الأردن في الحرب الإقليمية: حدود الدور ومقتضيات الموضع

تبحث الورقة موقع الأردن في الحرب الإقليمية، وكيف تزيد أهميته لدى حلفائه وتضاعف تعرضه للمخاطر، وتناقش حدود انخراطه وتداعيات الحرب عليه ومسارات دوره بين تعزيز الحماية والحفاظ على استقلال القرار ومواجهة التهديدات البنيوية.
15 أكتوبر 2026
يزيد موقع الأردن في الحرب أهميته الأمنية لدى حلفائه، لكنه يجعله أكثر انكشافًا أمام نيرانها، وأكثر عرضة لسقوط الصواريخ الإيرانية على أراضيه (الصحافة الأردنية).

مقدمة

كشفت الحرب الإقليمية، بتعدد أطرافها، أن السؤال المتعلق بالأردن يتجاوز مقدار الضرر الذي تلحقه به موجات التصعيد؛ إذ إن المسألة الأعمق هي ما فعلته الحرب بوظيفة الأردن داخل الإقليم. ففي جولات 2024 و2025، تركز التحدي أساسًا على عبور الصواريخ والمسيرات الإيرانية المجال الجوي الأردني وما يرافق ذلك من اعتراضات وشظايا ومخاطر على السكان والسيادة. أما في 2026 فقد انتقل الأردن إلى مستوى مختلف من الانكشاف، بعدما أصبحت أراضيه نفسها ضمن نطاق الاستهداف.  

لهذا تبدو عبارة "انتقال الأردن من هامش الحرب إلى داخلها" دقيقة جزئيًّا فقط. فالأردن أصبح داخل الجغرافيا العملياتية للحرب، مع احتفاظه بسياسة معلنة تسعى إلى منع تحوله إلى طرف قتالي فيها. وهذه المسافة بين "الوجود داخل المسرح" و"الانخراط في الحرب" هي العقدة التي تنظم معظم الخيارات الأردنية الحالية. 

ومن هنا تنطلق أطروحة هذه الورقة: تزيد الحرب أهمية الأردن الأمنية والعسكرية لدى حلفائه، لكنها تجعله أكثر عرضة للاستهداف والضغوط؛ ويُقاس نجاح سياسته بقدرته على الاستفادة من هذه الأهمية من دون الانخراط المباشر في الحرب أو تقييد قراره.

أولًا: الأردن في الجغرافيا العسكرية الجديدة

دخلت عمَّان عام 2026 بمقاربة معلنة تقوم على حماية السيادة، وضبط درجة الانخراط، والإبقاء على الدبلوماسية قناة مفتوحة مع جميع الأطراف. وفي 2 فبراير/شباط، أكد وزير الخارجية، أيمن الصفدي، لنظيره الإيراني، عباس عراقجي، دعم الدبلوماسية وخفض التصعيد، وربط الموقف الأردني بمنع استخدام أراضي المملكة منطلقًا لأي عمل عسكري ضد إيران، مع التصدي لأي اختراق للأجواء أو تهديد للأمن. هذه الصيغة تبدو واضحة على المستوى السياسي لكن الحرب جعلت تطبيقها أكثر تعقيدًا على المستوى العملياتي(1).

ففي حالة الأردن تحديدًا، تتعقد هذه الصيغة بفعل ثلاثة عناصر متزامنة: شراكة أمنية عميقة مع الولايات المتحدة، وعلاقة مع إسرائيل تحكمها معاهدة سلام وترتيبات أمنية ومائية قائمة، وجغرافيا متصلة مباشرة بفلسطين وسوريا والعراق.

فاتفاقية التعاون الدفاعي لعام 2021 تمنح القوات الأميركية حق الوصول إلى "المرافق والمناطق المتفق عليها" واستخدامها في نطاق واسع من الأنشطة، يشمل التدريب والعبور والتزود بالوقود والصيانة والاتصالات وتمركز القوات والمعدات والعمليات الطارئة، ضمن ترتيبات تنص في الوقت نفسه على احترام سيادة الطرفين. وتشير تقارير خدمة أبحاث الكونغرس إلى أهمية القواعد الجوية الأردنية، ومنها قاعدة موفق السلطي، لعمليات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع المرتبطة بسوريا والعراق، وإلى وجود يقارب أربعة آلاف عسكري أميركي في الأردن قبل الحرب الحالية(2). 

