
استعاد الجيش السوداني مدينة واد مدني، عاصمة ولاية الجزيرة، في بداية يناير/كانون الثاني 2025، ثم فك الحصار على مقر القيادة العامة للجيش السوداني وسلاح الإشارة واستعاد مصفاة في نهاية نفس الشهر. وتعد استعادة مدني نقطة تحول مركزية قد تمنح الجيش السوداني زخمًا عملياتيًّا يندفع بكل موقع يسترده.
مهَّد الجيش السوداني لاستعادة واد مدني بترتيبات تحص المعركة ذاتها وترتيبات سبقتها تخص الميدان العام للحرب في مختلف نواحي السوداني. في جانب الترتيبات العملياتية لمعركة واد مدني، فلقد أحاطها الجيش من ثلاث جهات: الجنوب والغرب والشرق، للإطباق على قوات الدعم السريع، واستعمل تركيبة من الأسلحة، كان في مقدمتها الهجمات الجوية، لاستهداف مواقع الدعم السريع، وبنيته التحتية ومستودعات إمداده، فأضعفت معنوياته، ومنعته من تجميع قواته، وأفسحت الطريق أمام الجيش السوداني لشن العمليات البرية النهائية.
سبق ذلك، نجاح الجيش السوداني في إقناع القائد، أبو عاقلة كيكل، وقواته بالتخلي عن حميدتي، قائد قوات الدعم السريع، والالتحاق بالجيش، في أكتوبر/تشرين الأول 2024، وقد أسهم ذلك في توفير معلومات استخباراتية قيمة استفادت منها قوات الجيش في بناء خطتها وتنفيذها، ووفر كذلك للجيش مددًا في الأفراد والعتاد.
تخفف استعادة واد مدني الضغط على الجيش السوداني في العاصمة، الخرطوم؛ فلقد كانت قوات الدعم السريع تستعمل قربها من العاصمة، نحو 200 كم، لإرسال الإمدادات إلى قواتها التي لا تزال تتمترس في عدة مواقع بالخرطوم، وستؤدي استعادة الجيش السوداني للمدينة إلى زيادة الضغط على قوات الدعم السريع بالعاصمة. علاوة على أن قوات الدعم السريع كانت تستعمل واد مدني عقدةَ ارتباط تجمع بين مسالك المناطق الجنوبية والشرقية، خاصة ولاية سنار وغضارف والنيل الأبيض. تتصف واد مدني أيضًا بغناها في المنتجات الزراعية، فكانت بالتالي خلال مرحلة سيطرة قوات الدعم السريع عليها مركز تجميع إمدادات الطاقة والسلاح والأفراد والغذاء، وتوجيهها إلى مختلف جبهات القتال. كل ذلك سيرتد مستقبلًا على قوات الدعم السريع، فلن تستطيع تعويض هذا الموقع بارتباطاته بين شرق السودان وجنوبه ووسطه، بل ستعاني من الضغوط التي سيمارسها الجيش السوداني عليها معتمدًا على الإمكانات الجيدة التي يوفرها موقع واد مدني.
تفتيت ركائز الدعم السريع
لم يكن فشل قوات الدعم السريع في الحفاظ على واد مدني حدثًا عرضيًّا، بل تطورًا أوصلت إليه عدة ضربات متتالية نفذها الجيش السوداني، لم تكن كلها ظاهرة في وسائل الإعلام، أنهكت قوات الدعم السريع؛ لأنها أصابت كثيرًا من مصادر قوتها وتماسكها عمومًا، لكنها أوهنت أكثر قدرتها في واد مدني.
أولًا: مكَّنت سيطرة الجيش السوداني على جسور الخرطوم، في نهاية سبتمبر/أيلول 2024، من ربط العاصمة بمدينة أم درمان والخرطوم الجنوبي، فقطعت خطوط إمداد قوات الدعم السريع بالعاصمة وضيقت على حركتها فيها، فلم تعد قوات الجيش السوداني تخشى من تعرضها لهجمات من الخلف إن اعتزمت خوض معارك في المدن المحاذية للخرطوم. بذلك مهدت الطريق لتطويق قوات الدعم السريع بواد مدني من الجهة الشمالية الغربية للمدنية.
