علاقات دمشق وبغداد أمام تحدي الثورة السورية

الحكومة العراقية مشدودة في موقفها من الثورة السورية إلى عدة جهات، رأي عام عراقي متعاطف مع الثوار، إيران التي تساند الأسد، وقوى غربية ودولية وعربية تناهضه.
2011102395626999734_2.jpg

شكّلت الأحداث الجارية حالياً في سوريا محور اهتمام العراق على مختلف الأصعدة الرسمية والشعبية، تباينت فيها ردود الأفعال والمواقف بين مؤيدٍ ومعارضٍ لها بفعل عوامل سياسية وجغرافية وأمنية، وتفاعلات إقليمية ودولية، الأمر الذي يحتاج إلى قراءةٍ دقيقة لهذه المواقف.

العراق وسوريا: علاقات مضطربة

ابتداءً لابد من القول أن العلاقات السياسية بين العراق وسوريا اتسمت بالاضطراب والفـتور على مدى العـقود الخمـسة الماضية، منذ تسلم حزب البعث زمام السلطة في دمشق وبغداد عام 1963. وبعد وصول صدام حسين إلى سدة الحكم رسمياً في العراق عام 1979، اندلعت الحرب مع إيران في السنة التي تلتها، فاختارت سوريا الوقوف إلى جانب إيران في الحرب ضده، مما أدى إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 1982 - بعد أن اتهم العراق النظام السوري بتهريب الأسلحة إلى أراضيه- عن طريق سفارته ببغداد. ومع ذلك فإن العلاقات بين الجانبين استمرت رغم التوتر الذي شابها، وتزايد هذا الوضع سوءًا بعد قرار الحكومة السورية المشاركة في القوات الدولية التي أخرجت القوات العراقية من الكويت عام 1991. ولكن العلاقات تحسنت نسبياً وحصل تقارب بين النظامين الحاكمين في بغداد ودمشق إبان الفترة التي فُرضت فيها العقوبات الدولية على العراق في عقد التسعينات من القرن الماضي، حيث أُتهم السوريون ببيع نفط العراق وتهريب البضائع إليه.

وسرعان ما حدث تغيير مفاجئ في ديناميكية هذه العلاقات وذلك بعد وفاة حافظ الأسد عام 2000، واستلام نجله بشار الحكم بالتوريث، عندها بدأت العلاقات العراقية-السورية تدخل شيئاً فشيئاً مرحلة ايجابية تمثلت بتشكيل قنوات ارتباط واتصال بين البلدين، شملت تعزيز الجوانب السياسية والاقتصادية، في مسعى لطيّ صفحة الماضي مع العمل على استفادة سوريا من تهريب النفط العراقي بأثمانٍ رخيصة تمهيداً لتصديره بأسعارٍ مرتفعة للأسواق العالمية.

وبعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 والإطاحة بنظام صدام حسين، لجأ كثير من قادة وكوادر حزب البعث العراقي إلى دمشق. وبعد انقطاعٍ دام قرابة عقدين من الزمان أعلن العراق وسوريا رسمياً في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 2006 إعادة العلاقات الدبلوماسية بينهما. ومنذ عام 2003 اتهم الأمريكيون الحكومة السورية بمساعدة قادة وكوادر حزب البعث العراقي - أو التغاضي عنهم في ابسط الأحوال - في تنظيم وإدارة جزءٍ على الأقل من "المقاومة" العراقية للقوات الأمريكية.

وشهدت العلاقات العراقية-السورية هزةً دبلوماسية على خلفية مطالبة الحكومة العراقية بشخصيات عراقية اتهمتهم بالتورط في عمليات وصفتها بـ(الإرهابية) ومن بينها تفجيرات 19 آب/ أغسطس 2009 التي وقعت في بغداد متسببةً في وقوع مئاتِ القتلى والجرحى أغلبهم من المدنيين. وقد ألقت الحكومة العراقية باللائمة على الحكومة السورية مدعيةً إيواءها لشخصيات قيادية مهمة في حزب البعث العراقي، مسؤولين حسبها بالتخطيط للعمليات (الإرهابية) التي تشهدها البلاد بالتنسيق مع تنظيم القاعدة.

