إيران بين تحديات الداخل ومواجهات الخارج

بدأت إضرابات بازار طهران احتجاجا على تقلبات العملة ثم امتدت إلى مدن أخرى بسبب التضخم وتراجع القدرة الشرائية وسوء الأوضاع الاقتصادية. وبعد عشرة أيام من الاعتراض السلمي ورفع شعارات مطلبية مركزة علی تحسين الوضع المعيشي، واجهت إيران حالة عنفٍ قَلَّ نظيرها في إيران تخللتها شعاراتٌ عبرت الحيز الاقتصادي لتمس النظام وأمن البلاد واستقرارها.
من مظاهرات في العاصمة طهران (أسوشيتد برس)

تحت ضغط العقوبات والتهديد المستمر بحربٍ مقبلة، أتت الموجة الجديدة للاحتجاج في إيران لتغلف التحديات الموجودة أصلًا بحُلَّة جديدة تربط الداخل بالخارج. خرج المضربون عن العمل في بازار طهران للمطالبة بوضع حدٍّ لتقلبات قيمة العملة الوطنية. ولم يكن البازار وحيدًا في الاعتراض، فسرعان ما انتقلت الاحتجاجات إلی مدن أخری اعتراضًا علی التضخم وتراجع المقدرة الشرائية للمواطن وسوء الوضع الاقتصادي بشكل عام. لم تتوقف الاحتجاجات عند الاقتصاد والمطالب المرتبطة به فبعد عشرة أيام من الاعتراض السلمي ورفع شعارات مطلبية مركزة علی تحسين الوضع المعيشي، صاحبت الاحتجاجات حالة عنف قَلَّ نظيرها في إيران تخللتها شعاراتٌ عبرت الحيز الاقتصادي لتمس النظام وأمن البلاد واستقرارها.

ولم يقف التطور داخل حدود إيران. فما انفك ساسة إسرائيل عن تشجيع الإيرانيين للاستمرار حتی الإطاحة بنظام الحكم. وزاد الرئيس الأميركي علی ذلك بتهديده الواضح بقدومه لـ"نجدة" المتظاهرين إن بدأت السلطات بقتلهم(1). أحاول في هذه الورقة إيضاح ملابسات الاحتجاجات وتقلباتها والعنف الذي صاحب نهاياتها أولًا وأخوض في أثرها ومخرجاتها في الداخل وفي تعاطي إيران مع الخارج والولايات المتحدة بشكل محدد.  

سياسة جديدة واحتجاج

لم تفارق موجات الاحتجاج إيران المعاصرة، ولا يعني تزايدها حينًا وتراجعها أحيانًا أخری بالضرورة أن البلاد تمر بوضع استثنائي. إلا أن ما أضفی طابعًا استثنائيًّا علی الموجة الأخيرة هو ما صاحب العملية الاحتجاجية: أولًا: الدعم المعلن والصريح للاحتجاج وأعمال العنف المصاحبة لها من قبل إسرائيل والولايات المتحدة. وثانيًا: مستوی العنف و"الإرهاب المسلح"، حسب المسمی الحكومي في إيران.

ومن الواضح أن إيران تمر بأحد فصولها الأكثر عرضة للاحتجاج والمطالبة بالتغيير في الأعوام الماضية. من الواضح أيضًا أن ثمة محركًا رئيسيًّا يتصدر الواجهة في كل موجة من الموجات السابقة. فقبل سنتين مثلًا، طغی علی الموجة الاحتجاجية موضوع الحجاب محركًا رئيسيًّا. ولا يعني وجود محرك رئيسي غياب دوافع أخری. تصدَّر الموجة الأخيرة من الاحتجاج تدهور الوضع الاقتصادي والتذمر الشعبي المتزايد حول تراجع قيمة العملة الإيرانية، الريال، أمام الدولار وما صاحبه من انحدار مطرد في المقدرة الشرائية للمواطن الإيراني.

