإفريقي، نظرًا لما تتسم به سياسات الدولتين من ديناميكية وتباين في الأهداف والأدوات تبعًا لأولويات كل منهما داخل الإقليم، كما يتيح قياس درجة كثافة الانخراط الاستراتيجي، وفهم أنماط السلوك الخارجي، فضلًا عن توفير إطار مقارن يسمح بتحليل تفاعلات دولتين في سياق إقليمي واحد، سواء اتسمت العلاقة بينهما بالتنافس أو التقاطع المرحلي في المصالح.
وتعرف "المصلحة الوطنية" لغويًا، وفق القاموس الفرنسي: "Le Petit Larousse" كلمة "intérêt" بأنها "كل ما يحقق الفائدة، أو ما يرتبط مباشرة بتحقيق الأفضلية"، بينما تعرفها الموسوعة العلمية "The ENCARTA: "المصلحة الوطنية: شيء يعود بالنفع على الأمة، وتشمل الأفعال، والظروف، والقرارات التي تعتبر مفيدة لأمة معينة.
-(National interest: Thing of benefit to nation, Actions, Circumstances, and decisions regarded as benefiting aparticular nation)
وهناك مجموعة من المفاهيم التي صاغها رواد هذا المنهج:
أولى رواد المدرسة الواقعية اهتمامًا بالغًا بمصطلح "المصلحة الوطنية"، كونه أداة تحليل رئيسية لرسم وفهم السياسات الدولية:
- جيمس روزنو: أداة تحليلية تعتبر وسيلة تستخدم في وصف وشرح وتقويم مصادر وكفاءة السياسة الخارجية لدولة ما، أما كونها أداة للعمل السياسي توظف لتبرير واستنكار أو اقتراح سياسة ما.
- هانس مورغنثو: القوة المرتبطة بقضية البقاء القومي.
- صامويل هنتنغتون: المصلحة الوطنية يستلزم انسجامها مع طبيعة الدولة والتي تحدد مصلحتها حسب هويتها، والمصلحة الوطنية هي الأفضل أو الغالب لدى الأمريكيين يبذل في سبيل الدفاع عنها الدم والمال وعادة ما تجمع الوطنية ما بين الأمن والمصالح المادية من جهة والأخلاق من جهة أخرى.
- هايم شيكد: هي مواصلة الحفاظ على استقلال الدولة مع مؤسساتها وحماية قيمها وتحقيق الرفاهية.
- جاك بلانو: مفهوم عام يمتد للعناصر التي تتعلق بالحاجات الرئيسية للدولة، فهو يشمل بقاء الدولة والاستقلال وسلامة الإقليم والأمن والرفاهية الاقتصادية.
- دونالد نوشترلين: الحاجات والرغبات المتصورة لدى دولة مستقلة وعلاقاتها بالدول الأخرى المستقلة والتي تشكل بيئتها الدولية.
_ أنواع المصلحة الوطنية:
يقدم دونالد نوشترلين تقسيماً لأنواع المصلحة الوطنية يتوافق مع أهدافها:
1. المصلحة الدفاعية: تتعلق بحماية الدولة ومواطنيها من أي تهديد عنيف من طرف خارجي، سواء لسلامتها وسلامة مواطنيها المادية، أو لاستقرار نظامها السياسي.
2. المصالح الاقتصادية: تتعلق بتعزيز الرفاهية الاقتصادية لشعب في علاقاتها بالدول الأخرى، لتحقيق معدلات نمو جيدة.
3. النظام الملائم (العالمي/ إقليمي): تتعلق بتعزيز نظام سياسي أو اقتصادي عالمي، تشعر فيه الدولة بالأمن ويمكن الدولة من العمل سلميًا في إطاره.
4. تعزيز القيم (الأيديولوجية): وتتعلق بحماية وتعزيز منظومة القيم الذي يعتنقها مواطنو الدولة، ويعتقدون صلاحية هذه المنظومة القيمية على المستوى العالمي.
وتختلف أنواع المصلحة الوطنية لكل دولة في درجة أولوياتها، والتي حددها دونالد نوشترلين بـ 4 أقسام:
- "مصيرية survival": وتعنى وجود خطر داهم يهدد بقاء الدولة ذاتها، وتتطلب اتخاذ إجراءات قوية فورية بما فيها العمل العسكري.
- "حيوية vital": وتعنى وجود ضرر كبير محتمل يهدد أمن ورفاهية سكان الدولة ويتطلب اتخاذ إجراءات قوية بما فيها العمل العسكري ولكن لا تجد الدولة نفسها مضطرة لاتخاذ هذه الإجراءات في وقت قصير من الزمن.
- "کبري major": وتعنى وجود ضرر كبير محتمل يهدد أمن ورفاهية سكان الدولة مالم يتم اتخاذ إجراء لتغيير الظروف غير الملائمة في البيئة الخارجية للدولة.
- "صغرى أو هامشية minor peripheral": وتعنى احتمال وجود ضرر قليل أو عدم وجود ضرر إذا لم تتخذ الدولة أي إجراء واتبعت سياسة الترقب والانتظار.
الإطار المفاهيمي:
تتناول الدراسة المفاهيم الأساسية المرتبطة بموضوع التنافس المغربي - الجزائري في منطقة الساحل الإفريقي، وفي مقدمتها مفهوما التنافس والصراع، لما لهما من أهمية في تفسير طبيعة التفاعلات الإقليمية، مع توضيح أوجه التداخل والاختلاف بينهما، وصولًا إلى تحديد المقصود بكل منهما إجرائيًا في هذه الدراسة.
