التعديل الدستوري في الجزائر وسؤال المشاركة

تتناول الورقةُ المنهجيةَ التي اعتمدتها السلطة في إعداد مسودة تعديل الدستور بعد انتخابات الرئاسة التي جرت في إبريل/نيسان 2014؛ حيث أعادت إنتاج التجربة الجزائرية في كتابة الدستور كالارتباط بالأزمة، وإبعاد المواطنين عن المشاركة، والاهتمام بالشكلية النصية على حساب روح الدستور.
201481495927227734_20.jpg
(الجزيرة)

ملخص
تناقش الورقةُ المنهجيةَ التي اعتمدتها السلطة في إعداد مسودة تعديل الدستور، بعد انتخابات الرئاسة التي جرت في إبريل/نيسان 2014، وترصد الجدل السياسي الذي أثارته هذه المنهجية ومخرجاتها؛ حيث اختارت السلطة آلية "المشاورات" بدل مجلس تأسيسي منتخب؛ وهو ما جعل دائرة المقاطعين لها تشمل شخصيات سياسية وازنة، وأقطابًا حزبية.

وتطرح الورقة سؤالًا جوهريًا عن جدوى التعديلات الدستورية، لاسيما أن "الوثيقة الدستورية" تحدد طبيعة النظام السياسي ومشروع المجتمع وقواعد اللعبة الديمقراطية، فهل سيكون الدستور المعدل أوفر حظًا من سابقيه في الاستمرار وحل أزمة الشرعية التي يتخبط فيها النظام السياسي الجزائري؟ أم أنه سيتأثر بالطريقة التي تمت بها هذه المشاورات التي أُبعد عنها المواطن الجزائري وقاطعها جزء مهم من الطبقة السياسية؛ مما يجعله عرضة لعدم الاحترام والتطبيق من قبل واضعيه في المقام الأول؟

وخلصت الورقة إلى أن التجربة التاريخية بيّنت أن منهجية كتابة الدستور لا تهتم سوى باحترام الشكلية القانونية على حساب روح الدستور كما حصل في مسألة تحديد العهدة الرئاسية التي تم فتحها في تعديل 2008 ليقترح التعديل الحالي العودة إلى غلقها كما كانت في دستور 1996.

مقدمة

عرفت الجزائر أولى أزماتها السياسية، مباشرة بعد الاستقلال، بسبب الاختلاف حول طريقة كتابة الدستور ومن له حق كتابته، هل هم كوادر جبهة التحرير، كما دافع عن ذلك الرئيس أحمد بن بلّة وقيادة الجيش، أم مجلس تأسيسي منتخب، كما أصرّ على ذلك الزعيم الليبرالي عباس فرحات الذي استقال لاحقًا من رئاسة المجلس في سبتمبر/أيلول 1963(1)، بعد فشل مسعاه الذي لم يكن يحظى بتأييد كبير لدى النخبة السياسية المشبعة بالأفكار الشعبوية والمؤمنة بالأُحادية كطريق للخلاص السياسي.

إبعاد المواطنين الجزائريين عن المشاركة في كتابة دستور البلاد سيتحوَّل إلى قاعدة طوال فترة حكم الحزب الواحد، وحتى بعد الإعلان عن التعددية، في وضع كل الدساتير التي عرفتها الجزائر. وهو الإبعاد الذي سيعوَّض بالاستفتاءات التي تنظمها السلطات عقب كل دستور جديد أو تعديل له، للحصول على نوع من الشرعية الشعبية لهذه الدساتير التي لم تعمّر طويلًا نتيجة الأزمات السياسية التي تولّدت عنها أو جاءت كحل لها. فقد كانت الأزمة حاضرة كخلفية عند وضع دساتير 1963 و1989 و1996 وحتى عندما تعلق الأمر بالتعديلات التي اقترحها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في 2002(2) و2008(3).

الرئيس بوتفليقة الذي انتظر لغاية فترة ما بعد الانتخابات الرئاسية (إبريل/نيسان 2014) للانطلاق في تعديل الدستور وهو في حالة صحية صعبة، لم تمنعه من الظهور كرئيس وكمركز قرار سياسي قوي في مواجهة مراكز القرار الأخرى المدنية والعسكرية. الرئيس الذي فضّل في وقت سابق المبادرة بحزمة من الإصلاحات القانونية في أعقاب أحداث الربيع العربي في 2011 وتأخير البت في مسألة التعديلات الدستورية، لما بعد الانتخابات الرئاسية، عكس ما طالبت بذلك المعارضة السياسية.