يمتد أثر الحرب إلى الداخل الأردني عبر مسارين متداخلين: الأول اقتصادي يرتبط بارتفاع كلفة الطاقة والنقل والتأمين واحتمالات الضغط على السياحة ومستويات المعيشة، والثاني سياسي يرتبط بكيفية تفسير المجتمع لطبيعة انخراط الدولة في الحرب. وتكتسب هذه العلاقة أهمية خاصة في بيئة تتداخل فيها حساسية القضية الفلسطينية مع حضور عسكري أميركي واسع، وعلاقة رسمية مستمرة مع إسرائيل. لذلك تصبح قدرة الدولة على تقديم قراراتها الدفاعية بوصفها مرتبطة مباشرة بحماية الأرض والسكان جزءًا من إدارة الحرب نفسها، لأنها تحدد مستوى القبول الداخلي بالكلفة التي تفرضها التحالفات والإجراءات الأمنية.

وتزداد أهمية هذا البعد كلما طال أمد الحرب، فالصمود الداخلي يعتمد على قدرة الدولة على توزيع الأعباء الاقتصادية، والمحافظة على الثقة العامة، وتفسير حدود الانخراط العسكري بوضوح، واحتواء محاولات توظيف الحرب في الاستقطاب الداخلي. وفي الحالة الأردنية، يتصل هذا البعد أيضًا بالقضية الفلسطينية؛ إذ إن أي تطور باتجاه الضم أو التهجير يحمل أثرًا يتجاوز التضامن السياسي إلى أسئلة تمس الهوية والديمغرافيا والأمن الوطني. 

وبهذا المعنى، يدخل المجتمع في معادلة القوة الإستراتيجية للدولة. فالتماسك الداخلي يوفر للدولة قدرة أكبر على المناورة، بينما يؤدي إلى تضييق هذه القدرة: تراكم الضغوط الاقتصادية وتراجع الثقة أو اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي وإدراك المجتمع لطبيعة الانخراط.

أضافت الحرب بُعدًا جديدًا لهذه البنية. فتعرض منشآت أميركية في الخليج لضغط الصواريخ والمسيرات الإيرانية رفع قيمة المواقع الواقعة غرب المجال الإيراني المباشر، وأبرز الأردن في تحليلات أميركية حديثة بوصفه عقدة أكثر أهمية في إستراتيجية التموضع واللوجستيات. ثم جاء انتقال مقر قوة المهام المشتركة لعملية "العزم الصلب" إلى الأردن بالتوازي مع إنهاء الوجود العسكري الأميركي في العراق، في نهاية سبتمبر/أيلول 2026، ليعطي هذا التحول معنى مؤسسيًّا(3). فالأردن بدأ يرث جزءًا من الوظيفة الخلفية التي كانت تؤديها الجغرافيا العراقية للعمليات الأميركية المضادة لتنظيم الدولة، خصوصًا تجاه سوريا، فيما تبقى إمكانية العمل باتجاه العراق مرتبطة بتطور التهديدات(4).

هذا التحول لا يعني أن المنشآت الأردنية فقدت صفتها الوطنية أو تحولت قانونيًّا إلى "قواعد أميركية". الأهم تحليليًّا هو الفصل بين ثلاثة مستويات: ملكية المنشأة، وطبيعة الوجود الأجنبي داخلها، والوظيفة التي تؤديها في لحظة الحرب. هذه المستويات قد تتقاطع من دون أن تتطابق. وبقدر ما تتمسك عمَّان بهذا الفصل، تستطيع طهران بناء تعريف مختلف يقوم على الوظيفة العملياتية الفعلية التي تؤديها الأصول الأميركية الموجودة في الأردن داخل شبكة القوة الأميركية الأوسع. فكلما ارتفعت أهمية الأردن داخل شبكات الدفاع واللوجستيات الإقليمية، ازدادت قدرتها على الحصول على الحماية والدعم، وارتفعت في الوقت نفسه قيمة استهداف المنشآت الموجودة على أراضيها في حسابات خصوم الولايات المتحدة.

