"اليوم صفر" في طهران: تهديد أم فرصة لإحياء حوكمة المياه ووضع سياسات مائية متكيفة في إيران؟

يشير مصطلح "اليوم صفر" إلى لحظة انقطاع مياه الشرب عن السكان وتوقف جريانها من الصنابير، وقد ظهر أولًا في كيب تاون. وفي عام 2026، يتردد صداه في طهران (أكثر من 15 مليون نسمة) مع بلوغ أزمة المياه مستوى حرجًا، وهو ما عكسه تحذير الرئيس مسعود بزشكيان من تقنين المياه إذا لم تهطل الأمطار، واحتمال إخلاء المدينة إذا استمر الجفاف.
جفَّ نهر زاينده رود في إيران بسبب نقصٍ طويل الأمد في هطول الأمطار(الأناضول)

يشير مصطلح "اليوم صفر" إلى اللحظة التي يفقد فيها سكان مدينة أو إقليم ما إمكانية الوصول إلى مياه الشرب، أي عندما تتوقف آخر قطرة عن الجريان من الصنابير. وقد استُخدم هذا المصطلح لأول مرة في مدينة كيب تاون بجنوب إفريقيا(1)، ليعود صداه اليوم، في عام 2026، من طهران، العاصمة التي يزيد عدد سكانها على 15 مليون نسمة. لقد بلغت المخاوف بشأن استدامة توفير مياه الشرب في طهران وغيرها من المدن الإيرانية الكبرى مستوى حرجًا. وتتجلى خطورة الأزمة في التحذير الصريح الذي أطلقه الرئيس مسعود بزشكيان بقوله: "إذا لم تُمطر في طهران، فسنضطر إلى تقنين المياه؛ وإذا استمر الجفاف، فقد نضطر إلى إخلاء المدينة".

وعلى الرغم من هذه التحذيرات وتدهور الأوضاع في إيران، فإن الأدلة تشير إلى أن هذه الأزمة لا تخص إيران وحدها. فإلى جانب التقارير المتعلقة بتناقص مخزون السدود التي تغذِّي طهران بمياه الشرب والجفاف الكامل لبحيرة أرومية، تناولت وسائل الإعلام أيضًا جفاف بحيرة توز -ثاني أكبر بحيرة في تركيا- عام 2023، وهو ما أدى إلى نفوق أكثر من خمسة آلاف طائر فلامنغو في حادثة مأساوية(2). وبالمثل، سجلت مستويات مياه الشرب في خزانات أنقرة انخفاضًا مقلقًا بعد تراجعها من 32.8% إلى 9.3%، ولم يتبقَّ من المخزون سوى ما يكفي لنحو ثلاثة أشهر. من جهتها، واجهت إزمير وضعًا مشابهًا؛ إذ لم تكن خزاناتها تكفي سوى لحوالي شهرين(3). ومن الواضح أن الأمن المائي في المنطقة الأوسع قد تدهور إلى ما هو أبعد بكثير من التوقعات الأولية، ليبلغ اليوم عتبة حرجة.

تُعد طهران، البالغ عدد سكانها الدائمين والمؤقتين قرابة 15 مليون نسمة، المركز السياسي والاقتصادي والصناعي الأهم في إيران. وقد شكَّل ضمان إمداداتها المائية، منذ زمن طويل، أولوية محورية للحكومات المتعاقبة. فمنذ أن أصبحت طهران العاصمة السياسية للبلاد مثَّل تأمين مياه الشرب لها تحديًا دائمًا في مجال الحوكمة. وقبل نحو 180 عامًا، قام ميرزا تقي خان فراهاني، المعروف بأمير كبير، بتقسيم مياه نهر كرج إلى 84 سهمًا (ثم زِيدت لاحقًا إلى 86)، خُصِّص منها تسعة أسهم تحديدًا لتلبية احتياجات طهران من مياه الشرب. وقد جرى توثيق هذا الحق التاريخي في وثيقة "طومارنامه أمير كبير" التي نظمت توزيع المياه بين طهران وسائر الأطراف المعنية في محافظتي البرز وطهران الحاليتين، إلى أن شُيِّد سَدُّ أمير كبير(4)(5)، وتُظهر هذه الوثيقة التاريخية أن نقل المياه لتلبية استهلاك طهران كان موضع نزاع منذ زمن بعيد.  

