"عطر النبي" لمعالجة فيروس كورونا: مواجهة مع "الجهل المقدس" في إيران

من إحراق مرجع علمي في الطب، والدعوة إلى"الطب الإسلامي" إلى معالجة مرضى كورونا بـ"عطر النبي"، تناقش هذه الورقة جوانب المواجهة الدائرة في إيران اليوم بين العلم والخرافة، وما إذا كانت تأتي في إطار صراع (علماني-ديني) أم أنها ظاهرة اجتماعية لها أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية.
نشرت في: 26/03/2020
(الجزيرة)
(الجزيرة)

قبل أشهر أَقْدَم رجل الدين عباس تبريزيان، والذي يُقدِّم نفسه بلقب آية الله، على جمع عدد من أتباعه وأقام حفلًا أحرق فيه كتاب هاريسون في الطب الباطني، والذي يُعدُّ مرجعًا تأسيسيًّا يُدرَّس في كليات الطب. وقد أثارت هذه الحادثة احتجاج كليات الطب في إيران التي تقدَّمت بشكوى بهذا الخصوص، كما أدانها كثير من المراجع ورجال الدين الإيرانيين. ومع انتشار وباء "كورونا" ليعمَّ جميع مدن إيران عاد اسم تبريزيان للظهور؛ إذ انتشرت مقاطع فيديو لأتباعه يدخلون المستشفيات ويختلطون بالمرضى متحدين الأطباء زاعمين أنهم يملكون العلاج. ولا تُعدُّ هذه الواقعة هي الوحيدة في إيران التي أحدثت جدلًا ونقاشًا واسعًا بشأن نشر الخرافة وتحدي العلم، فمع إغلاق المقامات وأماكن الزيارة في قم تحدَّى عدد من أتباع الطريقة الشيرازية(1) إجراءات الإغلاق، ونشر أحد المنتمين لها مقطعًا مصورًا وهو يَلْعَق الساتر الحديدي لأحد الأضرحة، مثيرًا استياء عامًّا، ما دفع السلطات إلى القيام بحملة اعتقالات لصاحب فيديو اللَّعْق والرافضين لإغلاق أماكن الزيارة في قم ومشهد.
تناقش هذه الورقة أبعاد النقاش الذي دار داخل إيران بشأن هذه القضية، والجوانب التي يعكسها سياسيًّا واجتماعيًّا ودينيًّا.

تبريزيان وعلاج كل الأمراض

يحظى تبريزيان بشهرة واسعة في إيران، وكثيرًا ما حلَّ ضيفًا في البرامج التليفزيونية، ويُقدِّم وصفات لعلاج أمراض كثيرة من السرطان إلى باركنسون، وكثيرًا ما يسخر في مقابلاته من الطب الحديث ويهاجمه. ويدعي تبريزيان أنه يعالج يوميًّا أكثر من مئة مريض يعانون من أمراض مستعصية بالطب الإسلامي، ويعتقد أن اعتماد المرضى على الأدوية الكيماوية هو مخطط "صهيوني"، ولديه عشرات الحلقات المسجلة التي يدافع فيها عن "الطب الإسلامي" أو "الطب النبوي"، وقدَّمها باللغة العربية تحت مظلة جامعة آل البيت في قم. ويرى أن هناك الطب اليوناني والهندي والصيني والألماني المعروف بالطب "الهميوباثي"، أما الطب الإسلامي فيختلف عنها جميعًا، ويرتبط بطريقة العيش واتباع السنن(2). ويدعو إلى إحياء "العلاج بالصلاة"، ومن ذلك ما قدَّمه في مؤتمر حول الطب الإسلامي عقد في يزد عام 2015، وفق ما تنقله وكالة أنباء خاصة بهذا الطب وهي وكالة أنباء الطب الإسلامي، ويرى تبريزيان أن التقدم العلمي هو تقدم موهوم؛ إذ يعجز عن علاج 90% من الأمراض المستعصية. 