ثانيًا: استفاد الجيش السوداني من تمركزه في مدينة سنجا عاصمة ولاية سنار، في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، فسيطر بذلك على الطرق الموصلة بين جنوب السودان وشرقه. إضافة إلى أن سنار تقع على بعد 150 كم جنوب واد مدني، فكانت وسيلة لقوات الجيش السوداني لتطويق قوات الدعم السريع من الجهة الجنوبية.
ثالثًا: أعلنت الفصائل السودانية المسلحة بدارفور، في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، الالتحاق بالجيش السوداني لقتال قوات الدعم السريع، وقد كانت تنضوي في القوات المشتركة لحركات الكفاح المسلح، وقد قررت الشروع في قتال قوات الدعم السريع ردًّا على ما اعتبرته فظائع الدعم السريع. وقد شنَّت هذه القوة المشتركة هجومًا على قاعدة الزُّرق بشمال دارفور، في ديسمبر/كانون الأول 2024، وتعد مركز إمداد لعمليات قوات الدعم السريع. وقد أدى الهجوم إلى إهلاك المعدات العسكرية وإلحاق خسائر فادحة بقوات الدعم السريع.
أعلنت هذه القوة المشتركة أيضًا مصادرة طائرات مسيرة وإهلاك قوافل الدعم السريع القادمة من بعض دول الجوار، ففاقمت من اضطراب خطوط إمداد الدعم السريع وقدراته العملية.
وقد تمكنت هذه القوة المشتركة المدعومة بالجيش السوداني من إفشال مساعي الدعم السريع للسيطرة على مدنية الفاشر عاصمة دارفور التي بلغ عددها نحو 170 محاولة، كانت آخرها في يناير/كانون الثاني 2025، وقد كان الجيش السوداني قضى، في يونيو/حزيران 2024، على علي يعقوب، أحد أهم قادة الدعم السريع في دارفور، وتمكن، في سبتمبر/أيلول 2024، من دحر قوات الدعم السريع وإصابتها بخسائر معتبرة. كذلك تمكنت القوة المشتركة من السيطرة على مناطق إستراتيجية في كتم بشمال دارفور، فأوقعت الاضطراب بخطوط إمدادهم وأعاقت قدراتهم العملياتية.
حرم ذلك قوات الدعم السريع من تحقيق نصر رمزي، يكون قاعدة للادعاء بأنهم يتحكمون في الفاشر عاصمة إقليم دارفور الكبير، وقد يستعملونها للإعلان عن حكومة موازية لحكومة الخرطوم، ويطالبون دول العالم بالاعتراف بها، كما يحاول حفتر في ليبيا الحصول على اعتراف بحكومة بنغازي في الشرق الليبي. علاوة على ذلك، فإن تحكم قوات الدعم السريع في الفاشر عاصمة دارفور يحرم القوى المناوئة من أهم مدينة في الإقليم لوجستيًّا، وسيجدون صعوبة في تعويضها، فتشتد سيطرة الدعم السريع على إقليم دارفور، ليضمن بذلك بقاء خطوط الإمداد مفتوحة مع تشاد وإفريقيا الوسطى وليبيا.
كما مالت موازين القوى داخليًّا لمصلحة الجيش السوداني، فإن البيئة الإقليمية والدولية تميل قليلًا لمصلحته. فلقد رحبت الحكومة السودانية بوساطة الصلح مع أبو ظبي التي عرضتها تركيا، وقد رحبت أبو ظبي بمساعي تركيا لحل الأزمة السودانية. وقد اتهمت الحكومة السودانية الإمارات العربية المتحدة بدعم قوات حميدتي لكن الإمارات تنفي ذلك.
وقع أيضًا تحول في موقف الحكومة الكينية التي رفضت، في بداية يناير/كانون الثاني 2025، السماح لحميدتي بعقد ندوة صحفية لأنه لم يقدم تخويلًا رسميًّا من الحكومة السودانية التي يقودها البرهان، ثم أعقبت ذلك باستقبال وزير خارجية السودان، علي يوسف. وقد كانت كينيا في بداية الحرب، في 2023، تهاجم حكومة البرهان، وتسعى لإقناع دول من شرق إفريقيا بإرسال قوات للسيطرة على الأوضاع في السودان. سيزيد هذا التحول في الموقف الكيني من عزلة حميدتي في شرق إفريقيا، وتعزيز شرعية حكومة البرهان الإفريقية، وقد تحذو دول أخرى حذو كينيا.