هنا يصبح الصراع على تعريف الدور جزءًا من الصراع نفسه؛ فعمَّان تعرِّف أفعالها بوصفها دفاعًا عن السيادة وحماية للسكان وتعاونًا مع حليف. وتقرأ واشنطن الأردن بوصفه شريكًا وعقدة استراتيجية قادرة على دعم مهام إقليمية، بينما تنظر إيران إلى بعض الأصول والمنشآت من زاوية علاقتها بالعمليات الأميركية، وقد تدرجها ضمن جغرافيا الرد على الولايات المتحدة. أما في الداخل الأردني، فيُقاس هذا الدور بمعيار مختلف، يتصل بفلسطين والسيادة وحدود العلاقة مع واشنطن وإسرائيل. وهكذا، تحدد الدولة أهداف أفعالها، لكنها لا تتحكم وحدها في نتائجها؛ لأن هذه النتائج تتأثر أيضًا بكيفية فهم الحلفاء والخصوم والمجتمع لتلك الأفعال.

ثانيًا: وظائف الدور وحدود الانخراط

يمكن جمع السلوك الأردني الراهن في أربع وظائف مترابطة: الوظيفة الأولى هي الدفاع عن الأرض والمجال والسيادة من اعتراض الصواريخ والمسيرات، وحماية السكان والمنشآت، ورفع الجاهزية، والإنذار المبكر تمثل جوهر المهمة السيادية، خصوصًا بعد انتقال جزء من النيران من العبور فوق الأردن إلى استهدافه. 

الوظيفة الثانية هي إدارة التحالف الأمني مع واشنطن. هذا التحالف يوفر تسليحًا وتمويلًا واستخبارات وقدرات دفاعية متقدمة، ويزيد قدرة الأردن على التعامل مع تهديدات تتجاوز موارد دولة متوسطة الحجم. في المقابل، يرفع اندماج هذه القدرات مع البنية العسكرية الأميركية أهمية الأردن داخل الحسابات العسكرية الإقليمية.

الوظيفة الثالثة هي إدارة درجة الانخراط: الاستضافة العسكرية، والعبور، والتموين، وتبادل المعلومات، والدفاع عن المجال، وحماية القوات الحليفة، واستخدام منشأة في نشاط هجومي، والمشاركة القتالية المباشرة تمثل درجات مختلفة سياسيًّا وقانونيًّا وعملياتيًّا.

أما الوظيفة الرابعة فهي الدبلوماسية بوصفها وسيلة لحماية هامش الحركة. فقد جمعت السياسة الأردنية بين التنسيق الوثيق مع واشنطن، وإبقاء قنوات التواصل مع طهران مفتوحة، وتعميق التنسيق العربي، والانخراط في ملفات سوريا وفلسطين ولبنان.

تواجه هذه الوظائف الأربع صعوبات مترابطة: كيف يحصل الأردن على الحماية من دون أن يصبح أكثر عرضة للاستهداف، ويحافظ على سيادته ضمن تحالفاته، ويردع التهديدات من دون التورط في الحرب، ويوفق بين التزاماته الخارجية ومواقف مجتمعه. وتظهر الصعوبة الأخيرة بوضوح في اتجاهات الرأي العام الأردني؛ فنتائج "البارومتر العربي" التي جُمعت ميدانيًّا، في أكتوبر/تشرين الأول 2025، قبل الحرب الحالية، تُبيِّن أن 67% عارضوا التطبيع مع إسرائيل حتى في حال الاعتراف بدولة فلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وأن 95% حملوا نظرة سلبية إلى إسرائيل، فيما بقي الاقتصاد التحدي الأول لدى غالبية المستطلعين. هذه الأرقام تمثل خط أساس لفهم المجال الذي تتحرك داخله السياسة الخارجية، ولا يُستبعد إمكان تشكل إجماع داخلي واسع حول الدفاع عن الأردن في مواجهة "هجوم إيراني"، مع بقاء حساسية عالية تجاه أي صورة تربط هذا الدفاع بحماية إسرائيل أو بالمشاركة في أهداف عسكرية أميركية أوسع(5).

ثالثًا: التهديدات التي تواجه الأردن

يتحرك الأردن داخل أربع دوائر متداخلة: المواجهة الأميركية الإيرانية شرقًا، والضفة الغربية وإسرائيل غربًا، وسوريا شمالًا، والبحر الأحمر وباب المندب جنوبًا. وبين هذه الدوائر تعمل شبكات دفاع وتمركز عسكري وممرات طاقة وتجارة واتصالات تجعل الحدود الوطنية أقل قدرة على عزل آثار الصراع.

وأبرز ما تكشفه الحرب أن ترتيب التهديدات يتغير باختلاف معيار القياس. التهديد القادر على إيقاع الضرر الأكبر اليوم قد يختلف عن التهديد القادر على تغيير البيئة الإستراتيجية للأردن خلال عقد كامل. من هذه الزاوية يمكن قراءة التهديدات عبر أربع جبهات جغرافية وثلاثة مستويات زمنية.