مفهوم التنافس:
يُشتق مفهوم التنافس في اللغة العربية من كلمة "نَفَسَ"، ويُقصد به التسابق إلى الشيء المرغوب فيه، والرغبة في الظفر به، أما في الاصطلاح، فقد تعددت تعريفاته تبعًا لاختلاف الحقول المعرفية التي تناولته، إذ يكتسب دلالات متباينة وفقًا للسياق الذي يُوظف فيه، سواء في الاقتصاد أو العلوم السياسية أو علم الاجتماع أو الدراسات الاستراتيجية.
وبوجه عام، يُعرف التنافس بأنه حالة من التفاعل بين طرفين أو أكثر، يسعى كل منهم إلى تعظيم مصالحه أو تحقيق أهدافه أو تعزيز نفوذه في مجال معين، في ظل وجود مصالح متعارضة أو موارد محدودة، ومن دون أن يستلزم ذلك بالضرورة اللجوء إلى المواجهة المباشرة، ومن ثم، يُمثل التنافس نمطًا من أنماط التفاعلات الدولية يقع بين التعاون والصراع، إذ يجمع بين التباين في المصالح واستمرار التفاعل بين الأطراف، مع بقاء احتمالات التعاون أو التصعيد قائمة وفقًا لطبيعة البيئة المحيطة.
قدمت أدبيات العلاقات الدولية تفسيرات متعددة لظاهرة التنافس الدولي، استنادًا إلى اختلاف منطلقات المدارس النظرية وافتراضاتها بشأن طبيعة النظام الدولي وسلوك الدول، وفي هذا السياق، تتناول الدراسة أبرز مرتكزات كل من الاتجاه الواقعي والاتجاه الليبرالي في تفسير ظاهرة التنافس الدولي.
الاتجاه الواقعي في تفسير التنافس الدولي:
ينطلق الاتجاه الواقعي من افتراض رئيس يتمثل في أن التنافس يمثل سمة ملازمة للعلاقات الدولية، باعتبار أن النظام الدولي يقوم على حالة من الفوضى الناجمة عن غياب سلطة مركزية عليا قادرة على تنظيم سلوك الدول أو ضمان أمنها، وفي ظل هذه البيئة، تصبح الدولة الفاعل الرئيس في العلاقات الدولية، وتسعى إلى الحفاظ على بقائها وتعظيم مصالحها الوطنية من خلال تنمية عناصر قوتها السياسية والعسكرية والاقتصادية.
ومن بين أبرز رواد هذا الاتجاه "هانز مورجنثاو"، و"كينيث والتز"، إذ يرى الأول أن السياسة الدولية ليست سوى صراع مستمر من أجل القوة، إذ تمثل المصلحة القومية المحددة بمفهوم القوة المحرك الأساسي لسلوك الدول، بينما يؤكد "والتز" أن البنية الفوضوية للنظام الدولي تدفع الدول إلى الاعتماد على قدراتها الذاتية لضمان أمنها، الأمر الذي يجعل التنافس نتيجة طبيعية لاختلاف المصالح وتباين موازين القوى بين الوحدات الدولية.
ويفسر الاتجاه الواقعي التنافس الدولي باعتباره وسيلة تسعى من خلالها الدول إلى تعظيم مكاسبها النسبية ومنع المنافسين من تحقيق تفوق قد يخل بتوازن القوى القائم؛ ومن ثم، فإن الدول لا تنظر إلى التعاون بوصفه غاية في ذاته، وإنما تقيسه بمدى انعكاسه على مصالحها وأمنها القومي، ومدى تأثيره في موازين القوة مع الدول الأخرى، ويؤدي هذا الإدراك إلى استمرار سباقات التسلح، وتكوين التحالفات، والتنافس على مناطق النفوذ والموارد الاستراتيجية، باعتبارها أدوات رئيسة لتعزيز المكانة الدولية.
كما تؤكد "الواقعية الجديدة" أن طبيعة النظام الدولي، وليس فقط خصائص الدول، هي التي تفرض هذا السلوك التنافسي، إذ يدفع غياب الثقة بين الدول إلى تبني سياسات الاعتماد على الذات، بما يجعل التنافس سلوكًا مستمرًا حتى في فترات الاستقرار النسبي.
وفي ضوء هذه المرتكزات، يوفر الاتجاه الواقعي إطارًا تحليليًا مناسبًا لفهم أنماط التنافس الإقليمي، إذ يفسر سعي الدول إلى توسيع نفوذها وتعزيز مكانتها في البيئات الإقليمية التي تشهد تداخلًا في المصالح وتعددًا في التهديدات.
ومن هذا المنطلق، يمكن تفسير التنافس المغربي - الجزائري في منطقة الساحل الإفريقي بوصفه امتدادًا لمنطق تعظيم القوة وحماية المصالح الاستراتيجية، حيث يسعى كل طرف إلى توسيع حضوره السياسي والأمني والدبلوماسي، وتعزيز شبكة تحالفاته الإقليمية، بما يحافظ على مكانته ويحد من تنامي نفوذ الطرف الآخر.
وبذلك، ينظر الاتجاه الواقعي إلى هذا التنافس باعتباره انعكاسًا لطبيعة النظام الدولي والإقليمي، أكثر من كونه نتاجًا لعوامل داخلية أو اعتبارات أيديولوجية، وهو ما يجعله من أكثر الاتجاهات قدرة على تفسير التفاعلات المرتبطة بموضوع هذه الدراسة.
الاتجاه الليبرالي في تفسير التنافس الدولي
ينطلق الاتجاه الليبرالي من رؤية مغايرة للاتجاه الواقعي في تفسير التنافس الدولي، إذ يفترض أن العلاقات الدولية لا تقتصر على الصراع والمنافسة على القوة، وإنما تتضمن أيضًا فرصًا للتعاون وتحقيق المصالح المشتركة.
