تركيا وروسيا: تفاهم مرحلي وتوجهات إستراتيجية مختلفة

نزوع تركيا بقيادة أردوغان إلى سياسة خارجية مستقلة وتزايد النفوذ الروسي الخارجي في عهد بوتين، دفع البلدين إلى توافقات مرحلية، لكنها لن تجعل تركيا تتخلى عن تحالفاتها التقليدية مع الغرب.
(الجزيرة)

ما يُعرف عن الرئيس الروسي أنه نادرًا ما يكيل المديح لأي من نظرائه من الرؤساء أو يثني عليه. ولكن بوتين لم يتردد، في 27 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، في إمطار الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بالثناء. قال بوتين: "أردوغان زعيم قوي ومتين، ويعمل بما يتماشى مع مصالح تركيا". بعد أسابيع قليلة، وفي معرض الحديث عن تجديد اتفاق البحر الأسود لتصدير الحبوب الأوكرانية، رد أردوغان التحية بأفضل منها، منددًا بالضغوط التي تفرضها الولايات المتحدة على روسيا، ومناديًا بتسهيل تصدير الحبوب ومنتجات السماد الروسية.

الحقيقة، أن العلاقات التركية-الروسية لم تكن منذ عقود طويلة بأفضل مما هي عليه اليوم. عندما شرعت الدول الغربية في فرض عقوبات على روسيا بعد انطلاق "العملية العسكرية" الروسية ضد أوكرانيا، رفضت تركيا الالتحاق بركب العقوبات، ولم يلبث كبار رجال الأعمال الروس وصغارهم أن انتقلوا إلى تركيا، بعد أن أقفلت الأسواق الأوروبية أبوابها أمامهم. نجحت تركيا، بجهود دبلوماسية خارقة، في تنظيم جولات تفاوض روسية-أوكرانية. ومع مضي عجلة الحرب، بات واضحًا أن تركيا أصبحت الوسيط الوحيد، محل ثقة القيادة الروسية؛ وهو ما اتضح في قيادة تركيا الجهود التي أثمرت إتمام الاتفاق الذي سمح باستئناف تصدير الحبوب الأوكرانية.

في المقابل، يصعب القول بأن إدارة بايدن قامت بما يكفي لإعادة موضعة العلاقات التركية-الأميركية على أسس مرضية لأنقرة. لم تزل الحكومة التركية تنتظر توكيدًا إيجابيًّا من واشنطن لطلب أنقرة شراء أربعين طائرة إف-16، الذي تقدمت به قبل أكثر من عام. كما أن تركيا لم تجد إلى اليوم استجابة حقيقية لمطالباتها المتكررة برفع المظلة الأميركية عن قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب، وثيقة الصلة بحزب العمال الكردستاني. في 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2202، وقع انفجار دموي في شارع الاستقلال، أحد أكثر شوارع إسطنبول ازدحامًا بالمتسوقين الأتراك والسائحين. بعد ساعات قليلة، نجح الأمن التركي في القبض على الفتاة التي يشتبه بقيامها بزرع المتفجرات في شارع الاستقلال، والتي تقول السلطات التركية إنها سورية الجنسية وإنها تلقت تدريبها على يد قوات سوريا الديمقراطية وحزب العمال الكردستاني. وكان لافتًا، صباح اليوم التالي، أن يعلن وزير الداخلية التركي أن حكومته ترفض استلام رسالة التعزية التي أرسلتها السفارة الأميركية في أنقرة، في تلميح لا يخفى إلى ما توفره الولايات المتحدة من حماية ودعم لمن تصفهم تركيا بالجماعات الإرهابية الكردية.

