دويلات داخل الدولة: تحدي الكاظمي في السيطرة على الفصائل الشيعية المسلحة

دخل رئيس الوزراء العراقي، الكاظمي، في مواجهة مع ميليشيات مسلحة تتحدى سلطته بتنفيذ عمليات عسكرية تضعف سلطته وتزعزع استقرار البلاد وتُشيع جوًّا من الخوف، وستنتهي هذه المواجهة إما بتوحيد السلاح بيد الدولة أو ببقاء الميليشيات المسلحة مجددًا دويلات داخل الدولة.
نشرت في: 19/07/2020
الكاظمي أمام امتحان المليشيات الشيعية المسلحة (رويترز)

في ساعة متأخرة من مساء 25 يونيو/حزيران 2020، داهمت قوة أمنية عراقية مقرًّا لميليشيا كتائب حزب الله، إحدى أبرز الميليشيات الشيعية العراقية المسلحة المرتبطة بإيران. اعتقلت القوة الأمنية 14 عنصرًا من الكتائب وعثرت على ثلاث منصات صواريخ من نوع كاتيوشا، كانت جاهزة للإطلاق.

استُخدمت صواريخ كاتيوشا لعدة مرات خلال الشهور السابقة لقصف السفارة الأميركية ببغداد، الواقعة في ما يعرف بالمنطقة الخضراء، التي تتمتع بحماية أمنية مميزة والتي تضم معظم دوائر الحكم العراقي كذلك. الحماية التي تتمتع بها السفارة، سواء لموقعها في المنطقة الخضراء، أو لتمتعها بقوة حراسة أميركية عسكرية، تجعل من القصف الصاروخي الوسيلة الأفضل لاستفزاز الأميركيين في العراق وإنهاكهم. والمعروف في الأوساط الأمنية العراقية أن معظم الهجمات على السفارة الأميركية تعهدتها ميليشيا كتائب حزب الله. وتعتبر هذه الهجمات أحد وجوه التدافع الإيراني-الأميركي على النفوذ في العراق، وجزءًا من التدافع السياسي الأوسع بين طهران وواشنطن، في الشرق الأوسط وحول الملف النووي ومتعلقاته.

أشَّرت الإغارة الأمنية على مقر كتائب حزب الله إلى تطور بارز في موقف الحكومة العراقية الجديدة، ورئيسها، مصطفى الكاظمي، من حالة الانفلات الأمني الذي يعيشه العراق، ومن الميليشيات الشيعية المسلحة، التي تنشط داخل وخارج نطاق مؤسسات الدولة العراقية، باعتبارها قوى محصنة من القانون ومن سطوة الدولة. لا حكومة العبادي، التي خاضت المعركة ضد تنظيم الدولة وسيطرته على قطاعات واسعة من الأراضي العراقية، وشهدت النمو الهائل في عدد وقدرات الميليشيات الشيعية المسلحة، ولا حكومة عادل عبد المهدي، قصيرة العمر، تجرأت على مواجهة الميليشيات أو محاسبتها على تجاوزاتها.

أن يأخذ الكاظمي قرارًا مثل اقتحام مقر رئيس لكتائب حزب الله، واعتقال عدد ملموس من عناصر الحزب، كان بلا شك خطوة غير مسبوقة، كشفت عن نوايا حكومة الكاظمي وعزمها على توكيد سلطة الدولة، أو هكذا بدا الأمر في البداية.

بيد أن التفاؤل بخطوات رئيس الحكومة والأجهزة التابعة له لم يستمر طويلًا. خلال الساعات التالية لمداهمة مقر كتائب حزب الله، انتشر عشرات العناصر من الحزب في عدد من المواقع في العاصمة بغداد، بما في ذلك المنطقة الخضراء. كما قامت وحدة من الحزب بمهاجمة مقر لقوات مكافحة الإرهاب العراقية، المعروفة بأنها قوة نخبة أمنية، واحتجزت كافة العناصر الموجودة فيه. في النهاية، وبعد عدد من التدخلات، وافق الكاظمي على تسليم العناصر الذين جرى اعتقالهم من حزب الله لاستخبارات الحشد الشعبي، الذي نقلهم للاحتجاز في منزل مريح إلى حين ظهورهم أمام المحكمة. وبعد أقل من أسبوعين، وباتفاق مسبق، أفرج القضاء عن مجموعة الحزب كاملة لعدم كفاية الأدلة التي تدينهم بارتكاب عمل غير قانوني.