لم يمنع هذا التأخير الرئيس من تشكيل لجنة خبراء(4) في إبريل/نيسان 2013 تميزت أشغالها بسرية مفرطة لاقتراح تعديلات دستورية قبل رئاسيات 2014، بعد الانتهاء من المشاورات السياسية التي قام بها رئيس مجلس الأمة عبد القادر بن صالح، للاستماع إلى اقتراحات الأحزاب السياسية والشخصيات الوطنية في موضوع الإصلاحات السياسية ككل، بما فيها تعديل الدستور. طريقة عمل تؤكد إعادة إنتاج التجربة الجزائرية في كتابة الدستور كالارتباط بالأزمة، وإبعاد المواطنين عن المشاركة، والاهتمام بالشكلية النصية على حساب روح الدستور؛ فقد فضّل الرئيس المنتخب حديثًا، لعهدة رابعة، تغييرًا في الأشخاص وليس في الأسلوب وطريقة العمل، بعد أن أوكل مهمة الإشراف على المشاورات هذه المرة إلى مدير مكتبه أحمد أويحيى الذي عاد إلى رئاسة الجمهورية، بعد إبعاده من قيادة حزب التجمع الوطني الديمقراطي الذي استرجع رئاسته عبد القادر بن صالح رئيس لجنة المشاورات السياسية السابق ورئيس مجلس الأمة؛ ما يؤكد أننا أمام عملية تدوير للنخبة القديمة فقط، هي التي تحتكر عملية الإشراف على كتابة الدساتير.

جزائر ما بعد الانتخابات الرئاسية

ترشُّح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لعهدة رابعة، وهو في وضع صحي متدهور، لم يكن الجديد الوحيد الذي ميَّز رئاسيات 2014؛ فقد عرفت الحملة بروزًا واضحًا لقوى سياسية، ومالية وإعلامية جديدة، حسمت الانتخابات لصالح الرئيس بوتفليقة وهو في حالة صراع جزئي، مع مراكز قرار مهمة، داخل النظام السياسي الجزائري، كان من بينها المؤسسة العسكرية الأمنية. كما تولّدت عن هذه الانتخابات التي قاطعتها قوى سياسية مهمة، كانت متعودة على المشاركة فيها تقليديًا، خارطة سياسية بملامح جديدة وحراك سياسي لم تعرفه الجزائر منذ عقود.

فقد قاطع هذه الانتخابات جُلّ التيار الإخواني كما قاطعتها أحزاب التيار "الديمقراطي" على غرار جبهة القوى الاشتراكية، والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، ليشارك فيها للمرة الثانية رئيس الحكومة الأسبق علي بن فليس الذي قدَّم نفسه كمرشح قوي باستطاعته منافسة الرئيس بوتفليقة وإحداث مفاجأة لم تتحقق حتى الآن في العالم العربي: التداول السلمي على رأس السلطة بواسطة الانتخابات. 

رغم هذا الفشل للانتخابات كوسيلة تغيير سياسي، فإن الساحة السياسية الجزائرية عرفت بروز ظواهر جديدة يمكن أن نذكر من بينها ذلك التوافق الجديد الذي بدأ يظهر على مستوى النخب الحزبية التي تعودت تقليديًا على رفض العمل المشترك والتوافق فيما بينها؛ مما أضعف دورها السياسي في مواجهة السلطة وأبعدها عن إمكانية التأثير على القرار وقلّص من قدرتها على التجنيد الشعبي. فقد جمع هذا القطب، الذي تحوَّل من تجمع لمقاطعي الانتخابات الرئاسية إلى تنسيقية منادية بالتغيير السياسي وبمرحلة انتقالية، أحزابًا سياسية مثل التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وحركة مجتمع السلم، والنهضة، كانت ترفض العمل المشترك فيما بينها لأسباب أيديولوجية في المقام الأول. ومن هذه الظواهر كذلك بروز بعض الوجوه السياسية الوطنية من النخبة الرسمية القديمة واتخاذها مواقف معارضة بشكل لا لبس فيه.