هذا التباين بين الدفء الملموس في العلاقات التركية-الروسية، في جانب، ومظاهر التوتر المديدة في علاقات تركيا بحليفاتها الغربيات، من فرنسا إلى الولايات المتحدة، دفع البعض إلى طرح تساؤلات حول ما إن كانت تركيا بصدد التحلل من عضويتها في حلف الناتو، والتوجه بدلًا من ذلك إلى الشرق. ألم يقل أردوغان، في سبتمبر/أيلول الماضي 2022: إن هدف تركيا هو العضوية الكاملة في منظمة دول شنغهاي للتعاون؟

فكيف يمكن قراءة العلاقات التركية-الروسية، وما يمكن أن تتمخض عنه؟ هل أنقرة بصدد المضي نحو إقامة تحالف فعلي مع الجارة الأوروآسيوية الكبرى، بغض النظر عن تأثير هذا التحالف على علاقات تركيا التقليدية مع الغرب والولايات المتحدة أم أن هذه مجرد لحظة عابرة في تاريخ طويل من التنافس والعداء بين روسيا وتركيا، صنعتها كيمياء تفاهم خاصة بين بوتين وأردوغان؟

تطورات إيجابية متراكمة

ليس من الصحيح القول: إن الانفتاح التركي على روسيا لم يبدأ إلا مع تولي العدالة والتنمية الحكم في 2002. الصحيح أن أنقرة شرعت في فتح قنوات تفاهم مع موسكو منذ سبعينات القرن الماضي. كانت الحكومة التركية فوجئت في منتصف الستينات برسالة الرئيس الأميركي، ليندون جونسون، التهديدية بخصوص قبرص؛ ما دفع أنقرة إلى إطلاق مراجعة إستراتيجية لسياسة الجمهورية الخارجية، استمرت عدة سنوات. انتهت المراجعة إلى ضرورة إعادة الحياة إلى العلاقات مع الاتحاد السوفيتي وإقامة روابط أفضل مع الدول العربية والإسلامية، وتوجت بافتتاح مكتب لمنظمة التحرير الفلسطينية في أنقرة في مطلع الثمانينات، والتحاق تركيا بمنظمة القمة الإسلامية (التعاون الإسلامي، بعد ذلك).

وبالرغم من أن نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي، في 1991، وفرا فرصة أكبر لتطوير العلاقات بين البلدين، إلا أن مناخ الاضطراب السياسي الذي عاشته تركيا خلال التسعينات، وتدهور أوضاع روسيا الاقتصادية، لم يساعدا البلدين كثيرًا على إحراز تقدم ملموس في علاقاتهما. مع تولي بوتين الرئاسة في روسيا، وبداية حكم العدالة والتنمية في تركيا، أصبح من الممكن فتح صفحة جديدة من التعاون الجاد.

تبنت حكومة العدالة والتنمية من البداية سياسة تستهدف تعزيز العلاقات مع المحيط الإقليمي، خارجيًّا، وتوفير الشروط الضرورية لإطلاق نهوض اقتصادي، داخليًّا. وكان طبيعيًّا أن تنظر تركيا إلى روسيا باعتبارها شريكًا رئيسًا، سواء لما تتيحه السوق الروسية من فرصة للصادرات التركية، أو لحاجة تركيا المتزايدة لمصادر الطاقة. خلال العقدين الأولين من القرن الحالي، تبادل أردوغان وبوتين عشرات الزيارات للبلدين، تشكل مجلس تعاون عالي المستوى لبحث وإقرار سبل التعاون بين الدولتين، ووُقِّعت عشرات الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية والثقافية بينهما.

في خريف 2015، وبعد قيام طيار تركي بإسقاط طائرة عسكرية روسية متمركزة في سوريا، اخترقت المجال الجوي التركي، تعرضت العلاقات التركية-الروسية لأزمة حادة، كادت تطيح بكل ما أُحرز من تقدم خلال العقد ونصف العقد السابقين. ولكن أردوغان كان حريصًا على عودة العلاقات إلى طبيعتها، وهو ما تحقق بالفعل في صيف العام التالي. وقد ساعد الموقف الروسي الواضح من محاولة صيف 2016 الانقلابية على رفع مستوى الثقة بين حكومتي البلدين، سيما أن شكوكًا انتابت أنقرة حول حقيقة الموقف الأميركي من الانقلاب. هذه الثقة المستعادة أفسحت المجال أمام تركيا للقيام بثلاث عمليات عسكرية كبيرة في الشمال السوري، بموافقة روسية ضمنية: درع الفرات (أغسطس/آب 2016)، وغصن الزيتون (يناير/كانون الثاني 2018)، ونبع السلام (أكتوبر/تشرين الأول 2019). كما أفضت إلى اتفاقية بناء خط الغاز الروسي المباشر عبر تركيا، ترك ستريم، في 2017، الذي افتتح رسميًّا بوجود قادة البلدين بعد ذلك بعامين.

