تأتي زيارة الدولة التي يقوم بها الرئيس الصيني، شي جين بينغ، إلى مصر هذه الأيام في لحظة مهمة من تاريخ العلاقات بين البلدين؛ فهي زيارته الأولى إلى القاهرة منذ عشرة أعوام، وتتزامن مع مرور سبعين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما. وتمنح طبيعة الملفات المطروحة عليها مضمونًا يتجاوز الاحتفاء بهذه المناسبة؛ إذ تشمل توسيع الشراكة الإستراتيجية، ومواءمة مبادرة "الحزام والطريق" مع رؤية مصر 2030، وتعزيز التعاون في التصنيع المتقدم والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة، إلى جانب القضايا الأمنية والإقليمية. وتنعقد الزيارة أيضًا وسط توترات تمس الشرق الأوسط والبحر الأحمر وقناة السويس، وتحولات دولية تدفع الصين إلى توسيع حضورها في المنطقة، فيما تسعى مصر إلى تنويع شراكاتها وجذب الاستثمارات وتعزيز قدرتها على الحركة بين القوى الكبرى.
أولًا: أهمية الزيارة للصين
تحتل مصر موقعًا متقدمًا في الحسابات الصينية بسبب اجتماع عدة عناصر فيها: موقعها عند ملتقى آسيا وإفريقيا والعالم العربي، وإشرافها على قناة السويس، وثقلها السياسي والإقليمي، وعضويتها في مجموعة البريكس. وتوفر هذه العناصر لبيجين شريكًا يمكن أن يصل بين تعاونها مع مصر ومسارات أوسع تشمل الدول العربية وإفريقيا والجنوب العالمي.
وتأتي قناة السويس في صلب هذه الأهمية؛ فهي أحد أبرز الممرات التي تربط حركة التجارة الصينية بالأسواق الأوروبية. لذلك يرتبط استقرار مصر وأمن البحر الأحمر مباشرة بسلامة سلاسل الإمداد الصينية. ومن هذه الزاوية، يكتسب الحوار السياسي والأمني بين القاهرة وبيجين قيمة اقتصادية واضحة، خصوصًا مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وتأثر الملاحة والتجارة الدولية بها.
وتخدم مصر أيضًا توجه الصين إلى نقل جزء من صناعاتها إلى مواقع قريبة من الأسواق الخارجية. فالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس تتيح للشركات الصينية الجمع بين التصنيع والخدمات اللوجستية والنفاذ إلى الأسواق. وقد بلغت الاستثمارات الصينية في منطقة "تيدا-مصر"، الواقعة شمال غرب خليج السويس، نحو ملياري دولار، عام 2024، من خلال قرابة 150 شركة تعمل في قطاعات صناعية ولوجستية متعددة.
ويعكس مشروع "جاسان جروب"، في منطقة القنطرة غرب بالضفة الغربية لقناة السويس، هذا التوجه. فالمجمع، الذي تبلغ استثماراته 117 مليون دولار، يستهدف تصدير 90% من إنتاجه، ويجمع أنشطة الغزل والنسيج والملابس الجاهزة داخل قاعدة إنتاجية واحدة. وبذلك تستطيع الشركات الصينية الاستفادة من الموقع المصري في تصنيع منتجات موجهة إلى أسواق تتجاوز السوق المحلية.
ويمتد الاهتمام الصيني إلى قطاعات أكثر تقدمًا، مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية ومراكز البيانات، والطاقة الشمسية وطاقة الرياح، والسيارات الكهربائية. ويكشف دخول شركة هواوي في منافسة على إنشاء مراكز بيانات للذكاء الاصطناعي لصالح الحكومة المصرية عن سعي بيجين إلى الانتقال من مشروعات المقاولات والبنية الأساسية إلى بناء حضور تكنولوجي طويل الأمد.
وتتضاعف قيمة هذا الحضور مع المنافسة الأميركية؛ إذ تشارك شركات مثل إنفيديا وإيه إم دي ومايكروسوفت في عرضٍ منافس. ومن ثم، تمثل مصر ساحة مهمة لاختبار قدرة التكنولوجيا الصينية على التوسع في الشرق الأوسط وإفريقيا، في ظل تنافس دولي متزايد على البنية الرقمية والمعايير التقنية.
ويمتد التعاون إلى المجال العسكري، كما تظهر مناورات "نسور الحضارة 2026"، التي انطلقت في أغسطس/آب بمشاركة طائرات مقاتلة متعددة المهام من البلدين. وشملت التدريبات إدارة القتال الجوي، وحماية الأهداف الحيوية، والتزود بالوقود في الجو، بما يعزز تبادل الخبرات والقدرة على العمل المشترك، ويوسع نطاق التعاون العسكري الصيني مع دولة محورية في الشرق الأوسط وإفريقيا.