وكان لتراجع قيمة العملة دور رئيسي في الموجة الأولی من اعتراضات البازار في طهران. فقد أقفل الكثير من التجار والباعة في أكبر بازار في إيران محالهم وقاموا بتجمعات احتجاجية قائلين بأن عدم استقرار سعر صرف الدولار يمنعهم من العمل إذ يقومون باستيراد أو ابتياع سلعة ما مثلًا وبعد بيعها يُضطرون إلی استيرادها أو ابتياعها بأسعار أعلی من قيمة المبيعات. وكانت السلطات الإيرانية من المرشد الأعلی ورئيس الجمهورية وغيرهم أعلنت عن تفهمها لتلك المطالب وعبَّرت عن أحقية المحتجين؛ ما منع الاصطدام بهم(2). مضت الأمور علی تلك الشاكلة لقرابة عشرة أيام. وكانت حكومة الرئيس بزشكيان قد أعلنت عن إصلاحات اقتصادية جذرية بالتركيز علی تغيير سياسة توريد السلع بغية الإمساك بعنان سعر صرف الدولار والسيطرة علی غلاء المعيشة بالتالي. ولتلك السياسات تفاصيل نقف هنا علی محورها الرئيسي لتتضح الصورة.

فقد كان الدارج أن تقوم مجموعة من الشركات والمؤسسات، بعد حصولها علی الدولار عبر الحكومة من البنك المركزي بأسعار ترجيحية، باستيراد السلع الرئيسية والدواء وذلك لتصل إلی المواطن بأسعار ترجيحية أرخص من أسعار السوق. المفروض هنا، أن تقوم الأطراف المستوردة ببيع المستورد بأسعار ترجيحية وأن تعيد بعد الانتهاء من تلك العملية الدولار بسعره الترجيحي الذي حصلت عليه إلی البنك المركزي. إلا أن ذلك وعلی مَرِّ العقود لم يُفضِ إلی الأهداف المرسومة وشهدت العملية برمتها فسادًا ماليًّا واقتصاديًّا واسعًا. فقد أعلن وزير الاقتصاد مؤخرًا أن الأطراف المستورِدة لا تعيد ما تحصل عليه إلی البنك المركزي. كما أن الكثير منها يقوم ببيع ما يستورد بأسعار السوق لا بأسعار ترجيحية. بالتالي، أفضت كل تلك العملية وبعد مرِّ العقود إلی عملية فساد يتعاطی معها المستوردون كـ"ريع" يحصلون عليه لمصلحتهم هم لا لمصلحة المواطن. ولم تكن عمليات الرقابة مجدية في وقف عجلة الفساد تلك، كما يبدو.

نتيجة لذلك، أعلنت الحكومة وقفها تقديم الدولار بأسعار ترجيحية للمستوردين(3). ولأن أسعار السلع ستكون أسعار الاستيراد، أعلنت الحكومة أنها ستقدم القيمة الفائضة بين سعر الدولار الترجيحي وسعر صرفه في السوق منحًا لكل المواطنين. بعبارة أخری، وبلغة الرئيس بزشكيان، أعلنت الحكومة عن تقديم الدعم بشكل مباشر إلی آخر السلسلة -أي المواطن- بدل تقديمها بشكلٍ غير مباشر كدولار بسعر ترجيحي إلی أول السلسلة -أي المستورد-. يؤدي ذلك كله إلی تجفيف أحد أهم مصادر الفساد المالي في البلاد كما يؤدي إلی بقاء العملة الصعبة في يد الحكومة؛ ما يُسعفها في السيطرة علی سعر صرف الدولار ومقاومة تراجع قيمة العملة الوطنية بالتالي. ولذلك تقوم الأطراف المتضررة بالاعتراض والمقاومة أمام سياسة الحكومة، وهو ما يطرحه البعض دافعًا لتأليب البازار ضد سياسات الحكومة. والواضح أيضًا أن مقاومة تلك الضغوط وتكيف المجتمع مع الوضع المستجد يتطلب بعضًا من الوقت.

