مبدأ أردوغان: الاستراتيجية التركية في المحيط الإقليمي

انخراط تركيا في عدد من ساحات الصراع هو تعبير عن مبدأ أردوغان الذي تشكل من تحولات داخلية أفضت إلى تشييد صناعة عسكرية متطورة واقتصاد مزدهر والقضاء على ازدواجية القرار السياسي والاستراتيجي، وتحولات في نظرة تركيا إلى دورها الخارجي كقوة إقليمية مستقلة تعيد صياغة بيئتها المجاورة بما يتماشى ومتطلباتها الأمنية.
11 أكتوبر 2020
أردوغان يضع بلاده في قلب التفاعلات الإقليمية (EPA)

لعبت تركيا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، دورًا فعالًا في سلسلة من الأزمات والساحات المجاورة، منذ المحاولة الانقلابية الفاشلة في يوليو/تموز 2016. تدخلت تركيا في الخليج، لتعزيز موقف قطر العسكري والاقتصادي عندما تعرضت الحليفة العربية الخليجية للحصار والتهديد؛ كما شنَّت تركيا أكثر من حملة عسكرية في شمال سوريا لتأمين حدودها وأمنها الداخلي؛ وتدخلت في ليبيا لحماية حلفائها في الحكومة الشرعية في طرابلس؛ ونشطت في شرق المتوسط وبحر إيجة للتوكيد على حقوقها البحرية وحقوق شمال قبرص التركية؛ ويبدو أنها قدمت الدعم الضروري لأذربيجان لمواجهة الهجمات الأرمينية المتكررة وامتلاك القوة الضرورية لاسترجاع المناطق الأذرية التي تحتلها أرمينيا منذ بداية تسعينات القرن الماضي.

بالرغم من الحيوية الملموسة التي تميزت بها السياسة الخارجية التركية منذ تولي حزب العدالة والتنمية الحكم، في نهاية 2002، لم تكتسب مقاربة أنقرة للأزمات الإقليمية هذا القدر من الدينامية والنزعة التدخلية الفعالة إلا بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة. وكان د. أحمد داود أوغلو، وزير الخارجية ورئيس الحكومة الأسبق، أكد، في تصريحات له في مطلع أكتوبر/تشرين الأول، على أن عددًا من كبار ضباط الجيش التركي، المسؤولين عن الجبهة السورية، رفض تنفيذ توصيات الحكومة، في 2015، بتقديم الدعم للجيش السوري الحر في معارك حلب ودير الزور، مشيرًا إلى أن هؤلاء الضباط أنفسهم سرعان ما برزوا في مقدمة الانقلابيين في العام التالي.

والحقيقة، أن ما ذكره داود أغلو ليس سرًّا؛ فالمعروف في الدوائر السياسية التركية أن الجيش، الذي تعرض لتغلغل واسع النطاق من جماعة غولن منذ تسعينات القرن الماضي على الأقل، لم يكن دائمًا على انسجام مع سياسات الحكومة. بفشل المحاولة الانقلابية، وتخليص القوات المسلحة من الضباط الغولانيين، أصبح الجيش أكثر احترافية، وانصياعًا للقيادة السياسية، والتزامًا بمهماته الدستورية؛ وهذا ما انعكس تلقائيًّا على سياسة تركيا الإقليمية، ومنحها فعالية لم تعرفها السياسة الخارجية التركية منذ ولادة الجمهورية.

ليس من المبالغة القول بأن طيب أردوغان هو الزعيم السياسي الأكثر نفوذًا في تركيا منذ فوز حزبه، حزب العدالة والتنمية، في الانتخابات البرلمانية في نوفمبر/تشرين الثاني 2002؛ وأن أردوغان استمر في التأثير المباشر على سياسات تركيا الخارجية حتى خلال السنوات 2014–2018، التي انتقل فيها من موقع رئاسة الحكومة إلى رئاسة الجمهورية الأقل نفوذًا. وبتحول نظام الحكم إلى نظام رئاسي، في 2018، أُلغي منصب رئاسة الحكومة، وعاد أردوغان إلى ممارسة صلاحياته الدستورية التنفيذية.