رغم أهمية هذه المستجدات التي ظهرت على الساحة السياسية بعد الانتخابات الرئاسية، فإن الجديد الأهم كذلك، قد يكون ذلك الحراك الذي عاد للشارع السياسي الجزائري بعد قطيعة طويلة مع الفعل السياسي المباشر كما ظهر مع حركة "بركات" على سبيل المثال؛ وهي حركة رغم محدودية تجنيدها السياسي حتى الآن، والذي يغلب عليه الطابع الحضري ويسيطر عليه أبناء الفئات الوسطى، فإنه كسر منطق الركود الذي ميَّز الساحة السياسية الجزائرية التي ابتعد فيها المواطن عن التعبير عن اهتمامه بالشأن العام السياسي في وقت زادت فيه الحركات الاجتماعية الاحتجاجية من أجل المطالب الاقتصادية والاجتماعية الذي شجعها التحسن في الدخل المالي؛ وهي احتجاجات تعوّد النظام السياسي الجزائري، مع الوقت، على تسييرها وضبط نتائجها عكس هذا الحراك السياسي الجديد.

التعديلات الرسمية المقترحة

انطلقت المشاورات السياسية في نسختها الثانية برئاسة أحمد أويحيى مع 150 حزبًا سياسيًا وجمعية وشخصية وطنية في يونيو/حزيران 2014، والتي كان من بينها قيادات قريبة من الجبهة الإسلامية للإنقاذ(5)، بعد إعلان الكثير من الأحزاب والشخصيات مقاطعتها. مشاورات انطلقت بعد أن نشرت رئاسة الجمهورية الوثيقة التي تتضمن التعديلات المقترحة على الدستور، وجاءت في أربعة محاور أساسية: 

  • ديباجة الدستور.
  • المبادئ العامة التي تحكم المجتمع.
  • تنظيم السلطات. 
  • وأخيرًا، الرقابة الدستورية.

محاور تمت ترجمتها بإعادة صياغة 47 مادة، علمًا بأنه ليس من المؤكد، للسرية التي طغت على عملية تحرير هذه الوثيقة والمسار المؤسساتي الذي أخذته، إلى أي مدى تكون قد استفادت من عمل لجنة كردون، أو مشاورات لجنة بن صالح. أخيرًا، فإن رئيس الجمهورية قرَّر، وهو يقترح هذه التعديلات، ترك المجال مفتوحًا لأية اقتراحات أخرى فيما عدا تلك المتعلقة بالثوابت الوطنية والقيم والمبادئ التي تؤسس المجتمع الجزائري.

وقد جاء فيما يخص التعديل المقترح على الديباجة، الذي له علاقة مباشرة بالعهدة الرئاسية، أن هذا التعديل يهدف إلى دسترة التداول الديمقراطي على الحكم، من خلال إقراره في ديباجة الدستور، وترجمته في صلب النص بتحديد عدد العهدات الرئاسية (المادة 74)(6). إن هذا المبدأ الذي يشكّل أحد مقتضيات الديمقراطية، وأحد دعائمها الأساسية، من شأنه تعزيز أسس الديمقراطية، وبعث الحياة السياسية، وتمكين ثقافة التداول من البروز آجلًا في بلادنا.

أما في مجال الحريات فقد جاء التعديل بهذا الشكل "إقرار العمل على تحقيق المناصفة بين الرجل والمرأة(7)، وإقرار حرية ممارسة الشعائر الدينية في إطار القانون، وحرية الصحافة ضمن احترام حقوق وحريات الغير ومنع ممارسة أية رقابة مسبقة عليها، وحرية التظاهر والتجمع بطريقة سلمية، والحق في محاكمة عادلة، ومنع الحجز أو الحبس في أماكن غير مقررة قانونًا، وإلزامية إبلاغ الشخص الموقوف للنظر بحقه في الاتصال بعائلته، وإلزامية إخضاع القاصر الموقوف للنظر للفحص الطبي....".

أما بالنسبة للسلطات الجديدة الممنوحة للوزير الأول، فقد أصبح من حقه أن يقوم بإخطار المجلس الدستوري(8)، زيادة على تلك المادة المعدلة التي يتنازل له بموجبها رئيس الجمهورية عن بعض الصلاحيات التنظيمية(9)، لتُمنح صلاحية حق المبادرة والتعديل في بعض المواضيع حصريًا(10) لمجلس الأمة الذي دأبت قوى سياسية كثيرة على المطالبة بحله. كما تَشدّد التعديل مع مسألة غيابات النواب، الذين يمكنهم أن يفقدوا عهدتهم  النيابية، إذا قاموا بتغيير الحزب الذي انتُخبوا ضمن قوائمه(11). و"مـنح الأقلية البرلمانية..." حق إخطار المجلس الدستوري حول مدى مطابقة نصوص قانونية للدستور؛ بمعنى منازعة القوانين التي صادقت عليها الأغلبية البرلمانية، والمراسيم الرئاسية، وكذلك حق اقتراح جدول أعمال يُعرض على المجلس الشعبي الوطني للنقاش. فهذه التعديلات التي تمنح المعارضة السياسية مركزًا دستوريًا كفيلة بإعطاء دفع للحياة السياسية وتعزيز الديمقراطية التعددية في بلادنا، كما جاء في نص التعديل.