لم يأتِ الإعلان عن هذا التغيير المهم بالمرجو من قبل الحكومة من تهدئة السوق والمواطن ودفعه للتريث ليشهد آثار السياسة الجديدة. إلا أن الحكومة بدأت بتطبيق تلك السياسة وذلك أثناء الاحتجاجات أملًا بإيقاف عجلتها. إلا أن احتجاجات البازار استمرت لقرابة عشرة أيام، انتقلت خلالها العملية الاحتجاجية إلی بعضٍ من المدن الصغيرة والحدودية منها إلی الغرب من إيران بشكل خاص. وكانت السلطات تحاول عدم الإنجرار إلی الصدام مع المحتجين رغم أن بعضها شهد حالات من العنف. إلا أنه وبعد دعوة أحد أهم أطراف المعارضة خارج البلاد -ابن الشاه الذي أسقطته الثورة عام 1979- الإيرانيين للانتفاضة ضد نظام الحكم والخروج للشارع بشكل متزامن، يومي الخميس والجمعة الموافقين للثامن من يناير/كانون الثاني 2026، دخلت البلاد حالة عنف قَلَّ نظيرها في الاحتجاجات السابقة.

عنف أتی علی الاحتجاج

لم يكن يوم الخميس مختلفًا عن الأيام العشرة التي سبقته في احتجاج البازار والاحتجاجات في مدن أخری التي تركز علی الشعارات الاقتصادية ومعيشة المواطن. إلا أن مساء الخميس شهد أعمال عنف واسعة رافقت الاحتجاجات استهدفت المؤسسات السيادية في مدن ومحافظات مختلفة وشهدت أعمال عنف واسعة ضد قوی الأمن والتعبئة والمقار العسكرية والأمنية؛ وذلك في ظرف استمرت فيه السياسة الرسمية بعدم استهداف المحتجين وعدم الاشتباك معهم، كالأيام العشرة التي سبقتها. كما شهدت أعمال العنف عمليات إطلاق نار وإضرام للنار في عدد غير قليل من المساجد والمصارف. واستهدفت تلك الأعمال الكثير من المرافق العامة والخاصة. ففي مدينة رشت إلی الشمال من إيران وحدها، أدی إضرام النيران في أحد المحال الخاصة إلی احتراق سوق بأكملها شمل العشرات من المحال تجارية.

وكان لعمليات إطلاق النار التي جری تصوير بعضها، وتُظهر أناسًا يُطلقون النار بشكل عشوائي ضد قوی الأمن والمحتجين، أثر بالغ ظهر في دهشة المواطن الإيراني العادي. فقد أدَّت عمليات الاستهداف لقوی الأمن والتعبئة الشعبية إلی مقتل وجرح أعداد مخيفة من هؤلاء إلی جانب عدد كبير من المواطنين. ففي واحدة فقط من مراسيم التشييع التي جرت بعد انتهاء أعمال العنف في العاصمة، طهران، جری تشييع أكثر من مئة بين أعضاء في قوی الأمن ومواطنين(4). مع تصاعد وتيرة العنف وارتفاع شعارات لا ترتبط بالحيز الاقتصادي، بل تركز علی النظام من قبل المجموعات الخارجة، مساء الخميس الثامن من يناير/كانون الثاني 2026، تراجع زخم الاحتجاجات المطلبية بشكل واضح. فلم يخرج الكثير من المحتجين يوم الجمعة، التاسع من يناير/كانون الثاني 2026، للاحتجاج، وشهد يوم السبت عودة إلی الهدوء سريعًا لم يتوقعها الكثير من المراقبين. وكانت السلطات قد دعت المواطنين إلی مظاهرات ضد "الإرهاب المسلح"، يوم 22 دي الموافق للثاني عشر من يناير/كانون الثاني 2026، أي بعد الخميس بأربعة أيام. وبالفعل خرجت أعداد غفيرة من المواطنين إلی شوارع العاصمة والمدن الأخری تلبية لتلك الدعوة. وكانت السلطات قد أعلنت أن أعداد المشاركين في طهران فقط قد عبرت الثلاثة ملايين. ولم يُسجَّل بعد ذلك أي تجمع احتجاجي ناهيك عن أعمال عنف. ويمكن تلخيص أسباب ذلك في النقاط الأربع التالية:

  • تصاعد العنف: أصابت أعمال العنف مساء الخميس الاحتجاجات بمقتل؛ فقد انسحب أغلب المحتجين علی الوضع الاقتصادي من الشارع بعد ظهور صُور العنف التي اتخذت من الاحتجاجات غطاءً لها. فالمواطن المهتم بتحسين الوضع الاقتصادي لم يكن يصبو إلی الانجرار خلف أعمال عنف لا تُحقق ما خرج من أجله بل تأتي له بنغمة عدم الأمن التي أصابت الكثير من المواطنين الذين سقطوا بين جريح وقتيل.
  • الدعم الإسرائيلي-الأميركي: دعا الكثير من الشخصيات الحاكمة والسابقة في كل من إسرائيل والولايات المتحدة الإيرانيين إلی الخروج ضد النظام وإنهائه. وإذ لم يهتم المحتجون بتلك الدعوات في الأيام السابقة لمساء الخميس، تخوف -كما يبدو- الكثير منهم من ارتباط أعمال العنف لذلك المساء بتلك الدعوات وبدأ التساؤل يطغی حول مدی ارتباط تلك الدعوات بمحاولات جرهم خلف أعمال العنف ضد مؤسسات الدولة وإلی الاحتراب الداخلي. وكانت السلطات الإيرانية ركزت علی ذلك الترابط في خطابها الذي لم يبدو بعيدًا عن الواقع للمواطن العادي الذي شهد بلاده تُهاجَم من الدولتين قبل أشهر وشاهد علی شاشاته، وبمرارة، الإبادة في غزة. 
  • الأمن علی المحك: خرج المحتجون للضغط علی الحكومة لتحسين أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية وإذا بهم يواجهون تحديًا أكبر من الاقتصاد: انعدام الأمن في الشارع. بمجرد ظهور بوادر الانفلات تراجع المواطن عن الاحتجاج في الشارع وذلك -كما يبدو- بدافع عدم الدخول في متاهات الانفلات الأمني. لا يعني ذلك تراجعًا في التذمر من الوضع الاقتصادي -الذي لم يتوقف المواطن الإيراني عن طرحه حتی أثناء المظاهرات التي دعت لها الحكومة لكنه يعني رفضًا لا تخطئه العين للعنف واستخدام السلاح في الشارع. 
  • العودة للاقتصاد: والواضح أن المحتج علی الوضع الاقتصادي خرج في البدء لحمل الحكومة علی تعديل سياساتها المالية والاقتصادية، وهي أولويته المعيشية. يمكن اعتبار العودة من الشارع إلی البيوت محاولة للعودة إلی الأولوية الرئيسية: الاقتصاد. يقول المواطن الإيراني بذلك إنه غير مهتم بالشعارات والأعمال التي تعبُر الحيز الاقتصادي إلی السياسة والأمن ويريد استعادة زخم أولويته بعد انتهاء المظاهر الأمنية.