شرقًا، تمثل إيران الخطر العسكري المباشر في اللحظة الراهنة؛ فقد أوضحت رسالة الأردن إلى مجلس الأمن أن الهجمات الإيرانية، التي بدأت في 28 فبراير/شباط، أدَّت، حتى 19 مارس/آذار، إلى التعامل مع نحو 116 صاروخًا بالستيًّا ومجنَّحًا و102 مسيرة استهدفت الأراضي الأردنية. وفي 9 سبتمبر/أيلول، أعلنت القوات المسلحة الأردنية التعامل مع 20 صاروخًا بالستيًّا أُطلقت من إيران باتجاه الأردن، جرى اعتراض 18 منها، فيما سقط صاروخان في مناطق غير مأهولة(6). ويتمثل الخطر المباشر في استنزاف منظومات الدفاع، ومخاطر الشظايا وسوء التعرف في المجال الجوي، واحتمال استهداف منشآت حيوية أو عسكرية.

ويضيف العراق طبقة أخرى إلى الجبهة الشرقية. فالانسحاب الأميركي يرفع أهمية قدرة الدولة العراقية على ضبط الفصائل المسلحة ومواجهة عودة نشاط تنظيم الدولة، فيما يزيد انتقال بعض الوظائف الأميركية إلى الأردن حساسية الحدود الشرقية للدولة الأردنية. وهنا يجتمع الخطر والفرصة: العراق سوق وشريك وممر بري، وفي الوقت نفسه ساحة يمكن لتغير توازناتها الأمنية أن ينعكس مباشرة على الأردن.

غربًا، يأتي تهديد من طبيعة مختلفة، مصدره التحولات الجارية في الضفة الغربية والقدس ولاسيما الاستيطان والضم واحتمالات التهجير، فهي تمس قضايا مرتبطة ببنية الأمن الوطني الأردني: قيام الدولة الفلسطينية، والاستقرار الديمغرافي، والحدود، والوصاية الهاشمية على المقدسات، وطبيعة العلاقة الأردنية-الإسرائيلية نفسها.

شمالًا، تتحول سوريا من ملف حدود وتهريب إلى مسألة تتعلق بطبيعة النظام الأمني خلف الحدود الأردنية. استضاف الأردن، في 24 أغسطس/آب، اجتماعًا سوريًّا إسرائيليًّا لخفض التصعيد، ثم حذَّر الملك الأردني، عبد الله الثاني، في 2 أكتوبر/تشرين الأول، من تداعيات التصعيد الإسرائيلي، وأدانت عَمَّان، في 4 أكتوبر/تشرين الأول، استئناف العمل على "خط سوفا 53" في القنيطرة(7). وتزداد خطورة هذا المسار مع اتجاه إسرائيل إلى تثبيت وجود عسكري طويل الأمد في الجنوب، وربطه بدور أمني تجاه الدروز وترتيبات خاصة في السويداء ودرعا والقنيطرة. ومن شأن تحول الجنوب إلى نطاقات أمنية ومناطق نفوذ ممتدة، تتصل بأمن الحدود والمياه ووحدة المجال السوري المحاذي للأردن، بما يضع هذه التحولات في صلب الأمن القومي الأردني. وتدعم هذا الاتجاه تقارير أممية عن إنشاء بنى عسكرية إسرائيلية ثابتة وتصريحات إسرائيلية تشير إلى بقاء مفتوح الأمد في المنطقة(8).

جنوبًا، تمر المخاطر عبر العقبة والبحر الأحمر وباب المندب. فاتساع المواجهة في اليمن واقتراب الحوثيين، خلال سبتمبر/أيلول، من السيطرة على أجزاء إستراتيجية حول باب المندب أظهر كيف يمكن لجبهة بعيدة نسبيًّا أن تتحول إلى مسألة أردنية عبر كلفة الشحن والطاقة والتأمين وحركة الموانئ. بالنسبة إلى دولة يعتمد اتصالها البحري على منفذ واحد، يصبح أمن البحر الأحمر جزءًا من أمن الاقتصاد الوطني(9).

زمنيًّا، يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات: الأول هو التهديد الآني: الصواريخ والمسيرات والمجال الجوي والمنشآت العسكرية. الثاني هو التهديد المتوسط: طول الحرب، وكلفة الطاقة والشحن، والاستثمار والسياحة، واتساع تمركز القوات الأجنبية والضغط السياسي الداخلي. أما المستوى الثالث فهو التهديد البنيوي طويل الأمد: الضفة والتهجير والضم، وجنوب سوريا والمياه، وتحول النظام الأمني الإقليمي نفسه.

