موضوع الأطروحة وأهميتها
تنطلق الأطروحة من أهمية تحديث الإدارة العمومية في ظل التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتسارعة، وما تفرضه من تطوير أساليب وأدوات العمل الإداري بما يعزز النجاعة والفعالية، ويستجيب لمتطلبات المواطنين، ويجعل الإدارة رافعة للتنمية.
وقد عرف المغرب محاولات متواصلة لتحديث جهازه الإداري، بدءًا من إصلاحات القرن التاسع عشر، مرورًا بإعادة بناء الإدارة الوطنية بعد الاستقلال، وصولًا إلى البرامج والخطط الإصلاحية المتعاقبة. غير أن نتائج هذه الجهود ظلت متفاوتة، بفعل عوامل تتصل بطبيعة السياسات الإصلاحية، ومدى استجابة الجهاز الإداري لها، والعلاقة بين الفاعلين المشاركين في صياغتها وتنفيذها.
وتنطلق الأطروحة من أن تحديث الإدارة العمومية عملية تفاعلية يشترك فيها أساسًا السياسي، الذي يضع التوجهات والإستراتيجيات، والإداري، الذي يتولى تنفيذها. ومن ثم، فإن طبيعة العلاقة بين الطرفين تؤثر بصورة مباشرة في مسار التحديث، إذ يمكن أن تدعمه وتسهم في إنجاحه، كما يمكن أن تعرقله نتيجة اختلال التوازن أو تضارب المصالح والأدوار.
وتكتسب هذه العلاقة في المغرب خصوصية نابعة من طبيعة النموذج السياسي والإداري؛ فقد أسهمت بنية المخزن التقليدية، والإرث البيروقراطي الاستعماري، والممارسات السياسية بعد الاستقلال، في جعل الحدود بين السياسي والإداري غير واضحة، وفي تعزيز حضور الجهاز البيروقراطي داخل مؤسسات الدولة.
وتنبع أهمية الأطروحة من سعيها إلى دراسة هذه العلاقة المركبة، وربطها بإشكالية تحديث الإدارة العمومية، فضلًا عن الجمع بين حقلين متداخلين هما علم السياسة وعلم الإدارة. كما تتيح دراسة هذه الثنائية تتبع تحولات النظام السياسي والإداري المغربي، والكشف عن موقع البيروقراطية وحدود نفوذها، وأدوار النخب السياسية في التدبير العمومي.
إشكالية الأطروحة وأسئلتها
تبحث الأطروحة في تأثير العلاقة بين السياسي والإداري على تحديث الإدارة العمومية، بالنظر إلى خصوصية هذه العلاقة داخل النظام المغربي، والدور المحوري للطرفين في تدبير الشأن العام وإنجاح السياسات الإصلاحية.
وتتمحور إشكاليتها حول مدى إسهام الأسس القانونية والتدبيرية في تحديد طبيعة العلاقة بين السياسي والإداري في المغرب، ومدى تأثير هذه العلاقة في تحديث الإدارة العمومية وتجاوز النمط التقليدي في التدبير وصولًا إلى مقاربة تدبيرية حديثة.
ويتفرع عن هذه الإشكالية عدد من الأسئلة، أبرزها: ما محددات العلاقة بين السياسي والإداري على المستويات النظرية والقانونية والتدبيرية؟ وإلى أي حد أسهم الإرث المخزني والاستعماري في تشكيل هذه العلاقة؟ وما مضمون الإصلاحات الإدارية التي عرفها المغرب منذ الاستقلال، وما أسباب محدودية نتائج بعضها؟ وكيف تؤثر العلاقة بين السياسي والإداري في تحديث الإدارة العمومية؟ وهل تمثل عاملًا مساعدًا على نجاحه أم تسهم في عرقلته؟
فرضيات الأطروحة
تنطلق الأطروحة من فرضية رئيسية مؤداها أن نجاح تحديث الإدارة العمومية يتأثر بدرجة كبيرة بطبيعة العلاقة بين السياسي والإداري.
ويتفرع عنها افتراض أن العلاقة المتوازنة، القائمة على وضوح الأدوار والتفاعل الإيجابي والتكامل بين الطرفين، تسهم في إنجاح برامج التحديث وتيسير تنفيذها. وفي المقابل، فإن تداخل الأدوار وغياب الحدود الواضحة وهيمنة أحد الطرفين على الآخر قد تؤدي إلى عرقلة التحديث الإداري.
المنهج
اعتمدت الأطروحة بصورة أساسية المنهج النسقي، الذي يتيح دراسة العلاقة بين السياسي والإداري باعتبارهما فاعلين داخل نسق واحد، وتحليل تفاعلاتهما وامتداد تأثيرها إلى عملية تحديث الإدارة العمومية. وتنظر الدراسة إلى الطرفين بوصفهما متمايزين في المكانة والأدوار، لكنهما متكاملان داخل النسق السياسي والإداري.
كما استعانت بالمنهج التاريخي لتتبع تحولات الدولة والنظامين السياسي والإداري في المغرب منذ القرن التاسع عشر، مرورًا بفترة الحماية والاستقلال، وصولًا إلى مرحلة دستور 2011، ورصد تطور العلاقة بين السياسة والإدارة ومحطات بناء الجهاز الإداري وإصلاحه.
وإلى جانب المنهجين النسقي والتاريخي، وظفت الأطروحة عددًا من المقاربات السياسية والاجتماعية والقانونية والمقارنة، بالنظر إلى طبيعة الموضوع المركبة وتداخل أبعاده.