وفي هذه المرحلة بالذات، أخذت تركيا خطوتين بالغتي الدلالة في التقارب مع روسيا: تمثلت الأولى في منح روسيا عقد إنشاء أول مفاعل نووي تركي لتوليد الكهرباء؛ أما الثانية فتعلقت بشراء منظومة الدفاع الجوي الروسية إس-400، بالرغم من المعارضة الأميركية الحادة.  

بيد أن الواضح أن ثمة مؤشرات على أن العلاقات التركية-الروسية لم تصل من قبل المستوى الذي وصلته مع بداية العملية الروسية العسكرية في أوكرانيا في فبراير/شباط الماضي. ففي مارس/آذار، وبعد شهر واحد من اندلاع الحرب، التقى الروس والأوكرانيون، بوساطة تركية، للتفاوض حول نهاية الحرب. ما ذُكر بعد نهاية المفاوضات أن الوفدين توصلا فعلًا إلى اتفاق أولي، ولكن اللمسات الأخيرة تطلبت عقد لقاء بين الرئيسين، الروسي والأوكراني. ولكن ما اتضح لاحقًا أن مواقف المتحاربين كانت لم تزل بعيدة. المهم، أن اختيار إسطنبول موقعًا للتفاوض أشار إلى أن تركيا تكاد تكون الدولة الوحيدة في العالم القادرة على لعب دور الوسيط الموثوق في الحرب.

هذا الدور ساعد على التوصل إلى اتفاق البحر الأسود لتصدير الحبوب في يوليو/تموز الماضي، بعد مباحثات بالغة التعقيد، شملت روسيا وأوكرانيا وتركيا. ولأن الحرب في أوكرانيا كانت تسببت بالفعل في أزمة حبوب عالمية، فقد نُظر إلى الاتفاق باعتباره انتصارًا كبيرًا للدبلوماسية التركية. وفي أوائل نوفمير/تشرين الثاني 2022، عندما بدا كأن روسيا توشك على الانسحاب من الاتفاق، عملت أنقرة، ومن خلال اتصال مباشر بين أردوغان وبوتين، على عودة روسيا إلى العمل بالاتفاق. في 17 نوفمبر/تشرين الثاني، ووسط ترقب عالمي، أعلن أردوغان أن وساطة بلاده نجحت من جديد في تمديد الاتفاق لأربعة شهور أخرى.

في أغسطس/آب 2022، وقَّعت تركيا وروسيا على خارطة طريق للتعاون الاقتصادي، تستهدف رفع مستوى التبادل التجاري بينهما إلى 100 مليار دولار سنويًّا. وفي الشهر التالي، سبتمبر/أيلول، اتفقتا على أن تدفع تركيا 25 بالمئة من قيمة الغاز الذي تستورده من روسيا بالروبل؛ مما يعني مساعدة تركيا بصورة ملموسة على تعديل ميزان المدفوعات، الذي أثقلته التكلفة المتصاعدة لواردات موارد الطاقة منذ بداية 2022.

في أكتوبر/تشرين الأول، طرح بوتين، وبصورة مباشرة، مشروعًا يستهدف تحويل تركيا إلى مركز دولي لتوزيع الغاز الروسي. ولم تلبث الفكرة أن وجدت استجابة مباشرة من أردوغان، الذي قال إنه أصدر تعليماته إلى الجهات التركية صاحبة الاختصاص للبدء في التحضيرات الضرورية لتنفيذ المشروع. الواضح، بالطبع، أن بوتين ما كان له طرح مشروع مماثل لولا توقف العمل كلية في نوردستريم، الذي ينقل الغاز الروسي إلى دول شمال وغرب أوروبا، ولولا تقديره بأن القطيعة الروسية الاقتصادية مع أوروبا ستستمر لبعض الوقت. ولكن الصحيح، أيضًا، أن اختيار تركيا بالذات لتصبح مركزًا لتوزيع الغاز الروسي هو قرار ذو طابع إستراتيجي، يوحي بعزم روسيا على المحافظة على علاقات وثيقة مع تركيا لعقود طويلة مقبلة.