صراع السرديات

صاحب الاحتجاج وأعمال العنف صراع آخر خيض في الإعلام وعلی المستوی الرسمي. وثمة سرديتان رئيسيتان من المهم تفكيك أبعادهما للوقوف علی صورة أدق من المستجد. تقف السردية الأولی -سردية المعارضة- علی الرفض الكامل للنظام محورًا للاحتجاج والعنف المصاحب له. فهي تقول برفض المواطن لنظام حكمه وبأنه لا يجب تقليص مرمی خروجه للشارع في مطالب اقتصادية بحتة. ولتلك السردية ثلاثة أبعاد: تركيزها علی "تآكل أو انتهاء شرعية النظام" أساسًا للاحتجاج، أولًا، ووضع الشعب بأكمله أمام النظام الحاكم، ثانيًا، وطرح البديل تحت عناوين "ديمقراطية" و"مشروطة"، ثالثًا.

تلك صورة مبسطة للخطاب المعارض وحامليه. ومن المهم الوقوف علی أن المعارضة غير موحدة ولم يسبق أن اتفقت علی شخص أو مجموعة كقيادة لها. وتنقسم المعارضة خارج البلاد إلی مجموعتين رئيسيتين -الملكية ومنظمة مجاهدي خلق- ومجموعة تيارات أخری قومية/انفصالية. ولأول مرة شهدت البلاد حراكًا لكل تلك المعارضات ضد النظام بشكل متزامن؛ ما رجَّح -وفق البعض من المراقبين في إيران- دورًا للاستخبارات الإسرائيلية و/أو الأميركية في تحريكها(5). تری كل تلك التيارات في استخدام العنف والمجابهة المسلحة وسيلة من وسائل الإطاحة بالنظام، وهي كانت قد قامت في مراحل سابقة باستخدام تلك الأدوات.

وفي تحليل المحاور المذكورة يمكن القول بأن اعتبار أي اعتراض أو احتجاج يرمي لإسقاط النظام افتراضٌ فيه تبسيط ساذج؛ فهو يوحِّد الإيرانيين في مطلب يری الكثيرون أنه مطلب المعارضة خارج البلاد وأقلية صغيرة في الداخل. أضف إلی ذلك أنه حتی القاعدة الصلبة للنظام والكثير ممن لا يرون بديلًا لهذا النظام ينتقدون أداء الحكومة الاقتصادي وذلك لا يضعهم في خانة المطالبين بإسقاط النظام بأي حال من الأحوال. يجب التذكير أيضًا بأنه قبل أقل من سنتين شارك أكثر من نصف الإيرانيين في الانتخابات الرئاسية، وهو ما يُظهر تمسكهم بالموجود أو إصلاحه عبر العملية السياسية ضمن النظام القائم. أضف إلی ذلك أن رؤوس التيارات الرئيسية في إيران بثقلها السياسي والاجتماعي من أقصی الإصلاح إلی أقصی المحافظة، دعت للوقوف إلی جانب النظام أمام موجة العنف ودعوات المعارضة -وإسرائيل والولايات المتحدة- للخروج عليه. ثم إنه لا يمكن اعتبار طرح البديل القديم -لما قبل الثورة- وبدعم من دول هاجمت إيران قبل أشهر، محفزًا جديًّا لخروج الإيرانيين ضد نظامهم القائم. ولكن، رغم كل تلك الإشكاليات، يمكن القول بأن المعارضة الفضفاضة قطعت شوطًا في مجابهتها النظام.

أمام تلك السردية، يطرح النظام وداعميه سردية مختلفة تمامًا. فاللاعبون في هذه السردية ينقسمون إلی قسمين: أولًا: المحتجين اعتراضًا علی الوضع الاقتصادي، وهم جزء من الشعب له الحق في الاعتراض والتعبير عن آرائه وعلی المسؤولين الاستجابة لتلك المطالب أو الإجابة علی تلك الانتقادات. وثانيًا: مثيري الشغب وجماعات "الإرهاب المسلح"، وهم جماعات منظمة تابعة لأجندة خارجية ويتلقون الدعم المالي والتدريب والسلاح من الخارج لدفع إيران إلی الحافة وإسقاطها في أتون انعدام الأمن والاقتتال الداخلي. وترد هذه السردية علی سردية المعارضة بمحاورها الثلاثة بالقول بأن الاعتراض لا يعني مجابهة النظام وأن الجهات المسؤولة تستجيب لما يُطرح من مطالب اقتصادية، أولًا، وأن الشعب يقف إلی جانب النظام أمام أعدائه ومنهم المعارضة المنضوية تحت العلمين الإسرائيلي والأميركي، ثانيًا، وأن الشعب لن يتماشی مع من "يقوم بالعمالة للأجانب"(6) بديلًا وهو متمسك بنظامه القانوني، ثالثًا. 

