"اتفاق مكة" في طهران وتصاعد الدور الإقليمي

شهدت العاصمة الإيرانية نشاطا دبلوماسيا مكثّفا تمثل في زيارة وفد "اتفاق مكة" بالتزامن مع وجود وفد الوساطة القطرية - الباكستانية. وأيا كانت النتائج النهائية للزيارة، فإن نتائجها المباشرة تتعلق بخفض التصعيد في سياق احتمالات تجدد الحرب من جهة، وبالعلاقات الإقليمية في سياق تنسيق أمني يمهد لآليات مشتركة، من جهة أخرى.
29 أكتوبر 2026
(الجزيرة)

مثلت زيارة وفد اتفاق مكة الثلاثي للدفاع المشترك (السعودية وتركيا وباكستان) لإيران، بالتزامن مع وجود وفد قطري في طهران، تحركا دبلوماسيا إقليميا منسقا غير مسبوق. وقد هدفت الزيارة، التي لم تعلن من قبل، إلى تخفيض التصعيد ومنع تجدد الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ودعم مسارات الوساطة، وفوق ذلك تعزيز قنوات التعاون الأمني بين دول المنطقة.

كانت تشكيلة الوفد رفيعة المستوى ومنبئة عن عظم المهمة وأهمية اللحظة. فقد تشكل الوفد من وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان، وهو شقيق الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، وقائد الجيش الباكستاني، المشير عاصم منير الذي يعد الرجل القوي في بلاده، ومدير الاستخبارات التركية، إبراهيم كالن، المقرب من الرئيس التركي. وهذه أول مهمة إقليمية معلنة يقوم بها اتفاق مكة الدفاعي الموقع في أغسطس/آب 2026، وهذه أول وساطة إقليمية جماعية بهذا الحجم.

خلال زيارته، التقى وفد اتفاق مكة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، والأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي، وشارك وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في بعض لقاءات الوفد. وسبق ذلك بيوم (الأحد 25 أكتوبر/تشرين الأول) وصول وفد قطري إلى طهران في إطار الوساطة المستمرة بين طهران وواشنطن، حيث تلعب قطر وباكستان دورا محوريا في تبادل الرسائل والمقترحات، مثل إعادة فتح مضيق هرمز مقابل رفع الحصار البحري والعقوبات، أو خطوات متعلقة بالتفتيش النووي مقابل أموال مجمدة.

الدلالات الكبرى

من حيث الجوهر، تؤكد هذه الزيارة على رفض دول الحلف الوازنة للتصعيد. فالدول الثلاث التي تتبنى اتفاقا دفاعيا يعد الهجوم على أحدها هجوما على الجميع، رتبت هذه الزيارة رفضا للتصعيد، وسعيا لخفض التوتر ودعما للمسار الدبلوماسي. والوفد برمزيته وتشكيلته يعكس رغبة جادة وجماعية في منع تجدد الحرب واتساعها، بالتزامن مع تهديدات الرئيس الأميركي وخياراته العسكرية التي تبدو جاهزة. كما أن تزامن زيارة الوفد مع وجود وفد الوساطة القطرية، يعكس التنسيق لإنجاح الوساطة القطرية – الباكستانية. وقد ظهر من التصريحات والمؤشرات المتجمعة أن الزيارة الثلاثية تدعم جهود الدوحة وإسلام أباد صراحة، ما يشير إلى تقسيم أدوار، حيث تركز قطر على الوساطة المباشرة مع واشنطن، بينما يوفر هذا الثلاثي القوي غطاء إقليميا وضغطا أوسع ودعما أقوى.

وتظهر ثالثة الدلالات الكبرى لهذه الزيارة أول تواصل سعودي إيراني رفيع خلال هذه الأزمة، وهو تواصل يعكس بعدا جديدا في علاقات الدولتين الوازنتين في المنطقة. فرغم التطبيع السعودي - الإيراني السابق، الذي تُوّج باتفاق بكين 2023، يعد هذا أول لقاء أمني - عسكري عالي المستوى، خاصة وسط هجمات حوثية على السعودية. وقد أعادت إيران، بهذه المناسبة، التأكيد على فكرة "أمن إقليمي نابع من المنطقة" بعيدا عن التدخلات الخارجية، وهو ما كانت تلح عليه دائما في خطابها لجارتها الخليجية الكبرى.