وقد أغلق مكتب تبريزيان في قم بحكم قضائي وفق ما نشرته وكالة الأنباء الرسمية لينتقل بعدها إلى مشهد، وقالت الوكالة أن تبريزيان اعتبر انتشار الوباء في قم "عقوبة الهية بسبب ما لحق به".

وكالة الأنباء الرسمية الإيرانية
يدعي تبريزيان أنه يداوي يوميا مئات المرضى (المصدر وكالة الأنباء الرسمية الإيرانية)

وقد أثارت طروحات تبريزيان غضب رئيس منظمة النظام الطبي في إيران، محمد رضا ظفر قندي، الذي قدَّم شكوى إلى السلطات القانونية والقضائية وحثَّ وزارة الصحة على عدم السكوت عن هذه "الكوارث البشرية والعلمية".

وأصدر ظفرقندي، وهو جراح معروف، بيانًا قال فيه: "إن الواجب القانوني والعلمي والديني وضرورة حماية حقوق المرضى، توجب تقديم شكوى من خلال السلطات القانونية والقضائية"، وحثَّ  السلطات في وزارة الصحة على "أداء واجبها القانوني في مواجهة هذه الكوارث البشرية والعلمية والعلماء". ودعا رجال الدين والمرجعيات الدينية إلى منع انتشار هذه الخرافات والحفاظ على معتقدات الناس وخاصة الشباب".  وحذَّر من أن عكس هذا المشهد في الداخل والخارج وبين الناس والشباب والعلماء "يعطي صورة عن فداحة الجهل المقدس وتشابه عمليات الحرق الداعشية التي يقوم بها جهلة غرقوا في عالم الوهم والخرافات". 

وبالعودة إلى ردود الأفعال الأخرى، نجد أبعادًا متعددة لهذا الصراع الدائر، تتحدث عنه الجمعية الإيرانية للطب التقليدي في بيان أدان بلهجة حادة عملية الحرق، فـ"عباس تبريزيان، الذي يدعي أنه "أبو الطب الإسلامي"، أطلق وعلى مدى سنوات تيارًا انتقائيًّا يسيء استغلال العقائد ومعتقدات الناس الدينية، بالإضافة إلى تشويه الطب المنهجي التقليدي وتعطيل عمل النظام الصحي، مما يسبب في إيجاد نظرة سلبية بين بعض الناس وعلماء المجتمع تجاه التعاليم الدينية".

وتقول الجمعية: إنه "على الرغم من تحذير بعض رجال الدين وبعض شيوخ الحوزة العلمية في قم، وعلى الرغم من الانتهاكات العديدة وإقامة الدعاوى القضائية والإدانات من قبل المحكمة الدينية الخاصة، إلا أن هذا التيار استمر بالتَّكسُّب والإضرار برأس المال الاجتماعي"(3).

الابن غير الشرعي لأسلمة المعارف

يحاول أستاذ التاريخ في جامعة طهران، رسول جعفريان، أن يقدِّم تفسيرًا؛ بعضه تاريخي وبعضه سياسي لهذه الظاهرة: فقد كشفت هذه الحادثة عن  قضية يجب معالجتها بطرق مختلفة، فلو أن شخصًا تافهًا من العوام فعل ذلك لكان يمكن التغاضي عن الفعل، لكن ما جرى هو أولًا: أنه "حرق كتابًا"، وثانيًا: حرق كتابًا علميًّا واسع الانتشار وثالثًا: "أنه رجل دين". ولذلك تحتاج هذه المشكلة إلى مناقشة أوسع لنعرف أصولها(4).

نشط تبريزيان في هذا المجال الذي يطلق عليه "الطب الإسلامي" على مدى سنوات عدة، ولفترة طويلة كانت مؤلفاته تُدرَّس لعدد غير قليل في فيضية قم. وهناك بِيعَت كتبه واستقطب عددًا من الطلبة والمريدين وفق ما يرويه المؤرخ جعفريان.. وبعد سنوات، وبالرغم من النقد الذي يوجَّه له، فقد تمكن من بناء نفوذ في أوساط عدد من العوائل المتدينة ورجال دين شباب، ولديه الآن مريدون ومدرسة تُروِّج لأفكاره في قم بشكل واسع نسبيًّا. يُطلِق عليه تلاميذه لقب "الحكيم"، ويشيع أن هؤلاء الطلبة الشباب لديهم عملاء، ولذلك فإن الترويج لوصفات "حكيمهم" تعود عليهم بعائد اقتصادي(5).