ويرى أنصار هذا الاتجاه أن الدول، رغم سعيها إلى حماية مصالحها الوطنية، تدرك أن تحقيق هذه المصالح قد يكون أكثر فاعلية من خلال التعاون والاعتماد المتبادل، لا سيما في ظل تزايد الترابط الاقتصادي والتجاري وتنامي دور المؤسسات الدولية، كذلك لا يقتصر هذا الاتجاه على اعتبار الدولة الفاعل الوحيد في العلاقات الدولية، بل يمنح أهمية متزايدة للمنظمات الدولية، والشركات متعددة الجنسيات، والمؤسسات الاقتصادية، وغيرها من الفواعل غير الحكومية التي تؤثر في طبيعة التفاعلات الدولية.
ويؤكد رواد هذا الاتجاه، وفي مقدمتهم روبرت كيوهين وجوزيف ناي، أن التنافس لا يتعارض بالضرورة مع التعاون، بل يمكن أن يتزامن معه في إطار قواعد ومؤسسات دولية تنظم العلاقات بين الدول وتحد من احتمالات التصعيد.
ومن هذا المنطلق، تنظر الليبرالية إلى المؤسسات الدولية باعتبارها أدوات لتقليل حالة عدم اليقين، وتعزيز الثقة، وخفض تكاليف الصراع، بما يسمح للدول بتحقيق مكاسب مطلقة من خلال التعاون، بدلًا من التركيز على المكاسب النسبية كما يرى "الاتجاه الواقعي"، كما تربط الليبرالية بين انتشار الديمقراطية، واحترام القانون الدولي، والانفتاح الاقتصادي، وبين بناء بيئة دولية أكثر استقرارًا، يكون فيها التنافس منظمًا ومحكومًا بقواعد قانونية ومؤسسية تحد من تحوله إلى صراع.
وفي ضوء هذه المرتكزات، يفسر الاتجاه الليبرالي التنافس الإقليمي بوصفه عملية يمكن إدارتها من خلال تعزيز التعاون المؤسسي، وتوسيع مجالات الاعتماد المتبادل، وتفعيل دور المنظمات الإقليمية والدولية في معالجة الخلافات، وانطلاقًا من ذلك، في حال النظر إلى التنافس المغربي - الجزائري في منطقة الساحل الإفريقي من منظور ليبرالي، فإنه سيكون حالة قابلة للاحتواء إذا ما توفرت أطر مؤسسية فاعلة، وآليات للتنسيق والتعاون في القضايا ذات الاهتمام المشترك، مثل: مكافحة الإرهاب، وإدارة الحدود، والتنمية الاقتصادية، والهجرة غير النظامية، حيث يرى الاتجاه الليبرالي أن تعزيز الحوار والتعاون المؤسسي من شأنه الحد من الآثار السلبية للتنافس، وتحويله إلى منافسة أكثر تنظيمًا بما يسهم في دعم الاستقرار الإقليمي، دون أن يلغي استمرار تباين المصالح بين الدول.
الصراع:
يُعد مفهوم الصراع أكثر المفاهيم ارتباطًا وتداخلًا مع مفهوم التنافس في أدبيات العلوم السياسية والعلاقات الدولية، إذ يشترك المفهومان في كونهما يعبران عن حالة من تعارض المصالح أو الأهداف بين طرفين أو أكثر، مع اختلافهما في درجة الحدة وطبيعة الوسائل المستخدمة.
يرى "جيمس وروبرت" أن الصراع يشير إلى وضع تنخرط فيه مجموعة من الأفراد أو الجماعات، سواء كانت قبلية أو عرقية أو لغوية أو ثقافية أو دينية أو اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية، في تعارض واعٍ مع مجموعة أو مجموعات أخرى، نتيجة سعي كل طرف إلى تحقيق أهداف متناقضة، أو تبدو كذلك.
ويعرّف "حسين قادري"، مفهوم الصراع بأنه حالة من الصدام بين طرفين أو أكثر، من القوى أو الأشخاص الطبيعيين أو الاعتباريين، يسعى فيها كل طرف إلى تحقيق أهدافه، مع العمل في الوقت ذاته على منع الطرف الآخر من تحقيق أهدافه، وذلك باستخدام وسائل متعددة قد تكون مباشرة أو غير مباشرة، سلمية أو مسلحة، ظاهرة أو كامنة.
ويذهب بعض الباحثين إلى النظر إلى الصراع باعتباره صورة متقدمة من صور التنافس، ومن أبرز رواد هذا الاتجاه "لويس كوزر"، إذ يرى أن الصراع يمثل تنافسًا على القيم والقوة والموارد، يكون الهدف فيه تحييد الخصوم أو إضعافهم أو الإضرار بهم لتحقيق المكاسب المنشودة.
ويتطور التنافس إلى صراع عندما تسعى الأطراف إلى تعزيز مراكزها على حساب الآخرين، أو تعمل على الحيلولة دون تحقيقهم لأهدافهم، أو تحييدهم وإقصائهم، بل وربما تدميرهم في بعض الحالات، كما قد يتخذ الصراع صورًا متعددة؛ فقد يكون عنيفًا أو غير عنيف، مستمرًا أو متقطعًا، قابلًا للإدارة أو خارجًا عن نطاق السيطرة، كما قد يكون قابلًا للحل أو غير قابل له وفقًا لطبيعة الظروف المحيطة.