فهل عقد الكاظمي العزم فعلًا على خوض المعركة مع الميليشيات الشيعية المسلحة ومخاطرتها بأمن البلاد وقطاعات واسعة من الشعب؟ وإلى أي حد يملك الكاظمي الدعم والتأييد السياسيين والقوة المعنوية والمادية الكافية لخوض مثل هذه المعركة؟ وكيف يمكن رؤية الأزمة الأمنية، التي تواجهها حكومة الكاظمي والدولة العراقية، والتي تقف حاجزًا صلبًا أمام استعادة العراق استقراره وانطلاق عملية تنميته الاقتصادية؟

أزمة الكاظمي

تولى مصطفى الكاظمي رئاسة الحكومة العراقية في بدايات مايو/أيار الماضي (2020) في ظل وضع سياسي وأمني مضطرب، فاقم من اضطرابه جائحة كورونا وفقدان العراق المقدرات الصحية والطبية الضرورية للتعامل مع الجائحة. ويمكن القول: إن حكومة الكاظمي هي في جوهرها حكومة اضطرار، سواء على المستوى الدستوري أو السياسي.

كانت انتخابات 2018 أدت إلى تكليف عادل عبد المهدي، الذي لم يتمتع بقاعدة سياسية وبرلمانية، بتشكيل حكومة توافقية، بعد أن قررت الكتل الشيعية والسنية والكردية الرئيسة دعم حكومته، ولقيت تسميته، في أكتوبر/تشرين الأول 2018، رئيسًا للحكومة موافقة إيرانية وأميركية. ولكن حكومة عبد المهدي لم تستمر طويلًا، بعد أن اندلعت سلسلة من حركات الاحتجاج والتظاهر في بغداد ومحافظات الوسط والجنوب، عمادها الرئيس شباب عراقي أعلن رفضه الطبقة السياسية الحاكمة وإدانة فشلها في إدارة شؤون العراق، وحرصه على استقلال البلاد وتحريرها من النفوذ الأجنبي.

حاولت حكومة عبد المهدي إعادة بناء الدولة وتوكيد دورها، في الداخل والخارج، سيما في شهورها الأولى. وساعدها على ذلك القبول الإيراني والأميركي، والتفاف أغلب القوى الشيعية حولها. في أكثر من موقع، مثلًا، أصدرت حكومة عبد المهدي  قرارات بالإفراج عن المعتقلين في سجون الميليشيات الشيعية، وعلى إبعاد أغلب وحدات هذه الميليشيات من المدن السنِّية، وأعادت بعضًا من اللاجئين السنَّة، الذين شُرِّدوا خلال المعارك مع تنظيم الدولة، إلى مدنهم وقراهم، لكن الميليشيات تجاهلت تلك القرارات. في النهاية، كانت حركة الاحتجاج الشعبي، وضغوط التيار الصدري، الذي كان وافق على عبد المهدي على مضض، من قرَّر مصير الحكومة. في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، قدم عبد المهدي استقالة حكومته، التي استمرت كحكومة تسيير أعمال حتى تشكيل الحكومة الجديدة.

بيد أن الاتفاق على رئيس للحكومة الجديدة كان عسيرًا. أولًا: لأن تصاعد حدة التوتر الأميركي-الإيراني جعل العراق واحدة من ساحات التدافع والصراع. وثانيًا: لأن أوضاع البلاد السياسية والاقتصادية تفاقمت إلى درجة غير مسبوقة، بعد أن أهملت حكومة تسيير الأعمال واجباتها الأمنية، وسمحت لعجلة الفساد بالدوران من جديد ونهب مقدرات البلاد. ولأن العراق أصبح طرفًا في منظومة العقوبات الأميركية على إيران، ولحاجات العراق المالية والاقتصادية المتصاعدة، كان واضحًا أن رئيس الحكومة الجديد لابد أن يتمتع بعلاقات جيدة مع الولايات المتحدة. المشكلة، سواء للتدخلات الإيرانية أو لصراعات الكتل البرلمانية الشيعية الرئيسة، أنه لم يستطع أي مرشح واحد لرئاسة الحكومة البقاء لأسابيع قليلة لتشكيل الحكومة، إلى أن طُرح اسم الكاظمي للترشح.