ويبدو أن حديث جعفريان الذي ألقى ببعض اللوم على الحوزة أثار استياء جعله يقدِّم توضيحًا بأن تبريزيان استغل المعتقدات الشعبية للناس على مدى سنوات عديدة محاولًا الترويج لأفكاره باسم الطب الديني، ولمنح أفكاره القداسة لجأ إلى الروايات التي انتقدها المحدثون مرات عديدة، مستدركًا أن سلوكه في قم لا يؤيده سوى عدد قليل من السذَّج الذين يوجد أمثالهم في جميع أنحاء العالم.

وكان للمرجع البارز آية الله مكارم شيرازي رأي سابق على حادثة "حرق الكتاب"، بخصوص ما يسمى بـ"الطب الإسلامي"؛ إذ يعتقد أنه إذا كان المقصود من الطب الاسلامي هو أن الإسلام جاء بمدرسة طب خاصة به كما جاء بعقيدة وأحكام وأخلاق خاصة، فلا مدرسة طب للإسلام بهذا المعنى. وعقب اجتماع له مع وزير الصحة الإيراني، نشر شيرازي حديثًا مصورًا له يوضح موقفه من هذه القضية، وقال: صحيح إن هناك آيات وروايات حول الطب في الإسلام، لكن النبي (ص) لم يأت بمدرسة في الطب وما ورد في القرآن الكريم والأحاديث النبوية هي إشارات يمكن الاستفادة منها في سلامة البدن، لكن لا يمكن تقديم ذلك كعلم بكامل جزئياته.

ولاينكر آية الله شيرازي وجود "الطب التقليدي" الذي هو الآخر حصيلة تجارب وخبرات إنسانية، موصيًا بعدم الإفراط والتفريط في الموقف من الطب الحديث والطب التقليدي. ويحذِّر من استغلال "الطب الإسلامي" كعنوان لتحقيق المنفعة المادية، واستغلال الناس.  

وجعل الحديث عن كون تبريزيان قدَّم دروسًا في مدرسة الفيضية الحوزةَ متهمة على هذا الصعيد، وهو ما دفعها إلى إصدار بيان مُوَقَّع من آية الله أعرافي، مدير الحوزة  العلمية، أدانَ بلهجة حازمة عملية الحرق، وتبرَّأ من صاحبها، مؤكدًا أن هذا النوع من الأفكار والسلوكيات لا مكان له داخل الحوزة العلمية، ولا صلة له بها(6).

لكن هذا النفي لا يفصل في المسألة بشكل قطعي، فتبريزيان كان لديه منبر وأتباع في قم، قبل أن ينتقل إلى مشهد، وقبل سنوات كان يقدِّم دروسًا في الفيضية، يحضرها مئات الأشخاص، ويحظى بدعم كبير في أوساط إعلامية كثيرة.
في النقاش النقدي الإيراني يجري إرجاع هذه الظاهرة باعتبارها جزءًا من مسار تاريخي يسمى بـ"الطب النبوي"، والذي قُدِّم كمعادل للطب اليوناني القديم. ولهذا الأمر جذور في المدرسة الإخبارية في الفكر الديني، وهي امتداد لذلك. وإلى اليوم لا يزال هناك العديد من الناشرين المتحمسين لنشر موضوعات ذات علاقة بهذا الموضوع.