تاريخ وواقع يصعب تجاهلهما

بيد أن من الصعب التوصل إلى قراءة صحيحة لما يمكن أن تذهب إليه العلاقات التركية-الروسية، إن اقتصرت الرؤية على جانب واحد لهذه العلاقات. هذان بلدان جاران، يستند كل منهما إلى مواريث عميقة وراسخة، كما أن للعلاقات بينهما تاريخًا طويلًا وبالغ التعقيد. ومهما كانت المتغيرات التي عاشتها روسيا من الحقبة القيصرية إلى الجمهورية الاتحادية، أو عاشها الأتراك من الحقبة العثمانية إلى الجمهورية التركية، يظل كل من البلدين مسكونًا بمواريث وترسبات القرون الماضية. أوقعت توجهات روسيا القيصرية التوسعية في القرن الثامن عشر أولى الهزائم الكبرى بالدولة العثمانية وأجبرتها على التراجع عن ممتلكاتها في القرم والقوقاز. ولم تتوقف الحروب بين الإمبراطوريتين بعد ذلك، وإلى أن وقفتا في جانبين متقابلين خلال سنوات الحرب الأولى. كما أن مطالب ستالين بالوجود في المضيقين، مضيق البوسفور ومضيق الدردنيل، دفعت تركيا الجمهورية إلى الالتحاق بحلف الناتو.

ليس ثمة شك في أن انهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية في نهاية الحرب الباردة أزاح عن كاهل تركيا عبئًا حيوسياسيًّا ثقيلًا، ولكن الدولتين لم تلبثا أن وجدتا نفسيهما في موقعين متناقضين من النزاعات التي اندلعت في البلقان خلال التسعينات، ومن الحرب الأرمينية-الأذرية. بمعنى، أن نهاية الحرب الباردة لم تفض بالضرورة إلى نهاية المواريث الثقافية التاريخية، التي جعلت من البلقان والقوقاز ووسط آسيا ساحات تنافس مديدة بين الدولتين.

لم تستمر نزاعات البلقان بذات المستوى من الحدة التي كانت عليها خلال سنوات تفكك يوغسلافيا الطويلة، ولكن تركيا وقفت مع مسلمي البوسنة وكوسوفا الذين كانوا يواجهون الصرب القريبين من روسيا. وبالرغم من أن روسيا اتخذت موقفًا أكثر عقلانية في الجولة الأخيرة من الصراع على ناغورني قرةباغ، فإن تركيا لم تزل الحليف العسكري والإستراتيجي الرئيس لأذربيجان. والمؤكد أن موسكو تنظر بعين القلق إلى منظمة الدول التركية، التي جعلت تركيا شريكًا رئيسًا للنفوذ في دول وسط آسيا التركية، التي تنظر إليها موسكو باعتبارها حديقة خلفية لها.

وحتى في أوكرانيا، لم يكن خافيًا أن تركيا اتجهت نحو تبني موقف معارض للسياسة الروسية منذ أطاحت ثورة شعبية بالرئيس الأوكراني الموالي لموسكو، فيكتور يانكوفيتش، في أوائل 2014. رحبت أنقرة بالنظام الجديد ذي الميول الغربية في كييف؛ وعندما قامت روسيا بضم شبه جزيرة القرم في مارس/آذار 2014، رفضت أنقرة الاعتراف بشرعية قرار الضم. في نهاية 2020، وقعت تركيا وأوكرانيا اتفاقية تقتضي بتزويد أوكرانيا بسفن كورفيت، ضمن جهود حكومة الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، لإعادة بناء الأسطول الأوكراني، وبطائرات تركية مسيرة. والمعروف أن المسيرات التركية لعبت دورًا رئيسًا في شهور الحرب الأولى على أوكرانيا، لاسيما في التعامل مع محاور الهجوم العسكري الروسي على كييف. وبالرغم من صعوبة التيقن دائمًا من المعلومات المتعلقة بالحروب الدائرة، تشير تقارير غربية إلى أن تركيا قامت بدور ملموس في تمرير السلاح الغربي إلى أوكرانيا.