قد يرجح تولي ترامب رئاسة الولايات المتحدة كفة الجيش السوداني؛ لأن ترامب ليس مهتمًّا بالجوانب الأيديولوجية للصراعات، وهي الجوانب التي يستند إليها حميدتي والقوى السياسية الملتفة حوله، ويريد إنهاء الحروب كما قال، ثم إن فريقه قد يسعى إلى الحد من نفوذ القوى الدولية المنافسة للولايات المتحدة بإفريقيا، مثل روسيا والصين، وهذا يضعف قوات حميدتي التي تستعين بقوات فاغنر المنضوية حاليًّا في الفيلق الإفريقي المسيطر على الأوضاع بإفريقيا الوسطى وتمارس سيطرة كبيرة على قطاع النفط في ليبيا بالتعاون مع قوات حفتر. وقد يسعى كذلك لضمان الاستقرار في البحر الأحمر، فيتعاون مع حكومة البرهان التي تسيطر على المناطق السودانية المطلة على البحر الأحمر.
كذلك، أظهرت السعودية دعمًا إضافيًّا للبرهان من خلال زيارة نائب وزير الخارجية السعودي، وليد بن عبد الحكيم الخريج، لبورتسودان، مقر الحكومة السودانية المؤقت، وقد أكد رغبة المملكة في توثيق التعاون الثنائي واستقرار السودان.
الخنق المتدرج
تشير كل هذه التحولات إلى أن استعادة الجيش لواد مدني وفقدان قوات الدعم السريع ثم فكها الحصار على مقر قيادة القوات المسلحة وسلاح الإشارة في الخرطوم، يندرج ضمن تحولات معتبرة في موازين القوى، قد تظهر حالات شبيهة بها في المستقبل، خاصة في المناطق الهشة التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، وقد تكون واد مدني وسيلة ضغط يستعملها الجيش لمفاقمة هشاشة هذه المناطق، تمهيدًا لاستعادتها.
قد تكون أولى مواقع الدعم السريع تضررًا، هي الموجودة في الخرطوم وضواحيها، لأن قواته بالعاصمة ستواجه صعوبات متزايدة في الحصول على الدعم في الأفراد أو العتاد والمؤن، وقد تتهاوى سيطرته في أمد قريب، فيخسر تحصيناته بالمؤسسات والمركز التي تمترس بها منذ بداية الحرب. قد تضغط القوات السودانية بعد ذلك على تواجد قوات الدعم السريع في المنطقة الموجودة بين شمال مدني والخرطوم، كي تؤمِّن العاصمة وتعيق مناورات الدعم السريع في الالتفاف عليها لمحاصرتها وخنقها. وقد يعطي الجيش السوداني ذلك أولوية حتى تستعيد الحكومة مقارها الرسمية، فتعود إليها من بورتسودان، فتعزز شرعيتها السياسية بصفتها القوة الوحيدة المتحكمة في العاصمة الخرطوم.
قد يرتكز الجيش على واد مدني لتشديد الضغط على موقع قوات الدعم، فيُضعف سيطرة قوات الدعم السريع، ويضطرها إلى الانسحاب من هذه المناطق، ليمنع محاولات الدعم السريع التواجد على الحدود الإثيوبية التي كان قائد قوات الدعم السريع يراهن عليها سواء في الإمدادات أو في الحصول على اعتراف من القيادة الإثيوبية. كذلك سيستند الجيش السوداني على مواقعه بواد مدني للضغط على قوات الدعم السريع في النيل الأبيض بمدينة القطينة، فيشدِّد الخناق عليها ويعطل خطوط إمدادها، ويضطرها إلى الانكفاء.
كل ذلك، قد يضعف سيطرة الدعم السريع في مركزه الرئيسي بدارفور؛ لأنه سيضغط على المدد والإمدادات التي كانت تصله من وسط السودان، وفي نفس الوقت فإن تمركز قوات الجيش السوداني بهذه المواقع المهمة وسط السودان وجنوبه وشرقه ستمكِّنه من التقدم نحو شرق دارفور لتضييق الخناق على قوات الدعم السريع في أهم معاقلها.