من التعديلات المتعلقة بسلطات البرلمان، ذكرت الوثيقة هذا المسعى الذي تمت ترجمته في التعديل وهو دعم صلاحية المجلس الشعبي الوطني بتخصيص جلسة، في كل دورة تشريعية، لرقابة عمل الحكومة بحضور الوزير الأول وجوبًا، ومنح غرفتي البرلمان إمكانية إنشاء لجان إعلامية مؤقتة، عبر كامل التراب الوطني، سعيًا لتسهيل عمل البرلمانيين ميدانيًا، وبعث ديناميكية لتحقيق مزيد من التعبئة حول تنفيذ مخطط عمل الحكومة، وتحديد أجل لاجتماع اللجنة متساوية الأعضاء بمبادرة من الوزير الأول في حالة خلاف بين غرفتي البرلمان، وتحديد أجل لإجابة الحكومة على موضوع الساعة، وسؤال مكتوب يطرحه أعضاء البرلمان، بحيث إن تحديد الآجال من شأنه ضمان أداء العمل البرلماني والحكومي بسرعة أكبر(12).

أخيرًا، فيما يتعلق بالسلطة القضائية، فقد اقترحت الوثيقة توسيع استشارة مجلس الدولة مسبقًا، في الأوامر وجوبًا، وفي اقتراحات القوانين والمراسيم الرئاسية اختياريًا؛ وذلك بمبادرة من رئيس الجمهورية، أو رئيس إحدى غرفتي البرلمان، حسب الحالة، ووفق شروط وإجراءات منصوص عليها في الدستور.

فهذه التعديلات تهدف إلى:

  • توسيع صلاحيات رئيسي غرفتي البرلمان ودعم الوظيفة الاستشارية لمجلس الدولة.
  • حماية القاضي من كل أشكال الضغوط والتدخلات والمناورات بإقرار حقه في التماس المجلس الأعلى للقضاء في حالة تعرضه لإحدى هذه الحالات؛ ذلك أن ممارسة هذا الحق الدستوري من شأنها تدعيم استقلالية القاضي.
  • دعم تمثيل السلطة القضائية في المجلس الدستوري برفع عدد القضاة في هذه المؤسسة.

واختتمت الوثيقة حزمة التعديلات بالصلاحيات الجديدة التي مُنحت للوظيفة الرقابية التي قُدمت بهذا الشكل:

  • إعادة النظر في تنظيم المجلس الدستوري، لاسيما في تشكيلته بزيادة عدد أعضائه لضمان تمثيل متوازن للسلطات الثلاثة بداخله، واستحداث وظيفة نائب رئيس المجلس الدستوري لضمان استقرار وديمـومة المؤسّسة.
  • دعـم المركز القانوني لأعضائه من خلال تمديد مدة العهدة بهدف اعتماد المعايير الدولية في هذا المجال، وإقـرار شروط السن والتأهيل والكفاءة والخبرة للعضوية في المجلس الدستوري، وإخضاع أعضاء المجلس الدستوري لإلزامية أداء اليمين أمام رئيس الجمهورية.
  • تعميق استقلاليته بمنحه الاستقلالية الإدارية والمالية.
  • وتوسيع إخطاره إلى الأقلية البرلمانية والوزير الأول.

محتوى المشاورات وملاحظات الأحزاب والشخصيات

لم ينتظر الكثير من الأحزاب والشخصيات الوطنية، تاريخ انطلاق المشاورات حول التعديلات الدستورية للإعلان عن مقاطعتهم لها، كما قام بذلك عدة شخصيات سياسية على غرار رؤساء الحكومة السابقين، علي بن فليس ومولود حمروش وسيد أحمد غزالي ووزراء سابقين، مثل: أحمد طالب الإبراهيمي.