وتخدم العلاقة مع مصر كذلك الحضور السياسي الصيني في القضايا العربية والإفريقية. فالتنسيق مع القاهرة بشأن القضية الفلسطينية والأمن الإقليمي والتنمية يعزز قدرة بيجين على التواصل مع الدول العربية، بينما توفر مكانة مصر الإفريقية قناة إضافية للتحرك داخل القارة. كما تمنح عضوية البلدين في البريكس مجالًا للتنسيق حول قضايا التنمية والتعددية وإصلاح الحوكمة العالمية.
ثانيًا: أهمية الزيارة لمصر
تنظر مصر إلى الزيارة بوصفها فرصة لترجمة الشراكة السياسية مع الصين إلى مكاسب اقتصادية وتكنولوجية أكثر اتساعًا. فقد بلغ حجم التجارة بين البلدين 20.78 مليار دولار عام 2025، وسجل نموًّا نسبته 19.6% مقارنة بعام 2024. غير أن الصادرات المصرية إلى الصين بلغت نحو 819 مليون دولار فقط، في مقابل واردات قاربت 19.9 مليار دولار، وهو اختلال يضع زيادة الإنتاج والصادرات في مقدمة الأولويات المصرية.
ولهذا تراهن القاهرة على الاستثمار الصناعي الصيني بوصفه وسيلة لتحويل جانب من العلاقة من الاستيراد إلى الإنتاج المحلي والتصدير. وتبرز في هذا المجال صناعات السيارات والمنسوجات والأجهزة المنزلية والطاقة الشمسية والزجاج والكيماويات والإطارات. ويقدم مصنع جيلي الصيني للسيارات مثالًا على إمكانات هذا المسار؛ إذ تبلغ طاقته الإنتاجية 20 ألف سيارة سنويًّا، وتتجاوز نسبة التصنيع المحلي فيه 45%.
كما يحمل مشروع "جاسان جروب"، الذي سبقت الإشارة إليه، قيمة مباشرة للاقتصاد المصري، مع توقع توفيره نحو ستة آلاف فرصة عمل عند بلوغ طاقته الكاملة، فضلًا عن اعتماده على الأتمتة والإدارة الرقمية والتصنيع غير الملوِّث للبيئة. وتزداد الفائدة المصرية كلما ارتفعت نسبة المكوِّن المحلي، واتسعت برامج تدريب العمالة، وتعززت صلات الشركات الصينية بالموردين المصريين.
ويمثل التعاون في التكنولوجيا الرقمية فرصة أخرى لمصر. فمشروعات مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي يمكن أن تسهم في بناء بنية تقنية حديثة وإعداد كوادر متخصصة ودعم الاقتصاد الرقمي. غير أن قيمة هذه المشروعات ترتبط بشروطها العملية، وفي مقدمتها نقل المعرفة، وحماية البيانات، واستدامة التكنولوجيا، وتكوين قدرات مصرية قادرة على تشغيلها وتطويرها.
وتمنح المنافسة بين الشركات الصينية والأميركية مصر مجالًا للمفاضلة بين عروض متعددة. ويتيح هذا الوضع للقاهرة التفاوض حول شروط التمويل ونقل التكنولوجيا والتدريب والمكوِّن المحلي، وتحويل تنافس القوى الكبرى إلى فرصة تخدم أولويات التنمية المصرية.
وعلى المستوى الإستراتيجي، تسهم العلاقة مع الصين في توسيع قاعدة الشركاء المصريين. فالقاهرة تجمع بين تعاونها الأمني التقليدي مع الولايات المتحدة، وعلاقاتها مع الصين، وانتمائها العربي والإفريقي، وعضويتها في البريكس. ويعزز هذا التنوع استقلالية القرار المصري وقدرته على تجنب الانحصار في دائرة دولية واحدة.
ويخدم التعاون العسكري الهدف نفسه. فالتدريبات الجوية المشتركة تمنح القوات المصرية خبرة في العمل مع منظومات ومدارس عسكرية مختلفة، وتوسع مصادر التسليح والتدريب. ويأتي ذلك بالتوازي مع استمرار مصر في إدارة علاقاتها القائمة مع شركائها الآخرين.
وتتيح الزيارة لمصر أيضًا تعزيز دورها بوصفها مركزًا صناعيًّا ولوجستيًّا يصل آسيا بالعالم العربي وإفريقيا. فالاستفادة الكاملة من قناة السويس والمناطق الصناعية المحيطة بها تتطلب الانتقال من تقديم خدمات العبور إلى المشاركة في الإنتاج والتخزين والتوزيع وإعادة التصدير. وعند تحقق ذلك، تتحول الجغرافيا المصرية إلى قيمة اقتصادية مضافة، وتصبح البلاد جزءًا فاعلًا من سلاسل الإنتاج الدولية.