بدأت أولى الجهود الحديثة لمعالجة الطلب المتزايد على المياه في طهران، عام 1949، من خلال نقل المياه من نهر كرج، تلاها نقل المياه من سد أمير كبير، عام 1963. ومع استمرار المشكلة، شُيدت أربعة سدود إضافية خصيصًا لتأمين مياه الشرب للعاصمة، وهي: سد لتيان (1967)، وسد لار (1982)، وسد طالقان (2006)، وسد ماملو (2007). واليوم، يُنقل إلى طهران سنويًّا نحو 1.078 مليار متر مكعب من المياه من هذه الخزانات، وهو ما يغطي 70% من احتياجات المدينة من مياه الشرب(6)(7)(8). وخلال صيف العام الماضي، ورغم المخاوف البيئية والاجتماعية الواسعة، مضت الحكومة قدمًا في تنفيذ مشروع نقل المياه من طالقان إلى طهران لمواجهة الأزمة المتفاقمة. غير أن هذه التدخلات الكثيفة المُعتمدة على البنية التحتية، وعلى مدى عقود، لم تؤد إلا إلى تفاقم أزمة المياه في إيران عمومًا، وفي طهران على وجه الخصوص.

مسؤولية من: الطبيعة أم سوء الإدارة؟

على الرغم من التباين الكبير في الإحصاءات الرسمية للمياه بين المؤسسات الإيرانية المختلفة -ولاسيما وزارة الطاقة، ووزارة الجهاد الزراعي، ومنظمة حماية البيئة- فإن الأرقام الرسمية تشير إلى أن متوسط الهطول المطري السنوي في إيران يبلغ نحو 396 مليار متر مكعب. ويُفقَد من هذا الحجم حوالي 232 مليار متر مكعب بالتبخر ضمن الدورة الهيدرولوجية الطبيعية، كما يُستهلك نحو 54.5 مليار متر مكعب أخرى عبر النتح والتبخر في الغابات والسهول وسائر الاستخدامات الطبيعية. ولا يتبقى بذلك سوى نحو 110 مليارات متر مكعب تمثل الموارد المائية المتجددة السنوية للبلاد، منها 66 مليار متر مكعب من المياه السطحية و44 مليارًا من المياه الجوفية. وتشير بعض الدراسات إلى أن هذا الحجم من المياه المتجددة انخفض من نحو 130 مليار متر مكعب، عام 1994، إلى 110 مليارات بحلول السنة المائية 2010–2011، ثم إلى قرابة 100 مليار متر مكعب في الوقت الراهن.

ورغم أن الطلب على مياه الشرب في المناطق الحضرية والريفية لا يمثل سوى نسبة محدودة من إجمالي الاستهلاك المائي الوطني فإنه يحتل أعلى سلم الأولويات في السياسات المائية. فأي نقص أو انقطاع في الوصول إلى مياه الشرب من شأنه أن يقوض مباشرة قابلية العيش في المدن والقرى ويُحتمل أن يؤدي سريعًا إلى سخط شعبي واضطرابات اجتماعية.

يُصدر بنك التنمية الآسيوي تقارير سنوية حول أوضاع المياه وآفاقها في مختلف أنحاء آسيا. والرسالة المحورية المتكررة في هذه التقييمات الشاملة هي أن "الدول الآسيوية لا تعاني من ندرة مائية فيزيائية وإنما ما يحوِّل نقص المياه إلى مشكلة خطيرة هو سوء إدارة المياه"(9)(10). وبعبارة أخرى، فإن أزمات المياه لا تنشأ من قلة الموارد بقدر ما تنبع من ضعف الحَوكمة وسوء الإدارة.