وقد أكد الناطق باسم الحكومة العراقية علي الدباغ أن حكومته لا تتهم سوريا بالوقوف وراء تلك التفجيرات أو التورط بها، لكنه اتهمها بالتغاضي عن تلك الجماعات والسماح لها بالعمل وممارسة نشاطها بشكلٍ علني.

وسارعت الحكومة السورية من جهتها إلى استدعاء سفيرها في بغداد، رافضةً في الوقت نفسه ما عدّته اتهاماً من المتحدث الرسمي باسم الحكومة العراقية .وقال بيان لوزارة الخارجية السورية، إن ما يجري بثه في وسائل الإعلام العراقية أدلة مفبّركة لأهدافٍ سياسية داخلية، مؤكداً أن سوريا أبلغت الجانب العراقي استعدادها لاستقبال وفدٍ عراقي للإطلاع منه على الأدلة التي تتوافر لديها عن منفذي هذه التفجيرات.

وبعد سنةٍ من التوتر والفتور، استؤنفت العلاقات الدبلوماسية بين بغداد ودمشق من جديد في أيلول/ سبتمبر 2010، وقام رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، في منتصف تشرين الأول/ أكتوبر 2010، بزيارةٍ رسمية للعاصمة السورية دمشق، في خطوةٍ أدت إلى طيّ صفحة الخلافات التي استمرت أكثر من سنة، والتقى نظيره محمد ناجي العطري والرئيس السوري بشار الأسد الذي بحث معه سبل تطوير علاقات التعاون بين البلدين وضرورة العمل على إزالة جميع العقبات التي تعترضها، والبحث عن آفاق تعاون جديدة تعزز العلاقات الثنائية وتخدم مصالح الشعبين المشتركة. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2010، وقّع البلدان في ختام اجتماعات اللجنة الوزارية العراقية-السورية المشتركة خمس مذكرات تفاهم للتعاون في مجال التجارة والصناعة وتنمية الصادرات، كما تم تأسيس مجلس رجال الأعمال العراقي- السوري بهدف تطوير التعاون الاقتصادي والتجاري وزيادة الاستثمارات بين البلدين.

الثورة السورية والموقف العراقية

1. الموقف الرسمي
أحدث اندلاع الثورة السورية في منتصف آذار/ مارس 2011 تبايناً واضحاً في موقف الحكومة العراقية لدرجة أنه بدا لكثيرٍ من المراقبين أن هناك ازدواجية أو قصوراً في اتخاذ المواقف تجاه هذه الثورة بين مكونات الحكومة العراقية (رئاسة الوزراء، رئاسة الجمهورية، الخارجية العراقية البرلمان العراقي).

فموقف الحكومة العراقية شهد تحولاً تدريجياً إزاء تطورات الأحداث في سوريا، اتسم في البداية بالحذر والترقب والقلق، وهو ما رأى فيه محللون أنه وازن بين قربه من إيران الداعمة لدمشق، و"العمق العربي" الذي ترتفع فيه أصوات تضغط على نظام بشار الأسد باتجاه إنهاء العنف. وفي هذا السياق، اعتبر رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بعد اندلاع الثورة بشهرين أن "تحقيق الإصلاحات" في سوريا سيساعد على إحلال "الأمن والاستقرار" فيها، وأكد على أن "استقرار المنطقة ككل مرتبط باستقرار سوريا وأمنها" معبراً عن أمله في قدرة سوريا على تجاوز الأزمة.

إلا أنه حدث تحّول واضح في الموقف العراقي بعد الإعلان في اسطنبول مطلع تشرين الأول/ أكتوبر 2011 عن تأسيس المجلس الوطني السوري، فلقد دعا المالكي في 11 تشرين الأول/ أكتوبر 2011 سوريا إلى الانفتاح السياسي لإنهاء حكم الحزب الواحد في إطار إصلاحاتٍ لمواجهة ما وصفها بـ"الاحتجاجات الشعبية". وقال المالكي في مقابلةٍ مع وكالة "رويترز": " إننا ندعم بالتأكيد فكرة إنهاء حكم الحزب الواحد والشخص الواحد والطائفة الواحدة والقومية الواحدة".

ويبدو من هذا أن الموقف العراقي الرسمي يراقب عن كثب تطور الأوضاع داخل سوريا، في محاولةٍ بطيئة للاقتراب من الموقف الإقليمي والدولي الداعي إلى وقف إراقة الدماء وإجراء إصلاحاتٍ وإنهاء حكم الحزب الواحد في سوريا.