ليس ثمة شك أن تركيا لم تكن تريد التورط في الحرب، وأنها لم تزل حريصة على تجنبه. ولكن المؤكد أيضًا أن تركيا لا تريد هزيمة أوكرانيا، ولا تقبل بضم روسيا لأراض أوكرانية بالقوة. أحد أهم الدوافع خلف الموقف التركي من الحرب، يتعلق بالتوازن الإستراتيجي في البحر الأسود، الذي ظل منذ القرن الثامن عشر ساحة تدافع بين روسيا وتركيا. خلال السنوات القليلة السابقة على قيام روسيا بضم شبه جزيرة القرم، كان الأسطول التركي في البحر الأسود يفوق الأسطول الروسي عددًا. ولكن، ولأن أغلب سفن الأسطول الأوكراني اختارت الانضواء تحت العلم الروسي بعد ضم شبه جزيرة القرم، انقلب التوازن لصالح الأسطوال الروسي. وكان أكثر ما يثير القلق في أنقرة في بداية الحرب، أن ينجح الجيش الروسي في السيطرة على ميناء أوديسا الأوكراني الرئيس، وتصبح روسيا بالتالي القوة البحرية المهيمنة على طول الساحل الشمالي من البحر الأسود.

اقتصاديًّا، من المؤكد أن وتيرة التبادل التجاري ازدادت بصورة ملموسة في عشرين عامًا الماضية. تحتفظ تركيا بحصة ملموسة في سوق المنتجات الزراعية الروسية، ولابد أن هذه الحصة أصبحت أكبر بعد قيام أغلب الدول الأوروبية بفرض عقوبات على روسيا. وإلى جانب عمل شركات تركية في قطاع الإنشاءات الروسي، تزود تركيا روسيا بجزء لا بأس به من حاجاتها من الملابس والمنسوجات. من جهة أخرى، وبالرغم من أن تركيا حريصة على تنوع مصادر الطاقة، لم تزل روسيا المورد الرئيس للغاز في السوق التركية.

والمؤكد، أيضًا، أن الحرب عملت على رفع مستوى التبادل التجاري بين البلدين. فرضت العقوبات الغربية، وإخراج روسيا من نظام التبادل المالي، سويفت، على مجتمع رجال الأعمال الروس البحث عن بلدان وسيطة لتسهيل حركة التجارة الروسية، تصديرًا واستيرادًا. وهناك شواهد متضافرة على تدفق رؤوس أموال روسية إلى تركيا في الشهور القليلة الماضية، وتصاعد ملحوظ في وتيرة تسجيل الشركات الجديدة في مدن مثل إسطنبول. ولابد أن رجال الأعمال الروس وجدوا في السوق التركية بالغة الحيوية، ووثيقة الصلة بالأسواق الأوروبية، مركزًا ملائمًا للالتفاف على العقوبات الغربية. والواضح، أن الدول الأوروبية، سيما الدول التي تمتعت يشراكات اقتصادية كبرى مع روسيا في حقبة ما قبل الحرب، مثل ألمانيا، تدرك طبيعة هذا التحول في النشاط التجاري الروسي، وأنها تغض عنه النظر لأنه يصب في النهاية لصالح منتجاتها.

ولكن هذه التطورات الإيجابية المتلاحقة في المجال الاقتصادي لا تعني تغييرًا جوهريًّا في الموقع الذي تحتله روسيا في خارطة العلاقات الاقتصادية التجارية التركية. تعتمد عجلة الاقتصاد التركي بصورة كبيرة على التصدير، مثلها مثل ألمانيا والصين. ولأن تركيا تمر بمرحلة من التأزم الاقتصادي، دفعها إلى تبني نموذج اقتصادي-مالي جديد، يقوم على زيادة معدلات الصادرات وتشجيع الاستثمارات الأجنبية المباشرة، فلابد أن أنقرة قررت اتباع سياسة انفتاح اقتصادي-مالي غير محدودة على روسيا. ولكن روسيا، ومهما بلغ مستوى هذا الانفتاح، لم تتجاوز بعد المرتبة الثامنة في قائمة شركاء تركيا التجاريين، بعد كل من ألمانيا، وأميركا، والعراق، وبريطانيا، وإيطاليا، وإسبانيا، وفرنسا.

