الإمارات في اليمن: من دعم الشرعية إلى تقويض ملامح الدولة

عملت الإمارات على تقويض السلطة الشرعية، وبث الشقاق بين صفوف المجتمع اليمني، وسعت للسيطرة على الموانئ، ورغم ذلك فإنها أخفقت في وأد طموحات التغيير وطمس معالم الربيع في اليمن، وفي ضمان تمكين أدواتها المحلية في الجنوب من تمام السيطرة وفرض مشروع الانفصال، كما أخفقت في بناء أدوات تحوز رضا الشعب اليمني.
رويترز
أوجدت الإمارات ميليشيات تابعة لها في جنوب اليمن، واستطاعت السيطرة على أهم الموانئ (رويترز)

مع انطلاق ثورات الربيع العربي وظهور مؤشرات تحول ديمقراطي، أخذت دولة الإمارات على عاتقها مسؤولية وأد طموحات التغيير، وتجلى موقفها في الحرب على كل مظاهر الحراك السلمي، متبنيةً دعم ما بات يُعرف بـ"الثورات المضادة"، بما في ذلك الانقلاب في اليمن.

استخدمت الإمارات وسائل عدة في حربها على مطالب التغيير، بدءًا بحملات تشويه للقوى والكيانات المحسوبة على تيار الإسلام السياسي مرورًا بتصنيف قيادات سياسية بارزة في قوائم الإرهاب، وصولًا إلى التدخل العسكري المباشر، ودعم أداوت محلية، لإلحاق أكبر قدر ممكن من الهزائم ضد الإسلاميين بخاصة القوى والتيارات المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين.

في اليمن، تضافرت عوامل عدة أخرى، دفعت الإمارات للانخراط بدور محوري فاعل في رسم المشهد الدامي في البلاد، فإلى جانب الرغبة في وقف رياح التغيير، ووأد مطالب التحول الديمقراطي، والقضاء على قوى الإسلام السياسي التي كان لها دور بارز في الثورة السلمية في اليمن، ثمة طموح جامح لدى أبوظبي لتوسيع نفوذها الإقليمي على خطوط إمدادات الطاقة عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب، والعودة إلى ميناء عدن الاستراتيجي، لاسيما بعد إعلان جيبوتي إلغاء عقد الامتياز الممنوح لمجموعة "موانئ دبي العالمية" واستعادة إدارة ميناء دورال، وإعلان سلطات "أرض الصومال" وقف أعمال بناء مطار القاعدة العسكرية الإماراتية في بربرة الاستراتيجي.

وجدت الإمارات فرصة سانحة في التحالف الذي تقوده السعودية للعب دور أساسي في العمليات العسكرية المشتركة في اليمن، مستفيدة من انشغال القيادة السعودية في ترتيبات بيت الحكم داخل العائلة المالكة، وعملت أبوظبي بديناميكية على تعزيز حضورها في المشهد اليمني خلال خمس سنوات وإعادة ضبط مسار الأحداث في ضوء أجندتها المرسومة في البلاد.
في هذه الورقة، نحاول قراءة العديد من المحطات التي تسلِّط الضوء على الدور الإماراتي خلال خمس سنوات من الحرب في اليمن وملامح استراتيجيتها في هذا البلد الذي يشهد أكبر مأساة إنسانية في التاريخ الحديث.

فوبيا الربيع ودعم الثورات المضادة 

في التاسع من فبراير/شباط الماضي (2020)، خلال حفل استقبال القوات المشاركة في العمليات العسكرية في اليمن، بحضور حشد من كبار رجال الدولة داخل قاعة مؤتمرات فخمة، يتقدم الصفوف ولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، وقف الفريق الركن، المهندس عيسى سيف بن عبلان المزروعي، نائب رئيس أركان القوات المسلحة الإماراتية، أمام الحشد وأدى التحية العسكرية، ثم ألقى كلمة تحدث فيها عن نقاط لا تمثل إحاطة شاملة ولكنها عناوين بارزة للاستراتيجية العسكرية لدولة الإمارات في اليمن، ضمن التحالف الذي تقوده السعودية هناك بحجة دعم الحكومة الشرعية منذ مارس/آذار 2015.

قال المسؤول العسكري الإماراتي: إن الإمارات بعد خمس سنوات من الحرب في اليمن تحولت من استراتيجية الاقتراب المباشر إلى استراتيجية الاقتراب غير المباشر، والتي ستنفذها القوات اليمنية التي تم تشكيلها وتدريبها وتجهيزها ويُقدَّر قوامها بأكثر من 200 ألف جندي، مؤكدًا أن القوات الإماراتية قاتلت في اليمن ثلاثة أعداء في آن واحد، هي: الانقلاب الحوثي، والإخوان المسلمون وطابورهم الخامس، والإرهاب القاعدي والداعشي(1).

السؤال الذي ظل يردده العديد من المراقبين للشأن اليمني: من أين استمدت دولة الإمارات التفويض بالحرب على من أسمتهم: "الإخوان المسلمين وطابورهم الخامس" في اليمن، رغم أنه لم يرد ذكر هذا الكيان كمعرقل للعملية السياسية أو طرف في النزاع المسلح في أيٍّ من القرارات الأممية ذات الصلة بالأزمة اليمنية؟!

الحقيقة أن الحرب على "الإخوان المسلمين وطابورهم الخامس"، حسب تعبير المسؤول العسكري الإماراتي، كانت جزءًا من الاستراتيجية الإماراتية في اليمن قبل "عاصفة الحزم"، وأحد أهدافها في دعم الثورة المضادة التي أفضت إلى سيطرة الحوثيين على صنعاء، وتاليًا بقية المحافظات، ففي الشهر الثاني من عمر التدخل العسكري للتحالف السعودي/الإماراتي في اليمن، كان الخبير الاستراتيجي السعودي، أنور عشقي، يشير في لقاء تليفزيوني، إلى أن الإمارات كانت الممول الرئيس للحوثيين وحليفهم، صالح، من أجل اجتياح العاصمة، صنعاء، في سياق الحرب على حزب الإصلاح في اليمن باعتباره الرافعة السياسية الأهم للثورة السلمية في ٢٠١١(2).