وكان الرئيس العراقي جلال طالباني قد أكد في رسالةٍ وجهها إلى نظيره السوري أواخر تموز/ يوليو 2011 على دعم العراق " لأمن واستقرار سوريا ومسيرة الإصلاحات فيها". كما صرّح وكيل وزارة الخارجية لبيد عباوي لوكالة فرانس برس قائلاً: "إن موقفنا ينص على دعوة الحكومة السورية إلى إجراء إصلاحاتٍ تتناسب مع تطلعات الشعب ونحن لا نتفق مع استخدام العنف سواء من قبل القوات الحكومية، أو من قبل الجماعات المسلحة". وأضاف "نأسف لتصاعد العمليات العسكرية ونتمنى أن تتوقف وأن تبدأ الإصلاحات في سوريا". ورداً على سؤال حول إمكانية اتخاذ مواقف مماثلة لمواقف معظم دول الخليج العربي التي سحبت سفراءها من دمشق، شّدد عباوي على أن "استدعاء السفير العراقي في دمشق أمر غير مطروح .. ".

لكن موقف رئيس البرلمان العراقي أسامة النجيفي كان أكثر وضوحاً عندما دعا الحكومة السورية في 9 آب/ أغسطس 2011 إلى اتخاذ "موقفٍ جريء لوقف نزيف الدم"، مديناً "قمع الحريات" وداعياً إلى "وقف جميع الممارسات غير السلمية".

الموقف الذي تبنته الحكومة العراقية في بداية الأمر حيال الأحداث في سوريا كان داعماً للنظام السوري بشكلٍ غير مباشر، وقد يرجع ذلك إلى خشيتها وقلقها البالغ من أن تؤثر الثورة السورية في حال نجاحها تأثيراً مباشراً في تطورات الوضع السياسي الداخلي في العراق، بحيث يمكن أن تؤدي إلى تغيير خارطة التحالفات السياسية، الأمر الذي قد يفضي إلى تعميق الأزمة السياسية بشكلٍ أكثر تعقيداً ويُدخل البلاد في دوامة عدم الاستقرار السياسي.

ويرى مراقبون أن الموقف العراقي ارتبط إلى حدٍ ما بالصراع السياسي بين إيران ودول عربية، على رأسها المملكة العربية السعودية، وأن إيران المؤيدة للنظام السوري بحكم المصالح المشتركة معه، لها نفوذ وتأثير سياسي في العراق، لذا فان اتخاذ الحكومة العراقية مواقف مغايرة تجاه أحداث سوريا قد ينعكس سلباً على كثير من الملفات المشتركة بين العراق وإيران. لذلك كانت الحكومة العراقية قلقة من أن تغيير النظام السوري الذي تربطه علاقات ومصالح إستراتيجية مع إيران في المنطقة، يمكن أن يؤدي إلى تداعياتٍ سياسية وأمنية كبيرة قد تغير خارطة التحالفات السياسية والتوازن الإقليمي في المنطقة ككل.

إلا أن تغيّر الموقف العراقي الذي جاء بعد تأسيس المجلس الوطني السوري يمكن أن يكون مستنداً إلى عدة عوامل:

  • إصرار الشعب السوري على المضي قدماً بثورته أمام استمرار إفراط النظام السوري في قمع المظاهرات الاحتجاجية، فأحدث ذلك أثراً كبيراً ساعد على إقناع الرأي العام الإقليمي والدولي بالدعوة إلى ضرورة مساندة هؤلاء المحتجين وحمايتهم من أجل الدفاع عن حقوقهم.
  • قيام الحكومة العراقية بقراءة المشهد السوري بشكلٍ مغاير أقنعها أن التغيير قادم لا محالة في سوريا، وأن النظام السوري قد وصل فعلاً إلى نقطة اللاعودة جراء سياسة القمع التي ينتهجها إزاء المظاهرات داخل البلاد.
  • إن دعوة رئيس الوزراء العراقي النظام السوري إلى إنهاء حكم الحزب الواحد والانفتاح السياسي، قد يؤشر إلى رغبة الحكومة العراقية في دعم الحكومة السورية، وإنقاذها من المأزق الذي وضعت نفسها فيه، عبر إمكانية نقل التجربة العراقية في تشكيل (حكومة شراكة وطنية)، بإشراك المعارضة فيها، وذلك بإجراء انتخاباتٍ حقيقية في البلاد.
  • يبدو أن الحكومة العراقية تسعى إلى اللحاق بركب المواقف الإقليمية والدولية الداعمة لوقف العنف في سوريا وتحقيق التغيير السياسي قبل فوات الأوان، لأن ذلك سينعكس إيجاباً على العلاقات العراقية-السورية فيما لو حصل تغيير فعلي في سوريا.