فهل يمكن القول: إن السنوات الأربعة الماضية؛ حيث أصبح الجيش التركي أكثر مهنية والتزامًا دستوريًّا، وأصبحت صناعة القرار أكثر سلاسة، شهدت تطورًا جديدًا في سياسة أنقرة الإقليمية؟ بكلمة أخرى، هل تؤشر الدينامية المتزايدة في مقاربات أنقرة لجوارها الإقليمي إلى نضوج استراتيجية عمل إقليمي تركي؟

مقاربات إقليمية جديدة

سوريا: تأمين الخاصرة الجنوبية

طوال معظم 2011، حافظت أنقرة على صلاتها بالرئيس السوري، وعمل المبعوثون الأتراك على تشجيعه على تبني إصلاحات جذرية في بنية النظام وعلاقته بشعبه. وفي نهاية العام، وصلت القيادة التركية إلى قناعة بأن نظام الأسد غير قابل للإصلاح، وأنه عازم على قمع الحركة الشعبية بقوة السلاح، وأن تأييد الثورة السورية ومطلب تغيير النظام بات مصلحة تركية قومية. كانت أعداد اللاجئين السوريين، الفارين من قمع النظام إلى دول الجوار السوري، سيما تركيا، في ازدياد مستمر، ولم يكن ثمة خيار أمام أنقرة سوى دعم الحراك الشعبي.

بين 2013-2015، وبتحول الثورة الشعبية إلى نزاع مسلح، أقرب إلى الحرب الأهلية، تراجعت سيطرة النظام على الأرض السورية، وأخذت الساحة السورية تشهد بروز ظواهر، بما في ذلك تنظيم الدولة وامتدادات حزب العمال الكردستاني، تشكِّل خطرًا أمنيًّا على تركيا. خلال النصف الأول من 2015، انسحبت السعودية والولايات المتحدة من مجموعة دعم الثورة السورية، وأصبح واضحًا أن كلًّا من الرياض، في قيادتها الجديدة، وواشنطن، لا ترغب في إسقاط نظام الأسد. الأكثر مدعاة للقلق في أنقرة، أن الدعم الذي كانت تقدمه الإدارة الأميركية لفصائل الثورة السورية، تحول بكليته تقريبًا إلى دعم للجماعات الكردية المسلحة، وثيقة الصلة بحزب العمال الكردستاني، التي باتت أداة عسكرية على الأرض السورية لمواجهة تنظيم الدولة. ومع بدء التدخل الروسي العسكري المباشر إلى جانب نظام الأسد في نهاية سبتمبر/أيلول 2015، تصاعدت حدة المخاطر التي تمثلها الساحة السورية على الأمن القومي التركي.

خلال المرحلة السابقة للمحاولة الانقلابية، ونظرًا لمساعي الضباط الغولانيين لإحراج الحكومة التركية وإظهارها بمظهر العاجز عن حماية مصالح البلاد، عارضت قيادات الجيش التركي المسؤولة عن الملف السوري أي تدخل فعال في سوريا. ولم تطلق أنقرة عملية درع الفرات إلا في أغسطس/آب 2016، بعد شهر تقريبًا من فشل المحاولة الانقلابية، للتصدي لمجموعات تنظيم الدولة بصورة رئيسة، وعناصر حزب العمال الكردستاني، في منطقة جرابلس-الباب على الجانب السوري من الحدود التركية-السورية.

في 2018، تعهدت تركيا عملية أخرى، باسم غصن الزيتون، استهدفت الجماعات الكردية المسلحة في منطقة عفرين، شمال غربي سوريا، التي استُخدمت طوال سنوات ممرًّا للمجموعات المسلحة الكردية من سوريا إلى تركيا. وفي العام التالي، 2019، أطلق الجيش التركي عملية واسعة النطاق في الشمال الشرقي من سوريا، شرقي الفرات، باسم ينابيع السلام، كان الهدف منها إبعاد القوات الكردية المسلحة من الحدود التركية الجنوبية. وفي مارس/آذار، 2020، شنَّ الجيش التركي عملية عسكرية في إدلب، التي تعتبر طبقًا لاتفاقات سابقة مع روسيا، منطقة عدم تصعيد، لحماية المدنيين السوريين من هجمات قوات النظام المتكررة.

حققت تركيا من هذه العمليات وجودًا آمنًا، قد يطول، في معظم الشريط السوري الشمالي، وحماية ملايين السوريين، بل وإيجاد موطن آمن لعودة عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين إلى وطنهم، وتأمين معظم المنطقة الحدودية التركية-السورية من اختراقات الجماعات الكردية المسلحة. بعض هذه العمليات، تم بتوافق مع الأميركيين والروس، سيما عملية درع الفرات، ولكن العمليات الأخرى أُطلقت بالرغم من معارضة الأميركيين، في حالات، أو الروس، في حالات أخرى، أو معارضة الأميركيين والروس معًا.