الرسائل المتبادلة

بالمنطق السياسي والدبلوماسي، تمثل هذه الزيارة حضورا إقليميا جماعيا لدول "اتفاق مكة"، يظهر حجمها ويكرس مكانتها. وتظهر إيران، من جهتها، انفتاحها على الحوار الإقليمي، واستعداها للتفاهمات المشتركة بناء على ذلك. ويسعى الوفد لتقييد التصعيد الحوثي على السعودية، إضافة إلى منع استهداف البنية التحتية الخليجية في أي رد إيراني منتظر على الحرب الأميركية. وقد انتهى الاجتماع ببيان مشترك يؤكد مواصلة الحوار وتعميق التعاون لتحقيق السلام والأمن الإقليميين، وتلك نقطة إيجابية جدا، عززتها تصريحات محسن رضائي عن "تفاهمات استراتيجية"، وأجواء إيجابية، دون إعلان اختراق ملموس في الملف النووي أو في العلاقة مع واشنطن، وإن زعمت بعض المصادر أن ذلك لم يناقش. وبعيدا عن الرسائل المتبادلة، يبدو أن للزيارة آثارا واضحة على احتمالات اندلاع الحرب مجددا، وعلى العلاقات الإقليمية:

- التأثير على احتمالات اندلاع الحرب

في علاقته بتجدد الحرب، يُعد أثر الزيارة إيجابيا مؤقتا لكنه غير حاسم، فالتحرك يفتح قنوات متعددة ويظهر قوى إقليمية لا تريد استعار الحرب ولا توسعها. وتتداول بعض التقارير أن الوساطة عرضت مقايضات من قبيل فتح مضيق هرمز مقابل رفع الحصار، والتفتيش مقابل الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، والحال أن قطر وباكستان حافظتا على زخم الوساطة رغم الجمود والفتور البادي من طرفي الحرب. غير أن مخاطر اندلاع الحرب وتوسعها تبقى حاضرة وبقوة. فالخلافات الجوهرية بين الطرفين لم تجسر، خاصة فيما يتعلق بمطالب إيران برفع العقوبات والحصار والتعويض، مقابل مطالب أميركية بشأن البرنامج النووي. كما أن واشنطن تحتفظ بخيارات عسكرية يقابلها استعداد إيراني للرد.

وقد يبدو الاجتماع محاولة في اللحظات الأخيرة لاحتواء الأزمة أكثر من تحقيق اختراق حقيقي ودائم، خاصة مع توقيت الانتخابات في واشنطن وإسرائيل والمخاوف من ضربات جديدة، واستمرار هجمات الحوثيين على السعودية، ما يعقّد الصورة في الإقليم عامة.

- التأثير على العلاقات الإقليمية

من شأن هذه الزيارة تعزيز القنوات الثلاثية ثنائيا: السعودية-الإيرانية، والتركية-الإيرانية، والباكستانية-الإيرانية، ما يفتح بابا لتنسيق أمني أوسع، ويمهد لآليات إقليمية مشتركة، خاصة أن إيران أبدت استعدادا لدراسة اتفاق مكة إذا كان إيجابيا، وهو ما ينقلها من دائرة التحفظ التي تستبطن الرفض إلى دائرة التلاقي الإيجابي. كما أنها تعزز بشكل واضح دور الوسطاء، وتعطي زخما للوسيطين، قطر وباكستان، فتكتسبان بذلك ثقلا أكبر بوصفهما لاعبين قادرين على ربط الأطراف، ويحظيان برافعة إقليمية قوية. وتعطي، إلى جانب ذلك، دفعا واضحا لنظرية الأمن الإقليمي الذاتي التي تتبناها إيران، وهي ثمرة خطاب إيراني قديم، يسعى لتقليل الاعتماد على القوى الخارجية، خاصة أميركا، مع توفر أو تحقق توازن سعودي-تركي-باكستاني، لأول مرة في المنطقة.