وتؤكد دراسات عديدة أُجريت في إيران هذه الحقيقة؛ فعلى الرغم من سَنِّ قوانين عديدة واعتماد خطط تنموية متعاقبة إلا أن تحديات المياه الجوفية ازدادت تفاقمًا. وتُظهر تحليلات خطط التنمية الخمسية في إيران أن نحو 30% فقط من الأهداف المرتبطة بالمياه قد نُفِّذت بنجاح(11). وقد شدَّد الرئيس بزشكيان مرارًا: "لقد سَنَنَّا قوانين بقصد تحسين الأوضاع، لكن البيانات تُظهر أن الأمور ساءت. هذه القوانين لم تحل المشكلة بل زادتها تعقيدًا. علينا مراجعة أدائنا وأن نسأل أنفسنا: ما القرارات التي اتخذناها، وبدلًا من أن تصلح الوضع أسهمت في تفاقمه؟"(12).

ومع ذلك، يكشف استعراض السياسات المائية الإيرانية خلال العقود الأخيرة عن تركيز مستمر على الحلول المعتمدة على زيادة العرض ومشاريع نقل المياه بين الأحواض، غالبًا على حساب إصلاح هياكل الحوكمة وصنع السياسات. ولم تفشل هذه التدخلات الهندسية في معالجة أزمات المياه في مناطق المنابع فحسب، بل تسببت أيضًا في ترك آثار بيئية جسيمة -مثل انزلاق الأراضي، والعواصف الترابية، وجفاف الأراضي الرطبة والبحيرات- فضلًا عن توترات اجتماعية وسياسية كبيرة.

1
عدم فاعلية القوانين وخطط التنمية في معالجة أزمة المياه الجوفية(13).

تنمية حقيقية أم وهم التنمية؟

تجاهل القدرة الاستيعابية والتخطيط المكاني

يُعد دمج إدارة المياه مع تخطيط استخدامات الأراضي على أساس القدرة الاستيعابية البيئية شرطًا أساسيًّا لتحقيق التنمية المستدامة، خاصة في ظل تزايد الطلب على الموارد المائية وتأثيرات التغير المناخي(14)(15)؛ فمشكلات المياه بطبيعتها معقدة، وهي متشابكة بعمق مع القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والأمنية. وبناءً على ذلك، لم يعد التخطيط التنموي الإستراتيجي الذي يتجاهل الحقائق المائية قابلًا للاستمرار.

تمثل المياه نقطة ارتكاز حاسمة تربط بين قطاعات متعددة، تشمل مياه الشرب والغذاء والصناعة والطاقة والبيئة والصحة والأمن الوطني. وإضافة إلى ذلك، فإن العديد من محركات استخدام المياه تنشأ خارج قطاع المياه نفسه؛ ما يعني أن حوكمة المياه كثيرًا ما تتأثر بقرارات تُتخذ في مجالات سياساتية أخرى.

وقد شدَّد الباحثون على ضرورة ربط إدارة المياه بالتخطيط المكاني واعتماد مقاربات "قائمة على الترابط" (Nexus-based approaches)  تعترف بتعقيد النظم الطبيعية والبشرية(16). وقد أدى ذلك إلى تطوير إطار "ترابط المياه-الطاقة-الغذاء" بوصفه أداة لإدماج التفكير التكاملي في حوكمة المياه وصنع السياسات.