عمل اللاعبون الأساسيون في سوريا، بمن في ذلك النظام، والروس، والأميركيون، والإيرانيون، بسياسات وأهداف متناقضة في كثير من الأحيان، خلال السنوات التي أعقبت 2015، أسفرت عن إقامة أمر واقع جديد في الساحة السورية. وجدت أنقرة، التي أحجمت عن التدخل المباشر في الأزمة السورية، أن استقرار هذا الأمر الواقع يهدد مصالحها القومية وأمن شعبها؛ فبادرت إلى تفجيره بقوة السلاح.

حصار قطر: لحظة الالتزامات الناجزة

شهدت العلاقات التركية-القطرية تقاربًا حثيثًا منذ 2005، على الأقل. في 2007، وقَّع الطرفان اتفاقية للتعاون في مجال التصنيع العسكري؛ ولكن علاقات البلدين وصلت إلى مستوى التحالف بتوقيع اتفاقية التعاون في مجالات التدريب العسكري، مع إمكانية نشر متبادل للقوات على أراضي الدولتين في ديسمبر/كانون الأول 2014. في العام التالي، وصل عدد محدود من القوات التركية للتمركز في قاعدة طارق بن زياد القطرية، كما أُجريت تعديلات على الاتفاقية، تأخر التصديق عليها من قبل البرلمان التركي، لانشغال تركيا بتشكيل حكومة جديدة وإجراء جولتين من الانتخابات البرلمانية في العام نفسه.

في 23 مايو/أيار 2017، وبصورة مفاجئة وغير مبرَّرَة، بدأت وسائل إعلام سعودية وإماراتية هجومًا إعلاميًّا منسقًا، ومعدًّا من قبل، ضد قطر. وفي 3 يونيو/حزيران، أعلنت السعودية والإمارات والبحرين، بتأييد لاحق من مصر، حصار قطر، بريًّا، وبحريًّا، وجويًّا. وبالرغم من أن أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، شارك في قمة خليجية مع الرئيس الأميركي الجديد، دونالد ترامب، في الرياض، تخللتها لقاءات ودية مع الزعماء الخليجيين، والرئيس ترامب، إلا أن الموقف الأميركي من حصار قطر بدا غامضًا. خلال أيام قليلة من فرض الحصار، ظهرت مؤشرات على أن السعودية والإمارات والبحرين ربما تُعد لغزو فعلي لقطر، أكده فيما بعد وزير الدولة القطري لشؤون الدفاع، خالد العطية.

شهدت العلاقات التركية-السعودية، منذ تولي الملك، سلمان، مقاليد الحكم، تحسنًا ملموسًا. لم تكن العلاقات التركية-الإماراتية على ذات المستوى، سيما أن شكوكًا أحاطت بدور إماراتي في المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا؛ ولكن أنقرة لم تكن اتخذت موقفًا عدائيًّا من الإمارات بعد، على أية حال. ذلك كله لم يمنع تركيا من التحرك المباشر والسريع للوقوف إلى جانب الحليف القطري.

كانت لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان التركي، بمجرد انطلاق الحملة الإعلامية ضد قطر، قد أقرَّت اتفاقية التعاون العسكري التركي-القطري المعدلة، وأرسلتها للجلسة البرلمانية العامة للتصديق. صدَّق البرلمان على الاتفاقية في يوم واحد، وبدأت القوات التركية الوصول جوًّا إلى قاعدتها القطرية خلال أيام قليلة فقط من إعلان الحصار. بعد شهور، وعندما اتضح حجم المخطط السعودي-الإماراتي للتدخل في قطر، وفرض أمر واقع جديد في الخارطة الخليجية والعربية السياسية، لم يعد ثمة شك في أن الخطوة التركية لعبت دورًا رئيسًا في إفشال هذا المخطط.