سياسة مصالح متوازنة لا أكثر

اختارت تركيا الجمهورية، منذ تأسيسها قبل مئة عام، الانضواء في الفضاء الحضاري الغربي، ولكنها حافظت على سياسة مستقلة عن القوى الاستعمارية الكبرى. في النصف الثاني من القرن، ونظرا لما اعتبرته أنقرة  تهديدات سوفيتية، أصبحت تركيا عضوًا كاملًا، وبالغ الأهمية، في حلف الناتو. والمفارقة، أن تركيا اتخذت خطوة الالتحاق بالتحالف الغربي الإستراتيجي بقرار من حكومة مندريس، التي كانت ذاتها من أشرف على حركة إحياء ثقافي إسلامي في البلاد.

حكومة العدالة والتنمية، التي تقود تركيا منذ عشرين عامًا، هي في الحقيقة امتداد لحكومة مندريس. ولكن، وبالرغم من أن حكومة العدالة والتنمية لم تظهر مطلقًا أي توجه للخروج من التحالف الغربي، إلا أن الواضح أنها سعت إلى اتباع سياسة أكثر استقلالًا عن حليفاتها الغربيات، لاسيما الولايات المتحدة. أحد أسباب هذه السياسة يعود إلى انحسار التهديد الروسي، ورغبة العدالة والتنمية في تعزيز علاقتها بدول الجوار العربي والإسلامي، سواء في الشرق الأوسط، والبلقان، والقوقاز، أو وسط آسيا. أما السبب الآخر فيعود إلى إدراك تركيا الجديدة المبكر أن أوروبا لن تعطيها عضوية السوق الأوروبية المشتركة (الاتحاد الأوروبي، بعد ذلك)، مهما بذلت من جهود للوفاء بشروط العضوية.

خلال السنوات ما بعد اندلاع الثورات العربية في 2011، التي برزت تركيا بعدها مثالًا يُحتذى لقوى التغيير العربية، أخذت علاقات تركيا الغربية في التأزم. عدد من الدول الغربية نظر بقدر كبير من القلق إلى توسع النفوذ التركي في الجوار الإقليمي، وسعي تركيا إلى اتباع سياسة إقليمية مستقلة نسبيًّا. وهذا ما أدى إلى تصاعد الخلاف بين فرنسا وتركيا حول مستقبل ليبيا والصراع على السلطة في الدولة العربية الغنية بالثروات النفطية؛ وإلى تخاذل الولايات المتحدة عن دعم الموقف التركي في سوريا؛ وإلى ما اعتبره الأتراك تواطئًا غربيًّا مع قوى الثورة المضادة في مصر وتونس.

ومع تصاعد التوتر بين تركيا واليونان حول ترسيم الحدود الاقتصادية في شرق المتوسط، وحول المسألة القبرصية، اصطفت أوروبا والولايات المتحدة إلى جانب اليونان. ولم يكن من الإنصاف، في عُرف أنقرة، أن تقوم واشنطن بإخراج تركيا من برنامج الطائرة إف-35، عقوبة لها على شراء منظومة إس-400 الروسية المضادة للطائرات، بالرغم من أن تركيا لم تذهب إلى التعاقد على المنظومة الروسية إلا بعد أن امتنعت الولايات المتحدة عن بيعها نظام الباتريوت.

الواضح، على أية حال، أن اعتقادًا ساد أوساط حكومة العدالة والتنمية خلال العقد الثاني من القرن أن الغرب لا ينظر إلى تركيا بصفتها حليفًا وشريكًا إلا عندما يحتاجها. وإلى جانب النزعة الاستقلالية الأصلية في صفوف العدالة والتنمية، وفر هذا الاعتقاد بعضًا من التسويغ للتوجه نحو بناء علاقات أوثق مع روسيا والصين، سيما في المجالين، الاقتصادي والتقني. ما لا يقل أهمية، أن تركيا وجدت نفسها تقف منفردة في مواجهة التدخل الروسي المباشر في سوريا في خريف 2015. ولأن التدخل الروسي في سوريا تزامن مع تدخلات روسية في شمال وغرب إفريقيا، ومع ضم شبه جزيرة القرم، بدا لأنقرة أن روسيا مختلفة تبرز في الإقليم، وأن من الضروري تبني سياسة عقلانية للتعامل مع روسيا الجديدة، طالما أن الغرب ليس مستعدًّا للوقوف أمام الحراك التدخلي الروسي المتسع.