كما المرشحين السابقين قبله، عُرف الكاظمي بعلاقاته الأميركية الوثيقة، وصلاته بحلفاء الولايات المتحدة الخليجيين، في السعودية والإمارات، طوال سنوات عمله رئيسًا لجهاز المخابرات العراقية منذ 2016. كان الكاظمي بين النشطين السياسيين الشيعة في الخارج الذي عارضوا نظام البعث؛ ولكنه لم يكن زعيمًا سياسيًّا حزبيًّا، ولم يبرز بعد 2003 باعتباره شخصية ذات نفوذ وقاعدة سياسية وشعبية.

كيف طُرح اسمه لرئاسة الحكومة؟ ومن وقف خلف ذلك الترشيح؟ ليس واضحًا كلية. ولكن الواضح أن نجاحه السريع في تشكيل حكومته جاء بفعل تراجع النفوذ الإيراني المعنوي في العراق، ورفض الرئيس العراقي، برهم صالح، شخصيات رشحتها إيران، وفقدان إيران لقائد فيلق القدس، قاسم سليماني، وقائد الحشد الشعبي، أبو مهدي المهندس، في قصف أميركي قضى عليهما، فضعفت قدرتها على التحكم في القوى الشيعية، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى قد يكون الاتفاق على الكاظمي جرى في لحظة اتفاق إيراني-أميركي سريعة، ربما بفعل صفقة تعلقت بالإفراج عن بعض من الأموال الإيرانية في البنوك الأوروبية. كما يبدو أن قيادات عراقية نافذة عملت على إقناع الإيرانيين بقبول الكاظمي.

المشكلة، أن الميليشيات الشيعية المسلحة، التي كان عدد من قياداتها وجَّه اتهامات للكاظمي بالضلوع في اغتيال القياديين، الإيراني سليماني، والعراقي المهندس، في بغداد، لم تنظر إلى حكومة الكاظمي نظرتها لحكومة عبد المهدي. فبينما وجدت الميليشيات قدرًا من التماهي مع حكومة عبد المهدي، لم تر ثمة ما يربطها بحكومة الكاظمي بأية صورة من الصور.

ولذا، واصلت الميليشيات التصرف بحرية كاملة وبمعزل عن إرادة الحكومة، بل والحرص على إظهار رفضها الخضوع لإرادة الحكومة وسياساتها. وكانت حملة القصف، التي تعهدتها الميليشيات، على الأهداف الأميركية في بغداد ومعسكرات القوات الأميركية في مختلف أنحاء البلاد، أحد تجليات هذا الموقف. كما لم تنسحب الميليشيات من مدن وبلدات الأغلبية السنية، ولم تسمح بعودة اللاجئين السنَّة إلى مدنهم وبلداتهم، وتكشف عن مصير المعتقلين خارج نطاق مؤسسات الدولة وأجهزتها.

ولم تكن حادثة الصدام السافر بين حكومة الكاظمي وكتائب حزب الله في يوليو/تموز، الذي اضطرت فيها الحكومة للتراجع، آخر الطريق.

ففي مساء 6 يوليو/تموز، قامت وحدة اغتيال محترفة من أربعة أشخاص بقتل الباحث العراقي البارز، هشام الهاشمي، وهو يهم بالخروج من سيارته أمام منزله. عُرف الهاشمي، المختص بالجماعات الراديكالية والمسلحة في العراق، بانتقاداته للميليشيات الشيعية المسلحة، وارتباطها بإيران وسياستها، واستغلال علاقتها بالحشد الشعبي لتنفيذ أهدافها بمعزل عن الدولة العراقية وإرادتها.

طبقًا لأصدقاء مقربين له، كان الهاشمي تسلَّم تهديدات سافرة من كتائب حزب الله بمعاقبته على صدعه بآرائه حول الوضع الأمني العراقي. ما يضاف إلى ذلك كله، أن الهاشمي، بالرغم من أنه شخصية مستقلة ولا ارتباطات سياسية له، عُرف بقربه من الكاظمي منذ كان الأخير رئيسًا لجهاز المخابرات، وكان الجهاز يستعين بخبرة ومعرفة الهاشمي بتنظيم الدولة والجماعات الراديكالية.