خاتمة
في ضوء المعالجة التحليلية المتكاملة التي تناولتها هذه الدراسة عبر فصولها الأربعة، تتبلور صورة شاملة لطبيعة التنافس بين المغرب والجزائر في منطقة الساحل، باعتباره تعبيرًا عن تحول أعمق في أنماط التفاعل الإقليمي في شمال وغرب إفريقيا، ويكشف هذا التنافس عن بنية جيوسياسية مركبة لا يمكن اختزالها في إطار خلاف سياسي ثنائي، إذ تتأسس على منظومة متداخلة من المحددات البنيوية والاستراتيجيات المتباينة، أعادت تعريف الساحل بوصفه فضاءً لإعادة توزيع النفوذ وبناء الشرعية الإقليمية.
وتبرز نتائج الفصول الأربعة أن التنافس المغربي - الجزائري يتشكل داخل تفاعل معقّد بين تحولات المجال الجيوسياسي للساحل، وأنماط صنع القرار لدى الطرفين، وتباين المقاربات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب القضايا المباشرة محل التنافس وآليات إدارتها، كما يتضح أن هذا التنافس لا يتحرك بمعزل عن البيئة الإقليمية والدولية، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتموضعات قوى إقليمية ودولية تتعامل معه بوصفه متغيرًا ضابطًا للاستقرار، وتميل في الغالب إلى إدارته واحتواء تداعياته أكثر من السعي إلى تسويته.
وفي هذا السياق، تُمثّل هذه الخاتمة تثبيتًا لما استقر عليه التحليل من نتائج تتعلق بديناميات التنافس وانعكاساته على أنماط الانخراط الإقليمي ومسارات الاستقرار في منطقة الساحل، مع إبراز الفروق النسبية في فاعلية الأدوات التي يعتمدها كل من المغرب والجزائر في إدارة هذا التنافس، كما تفتح الخاتمة أفقًا استشرافيًا لمآلات هذا التنافس في ظل التحولات الجارية على المستويين الإقليمي والدولي، بما يتيح تقديم تقديرات تحليلية تسهم في فهم اتجاهات التوازنات الإقليمية وحدود تطورها خلال المرحلة المقبلة.
أولًا: النتائج
تتبلور النتائج التي خلصت إليها هذه الدراسة بوصفها محصلة تحليلية جرى بناؤها عبر أربعة فصول، تناولت التنافس بين المغرب والجزائر في منطقة الساحل منذ عام 1999، واستندت إلى تتبع تفاعلاته البنيوية وأدوات إدارته وانعكاساته الإقليمية، ومواقف الأطراف الخارجية، الأمر الذي أتاح استخلاص مجموعة من النتائج التحليلية التي توضّح طبيعة هذا التنافس ومساراته على النحو التالي:
1- محددات التنافس بين المغرب والجزائر في منطقة الساحل
تشير نتائج هذا الفصل إلى أن التنافس المغربي - الجزائري في منطقة الساحل يتحدد بمجموعة من المحددات الداخلية والخارجية التي تؤثر في الوجهات الخارجية للبلدين تجاه الإقليم، ويعكس اختلاف الخصائص الجغرافية والتاريخية والسياسية والاقتصادية والثقافية، إلى جانب تباين إدراكهما للتحولات الإقليمية، اختلاف مقارباتهما في إدارة النفوذ داخل المنطقة.
ويؤدي المحدد الجغرافي دورًا أساسيًا في تفسير طبيعة التفاعل المغربي - الجزائري مع منطقة الساحل، غير أن تأثيره يختلف لدى كل من البلدين؛ فالمغرب يوظف موقعه الجيوسياسي كبوابة بين أوروبا وإفريقيا لتعزيز حضوره الاقتصادي والدبلوماسي في دول الساحل وغرب إفريقيا، مستفيدًا من موقعه البحري وشبكة علاقاته الاقتصادية مع الأسواق الأوروبية، بينما يفرض الامتداد الحدودي المباشر للجزائر مع عدد من دول الساحل، وعلى رأسها مالي والنيجر، مقاربة تركز بدرجة أكبر على الاعتبارات الأمنية المرتبطة بحماية الحدود الجنوبية واحتواء التهديدات العابرة للحدود، مثل نشاط الجماعات المسلحة وتهريب السلاح والجريمة المنظمة.
ويمثل المحدد التاريخي عنصرًا مؤثرًا في تشكيل طبيعة الحضور المغربي والجزائري في إفريقيا عمومًا ومنطقة الساحل على وجه الخصوص؛ فالمغرب يستند إلى امتداد تاريخي طويل نحو غرب إفريقيا عبر شبكات التجارة الصحراوية والروابط السياسية والدينية، وهو ما يوفر للدبلوماسية المغربية رصيدًا يسهم في بناء العلاقات مع دول المنطقة، بينما يرتبط الحضور التاريخي للجزائر بإرثها الثوري ودورها في دعم حركات التحرر الإفريقية، الأمر الذي منحها مكانة سياسية داخل المشهد الإفريقي ومؤسساته الإقليمية. وبذلك يستند كل من البلدين إلى مرجعيات تاريخية مختلفة في بناء نفوذه داخل القارة الإفريقية.
وتمثل طبيعة النظام السياسي في كل من البلدين أحد المحددات في طبيعة التنافس بين البلدين في منطقة الساحل؛ ففي المغرب يتمركز صنع القرار بدرجة كبيرة داخل المؤسسة الملكية، بما يمنحها قدرًا من الاستمرارية والمرونة في إطلاق المبادرات السياسية والاقتصادية، بينما تتسم عملية صنع القرار في الجزائر بطابع مؤسسي تتداخل فيه أدوار القيادة السياسية مع المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، وهو ما يجعل مقاربتها تجاه الساحل أكثر ارتباطًا بالاعتبارات الأمنية والاستراتيجية المرتبطة بحماية الاستقرار الإقليمي.