من الملاحظ أن مثل هذه القضايا خلال العقدين الأوليين من عمر الثورة الإسلامية، إما لم تكن موجودة أو لم تكن تطرح بشكل واسع يمكن ملاحظته، وهو ما يدفع جعفريان إلى استنتاج مفاده أن نمو هذه الظاهرة كان سياسيًّا بدرجة أساسية، وأن الحكومة بدأت بالترويج لنوع ما من التقليدية وتشجع طرح نظريات بهذا الخصوص، وازدهار الطريقة الإخبارية خلال السنوات الأخيرة هو استمرار لنفس القصة. أما الأمر الآخر، فيرتبط بما جرى طرحه تدريجيًّا، ويقصد به المناقشات التي جرت حول الحضارة الإسلامية والعلوم الإسلامية ونشأ عنها نظريات مواتية.

رويترز
عدد من رجال الدين أيدوا قرار الحكومة بأغلاق أماكن الزيارة في قم ومدن أخرى(رويترز)

ومع افتراض أحسن النوايا؛ فهذه الظاهرة هي الابن غير الشرعي لهذا التيار. إن ظهور نظريات معادية للغرب من جهة ومعادية للعلم الحديث من جهة أخرى تسير بشكل مترابط، ويقدِّمها أصحابها مقترنة بالخلاف السياسي بين إيران والغرب، ويميل جعفريان إلى القول بأن تركيز الخطباء وإلحاحهم على معاداة الغرب انعكس بصورة جعلت مخاطبيهم يعتقدون أن العلم الغربي والمعرفة الغربية لا معنى لهما. لقد خلق ذلك نوعًا من الثقة الكاذبة بالنفس. وجرى نشر ذلك بين الناس باسم إحياء الوطنية، وهو ما كان له آثار مدمرة باتت تُرَى اليوم.

وهذا "الجهل المقدس"، كما يصفه الكاتب والطبيب أبو الفضل فاتح، يسعى للسيطرة على النظام المعياري للمجتمع، فكتاب هاريسون الطبي ليس مقدسًا، لكن حرقه يظهر عمق الجهل والكراهية تجاه العلوم الجديدة. والمؤسف أن تأخذ عملية الحرق هذه شكلًا مغلفًا بالأحاديث والأذكار الدينية، وهذا دليل على أن الجهل يصبح شيئًا فشيئًا أكثر قداسة في المجتمع. وهذا "الجهل المقدس" يزدهر في ظل الابتعاد عن المعايير الأخلاقية والعلمية، ويسعى للسيطرة على النظام القيمي، مدعومًا من بعض الدوائر ووسائل الإعلام.

مداواة كورونا بـ"العطر النبوي"

وفي وقت يجاهد القطاع الطبي في إيران لموجهة انتشار وباء كورونا، وهو ما أدى إلى وفاة العشرات من الأطباء والعاملين في المستشفيات وخدمات الطوارئ، كان تلامذة تبريزيان ينشطون مروجين لـ"طبهم". ونشروا مقطعًا لرجل الدين مرتضى كهنسال، وهو أحد تلامذة تبريزيان، ويقدِّم نفسه كممثل له يتحدث عن قدرته على علاج فيروس كورونا، وفي مقطع آخر يقوم بعيادة عدد من المصابين بالمرض فی مستشفى غیلان، ويضع بواسطة أصابعه سائلًا (يُسمِّيه العطر النبوي) على أفواه وأنوف المرضى. وبعد وفاة مريض ممن زارهم كهنسال، صدر أمر قضائي باعتقاله  ومحاسبة عاملين في المستشفى سهَّلوا وصوله إلى المرضى، وصدرت مطالبات من قبل آية الله فلاحتي، ممثل مرشد الثورة آية الله خامنئي في غيلان، بضرورة ملاحقة هذا الشخص وأمثاله، وتحويل ملفهم إلى القضاء والمحكمة الخاصة برجال الدين.

وقد أثار هذه المقاطع غضب الهيئات الطبية التي طالبت القضاء بالتصدي لمروجي هذا النوع من الطب، وقال د. محمود خدادوست، مدير إدارة الطب التقليدي بوزارة الصحة، لـ"إيسنا": إن فريق عمل "النظام الصحي في الإسلام" التابع للوزارة قد خلص بعد ثلاث سنوات من البحث والتقصي والاستماع إلى مراجع لتقليد وعلماء الحديث في معهد البحوث القرآنية بأنه ليس لدينا شيء اسمه الطب الإسلامي".