المقاطعة التي كانت هي نفس موقف "قطب التغيير"، الذي يضم مجموعة من الأحزاب السياسية (13 حزبًا)(13)، كانت وراء علي بن فليس المرشح للرئاسيات؛ رأت أن المقاربة التي بُنيت حصرًا على تعديل "محدود وانتقائي" للدستور ليست في حقيقتها السبيل الأنسب للبحث عن حل للأزمة السياسية والمؤسساتية "الخطيرة" التي يواجهها البلد؛ لتسجل هذه الأحزاب أن اقتراحات التعديل الدستوري "تجاهلت عمدًا" الطبيعة والأسباب الحقيقية لهذه الأزمة السياسية والمؤسساتية، التي هي أساسًا "أزمة مشروعية وسير المؤسسات"، وأن تدابير "التعديل الجزئي" المقترح "لا تمثل بأية حال من الأحوال حلًا لأزمة بهذا الحجم وفي هذا المستوى من التعقيد". الأحزاب التي شكّكت في شرعية المؤسسات الداعية لهذه المشاورات ترى أنه ليس لمؤسسات فاقدة للشرعية إجراء تعديل دستور الجمهورية بكيفية أحادية الجانب وعلى مزاجها الخاص.

في نفس الاتجاه المقاطع للمشاورات، كان موقف القطب السياسي المقاطع للانتخابات الرئاسية، والذي تحوَّل إلى تنسيقية للحريات والانتقال وأصدر وثيقة(14) للانتقال الديمقراطي؛ فقد دعا إلى تكوين أرضية للنقاش مع السلطة من أجل الخروج من الأزمة التي تتخبط فيها الجزائر، والتي وُصفت بأنها "أزمة خطيرة ومتشعبة" قد تعصف بوحدتها وسيادتها وتقضي على ما تبقى من تماسك مؤسساتها. التنسيقية التي احتفظ بعض أحزابها بالتعبير عن مواقفهم التفصيلية من المشاورات حول الدستور كما فعل ذلك عبد الله جاب الله "الدعوة إلى المشاركة في الحوار حول وثيقة الدستور هي دعوة للاستشارة لا غير والاستشارة فعل غير ملزم" بينما الإصلاح الدستوري الشامل والعميق يحتاج إلى شورى حقيقية يكون القرار فيها قرار الأغلبية، بعد استظهار الحجج ومقابلة الأدلة.

أحزاب التنسيقية التي نظّمت لقاء زرالدا (يونيو/حزيران 2014) الذي التحق به مجموعة أحزاب قطب التغيير وشخصيات وطنية وأحزاب معارضة على غرار جبهة القوى الاشتراكية التي فضّلت حضور الندوة والحضور في المشاورات السياسية حول الدستور لاحقًا في نفس الوقت(15) لكي تعبّر عن موقفها المبدئي الرافض لمثل هذه المشاورات التي لا تهدف حسب وجهة نظرها إلا لحل مشاكل النظام على المدى القصير، الجبهة التي تفضل التفكير في تنظيم ندوة للتوافق الوطني لاحقًا، لم تأت إلى هذه المشاورات إلا للتعبير عن غضب المواطنين ورفض استشراء الفساد.

 غياب هذه الشخصيات والقوى الحزبية المنظمة الممثلة لأغلبية العائلات السياسية أثّر سلبًا على نوعية  المشاورات السياسية وجعل الكثير من الملاحظين يقولون: إن النظام "يشاور نفسه" بمناسبة هذه اللقاءات(16). وقد تمحورت هذا النقاشات حول نقاط أساسية لم تكتف في بعض الأحيان بما جاء في التعديلات الرسمية المقترحة، لتسكت عن فكرة التعديل المفضي إلى إيجاد منصب نائب رئيس الجمهورية التي سُوّقت بسببها هذه التعديلات بشكل أساسي، خاصة بعد استفحال مرض الرئيس. تسويق قام به جزء من مؤيدي حملة الرئيس الانتخابية، قبل رفضه وإعادة النظر فيه رسميًا، وهذه النقاط هي:

  • مسألة كتابة الدستور نفسه وطريقة المصادقة على التعديلات: وهي من النقاط التي جعلت بعض الأحزاب يطالب بضرورة المصادقة على التعديلات عن طريق استفتاء شعبي وعدم الاكتفاء بمصادقة البرلمان(17) المتهم من قبل جزء كبير من المعارضة بعدم الشرعية. في حين شككت بعض الأحزاب الأخرى بالطريقة التي تتم بها المشاورات نفسها، مطالبة بما سمته: دستورًا توافقيًا، كما جاء في اقتراحات حزب جبهة التغيير (عبد المجيد مناصرة) الذي صرّح بأن بعض الاقتراحات التي تقدمت بها الرئاسة جاءت تحت إملاءات خارجية(18). ليتم بهذه المناسبة المطالبة من جديد بمجلس تأسيسي تناط به مسألة كتابة الدستور، كما كانت تنادي أحزاب معروفة بطرحها لهذا المطلب كحزب العمال وقبله جبهة القوى الاشتراكية.
  • طبيعة نظام الحكم والعلاقات بين السلطات التي نالت اهتمام كل الأحزاب المشاركة في المشاورات: وقد صبّت أغلبية الاقتراحات في خانة التوازن بين سلطات رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والبرلمان لتنادي بعض الأحزاب، خاصة التي تملك الوصول إلى أغلبية في البرلمان بأن يكون رئيس الحكومة من القائمة الفائزة في الانتخابات، كما جاء في أحد اقتراحات جبهة التحرير(19) وأحزاب أخرى عديدة. اقتراحات يعني القبول بها حتمًا منح صلاحيات أكبر لرئيس الحكومة والتقليص من تلك التي يتمتع بها رئيس الجمهورية، كتعيين الولاة على سبيل المثال الذي ذُكر تحديدًا.
  • من نقاط الإجماع الكبيرة التي ظهرت بمناسبة هذه المشاورات المطالبة بمنح صلاحيات أوسع إلى البرلمان وصلت لدى البعض بالمطالبة بنظام برلماني كامل كما كانت حال الجبهة الوطنية الجزائرية (موسى تواتي)(20)، مرورًا بتلك الاقتراحات التي طالبت بأشكال عديدة لمراقبة الحكومة القبلية والبعدية من قبل البرلمان كحجب الثقة عنها ومساءلة رئيس الحكومة ووزرائه في إطار نظام شبه رئاسي(21).
  • قضية دسترة اللغة الأمازيغية التي تعودت على المطالبة بها أحزاب، مثل: جبهة القوى الاشتراكية، وحزب العمال، وحزب الحركة الشعبية (بن يونس). لكن الجديد هذه المرة جاء من حزب جبهة التحرير وتجمّع أمل الجزائر (عمار غول) وغيرها من الأحزاب الصغيرة التي نادى كلها بدسترة اللغة الأمازيغية.
  • مسألة استقلال القضاء وصلاحيات المجلس الدستوري والمطالبة بمحكمة دستورية، وهي الاقتراحات التي طرحها أكثر من مرة الكثير من الأحزاب والشخصيات الوطنية، كما كانت الحال لدى الحزب الوطني(22) ومجموعة أخرى من الشخصيات الوطنية(23)، والأحزاب التي يوجد على رأس قياداتها خريجو كليات الحقوق من محامين وقضاة سابقين، لتكتفي أحزاب أخرى بالمطالبة بانتخاب أعضاء المجلس الدستوري والزيادة في عددهم، بدل تعيينهم كما هي الحال الآن، واستقلال مجلس المحاسبة وبعض مؤسسات الرقابة الأخرى(24). نفس الشيء تم فيما يخص تكوين لجنة مستقلة(25) لتنظيم الانتخابات خاصة وأن تجربة الانتخابات الرئاسية كانت لا تزال حاضرة بقوة.
  • المصالحة الوطنية التي جاءت كاقتراح في تعديل ديباجة الدستور: وهي من المواضيع التي تحفظ عليها الكثير من الأحزاب والجمعيات كمنظمة أبناء الشهداء ومنظمة المجاهدين التي تخوفت من أن تشمل المصالحة "الحركي"(26). كما نادت أحزاب أخرى بالاكتفاء بما جاء به القانون في هذا الصدد متحفظة على إدراج المصالحة الوطنية في ديباجة الدستور، كما جاء في التعديلات المقترحة(27).
  • قضية حقوق المرأة والمناصفة: أحزاب قليلة طرحت مسألة المناصفة التي جاءت في التعديل، وكان على رأسها جبهة التغيير (عبد المجيد مناصرة)، المنشق عن حركة مجتمع السلم الذي كان موقفه أن غموض المادة آنفة الذكر -31 مكرر- ومساسها بروح وهوية المجتمع الجزائري المسلم، تؤدي إلى فتح باب التطاول على الثوابت وأحكام الشريعة وتهديد استقرار البلاد، مما يجعل هذا التعديل مرفوضًا رفضًا واضحًا(28). موقف كان قريبًا من موقف حركة مجتمع السلم التي قاطعت المشاورات، وربطت هذه التعديلات بما يمكن أن تفرزه على مستوى التشكيك في بعض النصوص الدينية المتعلقة بقانون الإرث الإسلامي(29).