هذه المستويات تفرض ترتيبًا مختلفًا للأولويات؛ فالمشكلة الأكثر إلحاحا عسكريًّا اليوم، قد تكون أقل قدرة على إعادة تشكيل الدولة من مسار يتقدم ببطء عبر الأرض والقانون والديمغرافيا. وتبقى جميع الحسابات الاقتصادية واللوجستية في مرتبة تالية عندما تصل المخاطر إلى مستوى يمس الحدود أو الديمغرافيا أو المياه أو شروط قيام الدولة الفلسطينية؛ ففي هذه الحالات ينتقل القرار من حساب المنفعة إلى حساب الكلفة الوجودية.

هذه المستويات تفرض ترتيبًا مختلفًا للأولويات؛ فقد تكون التهديدات العسكرية المباشرة أكثر إلحاحًا، لكن التحولات في الضفة الغربية وجنوب سوريا، وما يترتب عليها من آثار في حدود الأردن وديمغرافيته ومياهه، وفي إمكان قيام الدولة الفلسطينية، أعمق أثرًا في مستقبله. وعندما تمس الحرب هذه القضايا، تتقدم المخاطر الوجودية على الحسابات الاقتصادية واللوجستية.

رابعًا: الضفة الغربية ومؤشرات التهجير

يمتد أثر التهجير المحتمل من الضفة الغربية إلى طبيعة العلاقة الأردنية-الإسرائيلية والاستقرار الداخلي. ولا يُقاس مستوى هذا الخطر بمجرد تداول خطاب "النقل" أو "الهجرة"، بل بتراكم المؤشرات التي تدل على انتقاله من الخطاب السياسي إلى إجراءات قابلة للتنفيذ.

وتبدأ هذه المؤشرات عندما ينتقل خطاب "التهجير" من أطراف سياسية إلى سياسات رسمية، خصوصًا إذا اقترن بإجراءات تُغيِّر وضع الأرض أو تضعف المؤسسات الفلسطينية. وتتعزز بالتحول القانوني والإداري نحو الضم، عبر توسيع الصلاحيات الإسرائيلية، وإعادة تصنيف الأراضي، ونقل صلاحيات من الإدارة العسكرية إلى أجهزة مدنية، بما يرسخ السيطرة ويعيد تشكيل المجال السياسي في الضفة(10).

ويرتبط بهذا التحول التفكيك المكاني، ويبرز مشروع E1 مثالًا رئيسيًّا لما يفرضه من أثر على التواصل الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها وعلاقة القدس بمحيطها الفلسطيني، إلى جانب مخاطر إخلاء تجمعات مثل الخان الأحمر(11). كما يتعزز هذا المسار مع اتساع "البيئة الطاردة للسكان" الناتجة عن هدم المنازل، والإخلاءات، وعنف المستوطنين، ومصادرة الأراضي، والقيود على المياه والخدمات والحركة، وهي عوامل أسهمت بالفعل في نزوح داخلي واسع(12).

ويشكِّل تراجع قدرة السلطة الفلسطينية على دفع الرواتب وتقديم الخدمات والحفاظ على وظائفها الأمنية والإدارية مؤشرًا إضافيًّا، لأن ضعف المؤسسات يرفع قابلية تحول الضغط السكاني إلى حركة أوسع. أما المؤشر الأعلى حساسية للأردن فهو انتقال النزوح الداخلي إلى ترتيبات خروج عبر الحدود. 

حتى 5 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تتركز الأدلة الموثقة في الضمِّ والتفكيك المكاني والتهجير داخل الضفة؛ ويشكل انتقالها إلى حركة سكانية واسعة باتجاه الأردن عتبة مختلفة تفرض إعادة تقدير مستوى الخطر الإستراتيجي والسياسة اللازمة لمواجهته(13).