تشير الأدلة إلى أن التنمية الحضرية والصناعية في إيران تجاهلت إلى حدٍّ كبير القدرات الاستيعابية البيئية والمناخية؛ حيث أسهم التوسع الحضري غير المخطط له في زيادة استهلاك المياه، وتقليص معدلات تغذية المياه الجوفية، وتسريع استنزاف الطبقات المائية. كما أدَّت الحفريات العميقة المرتبطة بمشاريع البناء في المدن الكبرى -بما في ذلك طهران، ومشهد، وأصفهان، وشيراز، وتبريز- إلى الإخلال بتدفقات المياه الجوفية، وخفض نفاذ التربة، وتفاقم ظاهرة هبوط الأراضي؛ مما كشف عن تحديات بيئية جسيمة وأخرى على مستوى الاستدامة لا تقل عنها جسامة.

وفي هذا السياق، صرَّح الرئيس مسعود بزشكيان مؤخرًا، خلال جلسة في البرلمان، قائلًا: "بات واضحًا لي أنه لم تعد هناك أي طاقة استيعابية إضافية لاستيعاب نمو سكاني أكبر، أو تنمية في طهران وكرج وقزوين والمناطق المحيطة بها".

2
التوزيع السكاني في إيران والتنمية غير المستدامة في المناطق الحضرية(17)

وبالمثل، فإن توطين الصناعات ذات الاستهلاك المائي المرتفع -مثل صناعات الصلب والبتروكيماويات- في الأحواض المائية المحظورة والمُستنزَفة إلى مستويات حرجة، قد أسهم بشكل كبير في تفاقم أزمة المياه في إيران لاسيما في المناطق الهشة أصلًا. وعلى الرغم من تأكيد الرئيس مسعود بزشكيان على ضرورة وقف التوسع في الصناعات كثيفة الاستهلاك للمياه ونقلها إلى مناطق قريبة من المسطحات المائية الكبرى، فإن السياسات الحكومية الراهنة تبدو غير منسجمة مع هذا التوجه.

3
توطين مصانع الصلب والبتروكيماويات (بوصفها صناعات عالية الاستهلاك للمياه) في السهول الإيرانية(18)

المهمة الهيدروليكية والتكنوقراطية المائية

يكشف استعراض النماذج السائدة في إدارة المياه عن تمحور الأيديولوجيا المهيمنة، على مدى عقود طويلة، حول إخضاع الطبيعة من خلال البنى التحتية الهيدروليكية الضخمة، مثل السدود العالية، ومشاريع نقل المياه واسعة النطاق، ومشاريع الهندسة العملاقة(19). ويُعرف هذا التوجه غالبًا بمفهوم "المهمة الهيدروليكية"، الذي ينظر إلى كل قطرة ماء تتدفق إلى البحر على أنها مهدرة إذا لم تُحتجز وتُسَخَّر للاستخدام البشري(20)(21). ووفق هذا المنطق، تُعطي الحكومات الأولوية لبناء السدود والقنوات ومحطات الضخ لتعظيم استخراج المياه، غالبًا دون اكتراث كافٍ بالعواقب البيئية والاجتماعية المترتبة على ذلك(22).

وتعود جذور العديد من أزمات المياه والبيئة الراهنة في إيران والمنطقة بشكل مباشر، إلى عقود من تنفيذ السياسات المدفوعة بمنطق "المهمة الهيدروليكية"، التي شجعت على الاستغلال المفرط للموارد المائية. ففي هذا الإطار، يُنظر إلى المياه بوصفها موردًا تقنيًّا وهندسيًّا بحتًا ينبغي تسخيره، بينما يجري تهميش أبعادها الاجتماعية والسياسية والمؤسسية والقانونية والثقافية والبيئية بشكل منهجي.