ويمثل البعد الاقتصادي أحد المحددات المؤثرة في طبيعة الحضور المغربي - الجزائري في منطقة الساحل؛ فالمغرب يسعى إلى توسيع نفوذه عبر الاستثمارات والتعاون التنموي والدبلوماسية الاقتصادية، بما يسمح ببناء شبكة من المصالح الاقتصادية مع دول المنطقة، بينما يتركز الحضور الاقتصادي الجزائري بدرجة أكبر في مجالات الطاقة والتعاون الحكومي. وبذلك يعتمد المغرب على الدبلوماسية الاقتصادية وتوسيع الاستثمارات، في حين يظل الحضور الاقتصادي الجزائري أكثر ارتباطًا بتوظيف موارده الطاقوية.
وأظهرت الدراسة أن المحدد الثقافي يمثل أحد عناصر القوة الناعمة المؤثرة في طبيعة الحضور المغربي والجزائري في إفريقيا؛ فالمغرب يستند إلى روابط دينية وثقافية مع مجتمعات غرب إفريقيا والساحل، خاصة من خلال انتشار المذهب المالكي والطرق الصوفية، بينما يرتبط الحضور الثقافي الجزائري بدرجة أكبر بإرثه السياسي والثوري، دون الامتداد الديني والثقافي نفسه داخل المجتمعات المحلية في الساحل.
وعلى رأس المحددات الخارجية الحاكمة للسياسة الخارجية لكلا البلدين، تأتي قضية الصحراء بوصفها أحد المحركات الأساسية للتنافس داخل المشهد الإفريقي عمومًا ومنطقة الساحل خصوصًا؛ فالمغرب يسعى إلى توسيع حضوره الدبلوماسي والاقتصادي في إفريقيا بهدف تعزيز الدعم الإقليمي لموقفه من القضية وتأييد مبادرته للحكم الذاتي، بينما تدعم الجزائر جبهة البوليساريو وتتعامل مع القضية باعتبارها مسألة تتعلق بتصفية الاستعمار، وهو ما يدفعها إلى توظيف علاقاتها الدبلوماسية للحفاظ على حضور القضية في الأجندة الإفريقية.
ومن بين المحددات الخارجية أيضًا التحديات الأمنية في منطقة الساحل، وعلى رأسها انتشار الجماعات المسلحة والجريمة المنظمة والتهديدات العابرة للحدود؛ ففي حين يسعى المغرب إلى تعزيز تعاونه الأمني مع دول المنطقة في إطار مقاربة تجمع بين الأمن والتنمية، تنظر الجزائر إلى هذه التهديدات باعتبارها تحديًا مباشرًا لأمنها القومي، ما يدفعها إلى تكثيف حضورها الأمني والعسكري على حدودها الجنوبية وتعزيز التنسيق الأمني مع دول الجوار.
وأخيرًا، يمثل تصاعد التنافس الدولي في منطقة الساحل أحد العوامل الخارجية المؤثرة في طبيعة التفاعلات الإقليمية، ففي ظل تزايد حضور القوى الدولية وتنامي الاهتمام بموارد الإقليم وموقعه الجيوسياسي، يسعى المغرب إلى توظيف هذا السياق لتعزيز حضوره الاقتصادي والدبلوماسي داخل دول الساحل وغرب إفريقيا، بينما تسعى الجزائر إلى الحفاظ على موقعها كفاعل إقليمي رئيسي في قضايا الأمن والاستقرار في جوارها الجنوبي، مع موازنة التفاعلات الدولية بما يتوافق مع مصالحها الاستراتيجية.
2- أدوات التنافس المغربي_ الجزائري في الساحل الإفريقي
تشير نتائج هذا الفصل إلى أن التنافس المغربي - الجزائري في منطقة الساحل يتخذ طابعًا غير مباشر، ويعتمد على توظيف أدوات سياسية وأمنية واقتصادية لتعزيز النفوذ داخل المنطقة. ويعكس اختلاف هذه الأدوات تباينًا في تصور كل من المغرب والجزائر لدوره الإقليمي؛ إذ يميل المغرب إلى بناء نفوذ متعدد الأبعاد قائم على الدبلوماسية والقوة الناعمة والشراكات الاقتصادية، بينما تركز الجزائر على توظيف دورها الأمني والدبلوماسي في إدارة أزمات الساحل والحفاظ على مكانتها كفاعل إقليمي رئيسي.
وتمثل الأدوات السياسية المدخل الأبرز لبناء النفوذ في منطقة الساحل، غير أن توظيفها يختلف بين البلدين؛ ففي حالة المغرب، ارتكزت توجهاتها على الدبلوماسية النشطة، خاصة من خلال الدبلوماسية الملكية، والزيارات الرسمية، وتوسيع شبكة الاتفاقيات الثنائية مع دول الساحل، بما يستهدف بناء شراكات سياسية طويلة الأمد وتعزيز الحضور داخل المنظمات الإقليمية الإفريقية، أما الجزائر، فقد اعتمدت على دور الوساطة في الأزمات الإقليمية، ولا سيما في مالي، والدفع نحو الحلول السياسية للنزاعات، استنادًا إلى تقاليدها الدبلوماسية القائمة على مبدأ عدم التدخل وتسوية الصراعات بالحوار.