رويترز نقلا عن وكالة وانا
حملة تعقيم لمجابهة الوباء عند مدخل ضريح الإمام الرضا في مشهد (رويترز نقلا عن وكالة وانا)

ورغم الشكوى المتعالية، إلا أن ما يطلق على نفسه "مقر إحياء الطب الإسلامي" تحت إشراف تبريزيان، ما زال يمارس نشاطاته، ويمكن للناس أن يحجزوا موعدًا للمراجعة من خلال أرقام هواتف مسجلة على صفحته على الإنترنت. 

وتقدِّم قصة آية الله هاشمي شاهرودي، رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام والرئيس الأسبق للسلطة القضائية، مع المرض دليلًا على النفوذ الذي يتمتع به مروجو "الطب الإسلامي" في إيران، ويروي علا هاشمي شهرودي أن والده وَثِق بالطب الإسلامي و"الطبيب الإسلامي" في عملية علاج مرضه الذي أدى لوفاته، حيث كانت نصائحهم سببًا في الفجوة بين العلاج والقدرة على السيطرة على المرض. ونقلت صحيفة همشري عن علا شاهرودي أن عاملين في "الطب الإسلامي" طلبوا من والده عدم الاهتمام بما يقوله الطب الحديث، وأنه لم يصغ لنصيحة آية الله خامنئي عندما زاره بعد أن أجريت له عملية جراحية، باللجوء إلى الطب الحديث، واختار أن يلجأ إلى "خبراء الطب الإسلامي" الذين شككوه بجدوى المعالجة الحديثة.

مقاربة فلسفية اجتماعية

يعتقد يحيى يثربي، وهو أستاذ للفلسفة وله كتاب عنوانه: "فلسفة الخرافات"، أن الخرافات عادة تربتط بـ"الخوف من ظاهرة نجهلها"، وأن تعريفها البسيط هو "الإيمان الذي لا يوجد له سند علمي". ويعزو الكثير من الناس -بسبب السذاجة وعدم الثقة  بالنفس، وكذلك عدم الإيمان بقدرة الله التي لا تزول- الفشل والانتكاسات والخسائر لمؤثرات خرافية، وعادة ما يلجأون إلى أناس يستغلون الحالة ويجيدون خداعهم بأسليب متعددة(7). وإن كانت الخرافة ترتبط بالتصديق دون دليل علمي، غير أن مروجيها يبرعون أحيانًا في توظيف العلم الحديث، وهو ما يطلق عليه يثربي "القلاع  الحديثة للخرافة".

وينقل مهدي زارع، الأستاذ المتخصص بعلوم الزلازل، هذا البحث إلى زاوية أخرى، ويرى في مقالة له(8) أن الخرافة هي زوال العقل والقول الكاذب المجانب للصواب، وفق ما يراه الفيلسوف الإيراني المعاصر العلامة الطباطبائي، ولذلك فكثيرًا ما وصف أقوالًا لبعض المفسرين بأنها خرافة، ومعنى الخرافة الدينية هو الفعل والقول والاعتقاد، والتعاليم والأحكام، والإيمان والتجربة الدينية التي تكون بلا دليل، عاريةً عن الصحة والواقع، تتناقض وتختلف مع الفطرة السليمة، لا يحكمها السند وتتعارض مع مبادئ وأصول القوانين الدينية ولا تنسجم مع مقاصد الدين وجوهره. 

وفي العالم الإسلامي نجد أن مدرسة الحديث لدى السنة والمدرسة الإخبارية لدى الشيعة يقولون بالنقل المباشر ويعارضون التأويل، لكن الأعم لدى السنة والشيعة هو قبول التفكير العقلي، ونجد أن إمام الحرمين الجويني، والقاضي أبو بكر الباقلاني وعبد القادر البغدادي من متكلمي السنة البارزين، وكذلك الشيخ المفيد والسيد المرتضى والطوسي من علماء الشيعة الكبار، يعتقدون بصورة كبيرة بأسلوب التفكير العقلاني(9).