دارفور: المعركة الرئيسية
قد تشكل هذه الضغوطات الجزئية تيارًا كبيرًا ضاغطًا يضعف تماسك قوات حميدتي في دارفور، قاعدته الرئيسية، فتتوسع الشروخات المحدودة في بنيته، وقد تصيبه بشروخات جديدة. أحد هذه الشروخات المحدودة هو الخلاف الهامد بين حميدتي ورئيس تشاد، محمد ديبي. وذلك أن تقرير خبراء الأمم المتحدة يذكر أن قوات الدعم السريع تستعمل الأراضي التشادية القريبة من الحدود السودانية قواعد خلفية لاستلام الإمدادات القادمة من الدول الحليفة الخارجية. لكن العلاقة بين قوات الدعم السريع والحكومة التشادية لا تستند إلى قاعدة مستقرة، فمن جهة تنتمي غالبية القيادات التشادية إلى قبيلة زغاوة، وهي نفس القبيلة التي تنتمي إليها الفصائل السودانية المسلحة في دارفور التي قاتلت حميدتي في الماضي وشرعت في قتاله حاليًّا، ومن جهة ثانية لا ينتمي حميدتي إلى هذه القبيلة بل إلى قبائل أخرى استعانت بها الحكومة السودانية في عهد عمر البشير لقتال الحركات المسلحة بدارفور. لذلك، يستند النظام التشادي إلى وضع مضطرب، فإذا استمر في التعاون مع قوات الدعم السريع قد يفجر تمردًا داخليًّا على حكمه لأن قادة الجيش التشادي قد يتذمرون من مواصلة دعم قوات الدعم السريع التي تنفذ الفظائع، حسب الأمم المتحدة، في أقاربهم بدارفور. علاوة على أن الحكومة السودانية صعَّدت خلافها تدريجيًّا مع الحكومة التشادية. في البداية اتهمت علنًا حكومة تشاد بتوفير مطار أمجراس في الشمال الشرقي لتشاد لاستقبال العتاد الموجه إلى قوات الدعم السريع، وقد أكد ذلك تقرير الخبراء الموجه لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وكذلك تسهيل حركة قوات الدعم السريع عبر الأراضي التشادية. استدعت الحكومة السودانية سفيرها من تشاد، في يونيو/حزيران 2024، وتقدمت بشكوى إلى اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، في 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2024. وقد يتطور التصعيد بين البلدين إلى تنفيذ قوات الجيش السوداني أو الفصائل المسلحة الرديفة لها غارات على مواقع الدعم السريع في الأراضي التشادية.
ستسعى قوات الجيش السوداني والفصائل المسلحة الرديفة أيضًا إلى قطع خطوط إمداد قوات الدعم السريع في إفريقيا الوسطى التي تعتمد على قوات الفليق الإفريقي التابع لروسيا (يضم قوات فاغنر) للحفاظ على الحكم القائم. وقد كشف تحقيق أجرته شبكة سي أن أن، أنَّ الفليق الإفريقي يموِّن قوات الدعم السريع بالعتاد عبر ليبيا، وقد يسري هذه التعاون بينهم في إفريقيا الوسطى. قد تجمع الحكومة السودانية لتحقيق مبتغاها بين منح روسيا تحفيزات في مناجم الذهب أو تسهيلات في البحر الأحمر للقبول بفك الارتباط بين الفليق الإفريقي وقوات الدعم السريع، وقد تتوسط تركيا في ذلك. في نفس الوقت، قد تكثف قوات الجيش السوداني ضرب خطوط الإمداد المرتبطة بإفريقيا الوسطى، بعد إحكامها السيطرة على المناطق السودانية المتاخمة لدارفور. من الوارد أيضًا أن يضغط ترامب على قوات الدعم السريع وحلفائها الخارجيين كي يوقفوا التعاون مع الفيلق الإفريقي ذراع روسيا للنفوذ في إفريقيا.