عمومًا، وبمعزل عن توافر أدلة عدلية قاطعة حول هوية من اغتال الهاشمي، لم يكن ثمة شك، منذ إعلان نبأ اغتيال الباحث الشاب، أن الهاشمي لم يُقتل عقابًا له وحسب، بل وكرسالة لرئيس الحكومة، مصطفى الكاظمي.

رؤوس الميليشيات المتعددة

لم تكن الميليشيات الشيعية المسلحة بهذه القوة طوال الفترة  التي أعقبت الاحتلال الأميركي للعراق في 2003. ولكن جملة من التطورات دفعت لتكاثر عدد هذه الميليشيات، وتطورات أخرى ساعدت على تعاظم قوتها ونفوذها في المجتمع العراقي.

كانت منظمة بدر، التي وُلدت أصلًا في إيران خلال سنوات المعارضة لنظام البعث، أولى الميليشيات المسلحة وجودًا في عراق ما بعد 2003. ولكن، ونظرًا لاحتدام الصراع داخل الجسم الشيعي السياسي، سرعان ما قام أتباع رجل الدين الشاب، مقتدى الصدر، بتأسيس ميليشياتهم الخاصة. وقد لعبت بدر والصدريون دورًا بارزًا في الصراع الطائفي الذي احتدم في السنوات 2008-2009.

بانهيار النظام العراقي وقيام سلطات الاحتلال الأميركي بحل مؤسسات الدولة العراقية، تحول العراق إلى منطقة فراغ، سمحت لإيران بتعزيز نفوذها في الدولة الجار، التي كانت دائمًا مصدر قلق وتهديد لنظام الجمهورية الإسلامية. ولأن الأميركيين لم يعرفوا العراق جيدًا، لم تستطع السلطات الأميركية في العراق التعامل مع النفوذ الإيراني، الذي أخذ في التزايد والانتشار تحت سمع الأميركيين وبصرهم وفي كافة دوائر العراق الجديد، الرسمية وغير الرسمية. في كثير من الأحيان، وضع الأميركيون ثقتهم في قوى وشخصيات عراقية هي في الحقيقة موالية كلية لطهران، سواء سياسيًّا أو دينيًّا، أو سياسيًّا ودينيًّا معًا.

الإيرانيون، من ناحيتهم، أدركوا صعوبة المحافظة على كتلة شيعية عراقية موحدة، ولم يكن لديهم من مانع للسماح بانشقاقات في القوى السياسية الشيعية، أو رعاية العناصر النشطة التي رغبت في تشكيل كياناتها الخاصة. مع بداية رحيل الأميركيين في ولاية أوباما الثانية، تزايدت أعداد الميليشيات المسلحة، وإن اختلفت في حجمها، وتباينت نسبيًّا في درجة ولائها للإيرانيين. النقلة النوعية في وضع الميليشيات جاءت في صيف 2014، عندما نجح تنظيم الدولة في اجتياح مناطق واسعة من أراضي البلاد، ودعا المرجع السيستاني إلى انخراط الشعب في مواجهة الخطر الذي بدأ يمثله تنظيم الدولة.

بذلك، وُلد الحشد الشعبي، الذي نجحت الميليشيات في استغلاله لزيادة عدد منتسبيها، وتوفير الدعم المالي لمنظماتها، والسلاح والتدريب لكوادرها. كافة الميليشيات الشيعية المسلحة، من بدر، والصدريين، والعصائب، والنجباء، وكتائب حزب الله، وغيرها، تحتفظ بقدم لها داخل الحشد وأخرى خارجه. وحتى العناصر داخل الحشد، وبالرغم من أن قوات الحشد تعتبر قوة مسلحة شرعية ورسمية، إلا أنها لا تخضع بالضرورة دائمًا لإرادة الدولة ونظام الحكم.

بهزيمة تنظيم الدولة ودحر خطره وتعاظم قوة الميليشيات المسلحة، أصبح واضحًا أن المشكلة تتعلق بوجود السلاح في يد عناصر ومجموعات خارج نطاق وسيطرة أجهزة الدولة. خلال سنوات المواجهة مع تنظيم الدولة، التي جرت في مناطق أغلبية سنية، تُتهم الميليشيات بإدارة معتقلاتها السرية الخاصة، التي لم تزل قائمة وتضم الآلاف من المختفين. وتتهم الميلشيات بممارسة عمليات تهجير وتعذيب وإعدام خارج القانون، وتتهم وحدات من الميليشيات بالسيطرة على بلدات وقرى ومدن سنية، وفرض أتاوات على السكان، ومصادرة ممتلكات بالقوة.