والصراع مع الخرافة والجهل الديني قديم، وكان من الرائج جدًّا في العهد الصفوي (من القرن السادس عشر- القرن الثامن عشر) الطبابة بالخرافة، وكان من أساليب التماس الدواء من خلال "التبرك بالحكام"، ويروي انجلبرت كيمبفر(10)، وهو طبيب ورحالة ألماني (1651-1716) اشتهر برحلاته إلى روسيا وإيران والهند وشرق آسيا واليابان بين 1683 و1693، في كتاب رحلته إلى إيران، أنه في عهد الشاه الصفوي سليمان، كان يتم التداوي بشرب ماء فيه أثر من الملك، أو استخدمه لغسل يديه، أو غمس أصابعه فيه...(11).

ويقدِّم كتاب "علم اجتماع الخرافة في إيران"(12) عديدًا من التعريفات للخرافة استنادًا إلى المعاجم والدراسات الاجتماعية والفلسفية، ومن أبرز هذه التعريفات:

  • في كتاب الكلمات: الخرافة هي اعتقادات لا أساس لها، ولا تنسجم مع العقل والمنطق والواقع. أما عبادة الخرافة فهي: اتباع عقائد باطلة لا أساس لها، بصورة لا تتناسب مع درجة الثقافة والعلم للمجتمع الذي يعيش فيه الفرد الذي يؤمن بهذه العقائد.
  • في قاموس "عميد" للغة الفارسية: هي الحديث الباطل العقيم.

كما نجد تعريفات أخرى تضعها في الإدراك غير الصحيح للعلة والمعلول، والخوف من المجهول، والإيمان المفرط بتأثيرات ما وراء الطبيعة(13).
ويتضمن الكتاب عددًا من الدراسات التي تناولت هذا الموضوع في إيران، وبعضها جاء على شكل دراسات ميدانية في عدد من المدن الإيرانية، منها طهران والأهواز، كما أشار إلى كمٍّ من الدراسات السابقة التي بحثت ظاهرة الخرافة في إيران ضمن إطار اجتماعي ديني وسياسي(14). وفي دراسة(15) للباحث مسعود سبهر، تضمنت نتائج بحث ميداني، بعينة  عشوائية عددها ألف شخص موزَّعة في خمس محافظات إيرانية، هي: فارس، وكهجيلويه، وخوزستان، ولورستان، وتشهارمحال بختياري، وقد بحث مدى انتشار الخرافات في هذه المحافظات، والعلاقة بين (التَّديُّن الطقوسي) وانتشارها، وعمد الباحث أيضًا إلى إرسال استبيان إلى علماء الدين والمراجع موثقًا ردودهم على هذه القضايا في الخطة. وخلص سبهر إلى وجود أرضية دينية لكثير من الخرافات. 

وبحثت دراسة أخرى العلاقة بين الحرمان الاجتماعي والميل إلى الخرافة(16)، من خلال 200 استبانة وزعت على عدد من القرى الإيرانية، وخلصت إلى وجود علاقة بين العجز الاجتماعي والميل إلى الخرافة، كما وجدت أن النساء أكثر ميلًا من الرجال إلى الخرافة وربطت ذلك بكون مستويات الحرمان الاجتماعي بين النساء أعلى من الرجال في إيران، كما أن الأشخاص الذين لايشعرون بالرضى عن حياتهم يميلون أكثر من غيرهم إلى الخرافة(17). كما أظهرت أن الرضى عن الحياة وحقوق المواطنة والحرمان والعجز الاجتماعي هي أهم المتغيرات التي يمكن من خلالها دراسة الميل إلى الخرافة(18). وفي مدينة طهران بيَّنت دراسة أجراها كل من علي فروغي ورضا عسكري مقدم أن الأشخاص المولودين في المدن وأصحاب التحصيل العلمي وممن يعملون في وظائف حديثة هم الأقل ميلًا نحو الخرافة، كما أظهرت الدراسة أن النساء في طهران يملن أكثر إلى الخرافة من الرجال(19).