خامسًا: تغير وظيفة الأردن

يتجلَّى تغير وظيفة الأردن الإقليمية في طبيعة علاقاته بالقوى المحيطة به. فمع الولايات المتحدة، تنتقل العلاقة من دعم أمن الأردن إلى اعتماد متبادل جزئي: واشنطن تحتاج إلى موقعه وقدراته واستقراره، وعمَّان تحتاج إلى المظلة الدفاعية والتمويل والتكنولوجيا. مع إيران، تتكون علاقة تجمع المواجهة الدفاعية المباشرة مع استمرار الاتصال السياسي. مع إسرائيل، تتعايش مصالح وظيفية قائمة في الأمن والحدود والمياه مع افتراق إستراتيجي يتسع حول الضفة والقدس وسوريا. ومع المحيط العربي، ترتفع قيمة التنسيق بوصفه مصدر دعم أمني واقتصادي وسياسي، خصوصًا عندما يصبح أمن الأردن والخليج والممرات البحرية أكثر ترابطًا.

ويمتد هذا التحول إلى الوظيفة الاقتصادية واللوجستية للأردن، فاضطراب هرمز وباب المندب يزيد فاتورة الطاقة والشحن والتأمين، ويجعل منفذ العقبة أكثر حساسية لأي تدهور في البحر الأحمر. وفي الوقت نفسه يمكن للاضطراب ذاته أن يرفع قيمة العقبة والممرات البرية الأردنية عند إعادة توجيه جزء من التجارة الإقليمية(14). ويلتقط صندوق النقد هذه الازدواجية بوضوح: توقعاته تشير إلى اتساع عجز الحساب الجاري إلى 7.4% من الناتج بفعل ارتفاع فاتورة الطاقة وضعف إيرادات السياحة وارتفاع الشحن والتأمين، فيما تعوِّض الصادرات الأقوى وزيادة الخدمات اللوجستية عبر العقبة جزءًا من هذه الضغوط(15). 

سادسًا: المسارات المحتملة

تُحدَّد المسارات المقبلة وفق اتجاه الحرب ومستوى انخراط الأردن فيها.

المسار الأول: وهو الأرجح في المدى القريب، يقوم على استمرار "إدارة الانكشاف": حرب ممتدة بدرجات متفاوتة، وجولات تصعيد يعقبها تفاوض، وتعاون دفاعي أميركي قوي، واعتراضات أردنية عند الضرورة، مع استمرار قنوات الاتصال مع إيران والدول العربية والقوى الدولية. المعطيات حتى 5 أكتوبر/تشرين الأول تشير إلى أن الحرب دخلت شهرها الثامن مع بقاء مسارات التفاوض حول ترتيبات مؤقتة، ومنها ملف مضيق هرمز، من دون تسوية شاملة(16). في هذا المسار يحتفظ الأردن بوظائفه الأربع الحالية، ويتحول التحدي إلى استدامتها من دون استنزاف دفاعي أو اقتصادي أو سياسي يتجاوز قدرة الدولة على الامتصاص.

المسار الثاني: قد يتطور المسار الأول باتجاه تصاعد المركزية العسكرية للأردن، إذا انتقلت إليه وظائف إضافية من العراق أو الخليج، أو ازداد استخدام المنشآت فيه في مهام إقليمية. ويرفع ذلك أهمية الأردن في التخطيط الأميركي ويعزز قدراته الدفاعية، لكنه يزيد أيضًا احتمالات استهدافه، ويصعب الفصل بين حمايته واستخدامه ضمن عمليات "الحليف". ويكون المؤشر الحاسم على الانتقال إلى هذا المسار طبيعة الاستخدام الفعلي للمنشآت والقوات، أكثر من عدد العسكريين أو المنظومات الموجودة على الأرض.

المسار الثالث: فقد يُنشئ خفضٌ مستدام للتصعيد الأميركي-الإيراني تحولًا في مركز التهديد من الشرق إلى الغرب والشمال. ومن شأن ذلك أن يقلِّل الخطر الصاروخي المباشر، لكنه يعيد الضفة الغربية وجنوب سوريا والمياه إلى صدارة جدول الأمن القومي الأردني. ففي خطاب الأمم المتحدة، في 22 سبتمبر/أيلول، وصف الملك عبد الله الثاني التحول في الضفة بأنه "تحول أساسي" يرتبط بسياسة تدفع السكان إلى مغادرة أرضهم، وربط التوسع الإسرائيلي في سوريا والموارد المائية مباشرة بالأمن الوطني الأردني(17). وفي هذا المسار يصبح منع الضم والتهجير، والحفاظ على قابلية الدولة الفلسطينية، والتأثير في ترتيبات الجنوب السوري، محاور السياسة الأردنية الأولى.