المسألة الليبية: حليف الضفة المقابلة

أعلنت تركيا تأييدها لثورة الشعب الليبي، كما أيدت حركة الثورة والتغيير العربية. ولكن، وبالرغم من أن قوى الثورة الليبية سرعان ما انقسمت على نفسها، وأن بعض هذه القوى تحول إلى وكيل لنفوذ وسياسات قوى عربية أو إقليمية، فابتعدت أنقرة عن المحاور الليبية ودَعَتِ الليبيين إلى الوحدة والمحافظة على المسار الديمقراطي. أيدت تركيا اتفاق الصخيرات، في نهاية 2015، كما أعلنت دعمها لحكومة الوفاق، التي وُلدت من الاتفاق واعترفت بها الأمم المتحدة ممثلًا شرعيًّا للشعب الليبي. ولكن، وخلف صورة التدافعات الليبية، لم يكن خافيًا أن ثمة محاولة فرنسية لإبعاد تركيا عن ليبيا، بالرغم من أن علاقات وثيقة ربطت بين البلدين منذ سنوات الثمانينات، وقبل تسلم العدالة والتنمية مقاليد الحكم.

كان حفتر أعلن تمرده ومشروعه للسيطرة على ليبيا منذ 2014. ولكن، وبالرغم من أن حفتر، الذي بدا واضحًا أنه يتمتع بدعم الإمارات ومصر وفرنسا، أثار قلقًا في تركيا، لم يتوقع أحد في أنقرة أن يستطيع اللواء المتقاعد المتمرد تحقيق أهدافه. ولما سيطرت قوات حفتر على بنغازي، في 2017، بدأت أنقرة، كما معظم مؤيدي الحكومة الشرعية في طرابلس، تأخذ حفتر مأخذ الجد.

في ربيع 2019، بدأ حفتر عملية واسعة النطاق، بهدف السيطرة على العاصمة، طرابلس، وحسم الموقف كلية ونهائيًّا في غرب البلاد. كان المسؤولون الكبار في حكومة الوفاق طلبوا دعمًا من الدول المؤيدة لهم قبل الهجوم على طرابلس، ولكن أيًّا من هذه الدول لم يُبْدِ استعدادًا لتقديم دعم ملموس. فقط تركيا وقطر بدت أكثر إيجابية في النظر إلى حاجات حكومة الوفاق. وبعد أن أصبحت العاصمة الليبية مهددة بالفعل، تحركت تركيا لحماية طرابلس وتقديم العون الضروري لحكومة الوفاق الشرعية. ومع نجاح قوات حكومة الوفاق في تحرير مدينة غريان الاستراتيجية، جنوب طرابلس، من سيطرة قوات حفتر، أصبح الدعم التركي العسكري للوفاق حقيقة واقعة.

في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، أخذت تركيا وحكومة الوفاق خطوة ملموسة لمنح علاقاتهما إطارًا شرعيًّا وعلنيًّا، بتوقيع اتفاقية تعاون عسكري وأمني، ومذكرة تفاهم حول حدودهما البحرية الاقتصادية شرق المتوسط.

تعثر عملية حفتر في الغرب الليبي دفع حلفاءه العرب إلى استدعاء روسيا، التي تجلَّى دعمها للواء المتقاعد حفتر في نشر أعداد متزايدة من المرتزقة الروس، المعروفين بارتباطهم الوثيق بقرار الكرملين، في خطوط القتال. وبذلك، أصبح واضحًا أن موقف تركيا إلى جانب الوفاق يعني مواجهة تحالف واسع النطاق خلف حفتر، يضم مصر، والإمارات، وفرنسا، وروسيا. تمتع الموقف التركي في ليبيا بتأييد صريح من قطر، ولكن حتى مطلع 2020 كان الموقف الأميركي لم يزل غامضًا، بينما أحجمت كافة القوى الإقليمية والأوروبية المعترِفة بشرعية الوفاق عن التدخل بأية صورة من الصور.

خلال الفترة من أبريل/نيسان إلى يونيو/حزيران 2020، نجحت قوات الوفاق، بدعم عسكري نوعي من تركيا، في إيقاع سلسلة من الهزائم بقوات حفتر على طول الساحل غربي طرابلس، وجنوب العاصمة وجنوبها الشرقي، ومطار طرابلس الدولي، ومدينة ترهونة الاستراتيجية. بكلمة أخرى، نجحت قوات الوفاق في طرد حفتر من معظم الغرب الليبي، وباتت تهدد مواقعه في مدينة سرت الوسطى، دافعة الأزمة الليبية إلى مرحلة جديدة تمامًا.