وبحثت دراسة أخرى الميل نحو الخرافة في مدينة الأهواز من خلال السؤال عن عدد من الممارسات الشائعة والمتعلقة بالحسد والعين، وأظهرت النتائج أن الميل نحو الخرافة في هذه المدينة هو دون المتوسط، ولكن الدراسة بيَّنت أن نسبة كبيرة من المؤمنين بهذه الطقوس كتعليق الملح أو الخرزة أو كسر البيض للحماية من الإصابة بالعين والحسد، يقولون بأنهم حصلوا على نتائج إيجابية.(20)

خلاصة

إن المواجهة التي تدور اليوم بين العلم والخرافة في إيران، والتي أخذت تركيزًا كبيرًا مع شيوع وباء كورونا، لا يمكن وضعها في إطار مواجهة (دينية-علمانية)، بقدر ما هي مواجهة ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية وسياسية وكذلك دينية. وكما أن عددًا كبيرًا من الخرافات ارتبط بصورة واضحة بمفردات دينية مثل "الطب الإسلامي" و"الطب النبوي" وجاء على يد رجال دين معممين أو كان مكانه المراقد الدينية في إيران، فقد كان رجال الدين أنفسهم في مقدمة من تصدوا لهذه الظواهر، ولعل كتابات الدكتور رسول جعفريان، وهو رجل دين معمم وأستاذ للتاريخ في جامعة طهران، مثال على ذلك؛ إذ يعتقد مع غيره وجود أرضية دينية تساعد على إشاعة الخرافة. ونجد أن وكالة أنباء الحوزة قد وضعت قائمة تضمنت 56 اعتقادًا رائجًا بين الإيرانيين، وصنفتها على أنها خرافات. وفي الوقت ذاته الذي عارض فيه رجال دين إغلاق المقامات الدينية في قم ومشهد، كان رجال دين بارزين في مقدمة من دعموا مطالبات وزارة الصحة الإيرانية بإغلاق الأضرحة وأماكن الزيارة، واعتبر آية الله يوسف صانعي وآية الله بيات زنجاني أنه لا يجوز الذهاب إلى هذه الأماكن، وذلك استنادًا إلى رأي الأطباء والمتخصصين.إن جردًا للمنتج العلمي الإيراني على هذا الصعيد يُظهر أن بحث هذه الظاهرة ليس مستجدًّا؛ إذ يمكن إحصاء عشرات المقالات والدراسات الميدانية العلمية التي أجريت لبحث ظاهرة الخرافة بأبعادها الدينية والاجتماعية في طهران وعدد من المدن الإيرانية الأخرى، وكشفت عن وجود علاقة قوية بين المستوى العلمي والموقف من الخرافة، كما أظهرت أن مجتمعات المدن أقل ميلًا لها مقارنة بالقرى والأرياف. وارتبط ذلك أيًضا بالتمكين الاقتصادي، والحرمان؛ إذ تتعاظم هذه الظاهرة في المجتمعات المحرومة.

نبذة عن الكاتب

مراجع

(1) تطلق السلطات في إيران تسمية الفرقة على أتباع المرجع محمد الشيرازي المتوفى سنة 2002 في قم، وقد تصادم اتباعها مع السلطات في إيران أكثر من مرة، ويؤخذ عليها تطرُّفها وميلها للعودة إلى الأصول والتقاليد القديمة في الفكر الشيعي، وتجاهر بمعاداتها لرموز المذهب السُّنِّي قديمًا وحديثًا، وهي تعارض بشدة نظام ولاية الفقيه كما أن لها خلافات فكرية واضحة مع مرجعية النجف، واتباعها معروفون بتديُّنهم الطقوسي واهتمامهم البالغ بمناسبة عاشوراء وبممارسة شعيرة التطبير. للتوسع انظر:
محمد يسري، "يرفضون ولاية الفقيه ويختلفون مع علماء النجف... مَن هو التيار الشيعي الشيرازي؟"، رصيف 22، 14 مارس/آذار 2018، (تاريخ الدخول: 22 مارس/آذار 2020):
https://bit.ly/2UrfP58 