الإمارات وتقويض الشرعية

بالنظر إلى طبيعة العلاقات اليمنية-الإماراتية، فهي لم تشهد حالة استقرار حتى في عهد الرئيس السابق، علي صالح، بل ظلت في حالة مد وجزر، تبعًا للأحداث التي شهدها اليمن والمنطقة، ولم تشهد علاقة البلدين استقرارًا نسبيًّا إلا في أعقاب توقيع اتفاقية تأجير ميناء عدن لصالح شركة موانئ دبي في العام 2008 لمدة 25 عامًا قابلة للتمديد لمدة عشر سنوات. كانت تلك الاتفاقية بمنزلة تنازل عن نشاط ميناء عدن المهم بالنسبة لليمن، ضمن مقومات الموقع الجيوسياسي للدولة اليمنية لصالح ميناء جبل علي، الذي أصبح محطة مهمة في خطوط التجارية الدولية.

وبالفعل، تراجع نشاط ميناء عدن الذي كان يصنَّف سابقًا بأنه ثاني أهم موانئ العالم بعد ميناء نيويورك في ما يخص تزويد السفن بالوقود. وأُلغيت الاتفاقية في عهد حكومة الوفاق التي أفرزتها الثورة السلمية في اليمن تحت ضغط الأصوات اليمنية المطالبة بإلغاء الاتفاقية، بسبب حالة التراجع المستمر لأداء الميناء، حيث شهد عدد الحاويات المسجلة تراجعًا من 492 ألف حاوية في 2008 إلى 146 ألف حاوية في العام 2011.

توقف قطار الثورة السلمية في اليمن عند محطة التسوية السياسية بموجب المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، وتسلَّم الرئيس، عبد ربه منصور هادي، السلطة، في 21 فبراير/شباط 2012، في أعقاب انتخابات شكلية، مثَّلت بنظر المحيط الإقليمي حالة تحول غير مقبولة في ولادة شرعية سياسية للنظام الحاكم في بلد تحيط به أنظمة تعاني أزمة مشروعية، ما يعني ضرورة إجهاض هذا التحول. 

بدأت إشكالية العلاقة بين الشرعية اليمنية والإمارات منذ وقت مبكر من عمر الحرب اليمنية، لكن يمكن القول: إن أولى المحطات التي برز فيها الخلاف بينهما على السطح كانت إثر قرار الرئيس هادي، مطلع أبريل/نيسان 2016، بإقالة نائبه رئيس الحكومة آنذاك، خالد بحاح، المعروف بصلاته الوثيقة بالإمارات، حيث عُلِّل قرار إقالة خالد بحاح من رئاسة الوزراء بأنه نتيجة للإخفاق الذي رافق أداء الحكومة خلال الفترة الماضية(3)، لكن مصادر اعتبرت قرار إقالة بحاح بمنزلة رسالة مبكرة للإمارات ومحاولة لتقليص دورها في اليمن، يعزز ذلك رضوخ الأخير للقرار ثم إعلان رفضه لاحقًا(4).

في ٩ أكتوبر/تشرين الأول ٢٠١٥، أصدر الرئيس هادي قرارًا بإقالة القيادي الإصلاحي، نايف البكري، وتعيين جعفر محمد سعد خَلَفًا له، لكن الأخير لم يستمر لأكثر من ثلاثة أشهر، حيث اغتيل بتفجير دموي استهدف موكبه في ٦ ديسمبر/كانون الأول من نفس العام.

عقب اغتيال جعفر محمد سعد، محافظ عدن الأسبق، اجتمع الرئيس هادي باللجنة الأمنية وأصدر قرارًا بتعيين عيدروس الزبيدي، المدعوم من الإمارات، محافظًا لعدن وتعيين شلال شايع مديرًا لشرطة الأمن العام بالمحافظة، كما أصدر قرارًا بتعيين الزعيم السلفي المتشدد، هاني بن بريك، وزيرًا للدولة، والمعيَّن من طرف الإمارات مشرفًا على قوات ما يسمى بالحزام الأمني، في خطوة اعتُبرت انصياعًا من الرئيس هادي للضغوط الإماراتية بتعيين شخصيات تجاهر بولائها لدولة أجنبية. تصاعدت منذ تلك اللحظة وتيرة الاغتيالات بشكل لافت، وطالت العديد من رموز المجتمع وقياداته وأئمة المساجد والخطباء، بمن فيهم شخصيات كان لها دور في استقبال القوات الإماراتية إبَّان دخولها مدينة عدن لطرد الحوثيين وقوات صالح منها، فيما يكاد يشترك الضحايا جميعهم في التمسك بالشرعية ورفض مشاريع الانفصال أو العمل لصالح الإمارات.(5) 

لقد عمدت الإمارات إلى تقليص نفوذ الحكومة الشرعية في العاصمة المؤقتة، عدن، وتدمير كل مظاهر الحياة السياسية والمدنية وإزاحة كل من يرفض سياساتها جنوب اليمن، وفرضت واقعًا أحاديًّا قمعيًّا لا يختلف عن الواقع الذي فرضه الحوثيون في مناطق سيطرتهم، باستخدام منهجية الاغتيالات والاعتقالات والتعذيب وشبكات السجون السرية لكل الشخصيات الدينية والسياسية والاجتماعية المناوئة لها(6).

ترجِّح مصادر غربية أن تكون بعض عناصر المجلس الانتقالي الجنوبي هي من يقف وراء اغتيالات رجال الدين، وتعزو هذه الاغتيالات إلى ارتباطها بنزاع على السلطة بين وكلاء حليفيْن للولايات المتحدة؛ هما: السعودية والإمارات، اللتان تمتلكان رؤى مختلفة لمستقبل اليمن؛ حيث تبدو تلك الاغتيالات بمنزلة حملة ممنهجة ومدروسة تستهدف الأشخاص الذين هم من خارج التيار الرئيسي الجديد الذي يؤيد الانفصال(7).

يعزز هذه الاتهامات ما أكدته تقارير وتحقيقات استقصائية أخرى أماطت اللثام عن حقيقة التورط الإماراتي في مسلسل الاغتيالات في عدن، والتي طالت زعماء دينيين وناشطين سياسيين، عبر خلايا محلية، ومرتزقة أجانب، بينهم ضباط سابقون في الجيش الأميركي منحتهم الإمارات رتبًا عسكرية كغطاء قانوني(8).

استمرت الإمارات في استثمار حالة التشظي وعملت عبر أدواتها المحلية المتمثلة بالمجلس الانتقالي على عرقلة ورفض الانصياع لقرارات التعيين الصادرة عن الرئيس هادي، ففي مطلع فبراير/شباط 2017، رفض قرار بتعيين ضابط أمن مطار عدن بدلًا عن سلفه، وحين حاولت قوات من الحماية الرئاسية التدخل لتطبيق القرار تعرضت لقصف الطيران الإماراتي(9).