خاتمة 

تكشف الحرب أن التحدي الأردني تجاوز منذ فترة سؤال كيفية عزل الأردن عن صراعات محيطه. فالجغرافيا والتحالفات والممرات تجعل الأردن جزءًا من البيئة التي تتحرك فيها هذه الصراعات، بينما تمنحه في المقابل قيمة تتزايد كلما ارتفعت الحاجة إلى الاستقرار والمواقع الآمنة والممرات البديلة. ومن هنا، لم يعد النجاح يُقاس بقدرة الأردن على الابتعاد عن الحرب، بل بقدرته على إدارة دوره في ظلها، بما يعزز قدراته ويحدّ من انكشافه.

وتبدأ هذه المقاربة من الحفاظ على الثوابت التي أعلنها الأردن نفسه: حماية السيادة، وربط استخدام القوة بالدفاع عن الأرض والمواطنين، والحفاظ على الدبلوماسية، ومنع استخدام الأردن منطلقًا للهجوم على دول أخرى، ودعم الحقوق الفلسطينية ورفض الضم والتهجير، وحماية أمن سوريا ووحدتها.

لكن المعيار النهائي لنجاح السياسة الأردنية لن يكون حجم الحماية التي يحصل عليها الأردن وحده، بل مقدار مساحة القرار التي يحتفظ بها بعد الحصول على هذه الحماية. فارتفاع أهمية الأردن الإقليمية يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة عندما يوسع خياراته وموارده ونفوذه؛ ويمكن أن يتحول إلى مصدر قيد عندما يصبح ثمن هذه الأهمية ارتفاعًا موازيًا في الانكشاف والاعتماد.

نبذة عن الكاتب

مراجع
  1. وزارة الخارجية وشؤون المغتربين الأردنية، اتصال الصفدي بعراقجي، 2 فبراير/شباط 2026 (تاريخ الدخول: 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026)، https://mfa.gov.jo/news/217521 
  2. Agreement Between the Government of the United States of America and the Government of the Hashemite Kingdom of Jordan on Defense Cooperation, January 31, 2021, art. III. https://2021-2025.state.gov/wp-content/uploads/2021/05/21-317-Jordan-Defense-DCA-01.31.2021-with-Exchange-of-Notes.pdf; Congressional Research Service, Jordan: Background and U.S. Relations, January 2026, https://www.congress.gov/crs_external_products/RL/PDF/RL33546/RL33546.96.pdf
  3. The Washington Institute, Jordan’s Wartime Balancing Act 2026, accessed October 6, 2026,

https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/jordans-wartime-balancing-act

  1. U.S. Central Command, “Posture Statement,” 2026, accessed October 6, 2026,

 https://www.centcom.mil/ABOUT-US/POSTURE-STATEMENT/; Reuters, “U.S. Forces Exit Iraq, Emboldening Iran’s Proxies and Islamic State,”September 30, 2026, accessed October 6, 2026,  https://www.reuters.com/world/us-forces-exit-iraq-emboldening-irans-proxies-islamic-state-2026-09-30/

  1. البارومتر العربي، "الأردن: موجز اتجاهات الرأي العام"، نتائج الدورة التاسعة، 25 أغسطس/آب 2026، استنادًا إلى استطلاع ميداني نُفِّذ في الأردن خلال 1–12 أكتوبر/تشرين الأول 2025.
  2. الأمم المتحدة، رسالة الأردن إلى رئيس مجلس الأمن والأمين العام، S/2026/209، 25 مارس/آذار 2026،  https://digitallibrary.un.org/record/4107073/files/S_2026_209-EN.pdf  ؛ القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، بيان الاعتداء الصاروخي على المملكة، 9 سبتمبر/أيلول 2026 (تاريخ الدخول: 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026)، https://jaf.mil.jo/NewsViewEn.aspx?NewsId=62440
  3. وكالة الأنباء الأردنية، الأردن يستضيف اجتماعًا سوريًّا-إسرائيليًّا لبحث خفض التصعيد، 24 أغسطس/آب 2026 (تاريخ الدخول: 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026)، https://petra.gov.jo/typo3/index.php/en/news/jordan-hosts-syrian-israeli-meeting-to-discuss-de-escalation؛ الديوان الملكي الهاشمي، الملك ووزير الخارجية الأميركي يبحثان جهود خفض التصعيد، 2 أكتوبر/تشرين الأول 2026 (تاريخ الدخول: 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026)، https://www.rhc.jo/en/news/king-us-secretary-of-state-discuss-de-escalation-efforts ؛ وكالة الأنباء الأردنية، الأردن يدين استئناف العمل في "خط سوفا 53" في جنوب سوريا، 4 أكتوبر/تشرين الأول 2026، https://petra.gov.jo/en/url/QotGLxDCWt
  4. Olivia Le Poidevin, “Some Israeli Actions in Syria May Amount to War Crimes, UN Probe Says,” Reuters, September 8, 2026, accessed October 6, 2026,