تحمل هذه السردية التعميم المقصود خطًّا مجابهًا للسردية المعارضة. لكنها وبفصلها الاحتجاج عن "الإرهاب المسلح" تعبِّر بشكل بسيط عن الفارق بين المنتقدين والمحتجين المركِّزين علی الاقتصاد -وهم الأغلبية كما يظهر مساء الخميس والتطورات التي تلته- وجماعات العنف المسلح التي تمس أمن البلاد والمواطن -وهم الأقلية-. لكن وبعيدًا عن طبيعة الفاعلين ورغم الثقافة السياسية الإيرانية التي تُخوِّن المتحالف مع العدو، إلا أن الواقع يقول بصعوبة التعميم. فالذين قاموا بأعمال عنف وأطلقوا شعارات مناوئة للنظام هم إيرانيون -حتی لو كانوا أقلية صغيرة- وحتی إن سلمنا بتلقيهم الدعم من أعداء إيران؛ فمن يتلقی الدعم لا يری في الداعم عدوًّا. ناهيك عن أن المعارضة الملكية تری في إسرائيل والولايات المتحدة حلفاء. وعلينا التذكير بأن نظام الشاه كان قد نسج تحالفات مهمة مع كل من تل أبيب وواشنطن انتهت بانتصار الثورة الإسلامية.

وإذ يمكننا الأخذ بأن الاعتراض علی الوضع الاقتصادي لا يعني بالضرورة مجابهة النظام، لكن يجب ألا يفوتنا أن ذلك التفريق صعب التحديد والإطلاق في أوقات الأزمات الكبری. وبالفعل لا ينتقل الاحتجاج المطلبي تلقائيًّا إلی معارضة عملية للنظام برمته، إلا أن تراكم التحديات في المجتمع والنظام يمكنه تجسير الهوة بين الاحتجاج المطلبي والاصطدام بالنظام -وهو موطئ التباسٍ عوَّلت عليه المعارضة- وفشل في هذه المرحلة.

استمر الخطابان بعد انتهاء أعمال العنف بتغييرات طفيفة. فها هي المعارضة تطرح أعدادًا كبری للقتلی والجرحی المدنيين متَّهِمة النظام بالقتل لتبرير تراجع زخم الاحتجاجات بعد بدء أعمال العنف(7). وهي بذلك تجرد نفسها من الفشل في نقل الاحتجاج إلی مطالب بإسقاط النظام وتراجع الشارع أمام دعواتها ومطالبها. أما النظام فمستمر بسردية عمالة المعارضة للأجانب بالتركيز علی المعلن أميركيًّا وإسرائيليًّا وما حصلت عليه بعد إلقاء القبض علی بعض ممن قام بأعمال عنف. فقد أولی القضاء الإيراني محاكمة "الإرهاب المسلح" أهمية قصوی وبدأت محاكمات بُثَّت أجزاء منها في القنوات الرسمية لتشكل دعامة للسردية الرسمية. فقد تكلم أشخاص قاموا بإطلاق النار يوم الخميس عن مصادر حصولهم علی السلاح أو دوافعهم للقيام بهذه الأعمال. وكانت السلطات القضائية قد تمكنت من توثيق المطروح بصور لكاميرات المراقبة تُظهر إطلاق النار أو عمليات دهس وغيرها. وثمة جزء رئيسي في السردية الرسمية يجب الوقوف عنده وأسبابه: الدور الأجنبي والعمالة له.