معدل الزيادة في عدد الآبار في الإدارات المختلفة (%)

4
معدل الزيادة في عدد الآبار خلال فترات الإدارات المختلفة(23)

التقنيات المتقادمة

يُعد الاعتماد على تقنيات مائية متقادمة في كل من القطاع الزراعي وإمدادات المياه الحضرية أحد المحركات الرئيسة لأزمة المياه في إيران. فعلى سبيل المثال، تنتج إيران سنويًّا نحو 130 مليون طن من المنتجات الزراعية في المتوسط، يُفقَد منها بعد الحصاد أكثر من 30%، أي ما يقارب 36 مليون طن. وتشير الدراسات إلى أن كمية المياه الكامنة في هذه المنتجات المُهدرة تبلغ نحو 9.3 مليارات متر مكعب سنويًّا، وهو حجم يقارب إجمالي الاستهلاك السنوي للمياه في القطاعين، الحضري والصناعي، في إيران.

وفي القطاع المنزلي، لا تزال المبردات التبخيرية (المعروفة شعبيًّا تحت اسم "المبردات الصحراوية") هي التقنية السائدة للتبريد في معظم أنحاء البلاد، رغم تدني كفاءتها في استهلاك المياه والطاقة الكهربائية. ووفقًا لمعهد دراسات التكنولوجيا، يوجد في إيران حاليًّا نحو 20 مليون مبرد تبخيري، أكثر من 70% منها -بحسب منظمة المعايير الوطنية- مصنف ضمن أدنى فئات كفاءة الطاقة (E  وF  وG )(24).

وخلال صيف عام 2023، على سبيل المثال، عملت هذه المبردات لما يُقدَّر بنحو 19 مليار ساعة تشغيل. وبمعدل استهلاك مائي يتراوح بين 30 و45 لترًا في الساعة، فقد استهلكت ما بين 570 و850 مليون متر مكعب من المياه، بمتوسط يقارب 700 مليون متر مكعب في ذلك الصيف وحده. ويتجاوز هذا الحجم ما يعادل 3 إلى 4.5 أضعاف السعة الاسمية لسد أمير كبير (سد كرج)، ويعادل مرة ونصفًا السعة الكاملة المجمعة لخزانَيْ طالقان وكرج(25). وبعبارة أخرى، تستهلك المبردات التبخيرية وحدها نحو نصف إجمالي الاستهلاك الحضري "الفعلي" للمياه في إيران سنويًّا رغم اعتمادها على تقنية طُوِّرت قبل أكثر من ستة عقود.

مياه الصرف الصحي وضعف إعادة تدوير المياه

في قطاع مياه الشرب والصرف الصحي، تسحب إيران سنويًّا أكثر من 9 مليارات متر مكعب من مواردها المائية المتجددة البالغة 110 مليارات متر مكعب. غير أن الشركة الوطنية للمياه والصرف الصحي تشير إلى أن كمية مياه الصرف المعالجة التي أُنتجت عام 2023 لم تتجاوز 1.7 مليار متر مكعب، أي نحو 27% فقط من المياه العائدة من الاستخدام الحضري. ومع ذلك، يمكن -في حال توافر الضوابط البيئية والاعتبارات الاستدامية المناسبة- إعادة تدوير جزء كبير من هذه المياه المعالجة وإعادة استخدامها، خاصة في تغذية المياه الجوفية.

علاوة على ذلك، يبلغ متوسط فاقد المياه غير المحققة للإيرادات (الناتج عن التسربات أو السرقة أو أخطاء القياس) نحو 1.99 مليار متر مكعب سنويًّا، أي ما يعادل 26% من إجمالي إمدادات المياه الحضرية في البلاد. وتشير بعض المصادر الرسمية إلى أن هذه النسبة بلغت 32% في عام 2023. وتعكس هذه الأرقام غياب إجراءات جادة وفعَّالة لتحسين إعادة استخدام مياه الصرف وتقليص الفاقد في شبكات توزيع المياه الحضرية.