خاتمة وتساؤلات

زيادة على هذه المحاور الكبرى التي نالت القسط الأوفر من المشاورات بين رئاسة الجمهورية والطبقة السياسية، فإن بعض الاقتراحات تطرق إلى قضايا لم يتم تداولها كثيرًا، كقضية دسترة بعض المؤسسات الوطنية، مثل: المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي أو حتى مسألة مدنية وزير الدفاع، كما جاء في اقتراح حزب العمل الذي استمر في موقفه الرافض لتحديد العهدة الرئاسية، عكس ما جاء في التعديل الرسمي المقترح(30)، مشترطًا في المرشح للرئاسيات التمثيل الحزبي لتبقى مكانة الجيش من الطابوهات التي لم تقترب منها المشاورات الرسمية حول الدستور، رغم حضورها كقضية سياسية في النقاشات خلال نفس الفترة(31) التي استفحلت فيها الصراعات الظاهرة والمستترة بين المؤسسات المركزية للدولة التي يفترض أن التعديلات جاءت للقضاء على ما يعتريها من عدم توازن في تحديد صلاحياتها وتغول بعضها على حساب الآخر.

رغم الطابع غير الملزم الذي  يميز هذه المشاورات التي أصرّ ممثل الرئاسة على أنها ستبقى مفتوحة، يكون من المهم التساؤل عن قدرة هذه التعديلات في الوصول إلى دستور "توافقي" كما تمنّت ذلك رئاسة الجمهورية التي تصر على أن التعديلات التي تقترحها جاءت خارج جو الأزمة، عكس ما كان حاضرًا بمناسبة محطات دستورية سابقة في الجزائر. فهل سيكون حظ هذا الدستور المعدل أوفر من سابقيه في الاستمرارية وحل أزمة الشرعية التي يتخبط فيها النظام السياسي الجزائري أم أنه سيتأثر حتمًا بالطريقة التي تمت بها هذه المشاورات التي أُبعد عنها المواطن الجزائري وقاطعها جزء مهم من الطبقة السياسية؛ مما يجعله عرضة لعدم الاحترام والتطبيق من قبل واضعيه في المقام الأول، كما بينت التجربة التاريخية التي عادة ما تهتم باحترام الشكلية القانونية على حساب روح الدستور، كما حصل مع مسألة تحديد العهدة الرئاسية التي تم فتحها في تعديل 2008 ليقترح التعديل الحالي العودة إلى غلقها كما كانت الحال في دستور 1996؟
_____________________________________
د. ناصر جابي - أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر2