(2) "دورة الطب الإسلامي الحلقة الأولی - مع حضور سماحة الأستاذ آية الله تبريزيان (حفظه الله)"، موقع جامعة آل البيت العالمية، 11 تموز/ يوليو 2017 (تاريخ الدخول: 22 أذار/ تموز 2020):
https://bit.ly/3bj7YNS 

(3) "واکنش ها به آتش زدن کتاب مرجع پزشکی جهان" (ردود الأفعال على إحراق مرجع عالمي في الطب)، موقع جماران، 5 /11/ 1398 ش( (تاريخ الدخول: 22 مارس/آذار 2020):
https://bit.ly/2y0nik6 

(4) المرجع السابق.

(5) المرجع السابق.

(6) "مركز إدارة الحوزات العلمية في بيان له: الاعتداء على مرجع مهم في العلوم الطبية، فعل غير مجاز ومدان / مثل هذه الأفكار لا مكان لها في الحوزة العلمية"، وكالة أنباء الحوزة، 4 بهمن 1398 (تاريخ الدخول: 23 مارس/آذار 2020):
https://bit.ly/3admWEP 

(7) "گفت و گو با استاد فلسفه: جهل، زیاده خواهی و تنبلی؛ عوامل رشد خرافه در جامعه" (حوار مع أستاذ للفلسفة: الجهل والجشع والكسل؛ عوامل نمو الخرافة في المجتمع)، وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية22 ارديبهشت 1394 (تاريخ الدخول: 23 مارس/آذار 2020):
https://bit.ly/2UdBSgU

(8) "مهدي زارع، مبارزه با جهل دینی؛ در نقد روش‌های خرافی برای درمان بیماری کرونا" (محاربة الجهل الديني وانتقاد الطرق الخرافية لعلاج مرض كورونا)، خبر انلاين، 15 اسفند 1398 (تاريخ الدخول: 23 مارس/آذار 2020):
https://bit.ly/2UbU0aC

(9) المرجع السابق.

(10) ENGELBERT KAEMPFER 

(11) کمپفر، انگلبرت، سفرنامه کمپفر (كتاب سفر كيمبفر)، ترجمة کیکاووس جهانداری، ط 2 (تهران: خوارزمی، 1360)، ص 15. 

(12) "جامعه شناسی خرافات در ایران: مجموعه مقالات" (علم اجتماع الخرافة في إيران)، كتاب تضمن مقالات وأبحاث لعدد من الدارسين الإيرانيين، ونشره مجمع تشخيص مصلحة النظام، وكلية البحوث الاستراتيجية، ضمن سلسلة "كتب الأبحاث"، العدد 41. 

(13) المرجع السابق، ص 12.

(14) المرجع السابق، ص .16

(15) مسعود سبهر، بررسی مصادیق بارز و عوامل و علل بروز و راههای مبارزه با خرافات، موهومات ، جمودی و تحجر فکری، مقدس ماآبی و ظاهرگرایی (بحث المصاديق البارزة والأسباب والعلل وسبل مكافحة الخرافات والتخيلات والجمود الفكري، وتقديس المآب والميل الشكلي)، جامعة آزاد، 1376 ش.

(16) لطفعلي خاني وآخرون، "بررسی رابطه محرومیت اجتماعی با گرایش به خرافات (بحث العلاقة بين الحرمان الاجتماعي والميل إلى الخرافات)، دورية (مطالعات جامعه شناسي)، الدورة السادسة، العدد 21، شتاء 1392 ش، ص 7-19.

(17) المرجع السابق، ص 10.

(18) المرجع السابق، ص 12.

(19) جامعه شناسي خرافات در إيران، مرجع سابق، ص 10 – 11.

(20) المرجع السابق، ص 146-147.