التغير المناخي

تؤكد التقييمات المتاحة أن آثار التغير المناخي باتت تؤثر بالفعل وبصورة مباشرة في قطاعات رئيسة ذات أهمية وطنية. فقد أسهم انعدام الأمن المائي وتدهور جودة التربة في إضعاف الأمن الغذائي الوطني وزيادة تكاليف الإنتاج المحلي والاستيراد، بالإضافة إلى فرض ضغوط متصاعدة على الموازنة العامة ومعدلات التضخم. وقد أدى ذلك، بالتزامن مع تراجع قدرة المناطق الريفية والمدن الصغيرة على الصمود، إلى موجات واسعة من الهجرة الداخلية، نتج عنها تركز سكاني على أطراف المدن الكبرى، وارتفاع الطلب على الخدمات العامة، وتزايد مشاعر السخط الاجتماعي.

وفي قطاع الطاقة، أدت أنماط الاستهلاك غير المتوافقة مع الواقع المناخي إلى اختلالات مزمنة، وانقطاعات دورية للكهرباء، وتعطل النشاط الصناعي على نحوٍ قوَّض، في نهاية المطاف، ثقة المواطنين بقدرة الحكومة على إدارة البنية التحتية الحيوية.

في حال استمرت الاتجاهات الراهنة دون حدوث تحول جذري في السياسات فإن إيران ستواجه تفاقمًا في عدم الاستدامة الاقتصادية، وارتفاعًا في حدة التوترات الاجتماعية، وتراجعًا في هامش المناورة الحكومي على صعيد السياسة الداخلية والخارجية. ومن هذا المنظور، فإن قضية  التغير المناخي لم تعد مجرد مسألة بيئية مُزمنة بل أصبحت تمثل تهديدًا بنيويًّا للأمنين، الاقتصادي والاجتماعي، في البلاد. ولذلك، فإن أي مسعى جاد للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي المستدام يجب أن يبدأ أولًا بالاعتراف الرسمي بمخاطر المناخ على أعلى مستويات صنع القرار الإستراتيجي.

خلاصة

تعمل المياه نظامًا مترابطًا يجمع بين الإنسان والطبيعة، ويتداخل مع قيم ومعايير وهويات أطراف متعددة على مستويات مختلفة(26)(27). وبناءً عليه، فإن النظم المائية بطبيعتها معقدة ولا تعترف بالحدود السياسية المصطنعة سواء أكانت دولية أم دون وطنية. ومن ثم، فإن حوكمة المياه وصنع السياسات وإدارتها محكوم عليها بالفشل عندما تُعلي من شأن الحدود السياسية على حساب الحدود الهيدرولوجية الطبيعية والمصالح المشتركة لأصحاب المصلحة المعنيين.

وكما أُشير إليه أعلاه، فإن إيران ليست وحدها في مواجهة أزمات المياه وتداعياتها البيئية، مثل انزلاقات الأراضي والعواصف الغبارية. فمدن عديدة في تركيا والعراق وباكستان وآسيا الوسطى تواجه، بدورها، تحديات مماثلة. ومن ثم، لا يمكن تحقيق الأمن المائي والبيئي الإقليمي عبر اتخاذ إجراءات وطنية منفردة. إن المقاربات الأحادية، المدفوعة بمنطق "المهمة الهيدروليكية" والتي تتجاهل الحدود الطبيعية ومبادئ التنمية المستدامة، محكوم عليها بالفشل على المَدَيين، المتوسط والطويل، حتى وإن حققت مكاسب آنية لبعض الأطراف.

إن المسار الوحيد المستدام نحو تحقيق الأمن المائي والبيئي في إيران والمنطقة يكمن في بناء منظومة تعاون إقليمي حقيقي قائم على الاعتراف المشترك بالحدود الطبيعية والالتزام بالإدارة التعاونية والمُستدامة للموارد المائية العابرة للحدود.