بهزيمة حفتر، تغيرت موازين القوى في الساحة الليبية السياسية، بما في ذلك في الشرق الليبي نفسه؛ وأصبح من الممكن عودة الفرقاء الليبيين إلى قاعة المفاوضات، سواء في سويسرا أو المغرب، لإيجاد مخرج من الأزمة واستعادة وحدة البلاد واستقرارها. ولكن أحدًا لم يكن لديه شك، داخل ليبيا وخارجها، أن هذا التحول في مسار الأزمة الليبية ما كان ممكنًا بدون التدخل التركي إلى جانب الوفاق.

شرق المتوسط: إعادة رسم الحدود البحرية

لم يصبح شرق المتوسط منطقة نزاع محتدم إلا في بداية القرن الحادي والعشرين، عندما برزت أدلة على وجود مخزون كبير من الغاز في المنطقة البحرية. وقد سارعت حكومة قبرص اليونانية، بدون أن تأخذ في الاعتبار انقسام الجزيرة وحقوق شمال قبرص التركية، إلى ترسيم حدودها البحرية مع مصر (2003)، ولبنان (2007)، وإسرائيل (2010). في 2009، اكتشفت إسرائيل حقلًا كبيرًا للغاز في المتوسط، وفي 2011، اكتشفت قبرص حقلًا آخر، وفي 2015، اكتشفت مصر حقلًا ثالثًا. ما فاقم الوضع في شرق المتوسط، كان إعلان اليونان عن أن حدودها البحرية الاقتصادية ستُرسم ابتداء من سواحل الجزر التي تتبعها.

ولكن شرق المتوسط لم يكن منطقة النزاع الوحيدة في علاقات تركيا بجارتيها، قبرص اليونانية واليونان. فمنذ السبعينات، تحولت الممرَّات البحرية والجوية والحدود الاقتصادية في بحر إيجة إلى مولِّد للصدام بين تركيا واليونان، الذي أوشك على التطور إلى مواجهة مسلحة في أكثر من مناسبة. التزمت الدولتان، في 1976، بمسار تفاوضي لحل خلافاتهما في إيجة، عُرف بمسار بيرن، ولكن رئيس الحكومة اليوناني، أندرياس باباندريو، انسحب من المفاوضات نهائيًّا، في 1981. كما لم يساعد الخلاف حول تفسير قانون البحار الدولي، المعلن في 1982، في تقريب وجهتي نظر الدولتين.

ما تقوله أثينا، باختصار: إن القانون الدولي يمنحها حق رسم حدودها البحرية من سواحل أية جزيرة تتبعها في المتوسط؛ وإن حكومة قبرص اليونانية هي الحكومة الشرعية التي تمثل قبرص، لأن ليس ثمة دولة تعترف بجمهورية شمال قبرص التركية إلا تركيا، وإن نيقوسيا بالتالي هي المسؤولة عن رسم حدود الجزيرة البحرية والاتفاق حول هذه الحدود مع الدول المجاورة.

بيد أن تركيا تحتج بأن اليونان ليست دولة أرخبيل، وأن حدودها البحرية لابد أن تُرسم بداية من ساحل الأرض اليونانية الرئيسة؛ وأن بحر إيجة هو بحر شبه مغلق، ويمثل بالتالي حالة خاصة في القانون الدولي. إضافة إلى ذلك، تقول تركيا: إن قبرص جزيرة-دولة منقسمة منذ 1974، وإن حكومة نيقوسيا لا يمكنها ادعاء تمثيل شطري الجزيرة.

نشطت تركيا، منذ 2015، في عمليات استكشاف الغاز في المنطقة التي تعتبرها ضمن حدودها الاقتصادية في شرق المتوسط. ولكن حدة التوتر لم تتصاعد إلا في العام ونصف العام الأخيرين، بفعل تطورين مهمين: الأول: كان توقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية الاقتصادية بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية، وهو الاتفاق الذي جسَّد التصور التركي للحدود البحرية لكل من قبرص اليونانية، وقبرص التركية، واليونان. الثاني: أن تركيا، التي تعتمد على إمكانياتها الذاتية في عمليات الاستكشاف، زادت من عدد السفن التنقيب، خلال السنوات القليلة الماضية، وأصبح بإمكانها العمل في أكثر من منطقة بحرية في وقت واحد.