وانتظمت الدراسة في قسمين رئيسيين، تناول الأول محددات العلاقة بين السياسي والإداري في النظام المغربي، فيما بحث الثاني تأثير هذه العلاقة على مسار تحديث الإدارة العمومية.
أهم النتائج
خلصت الأطروحة إلى أن العلاقة بين السياسي والإداري في المغرب علاقة مركبة ومتغيرة، تأثرت بمختلف التحولات التاريخية والسياسية والإدارية التي عرفتها الدولة. ففي مرحلتي الدولة المخزنية والحماية لم يكن المجالان السياسي والإداري منفصلين بوضوح؛ إذ اندمجا في جهاز السلطان في الحالة الأولى، وفي الإدارة الاستعمارية في الثانية. وبعد الاستقلال بدأ التمايز بين المجالين، من دون أن يؤدي ذلك إلى إقامة حدود واضحة وثابتة بينهما.
وتوصلت الدراسة إلى أن هذه العلاقة تتخذ في النموذج المغربي ثلاثة أشكال رئيسية.
يتمثل الشكل الأول في تبعية الإدارة للسلطة السياسية، وهي تبعية ذات أبعاد قانونية وسياسية، ترتبط من جهة بخضوع الإدارة للسلطة الحكومية، ومن جهة أخرى بعلاقتها التاريخية بالمؤسسة الملكية التي اعتمدت عليها في ضبط المؤسسات والاضطلاع بمهام الدولة والتنمية.
أما الشكل الثاني فيتمثل في الفصل الوظيفي بين السياسي والإداري، بحيث يتولى السياسي وضع الخيارات والتصورات، فيما يتولى الإداري تنفيذها، وهو ما يعكس استمرار تأثير النموذج البيروقراطي الذي انتقل إلى المغرب عبر الإدارة الاستعمارية واستمر بعد الاستقلال.
ويتجسد الشكل الثالث في هيمنة البيروقراطية الإدارية على السياسة، نتيجة رهان الدولة بعد الاستقلال على الإدارة أداةً لبناء الدولة وتحقيق التنمية، بالتزامن مع ضعف المؤسسات والنخب السياسية، الأمر الذي عزز حضور البيروقراطية في أجهزة الدولة ومنحها نفوذًا واسعًا في عملية صنع القرار.
وتبين الأطروحة أن استقرار الجهاز الإداري وتراكم خبراته ومعلوماته وموارده، في مقابل التغير المستمر للفاعلين السياسيين وتزايد تعقيد المهام الحكومية، أسهما في تعزيز المكانة المركزية للبيروقراطية داخل الدولة. غير أن هذه القوة اقترنت أيضًا باختلالات تتصل بالمركزية والانغلاق والسلطوية وضعف التواصل مع المواطن، وهي خصائص تأثرت بالإرثين المخزني والاستعماري.
كما أظهرت الدراسة أن المغرب عرف أجيالًا متعددة من سياسات الإصلاح الإداري، انتقلت من التركيز على الجوانب البشرية والتشريعية والتنظيمية إلى الاهتمام بتغيير الثقافة التدبيرية وتحسين علاقة الإدارة بالمواطن. إلا أن هذه السياسات واجهت معيقات ذاتية مرتبطة بطبيعة البرامج الإصلاحية، وأخرى بنيوية متصلة بالعلاقة بين السياسي والإداري.
ومن أبرز النتائج التي انتهت إليها الأطروحة أن تحديث الإدارة العمومية لا يمكن فصله عن عملية التحديث السياسي الأوسع. فعلى الرغم من أن التحديث يستهدف الجهاز البيروقراطي وأساليب اشتغاله، فإنه يظل خيارًا سياسيًا وإستراتيجيًا يتطلب تفاعلًا بين الإرادة السياسية والخبرة الإدارية.
ويؤدي اختلال هذا التوازن، ولا سيما عندما تتمكن البيروقراطية من عرقلة القرارات أو توجيهها بما يحافظ على مصالحها وامتيازاتها، إلى إضعاف فرص التحديث وخلق جهاز إداري مقاوم للتغيير. ولذلك تربط الأطروحة نجاح التحديث بإعادة بناء العلاقة بين السياسي والإداري على أساس التوازن والتكامل ووضوح الأدوار.
وتخلص الأطروحة إلى أن تحقيق هذا التوازن يتطلب، على المستوى السياسي، تعزيز أدوار المؤسسات التمثيلية والأحزاب السياسية، وتطوير آليات الرقابة، وتجاوز التجاذب بين السياسي والإداري. وعلى المستوى الإداري، يستلزم ترسيخ ثقافة تدبيرية تقوم على الانفتاح والنجاعة والفعالية وجودة الخدمات، وتغيير السلوكيات السلبية، وإشراك الموظفين في عملية التحديث، وتعزيز ثقافة التقييم والاستفادة من التجارب السابقة.
وبذلك تنتهي الأطروحة إلى أن العلاقة بين السياسي والإداري تحمل أثرًا مزدوجًا في تحديث الإدارة العمومية؛ فقد تتحول إلى عائق أمامه عندما تختل موازينها وتتداخل أدوار طرفيها، وقد تصبح عاملًا مساعدًا على نجاحه عندما تقوم على التوازن والتكامل والتفاعل الإيجابي بين الإرادة السياسية والخبرة الإدارية.
تنويه:
- تعبّر الآراء الواردة في هذا البحث عن وجهة نظر صاحبها.
- يمكن الاطلاع على البحث كاملًا عبر هذا الرابط.
- تُرسل رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه إلى العنوان التالي: ajcs-publications@aljazeera.net
- النشر في باب "أطروحات جامعية " لا يحول دون قيام الباحثين بنشر رسائلهم وأطروحاتهم في أماكن أخرى.