الهوامـش
1. استمر العمل بدستور 1963 أقل من شهر، فقد تم تعليقه من قبل الرئيس بن بلة بعد انطلاق المواجهات المسلحة بين المغرب والجزائر بمناسبة حرب الرمال في خريف 1963.
2. تعديل تم بموجبه ترسيم الأمازيغية بعد أحداث تيزي أوزو في 2011.
3. تعديل تم بموجبه أساسًا فتح العهدة الرئاسية أمام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ليترشح إلى عهدة ثالثة. في نفس التعديل تم إقرار نظام الكوتة لصالح النساء.
4. لجنة برئاسة عزوز كردون مكونة من خمسة أساتذة جامعيين قريبين من السلطة، مثل: غوطي مكامشة وزير العدل الأسبق ولزهاري بوزيد وبن باديس فوزية، معينين في مجلس الأمة.
5. من الشخصيات القريبة من هذا الحزب مدني مزراق الأمير السابق للجيش الإسلامي للإنقاذ والهاشمي سحنوني.
6. تعدّل المادة 74 من الدستور وتحرر كالآتي: المادة 74: مدة العهدة الرئاسية خمس (5) سنوات، يمكن تجديد انتخاب رئيس الجمهورية مرة واحدة. أما عن شروط الترشح إلى منصب رئاسة الجمهورية فقد جاءت في التعديل بالشكل التالي: تعدل المادة 73 من الدستور، وتحرر كالآتي: المادة 73: لا يحق أن يُنتخب لرئاسة الجمهورية إلا المترشح الذي يتمتّع، فقط، بالجنسية الجزائرية الأصلية، ويثبت الجنسية الجزائرية الأصلية لوالديه، يدين بالإسلام، يكون عمره أربعين (40) سنة كاملة يوم الانتخاب، يتمتع بكامل حقوقه المدنية والسياسية، يثبت أن زوجه يتمتع بالجنسية الجزائرية الأصلية فقط، يثبت مشاركته في ثورة أول نوفمبر 1954 إذا كان مولودًا قبل يوليو 1942، يقدم التصريح العلني بممتلكاته العقارية والمنقولة داخل الوطن وخارجه.
7. المادة 31 مكرر: تعمل الدولة على تجسيد المناصفة بين الرجل والمرأة كغاية قصوى وكعامل لترقية المرأة وازدهار الأسرة وتلاحم المجتمع وتطوره. "وفي هذا الإطار تعمل على ترقية الحقوق السياسية للمرأة بتوسيع تمثيلها في المجالس المنتخبة. يحدد قانون عضوي كيفية تطبيق هذه المادة".
8. المادة 166: يخطر رئيس الجمهورية أو رئيس المجلس الشعبي الوطني أو رئيس مجلس الأمة أو الوزير الأول، المجلس الدستوري.
9. المادة 81 مكرر: يمكن للوزير الأول أن يتلقى من رئيس الجمهورية، ضمن الحدود التي يضعها الدستور، تفويضًا لممارسة السلطة التنظيمية.
10. المادة 119 مكرر: تودع مكتب مجلس الأمة بالأولوية، مشاريع القوانين المتعلقة بالتنظيم المحلي وتهيئة الإقليم والتقسيم الإداري.
11. المادة 100 مكرر: يجرد من عهدته النيابية، بقوة القانون، المنتخب في المجلس الشعبي الوطني أو مجلس الأمة المنتمي إلى حزب سياسي، الذي يغير خلال عهدته، الانتماء السياسي الذي انتُخب بعنوانه من قبل المواطنين.
12. المادة 133: يمكن لأعضاء البرلمان استجواب الحكومة في إحدى قضايا الساعة. ويكون الرّد في أجل أقصاه عشرون (20) يومًا.
13. مجموعة متنافرة من الأحزاب الصغيرة والمنشقة، من بينها: حزب الإصلاح الوطني المنشق عن حزب النهضة الإسلامي (جهيد يونسي)، وحزب الجزائر الجديدة (جمال عبد السلام) المنشق عن حزب الإصلاح ذاته، وحزب الوزير الأسبق نور الدين بحبوح (اتحاد القوى الديمقراطية والاجتماعية) المنشق عن التجمع الوطني الديمقراطي، وحزب الفجر الجديد (الطاهر بن بعيبش) المنشق كذلك عن التجمع الوطني الديمقراطي.
14.  http://www.rcd-algerie.org/arb/details_article
15. http://www.ffs-dz.net/
16. حضر هذه المشاورات 52 حزبًا أغلبيتها الساحقة أحزاب صغيرة ومن دون نشاط فعلي إذا استثنينا تلك الأحزاب الممثلة في الحكومة كجبهة التحرير والتجمع الوطني الديمقراطي.
17. كحزب العمال والجبهة الشعبية والحرية والعدالة.
18.  http://yagool.dz/Ar/article
19. http://www.pfln.org.dz/
20.  http://www.aps.dz/ar/algerie/
21.  http://www.ennaharonline.com/ar/national/
22.  http://www.radioalgerie.dz/news/ar/
23. كبعض الوجوه التاريخية وأعضاء مجلس الأمة ورؤساء حكومات سابقين.
24.  http://www.ennaharonline.com/ar/national/
25.  http://www.elmoudjahid.com/ar/actualites/
26. الحركي هم الجزائريون الذين تعاونوا مع الاستعمار الفرنسي أثناء ثورة التحرير.
27. http://www.radioalgerie.dz/news/ar/article
28.  http://www.aldjadidonline.com/
29. انظر على سبيل المثال ما جاء في موقع حركة مجتمع السلم التي قاطعت المشاورات رسميًا.
http://hmsalgeria.net/portal/mobile/articles/4233.html
30. http://www.elkhabar.com/ar/politique/411788.html
31http://www.algeriachannel.net/