وفي محاولة لترميم العلاقة، قام هادي بزيارة إلى الإمارات، أواخر فبراير/شباط 2017، ولكن كانت الزيارة باهتة منذ لحظة وصوله مطار أبوظبي حيث كان في استقباله مسؤول الاستخبارات بدولة الإمارات، اللواء علي محمد حماد الشامسي، وتفيد مصادر صحافية بأنه التقى محمد بن زايد سريعًا لكن لم يعقد معه أية مباحثات، وأنه عاد غاضبًا إلى مقر إقامته في الرياض.

في 27 أبريل/نيسان 2017، أقال الرئيس هادي محافظ عدن، عيدروس الزبيدي، من منصبه وعين المفلحي بدلًا عنه، ليعلن على إثره ولادة المجلس الانتقالي الجنوبي، في الخامس من مايو/أيار 2017، ومنذ تلك اللحظة بدأت تتشكل ملامح مشهد جديد في الجنوب يبدو أكثر قتامةً، وبدأ حضور الشرعية يتلاشى لمصلحة المشروع الانفصالي المدعوم إماراتيًّا.

دعم الانفصال والعودة إلى ماضي التشطير

ربما ترى الإمارات أن انفصال الجنوب اليمني يمثِّل مفتاح التحكم والسيطرة والنفوذ الإماراتي، لذلك كانت مواقف أبوظبي منذ وقت مبكر ضد الوحدة اليمنية التي تحققت عام 1990، حيث لم تنفك الرؤية الإماراتية المعادية للوحدة اليمنية عن النهج الذي تتبناه السعودية في رغبتهما الإبقاء على اليمن منقسمًا، وعندما اندلعت الحرب الأهلية، عام 1994، كان موقف الإمارات واضحًا في الاصطفاف مع مشروع الانفصال ودعمه، وهو ما وثَّقته مذكرات الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر، رئيس مجلس النواب حينها، متحدثًا فيها عن تفاصيل زيارته للإمارات أثناء حرب 94 ولقائه الشيخ زايد وموقف الأخير الرافض للوحدة(10).

في أعقاب تدخلها عسكريًّا في اليمن، ونجاحها في السيطرة عبر وكلائها المحليين على معظم الخطوط الجوية والقواعد والموانئ البحرية على طول الساحل الجنوبي الاستراتيجي لليمن، لجأت أبوظبي هذه المرة إلى البدء بإطلاق دعاية إعلامية للترويج للانفصال، وقدمت دعمها للمجلس الانتقالي الجنوبي في إنشاء قناتين فضائيتين(11).

وقد تصاعدت وتيرة الدعاية الإماراتية لانفصال الجنوب عقب التقارب الإيراني الإماراتي وزيارة مسؤولين إماراتيين إلى طهران، حيث أطلق العديد من المسؤولين والمغردين الإماراتيين سلسلة من المواقف المؤيدة للانفصال، قبل أن تتوج بانقلاب المجلس الانتقالي الجنوبي، في العاشر من أغسطس/آب 2019، وسيطرته على العاصمة المؤقتة، عدن، بعد عام على محاولة انقلاب أولى فاشلة.

بالتزامن مع إعلانها سحب أجزاء من قواتها في اليمن، لم تُظهر الإمارات أي تراجع على صعيد استراتيجيتها في تقسيم اليمن، واعتبرت تلك الخطوة بمنزلة محاولة لذر للرماد على العيون، تتيح لها مواصلة الاستراتيجية التي تعمل على تنفيذها بعد أن تكون اتخذت بعض الاحتياطات التي تحاول من خلالها على ما يبدو، تقليل تبعات هذه السياسة في ظل السخط اليمني المتزايد ضد الدور الإماراتي، خصوصًا بعد أن كانت وسائل إعلام يمنية، كشفت مطلع يوليو/تموز 2019، أي قبل الانقلاب بنحو شهرين، عن مخطط إماراتي للانقلاب على الحكومة الشرعية في عدن، المعترف بها دوليًّا، وإعلان انفصال جنوب اليمن وتأسيس دولة جديدة يقودها "المجلس الانتقالي الجنوبي"(12)؛ الأمر الذي أكده أيضًا حينها تسريب صوتي لأحد القادة العسكريين الموالين للرئيس هادي(13).

توالت الأحداث ونجح المجلس الانتقالي في بسط سيطرته على العاصمة المؤقتة، عدن، وطرد الحكومة الشرعية، وعادت إلى الأذهان أحداث الصراع الجهوي الدامي على السلطة بين الرفاق، في يناير/كانون الثاني 1986؛ حيث شنَّت قوات المجلس الانتقالي بدعم إماراتي حملات قمع رهيبة ضد أنصار الرئيس هادي والشرعية في عدن، وواصلت سيطرتها على مدن الجنوب وصولًا إلى شبوة، قبل أن تستعيدها قوات الحكومة والانطلاق صوب عدن لاستعادتها، لكن الإمارات سرعان ما تدخلت وشنت غارات جوية متزامنة استهدفت تجمعات الجيش على مشارف العاصمة المؤقتة، على الرغم من إعلان الإمارات المسبق انسحابها من اليمن.

لقد أثارت الغارات الإماراتية ضد قوات الشرعية صدمة لدى العديد من اليمنيين، وأيقن العديد من مسؤولي الشرعية أن الإمارات لا تعمل لصالح عودة الشرعية في اليمن، وهو ما بدا واضحًا في خطاب وزير الخارجية اليمني، محمد الحضرمي، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة(14).

وفي العديد من تقاريره، عزا فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة المكلف باليمن تآكل سلطة الحكومة الشرعية اليمنية إلى جملة من الأسباب، أبرزها عدم قدرة الرئيس هادي على الحكم من الخارج، ابتداءً من منع طائرته من الهبوط في عدن، مطلع 2017، وصولًا إلى طرد حكومته من العاصمة المؤقتة، عدن، في أغسطس/آب 2019، وتشكيل مجلس انتقالي جنوبي، واستمرار الحوثيين في سيطرتهم على صنعاء، بسبب توقف عملية التحرير على حدود الشطرين والعمل على إطالة أمد الصراع وتفكيك جبهة الشرعية وإضعافها، وانتشار عمليات مستقلة من جانب قوات تعمل بالوكالة ويمدها بالسلاح أعضاء في التحالف الذي تقوده السعودية وتعمل من خلالها على تحقيق أهداف خاصة بها في الميدان، مشيرًا إلى قوات الحزام الأمني والنخبة الحضرمية التي أنشأتها ومولتها الإمارات(15).