دور الخارج

ثمة بُعدان للتدخل الخارجي في الاحتجاجات وكذلك في أعمال الشغب التي شهدتها إيران. البُعد الأول هو الحضور والدعم المباشر لجماعات العنف. وهو ما أبدته شخصيات ومؤسسات إسرائيلية -ومنها الموساد- من أن إسرائيل حاضرة علی الأرض "إلی جانبكم"(8). تؤيد السلطات تلك المزاعم الإسرائيلية وتقول بأن العملاء الإسرائيليين يُدخلون السلاح ويحاولون الإيقاع بين الإيرانيين أثناء الاحتجاجات. أما الحراك غير المباشر فقد تمثل في دعاية مستمرة تقول بقمع المظاهرات وقتل المحتجين وضرورة الضغط علی النظام لوقف ذلك. وكان الرئيس الأميركي أكثر وضوحًا بقوله إنه سيأتي لنجدة الإيرانيين إن قامت السلطات بقتلهم. ولم تكن أوجه التدخل تلك إلا استمرارًا للنهج السابق بهدفه الرئيسي: إضعاف النظام أو إسقاطه إن وُجد لذلك سبيلًا.

وكانت السلطات قد وصفت في خطابها أحداثَ يوم الخميس و"العنف المنظم" مرحلة ثانية من حرب الاثني عشر يومًا(9). وفق تلك القراءة، لم يكن تحويل الاحتجاج إلی أعمال عنف منظم إلا مطمحًا أُريد له أن يأتي بما لم تأتِ به حرب الاثني عشر يومًا، في يونيو/حزيران 2025، من إضعاف النظام عبر الاقتتال الداخلي. وتُطرح هذه السردية بناءً علی مخرجات حرب يونيو/حزيران. فالذي أوقف تلك الحرب وحمل الولايات المتحدة -ومن خلفها إسرائيل- علی طلب وقف إطلاق النار تمثل في ثلاثة أبعاد رئيسية: أولًا: البُعد العسكري الذي أظهر قدرات صاروخية غير متوقعة استمرت في استهداف إسرائيل من جهة وتراجع جدوی وفاعلية الدفاعات الإسرائيلية من جهة أخری؛ وثانيًا: البُعد الدولي المتمثل بعدم دخول الولايات المتحدة بشكل يؤدي إلی توسيع الحرب الإسرائيلية-الإيرانية ويعدل الموازنة العسكرية لصالح إسرائيل؛ وثالثًا: وأهم من ذلك كله، الوحدة الوطنية التي اتسم بها المجتمع الإيراني أثناء تلك الحرب.

وبالعودة لسردية العنف المنظم المدعوم إسرائيليًّا كمرحلة ثانية لتلك الحرب، يُطرح استهداف الوحدة الداخلية محورًا يجري التعويل عليه لإضعاف موقف إيران في الموازنة العسكرية، أولًا، وتشجيع الولايات المتحدة للدخول في حرب أوسع ضد نظام منخرط في اقتتال داخلي وفاقد للسيطرة، ثانيًا. وأيًّا كان الحساب، لم تؤدِّ أعمال العنف إلی ترهل المؤسسات العسكرية والأمنية وهو ما منع الولايات المتحدة من فرض حربٍ جديدة علی البلاد، أي ما لوَّح به ترامب في منشور "إنقاذ" الإيرانيين. وكان التعويل -كما يبدو- علی انتشار عدم الأمن وعدم الاستقرار مقدمةً لعمل عسكري علی إيران وفق الكثير من إستراتيجيي إيران. إلا أن الذي حَدَّ من إمكانية حدوث هذا التطور يكمن في أربعة محاور:

انتهاء أعمال العنف: لم يعط تراجع وتيرة أعمال العنف وقتًا كافيًا لتحريك الرأي العام الأميركي والعالمي ضد إيران واستهدافها بالتالي. فقد خَبَت الأعمال المسلحة بعد مساء الخميس وبوتيرة مسرعة وهو ما أتی بخطاب مختلف من ترامب قال فيه إنه جری إبلاغه بانتهاء "القتل والإعدام"(10). وكان من الممكن، في حال استمرار عدم الاستقرار وتوسع المجابهات في الداخل الإيراني -وهو ما عوَّلت عليه المعارضة- أن يستخدم الوضع لاستهداف إيران.

