معركة إدلب تحدد مسار الأزمة السورية سياسيًّا وإنسانيًّا

انتهى النقاش إلى ترجيح سيناريو التوصل إلى حلٍّ بين الروس والأتراك لمعضلة إدلب، وأنَّ تركيا حرَّكت ملف اللاجئين بالسماح لبعضهم باجتياز الحدود مع اليونان حتى تدفع أوروبا والعالم للتعامل الجاد مع هذه المشكلة، وأنَّ الحل الأمثل للأزمة السورية ككل يأتي عن طريق الانتقال الديمقراطي للحكم، وغياب الرئيس بشار الأسد والدائرة المقربة منه عن المشهد.
نشرت في: 04/03/2020
المتحدثون في الندوة، من يمين الناظر: شفيق شقير، سامي العريان، أحمد أويصال، حسام حافظ، والمذيع بقناة الجزيرة مباشر، محمد دحو. (الجزيرة)

نظَّم مركز الجزيرة للدراسات وقناة الجزيرة مباشر ندوة حوارية أمس، الثلاثاء، 3 مارس/آذار 2020، في العاصمة القطرية، الدوحة، تحت عنوان "إدلب ومسار الأزمة السورية"، بمشاركة باحثين وأكاديميين متخصصين. وانتهى النقاش إلى ترجيح سيناريو التوصل إلى حلٍّ بين الروس والأتراك لمعضلة إدلب لأن الطرفين لا يريدان الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة والتضحية بمصالحهما التجارية، ولعدم وثوق الجانب التركي في تلقي مساعدات عسكرية جادة سواء من حلف الناتو أو من الولايات المتحدة الأميركية خاصة فيما يتعلق بمنظومة صواريخ باتريوت التي يحتاجها لتعزيز دفاعاته الجوية.

وأشار المتحدثون إلى أنَّ تركيا حرَّكت ملف اللاجئين بالسماح لبعضهم باجتياز الحدود مع اليونان حتى تدفع أوروبا والعالم للتعامل الجاد مع هذه المشكلة، ووضع حد لمحاولات النظام السوري، المدعوم روسيًّا وإيرانيًّا، الرامية إلى السيطرة على هذه المحافظة التي تعتبر آخر ملاذ آمن للمعارضة من جهة وللمدنيين الفارِّين من جحيم الحرب وملاحقات أجهزته وميليشياته من جهة ثانية.

وأكد المتحدثون في الندوة على أنَّ الحل الأمثل للأزمة السورية ككل يأتي عن طريق الانتقال الديمقراطي للحكم، وغياب الرئيس بشار الأسد والدائرة المقربة منه عن المشهد.

أهمية إدلب

تحدَّث في بداية الندوة الباحث والأكاديمي السوري، حسام حافظ، عن أهمية إدلب والسبب الذي جعل هذه المعاركة الضارية تدور بشأنها؛ فقال: إنَّ لإدلب موقعًا استراتيجيًّا مهمًّا، حيث تتحكم إحدى مدنها (سراقب) في اثنين من أصل ثلاثة طرق رئيسة تتحكم في التجارة من وإلى سوريا، وهما: إم 4 و إم 5، ويحتاج النظام إلى استعادة هذين الطريقين من المعارضة لتعزيز اقتصاده المنهار، فضلًا عن كونها (إدلب) الملاذ الوحيد للهاربين من جحيم النظام، سواء كانوا معارضةً أو مواطنين عاديين اضطرتهم ظروف الحرب للنزوح إليها من مناطق مختلفة في سوريا، حتى وصل عدد من يقطنها إلى قرابة الخمسة ملايين نسمة، باعتبارها  كانت ضمن مناطق خفض التصعيد التي تم الاتفاق عليها في تفاهمات سوتشي. من هنا أتت أهمية إدلب وإصرار أطراف الأزمة السورية المختلفة على تحقيق تقدم على صعيد العمليات العسكرية الدائرة فيها. 