ترجيح الآفاق
تنقسم التطورات المحتملة في الصراع المسلح بين الجيش السوداني والفصائل الرديفة له مع قوات الدعم السريع بين قريبة قد يرجح حدوثها مثل استعادة السيطرة على كامل العاصمة، وبعيدة يصعب ترجيحها مثل دحر قوات الدعم السريع في دارفور؛ لأن نسبة المتغيرات غير المعروفة تتفاوت في الحالتين. فقد تكثف تشاد تعاونها مع قوات الدعم السريع، وتنجح دول إقليمية نافذة في تخفيف الضغوط الدولية على قوات الدعم السريع، والمماثلة في الشرعية الخارجية بين حميدتي والبرهان، كما فعلت الولايات المتحدة، في بدية يناير/كانون الثاني 2025، حين فرضت الخارجية الأميركية على حميدتي عقوبات مشددة ثم أعقبتها وزارة الخزانة بعقوبات أقل حدة وتفصيلًا على البرهان، ويشير هذا التباين إلى ضعف جناح الإدارة الأميركية الذي يحاول المساواة في نزع الشرعية بين حميدتي والبرهان، لكن قد تشتد قبضة هذا الجناح في إدارة ترامب فتترسخ حالة الإنهاك، وقد يبرز من جديد مسار حكومتين سودانيتين متنافستين على الاعتراف الخارجي، وقد يرسخ حميدتي سيطرته على إقليم دارفور، ويضطر الإنهاك الطرفين والقوى الخارجية المعنية إلى قبول بحالة جمود شبيهة بالحالة الليبية.
شهد السودان سيناريو مشابهًا في حالة الحرب مع القوى الجنوبية أدت إلى نشوء دولة جنوب السودان في 2011، ولم ينه الجيش السوداني تاريخيًّا الحروب الداخلية بنصر عسكري حاسم بل بتسويات سياسية، كالتي عقدها مع فصائل الجبهة الثورية السودانية، وهي تحالف بين فصائل مسلحة من دارفور وكردفان والنيل الأزرق، التي كانت تقاتل الجيش السوداني ثم وقَّعت معه معاهدة سلام في جوبا، عاصمة جنوب السودان، في أكتوبر/تشرين الأول 2020.
قد تختلف نهاية الحرب الجارية عن هذا النمط العام؛ لأنها تتصف بمميزات خاصة:
أولًا: يعتمد الدعم السريع على قيادة حميدتي وأقاربه، وهذا يجعله تنظيمًا هشًّا؛ لأنها قد يتلاشى إذا نجح الجيش السوداني في الإطاحة بالقيادة، فلا يتبقى مشروع سياسي يجمع مكونات الدعم السريع.
ثانيًا: تقارير الخبراء الأمميين وإدانة الولايات المتحدة تؤكد ارتكاب قوات الدعم السريع فظائع هائلة، قد ترجح تمسك الجيش بأي تسوية مع قوات حميدتي لأن ذلك قد يواجَه بمعارضة شديدة من الجيش والشعب السوداني والفصائل المسلحة الرديفة للجيش.
ثالثًا: أدى طول الحرب إلى إعادة عدة دول نصيرة للدعم السريع تقييم مواقفها؛ لأنها قد تكون حسبت أنه قادر على الفوز، ويكافئهم بمنافع مادية وسياسية، لكن طول الحرب وتزايد الفظائع واستعادة الجيش للمبادرة عسكريًّا والالتفاف الشعبي الواسع حوله ودبلوماسيًّا، خفض الرهانات على قوات الدعم السريع، وقد يدفع أنصارها الخارجيين إلى الانفضاض من حولها كما فعلت كينيا.
رابعًا: لا يحظى الدعم السريع بحاضنة كبيرة في السودان، بل تنحصر حاضنته في بعض المناطق المحدودة بدارفور، ففقد بذلك أهم ركيزة تمكن الفصائل المسلحة التي تعتمد على حرب العصابات من الفوز في المعارك.
قد يستغل الجيش السوداني هذه الثغرات ويتمكن من القضاء على قيادة الدعم السريع ويمزق شبكته.
لو تحقق هذا السيناريو، فإن الجيش السوداني سيواجه تحديات عديدة، قد تتحول قطاعات من الدعم السريع إلى الجريمة المنظمة، فتبث الرعب في مناطق السودان. كذلك، يعاني الجيش السوداني من تشظي الظهير السياسي الداخلي، فالقوى السياسية الملتفة حاليًّا حول الجيش السوداني نحَّت خلافاتها جانبًا للتصدي لخطر الدعم السريع، فإذا زال هذا الخطر، قد تطفو الخلافات بينها، وتعجز عن التوافق على إقامة نظام سياسي يستلم الحكم من الجيش.