وفي آخر تقارير فريق الخبراء أشار بوضوح إلى أنه بعد سنوات من إضعاف الشرعية، جاء إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي والقوات التابعة له، وبدعم إماراتي، إتمام سيطرته على العاصمة المؤقتة، عدن، فيما كانت عمليات القصف الجوي الإماراتي ضد الجيش التابع للشرعية على تخوم عدن إبان محاولته استعادتها نقطة تحول كبيرة في المشهد اليمني برمته، لينتهي المطاف بإعلان اتفاق الرياض بين الحكومة والانتقالي، والذي اعتُبر بمنزلة اعتراف إقليمي وإضفاء للشرعية السياسية على سلطة الأمر الواقع التي فرضها الانتقالي المدعوم إماراتيًّا في عدن وعدد من مدن الجنوب، لاسيما أنه انطوى على مزيد من تقليص دور الحكومة، خصوصًا ما يتعلق بالمرفق المتعلق بالترتيبات العسكرية والذي يحد ويقوض بشدة سلطة حكومة اليمن وسيطرتها على إعادة تنظيم قواتها وأسلحتها(16).

الدور الإماراتي يعزز سلطة الحوثيين

كشفت السياسات الإماراتية في اليمن، أن توقف عملية التحرير على حدود الشطرين هدفها إعادة ضبط مسار الحرب وفق الأجندات الإماراتية، وأن إطالة أمد الصراع بصرف النظر عن كلفته الإنسانية كانت مقصودة، بغية التحكم بأدوات اللعبة وصولًا إلى عقد اتفاق هدنة إماراتية مع الحوثي أو إيران نفسها.

كما أسهم الدور الإماراتي في اليمن بشكل غير مباشر في تعزيز قدرات الجماعة الحوثية، فقد أدى تلاشي الشرعية في المناطق المحررة إلى فقدان الثقة الشعبية بقدرة الأخيرة على إنجاز عملية التحرير لإسقاط المشروع الحوثي، ووفر الوضع القاتم في جنوب اليمن مادة إعلامية حربية لجماعة الحوثيين لاستثماره داخليًّا في تعزيز مواقفها المناهضة للتدخل السعودي/الإماراتي والتحشيد لمواجهة قوات الشرعية والتحالف.

يشكِّك كثيرون في جدية حرب الإمارات لدعم الشرعية أو إسقاط الحوثيين، رغم إعلان جماعة الحوثي مسؤوليتها عن ثلاث هجمات فقط، ادَّعت أنها استهدفت مواقع حيوية في الإمارات(17)، بينها هجوم بطائرة مسيَّرة من نوع صماد استهدف مطار أبوظبي في تاريخ 26 يوليو/تموز 2018، وهو الأمر الذي نفته الإمارات وعزت الانفجار في المطار إلى حادثة تسببت بها مركبة لنقل الإمدادات لكن الحوثيين بعد نحو عام نشروا تسجيلًا مصورًا للهجوم(18).

وفي الوقت الذي كانت العاصمة المؤقتة، عدن، تشهد حالة من الغليان والتوتر بين الانتقالي المدعوم إماراتيًّا والشرعية، سارعت أبوظبي لإرسال وفد أمني رفيع المستوى إلى طهران، التقى مسؤولين إيرانيين وانتهى اللقاء بالاتفاق على ضرورة تعزيز الدبلوماسية، والتأكيد على أهمية تعزيز أمن مياه الخليج وبحر عُمان(19).

وبالتوازي مع ذلك، أعلنت الإمارات إعادة الانتشار وسحب جزء من قواتها في اليمن وهو الأمر الذي حظي بإشادة وترحيب الحوثيين، واعتبرها ناطق الحوثيين، محمد عبدالسلام، خطوة محل تقدير، أيًّا كانت دوافعها، مؤكدًا توقف ضرباتهم ضد الإمارات منذ اتفاق السويد بسبب توقف عملياتها في الساحل الغربي، وانسحابها الجزئي من اليمن(20).

أثار التقارب بين أبوظبي وطهران تساؤلات عدة، حول انعكاساته على اليمن، وما إذا كان بالفعل مجرد مباحثات ثنائية لحل مشكلات تتعلق بالحدود البحرية بين البلدين، حسب المسؤولين الإماراتيين، أم إنه مقدمة لتحالف قادم على حساب التحالف الإماراتي القائم مع السعودية، خصوصًا في ضوء المصالح الاقتصادية الكبيرة بين البلدين وعودة العلاقات الإماراتية أيضًا مع النظام السوري، ومخاوف الإمارات من أي تأثيرات تطول مصالحها الحيوية في حال نشوب حرب محتملة مع الولايات المتحدة الأميركية،  كما أن احتفاء ميليشيا الحوثي بالزيارة الإماراتية لطهران، أثار تساؤلات حول حدوث انقسام بين السعودية والإمارات بشأن طبيعة التعامل مع الحوثي، وبالتالي تأثير ذلك على موقف الشرعية، وإطالة عمر الأزمة في البلاد(21).

تعز في قلب عاصفة الثورة المضادة

تمثِّل محافظة تعز الكتلة السكانية الأكبر في أحداث الثورة السلمية في اليمن، ولذلك حظيت بنصيب وافر من السياسات الإماراتية الناقمة، ربما أخفقت أبوظبي في نقل تجربة الأحزمة الأمنية والنخب إلى محافظة تعز، رغم الدعم الذي حظيت به كتائب أبوالعباس نسبة إلى قائدها "أبي العباس"، عادل عبده فارع، المصنَّف في قوائم الإرهاب الأميركية والسعودية والإماراتية، لكنها لم تتوقف عن دعم الأخير حتى اللحظة، من ناحية، ومن ناحية أخرى توجهت إلى دعم وريث النظام السابق في اليمن، طارق محمد صالح، ابن شقيق علي صالح، الذي قًتل على يد حلفائه الحوثيين، في 4 ديسمبر/كانون الأول 2017، حيث عمل طارق صالح منذ فكِّ شراكة عائلة آل صالح بالحوثيين بعد مقتل عمه على استقطاب بقايا الحرس الجمهوري وعناصر المؤتمر الشعبي العام في العديد من مؤسسات الأمن والجيش وأنشأ قوة أطلق عليها "حراس الجمهورية"، يُقدَّر قوامها بحوالي 12 لواء يتراوح عدد أفراد كل لواء بين 1500 إلى 2000 فرد، متخذًا من مدينة المخا غربي تعز، مقرًّا لقيادة القوات التي أُطلق عليها مؤخرًا اسم "المقاومة الوطنية"، وجميع أفرادها يتلقون رواتبهم وتسليحهم من الإمارات.