وفي مختلف حدود العراق الدولية، سيما الحدود مع سوريا وإيران، تُتهم الميليشيات بالسيطرة على معابر حدودية، وتحصيل الرسوم والضرائب على المسافرين والبضائع لحسابها الخاص. في جنوب البلاد، تُتهم الميليشيات بالسيطرة بالكامل على أرصفة في ميناء البصرة. إضافة إلى ذلك كله، ففي أكثر من موقع، تُتهم الميليشيات بأخذ عشرات الآلاف من براميل النفط يوميًّا، سواء من أنابيب النفط أو من حقول الآبار مباشرة، وتنقلها خارج البلاد، عبر الخليج أو الدول المجاورة، سيما إيران، وهناك تقديرات تنفيها المليشيات ولم تؤكدها الدولة، بأن الخسارة المالية للدولة العراقية جرَّاء نشاطات الميليشيات الاقتصادية تعد مليارات من الدولارات سنويًّا.

ما لا يقل أهمية أن أغلبية الميليشيات الشيعية المسلحة وثيقة الصلة بإيران، وتعطي بالتالي الأولوية لاتباع سياسات إيران في العراق وتعمل على تعزيز هذه السياسات، بغضِّ النظر عن الضرر الذي توقعه التوجهات الإيرانية بموقف الدولة العراق الإقليمي أو الدولي، وأوضاع العراق الأمنية والاقتصادية. تحركت مجموعات متزايدة من الميليشيات العراقية الشيعية بحرية كاملة إلى سوريا طوال السنوات التسعة الماضية، وساهمت مساهمة مباشرة وكبيرة في الجهود الإيرانية لحماية نظام الأسد. وكلما تصاعدت وتيرة التدافع الإيراني-الأميركي، قامت الميليشيات بتصعيد ضغوطها على مواقع الوجود الأميركي في العراق.

بذلك، أصبحت الميليشيات الشيعية المسلحة، واقعًا وخطابًا، دولة في موازاة الدولة العراقية.

دولة أم دويلات داخل دولة؟

وُلدت دولة ما بعد الغزو الأمريكي عام 2003 في العراق وهي تعاني من ضعف هيكلي. أولًا: لأن إدارة الاحتلال عصفت بأجهزة دولة السابقة كلية، وبدأت عملية بناء أجهزة الدولة الجديدة من دون أن تأخذ في الاعتبار خبرات وتقاليد الدولة المتراكمة منذ ولادة العراق الحديث في 1921. وثانيًا: لأن الدولة الجديدة أقيمت على أسس محاصصة طائفية وإثنية، من دون النظر إلى استحقاقات الكفاءة والقدرات والمؤهلات. ولأن مقاليد السلطة سُلِّمت تقريبًا بكليتها للقوى السياسية الشيعية المعارضة لنظام البعث، عمل السياسيون الشيعة على حشد أنصارهم ومواليهم وأقاربهم في مؤسسات الدولة ومفاصل آلتها. إضافة إلى ذلك، استخدمت إدارة الاحتلال والحكومات العراقية التالية لها قانون اجتثاث البعث، بحق وبدون حق، للعصف بقطاع واسع من الكفاءات العراقية العسكرية والأمنية والمدنية.

خلال المرحلة حتى نهاية الاحتلال وانسحاب القوات الأجنبية، أُلقيت مهمة فرض سيطرة الدولة الجديدة وإرادتها في معظمها على قوات الاحتلال. وحتى في تلك المرحلة، كان واضحًا أن لا الدولة الجديدة ولا قوات الاحتلال ولا القوى السياسية والطائفية المتحالفة معها، حققت نجاحًا ملموسًا في بناء دولة قادرة على فرض الاستقرار. في ولايته الأولى، حاول المالكي تعزيز قوة الدولة وإعلاء إرادتها، ولكن جهوده في هذا المجال لم تمض بعيدًا؛ وسرعان ما عاد في ولايته الثانية إلى تبني سياسة تفرد طائفية، غاضًّا النظر عن استشراء الفساد في كافة مؤسسات الدولة، بما في ذلك القوات المسلحة. ولم تلبث هشاشة الدولة وإخفاقات المالكي أن برزت عندما بدأ تنظيم الدولة في 2014 هجومه الكبير، مكتسحًا مواقع الجيش والقوات المسلحة في محافظات الغرب والشمال.