في كل الأحوال، يضع ملف الحوثيين حدودا للتفاؤل وقيودا على أي اتفاق وقع أو يمكن أن يقع حتى الآن. فهذا الملف لن يُحلّ فورا، والعلاقات تبقى براغماتية منفعية وسط توترات الإقليم المتصاعدة في فلسطين، ولبنان، ومضيق هرمز. وبديهي أنه إذا نجحت التهدئة، فإن التعاون سيتعمق في اتجاه الحل، أما إن فشلت الدبلوماسية مع واشنطن، فبروز الخلافات وتصاعدها مجددا هو المنتظر.

لقد أعطت الزيارة إشارة قوية إلى أن دولا إقليمية رئيسية تعمل على احتواء الأزمة ودعم الدبلوماسية، ما يخفض مؤقتا احتمالات الحرب ويعزز الحوار الإقليمي، لكنها لا تضمن نهاية التوترات ما دامت الملفات الأساسية من سلاح نووي إيراني وعقوبات على طهران وإغلاق لمضيق هرمز وتصاعد للحرب في اليمن مفتوحة. وبطبيعة الحال، ستكشف تطورات الأيام المقبلة إمكان الوصول أو ترجمة ما تم الاتفاق عليه إلى نتائج ملموسة.

هل كانت الزيارة فاشلة؟

يتردد في الكواليس الإعلامية أن الزيارة كانت فاشلة أو لم تحقق المطلوب، ويناقض ذلك المنطلقات التي أسلفنا، ونعيد هنا التأكيد على نقاط النجاح:

- بهذه التشكيلة، هذا أول اجتماع أمني رفيع المستوى منذ توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك، واندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية.

- انتهت الزيارة باتفاق واضح على مواصلة الحوار وتعميق التعاون في مجالي السلام والأمن الإقليميين.

- صدرت عن الجانب الإيراني تصريحات إيجابية تجلت في حديث الرجل القوي في النظام، محسن رضائي، تحدث فيها عن تفاهمات استراتيجية وأجواء إيجابية، وعن فكرة أن أمن المنطقة "يجب أن يكون من صنع دولها بعيدا عن التدخلات الخارجية".

- الجانب السعودي أكد أن المشاركة تأتي في إطار منع تجدد التصعيد العسكري وتعزيز قنوات التفاوض، وهذا موقف، وإن لم يكن جديدا تماما على السعودية، فإنه يشكل ضغطا على واشنطن، وتأييدا صريحا للحل الدبلوماسي وسعيا إليه.

- دعم قوي وصريح لجهود الوساطة القطرية-الباكستانية، تجلى في توقيت الزيارة المتزامن مع وجود الوفد القطري في طهران، فضلا عن نتائج اللقاءات المعلنة عامة.

- الحوار والنقاش وجها لوجه بشأن ملفات إقليمية في فلسطين، ولبنان، وتداعيات التصعيد العسكري، واليمن، والأمن المشترك.

هذه النتائج تتوافق مع الهدف المعلن للزيارة، وهو خفض التصعيد، ودعم الحلول الدبلوماسية، وتعزيز التنسيق الإقليمي. وهذا لا ينفي أن النجاح المنشود كان ناقصا أو غير مكتمل بالدرجة المطلوبة. ذلك أنه لم يعلن عن اتفاقات ملموسة أو التزامات جديدة ملزمة لجميع الأطراف الحاضرة. فلم يعلن، على سبيل المثال، عن وقف فوري للهجمات الحوثية على السعودية، ولم يعلن عن تقدم في المفاوضات بشأن مضيق هرمز، كما لم يحدث أي اختراق معلن في الملف النووي الإيراني أو المفاوضات مع واشنطن.

لقد كان واضحا أن المحادثات، في جانبها المعلن، ركزت على التنسيق الأمني العام، ولم تشمل الملف النووي الإيراني. يؤكد ذلك أن صياغة البيان الختامي كانت عامة جدا وفضفاضة، كالحديث عن "مواصلة المشاورات والحوار"، دون تحديد آليات تنفيذ واضحة أو نتائج فورية. كما أن التوترات الأساسية، مثل التهديدات الأميركية-الإسرائيلية باستئناف الحرب، والهجمات الحوثية على السعودية، والخلافات الجوهرية بين طهران وواشنطن، ما تزال قائمة. بهذا المعنى، يبدو الاجتماع خطوة أولية ضمن مسار أطول، قد لا يسعفه الزمن وحسابات الأطراف القوية في المعادلة.

نبذة عن الكاتب