حُرِّرت مدينة المخا وميناؤها وقبلهما مديرية ذُباب من قبضة الحوثيين خلال عملية أُطلق عليها "الرمح الذهبي"، انطلقت في يناير/كانون الثاني 2017، ومثَّل طرد الانقلابيين من مدينة المخا تحولًا استراتيجيًّا كبيرًا في العمليات باليمن، حيث تكمن أهمية السيطرة على المدينة ومينائها في تأمين ممر باب المندب الملاحي الاستراتيجي، كما تربط المدينة محافظة تعز بمحافظة الحديدة الساحلية، وتسهِّل السيطرة عليها استرجاع ما تبقى من بلدات على طريق الحديدة تعز(22).

لكن أحداث السنوات الثلاث الأخيرة كشفت عن رغبة إماراتية في فصل المخا ومينائها الاستراتيجي عن محافظة تعز، للإبقاء على المحافظة رهن الحصار والفوضى وسياسات التفكيك من الداخل، حيث ارتفعت في الآونة الأخيرة الأصوات المنددة بهذه السياسات، متهمة طارق صالح بإدارة مخطط يستهدف ضرب تعز ببعضها بشكل عام وتمزيق نسيجها الاجتماعي ويؤثر على تركيبتها الديمغرافية، حيث تفيد المعلومات عن استقطابات لأفراد في الجيش وتجنيد لبعض أبناء مناطق الحجرية وتوزيع الأسلحة والأموال تمهيدًا لحرب وصراع دامٍ في تعز بمزاعم الانتقام للشهيد، عدنان الحمادي، في كفة وفي الكفة الأخرى يجري عمل من نوع آخر ينتمي لذات الحيل والمكائد التي نسجتها الإمامة طيلة فترات تحكمها بالبلد، في التاريخ القريب والبعيد(23).

وهكذا، في الوقت الذي كان يعوَّل على تحرير سواحل تعز بأن تكون متنفسًا للمحافظة وأن يتسنى إعادة تشغيل مينائها، أصبحت عبارة عن دولة أخرى تتبع قوات لا تخضع لسلطة الشرعية وإنما تتبع بشكل مباشر الإمارات. 

لم تتوقف السيطرة الإماراتية الحصرية على السواحل الغربية لليمن عبر "قوات طارق"، وإنما امتدت إلى الجزر القريبة والمطلة على مضيق باب المندب، كما في جزيرة ميون وجزر حنيش الصغرى والكبرى بالإضافة إلى جزيرة زقر وغيرها، وبدت الشرعية فعليًّا خارج منطقة عمليات الساحل الغربي، وكذلك السعودية التي انسحبت قواتها عقب استهداف قائد القوات الخاصة السعودية، العقيد عبدالله السهيان، أواخر العام 2015، باستهداف صاروخي تبنته جماعة الحوثي وتُتَّهم الإمارات بتنسيقه(24).

الإمارات والجماعات السلفية 

مقابل حربها على الكتل السكانية والقوى السياسية اليمنية المحسوبة على الثورة السلمية في اليمن، سعت أبوظبي منذ الوهلة الأولى للتدخل العسكري في اليمن، إلى استثمار حالة الاستياء والرغبة في الانتقام لدى منتسبي الجماعة السلفية "الجامية" التي هُجِّرت قسريًّا من دماج في صعدة، إثر عدوان الحوثيين على مركز دار الحديث، وعودة آلاف الطلاب إلى ديارهم، حيث تمت تعبئتهم للانخراط في المقاومة المسلحة ضد الحوثيين، خصوصًا في تعز وعدن(25)، وتولت الإمارات لاحقًا إعادة هيكلتهم في إطار ألوية وتشكيلات مسلحة تتلقى منها الدعم والتمويل والتوجيه مباشرة، بما في ذلك كتائب أبوالعباس، عادل فارع، في تعز والأحزمة الأمنية في عدن وأبين ولحج وجزء من ألوية العمالقة في الساحل الغربي.

حتى المساجد التي اغتيل أئمتها في عدن من المحسوبين على التيارات السلفية الأخرى جرى تسليم مساجدهم بأوامر القيادي السلفي في المجلس الانتقالي، هاني بن بريك، لشخصيات تنتمي لنفس التيار المنتمي إليه والمدعوم إماراتيًّا، لتماهيه مع المشروع الإماراتي المعادي للديمقراطية ووحدة التراب اليمني(26).

حرب الإرهاب ورقة رابحة لتمرير مشاريع النفوذ 

نجحت الإمارات في استثمار القلق الدولي من خطر التنظيمات الإرهابية في اليمن، وهي المفردة التي تمثل قاسمًا مشتركًا لدى مختلف الفاعلين الدوليين، واستخدمت بكثافة على مدى فترات مختلفة من الصراع في اليمن، ومثَّلت هاجسًا مقلقًا للولايات المتحدة الأميركية على مدى عقود، فيما استثمرها الرئيس السابق، علي صالح، لاستجلاب الدعم الدولي في مواجهة مطالب التغيير إبان الثورة السلمية، وظلت فزاعة حتى أثناء انقلابه مع حلفائه الحوثيين على الشرعية في اليمن.

بعد تحرير عدن وبقية المحافظات الجنوبية، ركزت دولة الامارات العربية المتحدة على تعزيز نفوذها في تلك المحافظات، سواء من خلال وجودها العسكري المباشر، أو من خلال التشكيلات العسكرية التي أنشأتها خارج هياكل الجيش الوطني والأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الشرعية.

وبهدف تسويق نفسها وتبرير وجودها العسكري في تلك المحافظات الجنوبية، تولت القيادة العسكرية الإماراتية التخطيط لعدد من العمليات العسكرية تجاه مناطق يُشتبه بوجود التنظيمات المتشددة وعناصر تنظيم القاعدة فيها.

وقد جرى تنفيذ تلك العمليات من خلال قوات الحزام الأمني، والنخب، بمشاركة مباشرة من القوات الإماراتية والمخابرات والقوات الأميركية.