وتعد الدبلوماسية الدينية إحدى أدوات القوة الناعمة التي اعتمدها المغرب لتعزيز نفوذه في دول الساحل، من خلال توظيف الروابط الدينية والثقافية المرتبطة بالمذهب المالكي والطرق الصوفية، بما أسهم في تعزيز حضوره داخل المجتمعات المحلية، وفي المقابل، يرتكز الحضور الخارجي للجزائر بصورة أكبر على الأدوات السياسية والأمنية، وهو ما يجعل النفوذ المغربي أكثر حضورًا في المجالين الديني والثقافي مقارنة بالحضور الجزائري الذي يظل أقرب إلى المستوى الرسمي والمؤسساتي.
كما تمثل الأدوات الأمنية والعسكرية مجالًا رئيسيًا للتنافس بين البلدين، غير أن دوافع استخدامها تختلف؛ ففي حالة الجزائر، يرتبط الانخراط الأمني باعتبارات الأمن القومي نتيجة الامتداد الحدودي المباشر مع دول الساحل، الأمر الذي دفعها إلى تعزيز التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب وتنسيق الجهود العسكرية مع دول الجوار، أما المغرب، فرغم عدم امتلاكه حدودًا مباشرة مع منطقة الساحل، فقد عمل على تطوير التعاون الأمني والعسكري مع بعض دول المنطقة في إطار تعزيز حضوره الإقليمي ودعم الاستقرار الأمني. ويعكس ذلك اختلافًا في دوافع الانخراط الأمني بين البلدين.
أما على المستوى الاقتصادي، فقد أظهرت الدراسة اعتماد المغرب بدرجة كبيرة على الدبلوماسية الاقتصادية لتعزيز حضوره في منطقة الساحل، من خلال التوسع في الاستثمارات بقطاعات البنوك والاتصالات والطاقة والبنية التحتية، بما أسهم في بناء شبكة مصالح اقتصادية مع دول المنطقة. وفي المقابل، يتركز الحضور الاقتصادي الجزائري بدرجة أكبر في قطاع الطاقة وبعض أشكال التعاون الاقتصادي، وبذلك يعتمد المغرب على تنويع أدوات حضوره الاقتصادي، بينما تظل المقاربة الجزائرية أكثر ارتباطًا بتوظيف مواردها الطاقوية.
3- قضايا التنافس بين المغرب والجزائر في منطقة الساحل
تشير نتائج هذا الفصل إلى أن التنافس المغربي - الجزائري في منطقة الساحل يتجلى من خلال مجموعة من القضايا الأمنية والسياسية والاقتصادية التي تشكل مجالات رئيسية لإعادة تشكيل النفوذ الإقليمي، حيث يعكس اختلاف مقاربات البلدين لهذه القضايا تباينًا في إدراك كل منهما لطبيعة دوره الإقليمي وأدوات تعزيز حضوره داخل منطقة الساحل.
وتشير نتائج الدراسة إلى أن "قضية الصحراء" تمثل المحور الأكثر تأثيرًا في طبيعة التنافس المغربي - الجزائري داخل منطقة الساحل الإفريقي، إذ يسعى المغرب إلى تثبيت سيادته على الإقليم وتكريس الاعتراف الإقليمي والدولي بمبادرته للحكم الذاتي، من خلال توظيف حضوره الدبلوماسي والاقتصادي في دول الساحل، بينما تنظر الجزائر إلى القضية باعتبارها مسألة تتعلق بحق تقرير المصير وتصفية الاستعمار، وهو ما يفسر استمرار دعمها السياسي والدبلوماسي لجبهة البوليساريو، الأمر الذي يجعل القضية أحد أبرز محددات التفاعلات السياسية والأمنية في منطقة الساحل.
وتوصلت الدراسة إلى أن التهديدات الإرهابية والجماعات المسلحة تمثل مجالًا رئيسيًا آخر يتداخل فيه التعاون والتنافس بين المغرب والجزائر، إذ ينظر المغرب إلى مكافحة الإرهاب باعتبارها جزءًا من استراتيجية أوسع لتعزيز الاستقرار الإقليمي، ولذلك يسعى إلى توسيع التعاون الأمني والاستخباراتي مع دول المنطقة والشركاء الدوليين، بينما ترى الجزائر في تصاعد النشاط الإرهابي تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، ما يدفعها إلى تعزيز قدراتها العسكرية وتكثيف التنسيق الأمني مع دول الجوار، وهو ما يعكس اختلافًا في أولويات البلدين؛ إذ يركز المغرب على توسيع التعاون الأمني والإقليمي، بينما تعطي الجزائر أولوية لحماية أمنها القومي وتأمين حدودها الجنوبية.
وتبين من خلال الدراسة أن قضية الهجرة غير النظامية تمثل أحد العوامل المؤثرة في طبيعة التفاعل بين المغرب والجزائر، إذ يعتمد المغرب مقاربة تقوم على إدارة الهجرة في إطار الشراكات مع الدول الأوروبية والإفريقية، بينما تتعامل الجزائر مع الظاهرة من منظور أمني يركز على ضبط الحدود ومكافحة شبكات التهريب العابرة للصحراء.
وعلى المستوى الاقتصادي، أظهرت نتائج الفصل أن التنافس يتجلى في السعي إلى بناء شبكات نفوذ اقتصادي عبر مشروعات الطاقة والبنية التحتية، إذ يعمل المغرب على توسيع حضوره الاقتصادي في منطقة الساحل من خلال الاستثمار في قطاعات الطاقة والبنوك والبنية التحتية، ويعد مشروع أنبوب الغاز المغربي – النيجيري أحد أبرز أدواته لتعزيز الارتباط الاقتصادي بدول المنطقة، في حين تعتمد الجزائر بدرجة أكبر على توظيف مواردها الطاقوية ومكانتها كأحد كبار منتجي الغاز لتعزيز علاقاتها الاقتصادية، مع تركيز أكبر على قطاع الطاقة مقارنة بالمقاربة المغربية الأكثر تنوعًا.