يبقى علينا طرح السؤال الجوهري هنا: هل سيغتنم صانعو السياسات في إيران، وفي عموم المنطقة، أزمة المياه الراهنة بوصفها فرصة لإعادة صياغة حوكمة المياه والسياسات المرتبطة بها من جذورها؟ وهل سيتمكنون من تجاوز مقاربات "المهمة الهيدروليكية" التي تتجاهل العواقب البيئية والاجتماعية والسياسية والأمنية لصالح إستراتيجيات مائية تعاونية وتكيفية تهدف إلى تحقيق الأمن المائي والبيئي والمناخي إقليميًّا أم أنهم سيواصلون التمسك بنماذج تنموية اختزالية تتجاهل القدرات الاستيعابية المناخية وتعتمد حصرًا على حلول قائمة على زيادة العرض؟

في هذا السياق، لا ينبغي النظر إلى "اليوم صفر" كمجرد تهديد لبقاء المدن، بل يمكن أن يكون أيضًا نقطة تحول تاريخية تنقل صانعي القرار من منطق الهيمنة على الطبيعة إلى منطق التعايش معها. إن مستقبل الأمن المائي في غرب آسيا لن يتحدد بحجم المياه المنقولة بين الأحواض بقدر ما سيتحدد بالقدرة الجماعية للمنطقة على التكيف والتعاون وإعادة تعريف التنمية على أسس من العدالة البيئية والمسؤولية المشتركة.

 