وباستثناء العملية العسكرية التي نُفِّذت بإشراف من محافظ حضرموت وقيادة قوات التحالف، أواخر نوفمبر/تشرين الثاني 2018، فإن الكثير من النقد يُوجَّه باتجاه تعامل الإمارات المنفرد مع ملف الإرهاب، وإصرارها على إقصاء وتهميش السلطة الشرعية والجيش الوطني وأجهزة الأمن الرسمية وحتى في بعض الأحيان قيادة التحالف، وتنفيذ معظم تلك العمليات من خلال تشكيلات عسكرية خارجة عن سلطة الدولة ورافضة لشرعيتها، وأن مثل هذا الأمر قد يأتي بمردودات عكسية في الأجلين المتوسط والبعيد(27).

لكن يمكن القول: إنه برغم الحديث عن سلسلة من العمليات العسكرية الإماراتية على الإرهاب في اليمن، لم يتسنَّ قياس أي نتائج ملموسة على الواقع، عدا الإعلان عن انسحاب عناصر القاعدة أو داعش من مناطق قيل: إنها كانت تمثل معاقل لتلك العناصر، بينما تشير تحقيقات صحافية إلى احتمال وجود صفقات سرية من نوعٍ ما أفضت إلى صناعة انتصارات مزعومة.

في هذا السياق، أفاد تحقيق استقصائي لوكالة أسوشيتد برس الأميركية أن التحالف بقيادة السعودية عقد اتفاقات سرية مع تنظيم القاعدة في اليمن، وخلص إلى أنه دفع أموالًا للتنظيم مقابل انسحاب مقاتليه من بعض المناطق في البلاد.

وأفاد التحقيق بأن فصائل مسلحة مدعومة من التحالف جنَّدت مسلحي تنظيم القاعدة في اليمن، وتم الاتفاق على انضمام 250 من مقاتليه لقوات الحزام الأمني المدعومة إماراتيًّا في محافظة أبين جنوبي البلاد.

وذكرت الوكالة أن هذه الاتفاقات تمت بعلم أميركي وأمَّنت انسحاب بعض مسلحي القاعدة مع العتاد الذي نهبوه من بعض المدن، من بينها المكلا جنوبي اليمن وسبع مناطق في محافظة أبين (جنوب) ومدينة الصعيد بمحافظة شبوة (جنوب).

واستند تحقيق أسوشيتد برس على تقارير ميدانية ومقابلات مع أكثر من عشرين مسؤولًا، بينهم قياديون أمنيون يمنيون وزعماء قبائل ووسطاء وأعضاء سابقون في تنظيم القاعدة(28). واستنادًا إلى هذا التحقيق، فقد صوَّت مجلس النواب، في 24 مايو/أيار 2017، مطالبًا وزير الدفاع الأميركي وقتها، جيم ماتيس، بأن يقرر ما إذا كان أفراد الجيش أو المخابرات الأميركية قد انتهكوا القانون في استجواب المعتقلين في اليمن.

ناهيك عن ذلك، ثمة اعتقاد سائد لدى الكثير من المراقبين بأن الاستثمارات الإماراتية المتنامية في البنى التحتية في قطاعَي الطاقة والأمن في اليمن، ظلت تشكِّل بصورة مطَّردة القوة المحرِّكة خلف التدخل الإماراتي لمحاربة الإرهاب في اليمن ومناطق أخرى، كما أن عمليات مكافحة الإرهاب التي تنفذها أبوظبي لا تقتصر حصرًا على أمن قواتها في اليمن -حيث تنتشر القوات الخاصة التابعة للحرس الرئاسي الإماراتي منذ مايو/أيار 2015- بل تشتمل أيضًا، وبصورة مطردة، على استراتيجيتها الهادفة إلى زيادة تأثيرها الجيوسياسي في القرن الإفريقي والمحيط الهندي، بما في ذلك حماية محطات الطاقة والبنى التحتية البحرية. واللافت أنه منذ مطلع العام 2018، تحولت حماية هذه البنى التحتية والأصول إلى مصلحة قومية أساسية بالنسبة إلى الإمارات، نظرًا إلى تدخلها المتزايد في المناطق الواقعة جنوب اليمن على المستويَين، العسكري والسياسي(29).

لم يتوقف الأمر عند التوظيف السياسي الإماراتي للحرب على الإرهاب في اليمن، فقد كُشف النقاب أيضًا عن وصول أسلحة أميركية إلى تنظيم القاعدة في اليمن عن طريق الإمارات والسعودية؛ الأمر الذي دفع أعضاء بمجلس النواب الأميركي إلى طلب التحقيق، وأُعلن أواخر نوفمبر/تشرين الثاني 2019، عن اعتزام وزارة الخارجية الأميركية والبنتاغون إرسال محققين إلى كل من السعودية والإمارات للتحقيق حول نقل نوع معين من الأسلحة الأميركية، بينها عربات مدرعة أميركية الصنع تُعرف بـ"MRAPs" بيعت للسعودية والإمارات، إلى جماعات متطرفة، من ضمنها مقاتلون مرتبطون بتنظيم القاعدة، ومتمردون مدعومون من إيران وميليشيات انفصالية، في خرق للاتفاقيات المبرمة مع واشنطن، وقد استخدمت هذه المجموعات الأسلحة ضد الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًّا والتي تدعمها أميركا(30).

انتهاك السيادة 

مارست الإمارات العديد من الإجراءات التي تمثِّل انتهاكًا للسيادة الوطنية، كونها لم تكن بموافقة الحكومة الشرعية صاحبة السيادة على التراب اليمني، بلغت ذروة هذه الإجراءات مطلع مايو/أيار 2018، عندما هبطت طائرات نقل عسكرية إماراتية في جزيرة سقطرى اليمنية، أثناء وجود رئيس الحكومة السابق، أحمد عبيد بن دغر، وعدد من وزرائه في الجزيرة في زيارة تفقدية افتتح خلالها عددًا من المشاريع الخدمية؛ حيث أُنزلت دبابات وقوات في إطار مسعى البلد الخليجي لمد نفوذه إلى مجرى مائي استراتيجي تحيط به مناطق صراع مائي.

أدى هذا التحرك إلى قيام الحكومة بإبلاغ مجلس الأمن، متهمة الإمارات بالاستيلاء على ميناء ومطار الجزيرة. وقال مصدر في الحكومة حينها لرويترز: إن التحرك الإماراتي استعراض قوة من أجل "مصالح تجارية وأمنية" متهمًا الإمارات بمحاولة استعمار اليمن. 