بيد أن هذا لا يعني بالتأكيد أن تركيا تعمل على قطع روابطها الغربية التقليدية، وإلى تبني سياسة توجه شرقي إستراتيجي. ما يعنيه أن تركيا تسعى إلى تأسيس علاقة أكثر توازنًا مع أطراف الساحة الدولية المختلفة، تحددها المصالح التركية في الجوار الإقليمي، وليس رغبات الحلفاء الغربيين.

تحرص أنقرة، على سبيل المثال، على القيام بالواجبات التي تفرضها عضوية الناتو، بما في ذلك ما يتعلق بأوكرانيا؛ ولكنها ترفض الالتحاق بالعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة والدول الأوروبية على روسيا، طالما أنها ليست عقوبات دولية ولم تكتسب قوة القانون الدولي. في الوقت نفسه، لم تزل تركيا حريصة على الحصول على طائرات إف-16 المتطورة، التي يعتبرها قادة الجيش التركي بديلًا عن طائرات إف-35، بعد أن أُخرجت تركيا من قائمة مستحقيها. كما أن الجيش التركي، تسليحًا ونظامًا وانتشارًا وخططًا، لم يزل ملتزمًا بكونه أحد جيوش حلف الناتو.

في المجال الاقتصادي، تحافظ تركيا على وجودها في الساحة الاقتصادية العالمية، التي لا يخفى أن القوى الغربية هي صاحبة الدور الرئيس في تحديد طبيعة حركتها وقيمها. وحتى في أشد لحظات التأزم الاقتصادي والمالي، رفضت الحكومة التركية فرض قيود على العملية الاقتصادية وحركة المال والاستثمار. ويدرك أصحاب القرار في أنقرة أنه مهما تطورت علاقات بلادهم الاقتصادية بروسيا والصين، فإن الدول الغربية لم تزل أكبر شركائهم التجاريين، وأكبر المستثمرين في السوق التركية، وأن كلًّا من روسيا والصين لم تزل أسيرة حاجتها للتكنولوجيا الغربية. يرتبط مجتمع الأعمال والصناعة الأتراك بصلات وثيقة بالأسواق الغربية الرئيسة، كما بالبنوك وصناديق الاستثمار والإقراض الغربية.

ترتبط الجامعات التركية بصلات وثيقة مع نظيراتها الغربية، بينما يتوجه آلاف الطلاب الأتراك كل عام لإكمال دراساتهم العليا في المعاهد الأوروبية والأميركية. ويعمل الفنانون الأتراك، في كافة مجالات الفنون الحديثة، على أساس من معايير تطورت في دوائر الموسيقى والدراما والسينما الغربية.       

ثمة حديث متكرر حول كيمياء علاقة خاصة بين بوتين وأردوغان، وأن الثقة المتبادلة بين الرئيسين أسهمت بصورة كبيرة في سلسلة التفاهمات التي توصلت لها الدولتان في الشهور القليلة الماضية، سواء تلك المتعلقة بالعلاقات الثنائية، أو المتعلقة بتخفيف وطأة الحرب في أوكرانيا على الاقتصاد والأمن العالميين. ولكن الأتراك لم ينسوا بعد أن هذه الكيمياء لم تقف حائلًا أمام القصف الروسي الدموي في فبراير/شباط 2020، الذي أودى بحياة العشرات من الجنود الأتراك في إدلب.

بكلمة أخرى، لابد أن يُرى هذا الدفء المستجد في العلاقات التركية-الروسية باعتباره وليد تلاق مرحلي في المصالح، وليس تعبيرًا عن أي علاقات شخصية خاصة. ولأن الساحة الدولية في طريقها إلى تموضعات جديدة، فقد يستمر هذا التلاقي لوقت أطول مما قدر له. ولكنه لا يعني، بأي حال من الأحوال، انقلابًا إستراتيجيًّا في علاقات تركيا التحالفية.