كما يمثل التنافس على الزعامة السياسية أحد الأبعاد الرئيسة للتنافس بين البلدين، إذ يسعى المغرب إلى توسيع شبكة علاقاته الثنائية والانخراط الفاعل في المؤسسات الإقليمية لتعزيز نفوذه داخل القارة، بينما ترتكز مقاربة الجزائر على الحفاظ على دورها التقليدي كفاعل سياسي وأمني مؤثر في منطقة الساحل، مستندة إلى موقعها الجغرافي وثقلها الدبلوماسي. وبذلك يعكس التنافس السياسي اختلافًا في أدوات بناء النفوذ الإقليمي بين البلدين.
وتؤكد هذه النتائج أن التنافس المغربي - الجزائري في منطقة الساحل يتخذ طابعًا غير مباشر، يعتمد على توظيف أدوات سياسية وأمنية واقتصادية لتعزيز النفوذ والتأثير داخل المنطقة، دون أن يتطور إلى مواجهة مباشرة بين الطرفين.
4- مواقف الأطراف الخارجية من التنافس المغربي– الجزائري في منطقة الساحل
تشير نتائج هذا الفصل إلى أن التنافس المغربي - الجزائري في منطقة الساحل تجاوز إطار العلاقات الثنائية بين البلدين، ليصبح جزءًا من شبكة معقدة من التفاعلات الإقليمية والدولية، بما جعل مواقف القوى الفاعلة أحد المحددات الرئيسة لاتجاهات هذا التنافس وطبيعة الأدوار التي يضطلع بها كل من المغرب والجزائر داخل المنطقة.
وأظهرت الدراسة أن المؤسسات الإفريقية تمثل إحدى الساحات المؤسسية التي يتجلى داخلها التنافس بين المغرب والجزائر، إلا أن الانقسامات الداخلية وضعف آليات التنفيذ حدّا من قدرتها على إدارة هذا التنافس، لتصبح في كثير من الأحيان انعكاسًا لموازين القوى بين الطرفين أكثر من كونها إطارًا قادرًا على احتوائه.
كما بينت أن القوى العربية اتبعت مقاربات متفاوتة في التعامل مع هذا التنافس؛ إذ حافظت مصر على سياسة الحياد الاستراتيجي، بينما انتهجت المملكة العربية السعودية سياسة تقوم على إدارة التوازنات الإقليمية، في حين تبنت دولة الإمارات العربية المتحدة مقاربة أكثر براغماتية عززت من خلالها شراكاتها الاقتصادية مع المغرب، مع استمرار علاقاتها السياسية والاقتصادية مع الجزائر.
وفيما يتعلق بدول الساحل، أظهرت الدراسة أنها لم تنخرط في اصطفاف واضح مع أي من الطرفين، وإنما اتبعت "مقاربة براجماتية" قائمة على الاستفادة من علاقاتها مع المغرب والجزائر وفقًا لمصالحها الوطنية، من خلال الجمع بين التعاون الاقتصادي مع المغرب والتعاون الأمني والسياسي مع الجزائر، وهو ما حدّ من قدرة أي منهما على احتكار النفوذ داخل المنطقة.
أما على المستوى الدولي، فقد تبنت الولايات المتحدة وفرنسا سياسة تقوم على الشراكة المزدوجة مع البلدين، من خلال تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي مع المغرب، والحفاظ في الوقت نفسه على التعاون الأمني مع الجزائر في ملفات مكافحة الإرهاب وأمن منطقة الساحل.
كما أظهرت الدراسة ميل روسيا إلى الجزائر استنادًا إلى شراكتهما العسكرية والتقنية الممتدة، مع استمرار علاقاتها السياسية والاقتصادية مع المغرب، بينما انتهجت الصين سياسة الحياد البراغماتي، مع التركيز على توسيع شراكاتها الاقتصادية مع الطرفين دون الانخراط في تنافسهما السياسي، بينما اعتمد الاتحاد الأوروبي مقاربة براجماتية تقوم على توزيع الأدوار، إذ ركز على التعاون مع المغرب في ملفات الهجرة والتنمية الاقتصادية، ومع الجزائر في قضايا الطاقة والأمن الإقليمي.
وتؤكد هذه النتائج أن موازين التنافس المغربي - الجزائري في منطقة الساحل لا تتحدد فقط بقدرات البلدين، وإنما تتأثر أيضًا بطبيعة مواقف القوى الإقليمية والدولية، التي تسهم في إعادة تشكيل حدود النفوذ والأدوار التي يضطلع بها كل منهما داخل البيئة الجيوسياسية المتغيرة في منطقة الساحل.
ثانيًا: السيناريوهات المحتملة لمستقبل التنافس المغربي - الجزائري في منطقة الساحل
تنطلق السيناريوهات التي تعرضها هذه الدراسة من قراءة تركيبية لتفاعل المحددات البنيوية مع أدوات إدارة التنافس المغربي - الجزائري في منطقة الساحل، وما أفرزته من أنماط سلوك قابلة للتطور في المدى المنظور، ولا تُطرح هذه السيناريوهات بوصفها مسارات حتمية، وإنما كإطارات تحليلية مرجّحة تساعد على استشراف اتجاهات التنافس في ضوء المعطيات النظرية والتطبيقية الراهنة، مع إتاحة إمكانية تتبعها وقياسها عبر مؤشرات محددة تعكس درجة تحقق كل مسار وحدود استدامته داخل بيئة إقليمية شديدة الهشاشة.