وزعم موقع "Verdict" البريطاني أن الإمارات تخطط لتحويل جزيرة سقطرى اليمنية إلى منتجعات سياحية كالتي في دبي؛ ما سيؤدي إلى تدمير بيئة الجزيرة الفريدة خلال أقل من 10 سنوات(31).

نجحت السعودية في احتواء الأزمة، وانسحبت القوة العسكرية الإماراتية من الجزيرة، لكن المطامع الإماراتية لم تنته بالتأكيد؛ إذ لا تزال الإمارات حاضرة في الجزيرة تحت غطاء العمل الإغاثي والإنساني، وهناك حديث عن عمليات تجريف واسعة قامت بها الإمارات في الجزيرة، وسيطرة على العديد من المناطق الحيوية باسم مشاريع استثمارية(32).

بالمناسبة، يكاد يكون موقف الحكومة التركية الموقف الوحيد الأكثر مسؤولية وحرصًا على السيادة اليمنية، وفقًا لبيان الخارجية التركية، الذي عبَّر عن قلق الحكومة التركية إزاء التطورات في سقطرى، معتبرًا أنها "تشكِّل تهديدًا جديدًا لوحدة أراضي اليمن وسيادته، المؤكَّد عليهما في قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة"(33).

خلاصة واستنتاجات

وعليه، يخلص الباحث إلى أن الدور الإماراتي في اليمن كان كارثيًّا ومدمرًا طيلة خمس سنوات من التدخل العسكري، وكانت النتيجة أن نجحت أبوظبي في تقويض عناصر السلطة الشرعية وصولًا إلى الإجهاز على ما تبقى من حضورها في مناطق الجغرافيا اليمنية الحيوية جنوب اليمن، وإعادة ضبط إيقاع الحرب وفق أجنداتها الهادفة إلى وأد طموحات التغيير وتقليص دور قوى الإسلام السياسي، كما نجحت في بناء أدوات محلية صلبة كوكلاء لحماية نفوذها على السواحل والجزر والموانئ اليمنية.

وفيما يتعلق بملف الحرب على الإرهاب، سعت الإمارات إلى استثمار حالة القلق الدولي حيال الصورة النمطية عن التهديدات التي تمثلها التنظيمات الإرهابية في اليمن، لتعزيز نفوذها عبر أدواتها المحلية التي أنشأتها خارج هياكل الدولة اليمنية، من أحزمة أمنية ونخب ومجموعات سلفية معادية للديمقراطية، إلى جانب استقطاب تركة النظام السابق وتمكينها من أجزاء حيوية في الجغرافيا اليمنية، وكذلك استقطاب عدد من المسؤولين في حكومة الرئيس، عبد ربه منصور هادي.

حققت نجاحات جزئية مزعومة في الحرب على القاعدة وداعش، لكن لا توجد معايير واضحة لمستوى هذه النجاحات ناهيك عن الانتهاكات الصارخة التي ارتكبتها تحت ذريعة الحرب على الإرهاب والإخوان، تصل إلى مستوى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

لكن الإمارات أخفقت بطبيعة الحال، في وأد طموحات التغيير وطمس معالم الربيع في اليمن، وفي ضمان تمكين أدواتها المحلية في الجنوب من تمام السيطرة وفرض مشروع الانفصال، كما أخفقت في بناء أدوات تحوز رضا الشعب اليمني.

عودة إلى ملف "خمس سنوات على الحرب في اليمن: استراتيجيات الفاعلين ومآلات الصراع"

نبذة عن الكاتب

مراجع

(1) المزروعي، الفريق الركن المهندس عيسى سيف بن عبلان، نائب رئيس أركان القوات المسلحة الإماراتية، كلمة في حفل استقبال القوات الإماراتية المشاركة في العمليات العسكرية في اليمن، 9 فبراير/شباط 2020: https://www.youtube.com/watch?v=fBaOX5c7Ulo 

(2) اللواء عشقي: الحوثي تعهد لنا خطيًّا بالانقلاب على إيران.. ولعاصفة الحزم أنياب ستظهر في مناطق أخرى، RT Arabic، 22 أبريل/نيسان 2015: https://www.youtube.com/watch?reload=9&v=nVPFPxl2A5I

(3) روسيا اليوم، هادي يوضح أسباب إقالة بحاح.. وتغييرات مرتقبة في حكومة بن دغر، 4 أبريل/نيسان 2016، تأريخ التصفح 3 أبريل 2020 https://ar.rt.com/hix6

(4) ساسة بوست، أربعة أسباب وراء قرار الرئيس اليمني إقالة «بحاح» وتعيين «الأحمر»، 7 أبريل/نيسان 2016، تأريخ التصفح 4 أبريل 2020  https://www.sasapost.com/yemen-saudi-arabia-emirates/

(5) رايتس رادار، اليمن.. اغتيال الحق في الحياة، سبتمبر/أيلول 2019، تأريخ التصفح 2 أبريل 2020 https://rightsradar.org/ar/report_details.php?id=24

(6) مجلس حقوق الإنسان حول اليمن، فيديو حوار تفاعلي، 10 سبتمبر/أيلول 2019، ID: High Commissioner report on Yemen - 5th Meeting, 42nd Regular Session Human Rights Council،-  Interactive dialogue on: https://cutt.us/ZPFOF

(7) سودارسان راغافان Sudarsan Raghavan، الواشنطن بوست، Who is killing Yemen’s clerics? Mystery murders are sending a chill through the mosquesk August 28, 2018، https://cutt.us/MxOZb

(8) آرام روستن Aram Roston، A Middle East Monarchy Hired American Ex-Soldiers To Kill Its Political Enemies. This Could Be The Future Of War. 16 أكتوبر 2018، https://cutt.us/5BBX0

(9) الموقع بوست، عدن.. انسحاب قوات الحماية الرئاسية من محيط المطار ونقل العميري إلى معسكر القوات الإماراتية، 12 فبراير/شباط 2017، تأريخ التصفح: 4 أبريل 2020 https://almawqeapost.net/news/16531

(10) الأحمر، عبد الله بن حسين، مذكرات الشيخ عبد الله الأحمر، (الآفاق للطباعة والنشر، صنعاء، 2008)، ط2، ص 285.