المعارضة اليونانية، ورسائل التهديد، لم تغير من موقف تركيا ولا وتيرة نشاطها الاستكشافي. ردًّا على التصعيد اليوناني، بدأت قطع مسلحة من القوات البحرية التركية بمرافقة سفن التنقيب أثناء قيامها بعملها. ولكن أحدًا، سواء قبل توقيع الاتفاق التركي-الليبي، أو بعده، لم يتوقع صدامًا عسكريًّا بحريًّا بين اليونان وتركيا، ليس فقط لأن كلتيهما عضوان في حلف الناتو، وأن الحلف سيبذل كل جهد ممكن لمنع مثل هذا الصدام، ولكن أيضًا لأن اليونان تدرك حجم التفوق العسكري التركي، كما أن شركاء اليونان الإقليميين، سيما إسرائيل ومصر، يتجنبون التصعيد مع تركيا.

لم يعد أمام اليونان للضغط على تركيا سوى استدعاء الاتحاد الأوروبي. ولأن فرنسا، التي تسعى لاستعادة دورها المتوسطي الإمبريالي، وقفت إلى جانب اليونان، استعملت نفوذها لإقناع دول الاتحاد الأوروبي باتخاذ إجراءات عقابية ضد تركيا.

في النهاية، وبعد رفض اليونان المتكرر للتفاوض، عقد مسؤولون عسكريون أتراك ويونانيون عددًا من اللقاءات برعاية سكرتارية الحلف الأطلسي في بروكسل، وتوصلوا لاتفاق منع التصعيد والاشتباك في مطلع أكتوبر/تشرين الأول (2020). رحَّبت قمة الاتحاد الأوروبي المنعقدة في الوقت نفسه بالاتفاق، ودعت الطرفين للتفاوض لحل كافة المسائل العالقة. وبالرغم من أن القمة الأوروبية طالبت أنقرة بالتوقف عن نشاطات التنقيب في المناطق المتنازع عليها، فقد تجنبت فرض عقوبات على تركيا.

ليس من الواضح بعد متى ستبدأ المفاوضات التركية-اليونانية حول شرق المتوسط وبحر إيجة، التي يبدو أن الوساطة الألمانية تعمل على إطلاقها في أسرع وقت ممكن. ولكن قلَّة فقط تتوقع توصل الدولتين لاتفاق شامل حول حدودهما البحرية، ليس فقط لتصميم تركيا على حفظ حقوقها في شرق المتوسط وإيجة، ولكن أيضًا لهشاشة وضع الحكومة اليونانية الائتلافية وصعوبة تقديمها تنازلات كافية لمقابلة تركيا في منتصف الطريق. في النهاية، ومهما كانت التوقعات حول ما يمكن أن تفضي إليه المفاوضات بين البلدين، فالمؤكد أن محاولات اليونان وقبرص اليونانية، المستمرة منذ عقدين على الأقل، فرض أمر واقع في شرق المتوسط وإيجة قد أخفقت، وأن تركيا، سواء توصلت لاتفاق مع اليونان أو لا، نجحت في فرض أمر واقع جديد.

أذربيجان وأرمينيا: استرداد المبادرة في القوقاز

تعود جذور الصراع بين أرمينيا وأذربيجان إلى بداية التسعينات، عندما استقل كل منهما عن الاتحاد السوفيتي، واندفعت أرمينيا لفرض استقلال إقليم ناغورني قره باغ الأذري، ذي الأغلبية الأرمينية، عن أذربيجان، واحتلال الشريط الفاصل بين الإقليم وأرمينيا لتأمين خطوط الاتصال بينهما. لم تكن أذربيجان في وضع عسكري أو سياسي مُرض آنذاك، وهذا ما دفعها للقبول بوقف إطلاق النار مع أرمينيا، في 1994، وانتظار الوساطة الخارجية، التي تقودها روسيا والولايات المتحدة وفرنسا، ضمن مجموعة منسك، لفرض انسحاب أرميني والمساعدة على حل مسائل الخلاف بين الجارتين.

ولكن، لا وساطة مجموعة منسك، ولا قرارات الأمم المتحدة الأربع، التي أكدت على أن ناغورني قره باغ أرض أذرية، وضعت نهاية لاحتلال أرمينيا الأرض الأذرية. هذا، بالرغم من أن ليس ثمة دولة واحدة في العالم، ولا حتى أرمينيا نفسها، اعترفت باستقلال ناغورني قره باغ.