2. الموقف الشعبي
أما الموقف الشعبي داخل العراق فقد كان أكثر وضوحاً من المواقف الرسمية للحكومة العراقية، ويمكن إيجازه بأنه موقف مؤيد وداعم للثورة السورية، ومندّد بسياسة النظام السوري إزاءها، وهو موقف نابع من تعاطف الشعب العراقي مع جاره الشعب السوري في محنته الحالية، ورغبته في وقف آلة القمع التي يستعملها النظام تجاه هذا الشعب وحماية حقوقه وتلبية مطالبه المشروعة، مع التأكيد على وحدة الشعب السوري، وهذا ما عبّر عنه أمين عام (حركة العدل والإصلاح العراقي) عبد الله حميدي عجيل الياور الذي دعا إلى ضرورة قيام العراقيين بتقديم المساعدات الإنسانية لإخوانهم السوريين ودعمهم إعلامياً نظراً لمنع السلطات السورية وكالات الأنباء والتلفزيونات العربية والعالمية من تغطية نشاطات الثورة السورية، ونَقلِ الصورة الحقيقية لما يجري في داخل المدن السورية، علماً أن هناك الكثير من الطلبات التي قدمت من العراقيين المتزوجين من النساء السوريات إلى دوائر الجنسية في محافظة نينوى يطالبون بها الحصول على اذونات الإقامة أو تجديدها لغرض الاستقرار في المحافظة هرباً من الملاحقات التي يتعرضون لها في بلادهم.

وفي السياق ذاته أعلن رئيس مجلس محافظة الانبار جاسم الحلبوسي، استعداد المحافظة لاستقبال النازحين السوريين في حالة اضطرارهم إلى النزوح باتجاه المناطق الحدودية مع العراق، شرط موافقة السلطات العراقية على ذلك. كما قام شباب الثورة العراقية الكبرى- تجمع عراقيون- بتوجيه رسالة دعمٍ وإسناد إلى الثورة السورية في 22 آب/ أغسطس 2011، معلنين فيها تضامنهم مع أهداف وطموحات الشعب السوري.

على الرغم من أن وضع العراق السياسي والأمني مختلف تماماً عن وضع الدول العربية الأخرى، وله خصوصية في اتخاذ المواقف تجاه أي حدثٍ يحصل بالمنطقة، إلا أن مقتضيات البيئة السياسية والجيوبوليتيكية تملي عليه ضرورة انسجام مواقفه مع مواقف الدول الأخرى كالتركية والخليجية حتى لا يقع في عزلةٍ دولية وإقليمية يكون طرفاً فيها.

مستقبل العلاقات بين البلدين

من السيناريوهات المحتلمة سقوط النظام السوري، ويزداد رجحان هذا السيناريو كلما طالت الأزمة، ويستند في تحققه إلى عوامل منها إصراره على المضي قدماً باتجاه استخدام العنف ضد المتظاهرين، وعدم الشروع بأية إصلاحات جدية على أرض الواقع، وتشكيل المعارضة للمجلس الوطني السوري، وتصاعد الموقف الدولي المناهض لسياسات قمع المحتجين.

وإذا كان هذا السيناريو محتملاً ويزداد رجحانا مع الوقت كما يقول مراقبون، فإن من مصلحة العراق أن يعيد صياغة علاقاته الثنائية مع سوريا بوضع هذا السيناريو في الاعتبار، وأن تستعد السلطات العراقية لاحتمال مجيء أية قيادة جديدة في سوريا، طالما كان هذا الموقف منسجماً ومتوافقاً مع الموقف الإقليمي والدولي من النظام السوري. ويبدو أن التصريحات الأخيرة لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي تصب في هذا الاتجاه.
____________________
ريّان ذنون محمود العباسي - مدرس ورئيس قسم الدراسات السياسية والإستراتيجية بمركز الدراسات الإقليمية في جامعة الموصل بالعراق