https://www.reuters.com/world/middle-east/some-israeli-actions-syria-may-amount-war-crimes-un-probe-says-2026-09-08/;  Yamaam Al-Shaar, Khalil Ashawi, and Nayera Abdallah, “Syrian Students Get Caught in Rift between Druze Leaders and Damascus,” Reuters, October 2, 2026, accessed October 6, 2026,

https://www.reuters.com/world/middle-east/syrian-students-get-caught-rift-between-druze-leaders-damascus-2026-10-02/;  Reuters, “Israel Says It Hit Syrian Government Targets after Attacks on Druze Civilians,” March 20, 2026. accessed October 6, 2026,

https://www.reuters.com/world/israeli-military-says-it-struck-syrian-government-targets-after-attacks-druze-2026-03-20/

  1. Reuters, “Saudi Says No Danger after Khamis Mushait Alert amid Clashes with Houthis,” September 10, 2026, accessed October 6, 2026,

 https://www.reuters.com/world/middle-east/saudi-says-no-danger-after-khamis-mushait-alert-amid-clashes-with-houthis-2026-09-10/

  1. مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، التوسع الاستيطاني والتهجير في الضفة الغربية، 17 مارس/آذار 2026 (تاريخ الدخول: 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026)، https://palestine.un.org/en/311987-israel%E2%80%99s-settlement-expansion-drives-mass-displacement-west-bank-%E2%80%93-un-report
  2. مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، خطر التهجير القسري في الخان الأحمر والتوسع في E1، 22 مايو/أيار 2026 (تاريخ الدخول: 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026)، https://www.un.org/unispal/document/ohchr-israel-must-halt-forcible-displacement-of-khan-al-ahmar-and-settlement-expansion-in-e1/
  3. مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، التوسع الاستيطاني والتهجير في الضفة الغربية، 17 مارس/آذار 2026 (تاريخ الدخول: 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026)،  https://palestine.un.org/en/311987-israel%E2%80%99s-settlement-expansion-drives-mass-displacement-west-bank-%E2%80%93-un-report ؛ مكتب منسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط، تقرير لجنة الارتباط الخاصة، 24 سبتمبر/أيلول 2026 (تاريخ الدخول: 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026)،  https://www.un.org/unispal/document/unsco-report-to-the-ad-hoc-liaison-committee-september-2026/
  4. نفس المصدر (10) و(11).
  5. وكالة الأنباء الأردنية (بترا)، "منتدى اقتصادي يرى فرصة إستراتيجية للأردن في تحولات طرق التجارة العالمية"، 19 مايو/أيار 2026؛ ووكالة الأنباء الأردنية (بترا)، "نقابة التخليص: عمليات ميناء العقبة تسير بشكل طبيعي"، 23 مارس/آذار 2026. وتشير المصادر إلى تأثير اضطرابات البحر الأحمر وباب المندب ومضيق هرمز في مسارات الملاحة وكلف الشحن والتأمين والطاقة، وإلى إمكان استفادة الأردن من إعادة توجيه التجارة عبر ميناء العقبة وشبكات النقل البري.
  6. International Monetary Fund (IMF), Jordan: Fifth Review Under the Extended Arrangement Under the Extended Fund Facility, Request for Modification of Performance Criteria, and Second Review Under the Resilience and Sustainability Facility Arrangement—Press Release; Staff Report; and Statement by the Executive Director for Jordan, IMF Country Report No. 26/146, 2026, para. 6.
  7. Reuters, “Trump Denies Offering Iran Sanctions Relief; Tehran Says Ready for Talks,” September 29, 2026, accessed October 6, 2026,

 https://www.reuters.com/world/middle-east/trump-denies-offering-iran-sanctions-relief-tehran-says-ready-talks-2026-09-29/

  1. الديوان الملكي الهاشمي، خطاب الملك عبد الله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، 22 سبتمبر/أيلول 2026 (تاريخ الدخول: 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026)،

https://rhc.jo/ar/media/view/his-majesty-king-abdullah-iis-address-at-the-general-debate-session-of-the-81st-united-nations-general-assembly-september-2026