خلال السنوات القليلة الماضية، عملت أذربيجان على إعادة بناء جيشها، بمساعدة من تركيا، التي تعتبر أذربيجان دولة شقيقة ناطقة بالتركية؛ مما أهَّلها للرد بكفاءة على المناوشات العسكرية الأرمينية المتقطعة. في سبتمبر/أيلول 2020، عادت أرمينيا لاستفزاز أذربيجان باستهداف مواقع عسكرية ومدنية أذرية، وهو ما دفع أذربيجان لشنِّ هجوم عسكري شامل لاسترجاع ناغورني قره باغ وإخراج القوات الأرمينية كلية من الأراضي الأذرية. وإضافة للدعم السياسي الذي أعلنته تركيا للموقف الأذري، كشفت الاشتباكات بين الطرفين عن تفوق ملموس للجانب الأذري، أسهمت في تحقيقه المساعدات العسكرية التركية.

ثمة ضغوط دولية لفرض وقف إطلاق نار جديد ودفع الجانبين، الأرميني والأذري، للتفاوض، وقد نجحت موسكو في إقناعهما بقبول وقف إطلاق النار ولكن ما لبث أن توالت حوادث خرقه. أما التفاوض فإن باكو تصر لقبوله أن تعلن أرمينيا عن جدول انسحاب كامل من أرض أذربيجان المحتلة قبل أن يجلس الطرفان للتفاوض. من الصعب، بالطبع، تصور أن تترك روسيا والقوى الدولية الحربَ، المستمرة منذ أواخر سبتمبر/أيلول، لتطول عموم جنوب القوقاز، ولكن المؤكد أن موقف أذربيجان سيكون الأقوى، إن انطلقت المفاوضات مرة أخرى.

مبدأ أردوغان: قوة إقليمية مبادرة

نجحت حكومة العدالة والتنمية، منذ توليها مقاليد الدولة التركية، في 2002، وبعد المحاولة الانقلابية الفاشلة في 2016، على وجه الخصوص، في إعادة بناء القوات المسلحة التركية، وإعادة بناء العلاقة بين القوات المسلحة والحكومة المدنية، من جهة، والمجتمع التركي ككل، من جهة أخرى. انتهت هيمنة العسكريين على قرار مجلس الأمن القومي، وتخلص الجيش من العناصر الانقلابية، وأُخرج من الساحة الداخلية، الأمنية والسياسية، سواء بنقل قيادة الجندرمة لوزارة الداخلية، أو بنقل أجهزة الرقابة والتنصت من مسؤولية الجيش إلى المؤسسات الأمنية المتخصصة.

في الوقت نفسه، حققت الصناعات العسكرية التركية نهضة غير مسبوقة، بحيث باتت تسد ما يعادل 80 بالمئة من حاجات القوات المسلحة التركية. وقد ساعد التقدم والتوسع الكبير في الصناعة العسكرية، إضافة إلى التحسن الملموس في أوضاع تركيا الاقتصادية والمالية، في إيلاء اهتمام متزايد بتسليح كافة أفرع القوات المسلحة، كمًّا ونوعًا. بذلك، أصبح الجيش التركي أداة بالغة الفعالية في تحقيق الأهداف السياسية للحكومة، وحماية المصالح الحيوية للدولة. رافق هذا التطور في العلاقات السياسية-العسكرية صعود تركي سياسي واقتصادي، عزَّز من تأثير تركيا الإقليمي، ومن تحالفاتها الإقليمية والدولية.

خلال العقود الأولى من تأسيس الجمهورية، وحتى نهاية الحرب الثانية، انتهجت تركيا سياسة تقوم على إعلان مصطفى كمال الشهير: "سلام في الوطن، سلام في العالم". كان طبيعيًّا، والبلاد لم تزل تعاني وطأة دمار سنوات الحرب الأولى وحرب الاستقلال، وموجات الهجرة والهجرة المضادة، أن تقوم السياسة التركية الخارجية على تجنب الأزمات والخلافات، والابتعاد عن شؤون الجوار الإقليمي. وباستثناء مشكلة هاتاي/إسكندرون مع فرنسا، التي استعادتها الجمهورية في نهاية الثلاثينات، بدت سياسة الجمهورية الخارجية أقرب إلى سياسة الدولة المحايدة.