اشتغلت حكومة العبادي طوال معظم ولايته في محاربة تنظيم الدولة ومواجهة مساعي إقليم كردستان العراق للاستقلال. وبالرغم من أن العبادي سارع إلى إجراء إصلاحات ملموسة في بنية القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، فرضتها طبيعة المعركة التي خاضها ضد تنظيم الدولة، وساعدت عليها الخبرات العسكرية الأميركية، إلا أنه، ربما لانشغاله بقتال تنظيم الدولة، لم يستطع التعامل مع تداعيات تشكيل الحشد الشعبي الهائلة ككيان مسلح مستقل عن قيادة القوات المسلحة، وأخفق في منع سيطرة الميليشيات واسعة النطاق على الحشد، والطبيعة الطائفية الصارخة لمساهمات الحشد، الهامشية في أغلبها، في حرب تنظيم الدولة.

عقب كل ذلك، كان من الواضح أن الميليشيات تحولت إلى ما يشبه الدولة داخل الدولة، وأن تعدادها ومقدَّراتها المالية والعسكرية تكاد توازي مقدرات قوات الدولة المسلحة. بل أكثر من ذلك؛ فقد نجحت الميليشيات، ومنذ وُلدت الدولة الجديدة، في اختراق أو تجنيد أنصار وموالين لها داخل مؤسسات الدولة ودوائرها، ليس الوزارات المدنية وحسب، بل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والوحدات العسكرية.

الآن، لم يعد ثمة جدل في أن جملة التطورات منذ تولي الكاظمي مهامه تجعل من مواجهة سطوة الميليشيات أولوية رئيسة لحكومته. ولكن ثمة تحديات تقف أمام الكاظمي في خوض هذه المواجهة، فلا يمكنه المضي في سياسته من دون السعي الحثيث لتعزيز الوطنية العراقية، ووضع نهاية للسياسات الطائفية. المشكلة، أن الكاظمي، بالرغم من الدعم الذي تلقاه من الكتل البرلمانية السنِّيَّة، خَصَمَ من حصة السنَّة التقليدية في مجلس الوزراء، ولم يمنحهم مناصب أمنية أساسية، كما لم يمنح رئاسة أركان الجيش لضابط كردي، كما كان الوضع قبل أن يلغيه العبادي.

بصورة من الصور، ولاحتواء التعقيدات والتدافعات السياسية الحزبية والنفوذ الإيراني في أوساط الميليشيات وأجهزة الدولة، قد يميل الكاظمي إلى خيار عقد مؤتمر وطني عراقي، يضم القطاع الأوسع من الزعماء السياسيين، وقادة الرأي العام، وشيوخ العشائر، وممثلي الجماعات المدنية والمنظمات المهنية، بهدف إعادة تأسيس الدولة العراقية، والتوافق على تعديل الدستور، ووضع إطار إجماعي لماهية الدولة، وعلاقتها بشعبها، وأولوياتها الرئيسة في هذه المرحلة، وطبيعة علاقاتها الإقليمية والدولية.       

ليس ثمة نظام حكم يستطيع تعهد مهمات الحكم من دون أن تستطيع مؤسسات الدولة إنفاذ إرادته، سواء تلك المتعلقة ببرنامجه السياسي، الاقتصادي-الاجتماعي، أو الأمني والقانوني. وبعد مرور ما يزيد عن العقد ونصف العقد على ولادتها عقب الغزو الأميركي في 2003، تبدو الدولة العراقية في حيرة من أمرها في التعامل مع التحديات التي تفرضها جماعات مسلحة متمردة على سلطة الدولة. أزمة حكومة مصطفى الكاظمي في حقيقتها هي أزمة الدولة العراقية ذاتها. ويقف الكاظمي، الذي يبدو أنه يتمتع بدعم أميركي صريح، أمام خيارين: إما أن يخوض المعركة في مواجهة كافة الميليشيات، مهما كانت التكاليف والعواقب، أو أن يستمر في إطلاق وعود لا يستطيع الوفاء بها، وإعلان برامج لا يستطيع تطبيقها، إلى أن يحين موعد الانتخابات القادمة ويعاد تدوير النظام من جديد.

نبذة عن الكاتب