1- استمرار التنافس المُدار (السيناريو الأكثر ترجيحًا)
يفترض هذا السيناريو استمرار التنافس المغربي - الجزائري في منطقة الساحل ضمن مستوى منخفض إلى متوسط الحدة، بحيث تظل الخلافات تُدار عبر أدوات سياسية وأمنية واقتصادية غير مباشرة، دون أن تتطور إلى صدام مفتوح.
ويستند ترجيح هذا السيناريو إلى استمرار المحددات البنيوية الحاكمة للتنافس، وفي مقدمتها قضية الصحراء، إلى جانب اعتماد الطرفين على أدوات تسمح بإدارة التنافس دون حسمه، فضلًا عن تداخل القضايا الأمنية والاقتصادية والسياسية بما يجعل أي تصعيد شامل مرتفع الكلفة على الطرفين.
كما تعزز المؤشرات الراهنة هذا المسار، إذ يواصل المغرب والجزائر تعزيز حضورهما في منطقة الساحل عبر أدوات ونطاقات نفوذ مختلفة، في ظل غياب مؤشرات على استعداد أي منهما لتحمل كلفة التصعيد، بالتوازي مع حرص القوى الإقليمية والدولية على احتواء التنافس ومنع تحوله إلى صراع مفتوح. ومن ثم، يُرجح استمرار نمط التنافس المُدار خلال المدى المنظور.
2- تصاعد التنافس وتحوله إلى صراع نفوذ أكثر حدّة (سيناريو محتمل غير مرجّح)
يفترض هذا السيناريو انتقال التنافس المغربي - الجزائري في منطقة الساحل إلى مستوى أعلى من الاشتباك السياسي والأمني، مع بقاء احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة محدودة، ويستند في ذلك إلى طبيعة البيئة الأمنية الهشة في الساحل، التي تسمح بتصاعد التنافس عبر أدوات سياسية وأمنية واقتصادية دون تجاوز حدود الصدام المباشر.
وتعزز هذا السيناريو مجموعة من العوامل؛ إذ إن استمرار التدهور الأمني في مالي والنيجر وبوركينا فاسو قد يدفع الطرفين إلى توسيع حضورهما لحماية مصالحهما، كما أن أي تحولات جوهرية في ملف الصحراء، سواء من خلال اعترافات دولية جديدة أو تغير في مواقف الفاعلين الإقليميين والدوليين، قد تؤدي إلى تصاعد التنافس بينهما، ويضاف إلى ذلك احتدام التنافس الدولي في منطقة الساحل، ولا سيما بين روسيا والدول الغربية، بما قد يتيح لكل من المغرب والجزائر توسيع هامش تحركه استنادًا إلى دعم خارجي ظرفي.
ومع ذلك، يبقى هذا السيناريو أقل ترجيحًا من السيناريو المرجح، إذ تحد من فرص تحققه كلفة التصعيد على استقرار المنطقة، إلى جانب استمرار اعتماد الطرفين على أنماط تنافس تسمح بتعظيم النفوذ دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، وهو ما يجعل إدارة التنافس أكثر احتمالًا من تصعيده.
3. احتواء تنافسي محدود عبر تنسيق انتقائي (السيناريو الأضعف)
يفترض هذا السيناريو حدوث درجة محدودة من الاحتواء للتنافس المغربي – الجزائري عبر تنسيق انتقائي يقتصر على بعض القضايا ذات الاهتمام المشترك، مثل مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية، دون أن يمتد إلى معالجة القضايا الخلافية الجوهرية أو إحداث تحول حقيقي في طبيعة العلاقات بين البلدين، ليظل هذا التنسيق محكومًا باعتبارات ظرفية أكثر من كونه تعبيرًا عن إرادة سياسية لإعادة بناء العلاقات الثنائية.
ويستند ضعف هذا السيناريو إلى استمرار انعدام الثقة البنيوي بين المغرب والجزائر، وما يرتبط به من تباين في إدراك مصادر التهديد وأولويات كلا البلدين، إلى جانب استمرار الخلاف حول قضية الصحراء، فضلًا عن غياب إطار مؤسسي مغاربي فاعل قادر على تحويل أي تنسيق محدود إلى تعاون مستدام في ظل جمود اتحاد المغرب العربي.
كما تشير المؤشرات الراهنة إلى أن أي تنسيق محتمل سيظل مدفوعًا بضغوط خارجية مرتبطة بالتحديات الأمنية المشتركة، أكثر من كونه نابعًا من إرادة ذاتية، في ظل استمرار تغليب الاعتبارات السيادية والرمزية على منطق الأمن الجماعي والتكامل الإقليمي، وهو ما يجعل هذا السيناريو الأقل ترجيحًا، إذ يقتصر أثره على إدارة بعض الملفات دون إحداث تغيير جوهري في بنية التنافس بين البلدين. وفي ضوء التفاعل بين المحددات البنيوية، وطبيعة الأدوات المستخدمة، وسلوك الفاعلين الإقليميين والدوليين، يظل سيناريو "استمرار التنافس المُدار" هو الأكثر اتساقًا مع معطيات الرسالة والواقع الراهن، مع بقاء هامش محدود لتحولات تصعيدية أو احتوائية تظل مشروطة بتغيرات حادة في البيئة الإقليمية والدولية.
تنويه:
- تعبّر الآراء الواردة في هذا البحث عن وجهة نظر صاحبها.
- يمكن الاطلاع على البحث كاملًا عبر هذا الرابط.
- ترسل رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه إلى العنوان التالي: ajcs-publications@aljazeera.net
- النشر في باب "أطروحات جامعية" لا يحول دون قيام الباحثين بنشر رسائلهم وأطروحاتهم في أماكن أخرى.