في الشهور الأخيرة من الحرب الثانية، اختار الرئيس، إينونو، إعلان الحرب على دول المحور لتأمين مقعد لتركيا في تسويات ما بعد الحرب. وفي بداية الخمسينات، قررت حكومة مندريس، التي رأت نذر تهديد سوفيتي للمضايق، الالتحاق بحلف الناتو. خلال العقود التالية، اكتسبت السياسة الخارجية التركية شيئًا من الحيوية، التي راوح مستواها بين حكومة وأخرى. ولكن هذه السياسة كانت متواضعة الطموح، وظلت تدار، في أغلب الأحيان، ضمن المسار العام لسياسات الكتلة الأطلسية، سيما الولايات المتحدة.

كان أوزال أول رئيس حكومة أبدى اهتمامًا خاصًّا بالجوار التركي، سواء في العالم العربي، والقوقاز، أو البلقان. ولكن نظام العدالة والتنمية، ومنذ 2002، أخذ هذا الاهتمام إلى مستوى غير مسبوق. خلال العقدين الماضيين، سيما بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة، في 2016، تجلَّى هذا الاهتمام، معزَّزًا بقوة اقتصادية ووحدة فائقة في آلة الدولة التركية، في عدد من السمات للسياسة الخارجية التركية، والسياسة تجاه الجوار التركي بصورة خاصة، أبرز هذه السمات:

  • أن مصالح تركيا لا تقتصر على العلاقة مع الغرب الأوروبي، ولكنها تشمل أيضًا جوار تركيا الإقليمي، سيما الدول التي تجمعها بتركيا مواريث ثقافية أو إثنية. في قلب هذه المصالح، التزامات سياسية وتاريخية، وآفاق اقتصادية ومالية، وضرورات يفرضها الأمن القومي التركي.
  • أن تركيا أكبر من أن تركن إلى الدور الذي يرسمه لها الحلفاء الغربيون، سواء باعتبارها موقعًا دفاعيًّا أمام توجهات التوسع السوفيتية (الروسية، اليوم)، أو جسرًا يربط أوروبا بوسط آسيا والشرق الأوسط. جذور تركيا التاريخية، وثقلها الثقافي والسياسي، وموقعها الجيوسياسي، تفرض عليها تعهد دور قيادي في أجنحة جوارها الثلاث: الشرق الأوسط، والقوقاز، والبلقان.
  • أن على تركيا ألا تقبل بالأمر الواقع، مهما كان الزمن الذي استقر عليه هذا الواقع، وحتى إن وقفت خلفه قوى غربية كبرى.
  • أن على تركيا دعم مواقفها والتعبير عن مصالحها بتحرك ملموس ومشهود على الأرض، وليس فقط بالتصريحات. بدون تحرك عسكري، واقتصادي، أو استثماري، لن يكون للمواقف المعلنة أثر فعال في ميزان القوى والتدافع حول المصالح.
  • لتقوم تركيا بدورها وتحمي موقعها، لابد أن يكون لها أصدقاء وحلفاء في الجوار الإقليمي، وأن تعمل دائمًا على زيادة عدد الحلفاء والأصدقاء. ولكن هذه التحالفات لا يمكن الحفاظ عليها بدون أن تفي تركيا بالتزاماتها تجاه حلفائها، وأن تقف معهم في مواجهة المخاطر التي تهددهم، وأن تدافع عن مصالحهم الحيوية كما تدافع عن مصالحها.

هذه هي السمات الرئيسة لما يمكن أن يسمى "مبدأ أردوغان"، والذي يلاحظ عمله في كافة الأزمات التي تعاملت معها أنقرة في السنوات الأربع الأخيرة، من سوريا وليبيا وقطر، إلى شرق المتوسط وأذربيجان.

بيد أن اعتماد استراتيجية العمل الإقليمي هذه لا يعني أنها كفيلة بالنجاح وتحقيق الأهداف التركية في كل الحالات. تبرز تركيا، بلا شك، قوة إقليمية فعالة، ولكنها تنتمي إلى إقليم تحول منذ أكثر من قرن إلى ساحة صراعات وتدافعات بالغة الحدة، وساحة تنافس دولي لا يهدأ. لذلك، تواجه تحديين لتحقيق أهدافها، وإن كانت جزئية، الأول: يتمثل في قدرتها على الأخذ في الاعتبار أوزانَ الأطراف المعنية بكل واحدة من الأزمات التي تواجهها. والثاني،  وهذا هو الأهم، مهارتها في تفادي الإفراط في تحمل أعباء الدور والموقع، الإفراط الذي طالما أودى بقوى إقليمية ودولية، وأفضى إلى تراجعها أو انهيارها.

 

نبذة عن الكاتب