ورقة اللاجئين

من جانبه، تحدَّث الباحث التركي، أحمد أويصال، رئيس مركز دراسات الشرق الأوسط، (مقرُّه تركيا)، عن مشكلة اللاجئين السوريين الذين تدفقوا منذ بداية الأزمة على بلاده والذين وصل تعدادهم الآن إلى أزيد من ثلاثة ملايين ونصف المليون لاجئ، وقال: إنَّ تركيا هي أكبر بلد تحمَّل مسؤولية إعاشة هؤلاء اللاجئين وحمايتهم، حيث استقبلتهم على أرضها، ووفرت لهم العمل والتعليم والصحة ومنحت الآلاف منهم الجنسية، لكنهم لم تعد قادرة على استيعاب المزيد إذا خرجت الأمور في محافظة إدلب عن السيطرة واجتاحها النظام واضطر ثلاثة ملايين سوري أو أكثر يعيشون فيها إلى اللجوء لتركيا، من هنا -والكلام لأويصال- اتخذت أنقرة قرارها بالسماح لآلافٍ منهم بالتحرك صوب أوروبا عبر حدودها مع اليونان، لكي تهز ضمير العالم، وتضعه أمام مسؤوليته، فيتحرك بالفعل وليس بالكلام كما هي حاله الآن، ويتدخل لوضع حد لما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع في إدلب، وهذا هو الوجه السياسي لمشكلة اللاجئين، والذي يجب أن نتفهمه كما نتفهم الجانب الإنساني الذي لم تُقصِّر فيه تركيا، خاصة إذا علمنا -والكلام دومًا لأويصال- أن هذه المشكلة كانت سببًا لخسارة حزب العدالة والتنمية الحاكم بعضًا من مكتسباته السياسية، ويخشى أن تؤدي إلى خسارته في أي انتخابات قادمة سواء رئاسية أو برلمانية أو بلدية.

الاستراتيجية الأميركية

أمَّا سامي العريان، مدير مركز دراسات الإسلام والشؤون الدولية، (مقرُّه تركيا)، فسلَّط الضوء في مداخلته على خريطة الفاعلين في الأزمة السورية، وقسَّمهم إلى رئيسيين وهامشيين، وتتبع تغيُّر مواقع هؤلاء الفاعلين على مدى السنوات التسع الماضية من عمر الأزمة السورية، وخصَّ بالذكر الولايات المتحدة الأميركية فقال عنها: إنها من الفاعلين الرئيسيين القادرين على تغيير المشهد في سوريا لكنها اختارت أن تبتعد قليلًا عن الانخراط المباشر في الصراع الدائر وبنت استراتيجيتها على استنزاف كل الأطراف لإضعافهم جميعًا: الروس والأتراك والإيرانيين والنظام. ووفق هذه الاستراتيجية -والكلام للعريان- يمكن فهم وتفسير السياسات والقرارات والمواقف الأميركية بشأن الأزمة السورية منذ اندلاعها حتى الآن، ومنها موقفها الأخير من إدلب وعرضها تقديم بعض المساعدات العسكرية للأتراك بغية استمرار نزيفهم في سوريا واستمرار نزيف الأطراف الأخرى المتصارعة هناك.

لماذا الآن؟

من ناحيته، أوضح شفيق شقير، الباحث في مركز الجزيرة للدراسات، خلال مداخلته، الأبعاد المتعلقة باختيار هذا التوقيت بالذات لتفجير الوضع في إدلب، فأشار إلى أنَّ هذا التوقيت هو الأنسب بالنسبة إلى روسيا والنظام، لأنَّ الولايات المتحدة الأميركية منشغلة بالانتخابات الرئاسية، ومن غير المتوقع اتخاذ الرئيس، دونالد ترامب، مواقف أو قرارات من شأنها أن تؤثر سلبًا على حظوظه في الفوز بولاية ثانية، لهذا انتهز الروس والنظام الفرصة وانقضوا على هذه المحافظة التي كانت آخر المناطق المشمولة بخفض التصعيد وفق اتفاقات وتفاهمات سوتشي وأستانا.

وأشار شقير إلى أنَّ تركيا تنظر لنفسها على أنَّ لها الحق في أن يكون لها كلمة في مجريات الوضع في سوريا، وأن تُعامَل معاملة الند والشريك الأساسي، لأنَّ ما يحدث في هذا البلد يؤثر عليها سياسيًّا وأمنيًّا، ولا أدلَّ على ذلك من وجود هذا العدد الكبير من اللاجئين السوريين على أراضيها. 

وعن تناقض المصالح بين روسيا وتركيا، قال شقير: إنَّ مَردَّ ذلك يعود إلى عضوية تركيا في حلف الناتو -العدو اللدود لروسيا- وفي الوقت ذاته إلى علاقتها التجارية مع الروس التي بلغ حجم التبادل التجاري بينهما 25 مليار دولار، فضلًا عن العلاقات العسكرية والتي كان آخرها تزويد أنقرة بمنظومة صواريخ إس 400 المتطورة.

 

 

نبذة عن الكاتب