*هذه الورقة ترجمها عن الإنجليزيةكريم الماجري

نبذة عن الكاتب

مراجع
  1. Elisa Savelli et al., “Don’t blame the rain: Social power and the 2015–2017 drought in Cape Town”, Journal of Hydrology, Vol. 594, March 2021, https://tinyurl.com/2t5uvsdt (accessed 31 December 2025).
  2. Suzan Fraser and Mehmet Guzel, “Turkey’s Lake Tuz dries up due to climate change, farming”, AP News, 28 October 2021, https://tinyurl.com/yeytwan2 (accessed 10 November 2025).
  3. Tural Heybatov, “Freshwater scarcity hits Türkiye as drought worsens”, News.Az, 25 October 2025, https://tinyurl.com/yc4p7bp8 (accessed 20 November 2025).
  4. A. Vafaeifard, “Analysis of the potential of water conflicts in the supplying catchments of Tehran’s drinking water” (in Farsi), Master’s Thesis, Department of Water Engineering and Management, Tarbiat Modares University, 2020.
  5. N. Khalili, “Karaj River Water Distribution Document” (in Farsi), Cultural Heritage Records Studies, Vol. 4, No. 2, 2021, pp. 38-53.
  6. A. Vafaeifard, “Analysis of the potential of water conflicts in the supplying catchments of Tehran’s drinking water”.
  7. A. Vafaeifard et al., “Mapping Stakeholders and Their Relationships in the Water-Related Conflicts between the Capital City of Tehran and the Supplying Catchments of Drinking Water”, Iran-Water Resources Research, Vol. 17, No. 4, 2022, pp. 211–228.
  8. M. Jafari, “Structural Factors in Analysis for Water Conflict Transformation: An Application of the Nested Theory of Conflict in Tehran and Alborz Provinces’ Water Conflicts” (in Farsi), Tarbiat Modares University, 2023.
  9. Asit K. Biswas and K.E. Seetharam, “Achieving Water Security for Asia”, International Journal of Water Resources Development, Vol. 24, No. 1, 2007, https://tinyurl.com/mrx3e9hc (accessed 31 December 2025).
  10. “Asian Water Development Outlook 2013: Measuring Water Security in Asia and the Pacific”, Asian Development Bank, 2013, https://tinyurl.com/4ctx3rx8 (accessed 31 December 2025).
  11. Somaye Aslani, Yahya Kamali and Hojjat Mianabadi, “Analyzing the Challenges and Obstacles to Water Policy Implementation in the Sixth Development Plan” (in Farsi), Quarterly Journal of Governance Knowledge, Vol. 1, No. 1, Winter 2024, pp. 2-24, https://tinyurl.com/4ctx3rx8 (accessed 31 December 2024).
  12. “Dr. Pezeshkian in the opening session of Parliament: The laws of the past four decades in the water sector have made the situation worse. At the very least, we must avoid repeating past wrong decisions. National solidarity and trust in experts are essential conditions for reforming water governance” (in Farsi), The Official Website of the President of the Islamic Republic of Iran, 2 Dey 1404 (23 December 2025), https://tinyurl.com/4rkz2shx (accessed 31 December 2025).
  13. S. Morid, “Review of National Efforts to Manage Drought and the Capacity to Face Water Crises,” Iran-Water Resources Research, Vol. 14, No. 1, 2018, pp. 239–252.
  14. Anna Hurlimann and Elizabeth Wilson, “Sustainable Urban Water Management under a Changing Climate: The Role of Spatial Planning”, Water, Vol. 10, No. 5, 25 April 2018, https://tinyurl.com/4bkrjm7x (accessed 31 December 2025).
  15. Prathiwi Widyatmi Putri, “Strategic Integration of Water Management within Spatial Planning” in Quartiersentwicklung im globalen Süden, ed. Uwe Altrock et al. (Wiesbaden: Springer VS, 2018), pp. 309-326.
  16. Hamidreza Barjasteh, Seyedeh Zahra Ghoreishi and Hojjat Mianabadi, “Application of Nexus Approach in Hydropolitics of Transboundary Rivers” (in Farsi), Journal of Ecohydrology, Vol. 7, No. 3, October 2020, pp. 757–773, https://tinyurl.com/3mkb5z7v (accessed 31 December 2025).
  17. “Population density of rural and urban areas of Iran,” Statistical Centre of Iran, 2015, https://tinyurl.com/4hw65k6s (accessed 20 October 2025).
  18. “Location of Steel and Petrochemical Plants,” Iran Renewable Energy Association, 2019.
  19. Francois Molle, Peter P. Mollinga and Philippus Wester, “Hydraulic Bureaucracies and the Hydraulic Mission: Flows of Water, Flows of Power”, Water Alternatives, Vol. 2, No. 3, 2009, pp. 328-349, https://tinyurl.com/3688wea5 (accessed 31 December 2025).
  20. Ibid.
  21. Francois Molle, “River-basin planning and management: The social life of a concept”, Geoforum, Vol. 40, No. 3, May 2009, pp. 484-494, https://tinyurl.com/4xmdjtzh (accessed 31 December 2025).
  22. Seyedeh Zahra Ghoreishi, Hojjat Mianabadi and Ebrahim Hajiani, “The Dimensions of Hydraulic Mission in Turkey's Hydropolitics” (in Farsi), Iran-Water Resources Research, Vol. 16, No. 1, Spring 2020, pp. 304-331, https://tinyurl.com/42xcrbu6 (accessed 31 December 2025).
  23. Ehsan Nabavi, “(Ground)Water Governance and Legal Development in Iran, 1906–2016”, Middle East Law and Governance, Vol. 9, No. 1, 2017, pp. 43-70, https://tinyurl.com/57m8hdyk (accessed 31 December 2025).
  24. Ali Abdollahi-Nasab, Hamidreza Barjeste and Arman Khaledi, “Identifying Barriers to Water Efficiency Improvement: A Case Study of Evaporative Coolers” (in Farsi), Strategic Studies of Public Policy, Vol. 15, No. 54, Spring 2025, pp. 152-177, https://tinyurl.com/4u7fdxss (accessed 31 December 2025).
  25. Ibid.
  26. Shafiqul Islam and Lawrence E. Susskind, Water Diplomacy: A Negotiated Approach to Managing Complex Water Networks (New York: RFF Press, 2012).
  27. Hojjat Mianabadi, “Hydropolitics and Conflict Management in Transboundary River Basins”, February 2016, https://tinyurl.com/2yz8hz4n (accessed 31 December 2025).