(11) الإمارات تطلق قناتين تليفزيونيتين لدعم انفصال جنوب اليمن، جريدة الشرق، 21 أبريل 2019، تأريخ التصفح: 1 أبريل 2020،  https://cutt.us/oQ51P

(12) اليمن نت، (حصري).. خُطة إماراتية من ثلاثة محاور لتنفيذ انقلاب للمجلس الانتقالي في عدن.. هجوم على سيئون وإعلان حكومة مصغرة، 7 يوليو/تموز 2019، تأريخ التصفح: 29 مارس 2020،  https://cutt.us/Pa2xs

(13) القباطي، العميد مهران القباطي قائد اللواء الرابع حماية رئاسية، تسريب صوتي عن مخطط إماراتي للانقلاب على الحكومة الشرعية في عدن وتأسيس دولة مستقلة يقودها المجلس الانتقالي الجنوبي، 16 يوليو/تموز 2019، تأريخ التصفح: 28 مارس 2020، https://www.youtube.com/watch?v=9sC75W9ukDo

(14) الحضرمي، محمد الحضرمي، وزير الخارجية اليمني، كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 28 سبتمبر/أيلول 2019، Yemen - Minister for Foreign Affairs Addresses General Debate, 74th Session، https://cutt.us/QX8tk

(15) مجلس الأمن، التقرير النهائي لفريق الخبراء المعني باليمن المنشأ وفقًا للفقرة 6 من القرار 2342 لعام 2017، رمز الوثيقة: S/2018/594، تأريخ نشر الوثيقة: 26 يناير/كانون الثاني 2018، تاريخ الدخول: 31 مارس/آذار 2020: http://undocs.org/ar/S/2018/594

(16) مجلس الأمن، التقرير النهائي لفريق الخبراء المعني باليمن المنشأ وفقًا للفقرة 6 من القرار 2342 (2017)، رمز الوثيقة: S/202070، تأريخ نشر الوثيقة: 27 يناير/كانون الثاني 2020، https://www.undocs.org/ar/S/2020/70

(17) أبرز هجمات الحوثيين على الإمارات ??،  https://www.youtube.com/watch?v=IP_dOuvlY8g

(18) الحوثيون يعلنون استهداف مطار أبوظبي بطائرة مسيرة ??، https://www.youtube.com/watch?v=QZl0R_LqTmI

(19) وكالة الأنباء الإماراتية وام، مصدر بالخارجية يبدى ارتياحه لنتائج اجتماع فرق حرس الحدود والسواحل بين الإمارات وإيران، 31 يوليو/تموز 2019، تأريخ التصفح: 4 أبريل 2020، http://wam.ae/ar/details/1395302777972

(20) محمد عبدالسلام، ناطق الحوثيين، قيادي يمني: طائراتنا المسيرة رخيصة الثمن ستطال كل الأهداف في السعودية!، روسيا اليوم، 24 يوليو/تموز 2019، تأريخ التصفح: 3 أبريل 2020،  https://www.youtube.com/watch?v=ukNuaKhwkC0

(21) مركز الفكر الاستراتيجي للدراسات، التقارب الإماراتي الإيراني.. حدود التفاهم والتداعيات، تقدير موقف، 10 أغسطس/آب 2019، تأريخ التصفح: 2 أبريل2010، https://cutt.us/VX3mD

(22) سكاي نيوز، تحرير المخا.. تحول استراتيجي للعمليات باليمن، 8 فبراير/شباط 2017، تأريخ التصفح: 5 أبريل 2020، https://cutt.us/Xj8yD

(23) تعز اليوم، المحافظ السابق المعمري يتهم طارق بتمزيق النسيج الاجتماعي لتعز، 4 أبريل/نيسان 2020، تأريخ التصفح 6 أبريل 2020، https://cutt.us/SHzn4

(24) أبو المجد، ماهر أبو المجد، مساعي الإمارات في تقويض الانتقال السياسي في اليمن، المؤسسة العربية للدراسات الاستراتيجية، إسطنبول، 1 أكتوبر 2019، تأريخ التصفح 31 مارس 2020، https://asamcenter.com/0210201901-2/

(25) التقرير النهائي لفريق الخبراء المعني باليمن المنشأ عملًا بقرار مجلس الأمن 2140 (2014)، 26 يناير/كانون الثاني 2016، S/2018/192، تأريخ التصفح: 31 مارس 2020، https://www.undocs.org/ar/S/2015/125

(26) العربي الجديد، جنوب اليمن: الإمارات تتخلى عن السلفيين وتمهِّد لحلفاء جدد، 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، تأريخ التصفح:30 مارس 2020 https://cutt.us/0VAX9

(27) المؤسسة العربية للدراسات الاستراتيجية، إسطنبول، التطورات الاستراتيجية في اليمن 2018، 14 يناير/كانون الثاني 2019، تأريخ التصفح: 30 مارس 2020،  https://cutt.us/xNawe

(28) خفايا صفقات سرية بين التحالف السعودي الإماراتي و"القاعدة" في اليمن، العربي الجديد، 6 أغسطس/آب 2018، تأريخ التصفح: 2 أبريل 2020، https://cutt.us/U0RZw ، القدس العربي، نقلًا عن «إندبندنت»: في حرب الإمارات على «القاعدة» في اليمن… صفقات وتعاون ضد الحوثيين، 15 أغسطس/آب 2018، تأريخ التصفح: 2 أبريل 2020، https://cutt.us/fEPLZ

(29) إليونورا أردماني، تشابُك المصالح الأمنية والاقتصادية للإمارات في اليمن، كارنيغي للسلام، 19 يوليو/تموز 2018، تأريخ التصفح: 2 أبريل 2020،https://carnegieendowment.org/sada/76877?lang=ar

(30) بعد تقرير لـCNN.. أميركا ترسل محققين إلى السعودية والإمارات للاطلاع على إمكانية "خرق اتفاقيات بيع الأسلحة"، 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، تأريخ التصفح: 2 أبريل 2020، 

(31) https://cutt.us/o75YB Shoshana Kedem, The UAE appears to be building a Dubai-style resort on Yemen’s island of Socotra, 10TH MAY 2018, https://cutt.us/jdNPs

(32) أحمد ناجي، مقال مصوَّر، سقطرى: من إعصار لآخر، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، 30 يناير/كانون الثاني 2020، تأريخ التصفح: 4 أبريل 2020، https://carnegie-mec.org/diwan/80929

(33) توجانور يلماز، تركيا قلقة حيال التطورات في سقطرى اليمنية، وكالة الأناضول، 10 مايو 2018، تأريخ التصفح: 4 أبريل 2020، http://cutt.us/WZlEe