خطاب رادع: أصدر مجلس الدفاع، المستحدث بعد حرب الاثني عشر يومًا، بيانًا يمكن اعتباره إعلانًا أوليًّا لتغيير عقيدة طهران العسكرية؛ إذ يقول البيان بأن المجلس يَعُدُّ أي عمل يمس بـ"أمن واستقلال ووحدة" إيران خطًّا أحمر(11). ولوَّح في تطور ملحوظ في العقيدة الدفاعية بأن البلاد سترد علی مثل هذه الأعمال، وهو ما يأتي بمفهوم الدفاع الاستباقي للواجهة. وكان أمين المجلس الأعلی للأمن القومي أكثر صراحة في حوار مع التليفزيون الإيراني عند تهديده برد إيراني إن شعرت الأخيرة بقرب الهجوم عليها.

صعوبة تحقيق الأهداف: وإن افترضنا نية إسرائيل والولايات المتحدة مهاجمة إيران، فالواضح أن تحقيق أهداف أسمی مما تحقق في حرب يونيو/حزيران لن يكون واردًا ما دامت الموازنة الداخلية والدفاعية في إيران كما كانت سابقًا. والواضح أن الإيرانيين عملوا في الأشهر التالية لتلك الحرب علی تعزيز قدراتهم الرادعة بشكل مستمر.

الاستعداد الكامل: الواضح من خطاب القادة العسكريين والقيادات السياسية في إيران أن البلاد متأهبة لأية مواجهة عسكرية قد تنجرُّ لها. وإن أُخذت طريقة بدء حرب يونيو/حزيران صورةً لما قد تقوم عليه المواجهة المقبلة، يمكن تعليل التراجع عن مهاجمة إيران علی استعدادها وغياب عنصر المفاجأة بالتالي. أضف إلی ذلك أن العودة المسرعة للهدوء في الداخل الإيراني قلَّصت من التركيز علی الداخل وأعادته علی العدو في الخارج.

وإذ يصعب التنبؤ بمستقبل الصراع الإسرائيلي-الإيراني إلا أن استمرار استعداد الجانبين يُنذر بمجابهة قد تأتي بعد حين. إلا أن التعويل علی الانقسام الداخلي مقدمةً لضرب إيران وإدخال الولايات المتحدة لتوسيع الحرب علی إيران، تراجع بشكل كبير. السؤال الأخير هو: أين يترك كل ذلك مستقبل واحتمالات الدبلوماسية بين إيران الولايات المتحدة؟ نعلم اليوم أن الدبلوماسية توقفت بين الطرفين منذ حرب يونيو/حزيران. والواضح أن منطقي الولايات المتحدة وإيران لأي مفاوضات مختلفان بشكل جذري، وهو ما يمنع حدوث انفراجة دبلوماسية. ففي المنطق الدبلوماسي الأميركي، علی إيران القبول بالمطلوب أميركيًّا -أي أهداف العملية التفاوضية لدی واشنطن- قبل بدء التفاوض. أما علی الجانب الإيراني، يقول منطق التفاوض بالأخذ والرد وصولًا لحلول وسط، كما حدث في الاتفاق النووي لعام 2015. لذلك يصعب بدء أي عملية تفاوضية دون تغيير مهم في موقف أي من الطرفين. والواضح أن الاحتجاجات والعنف الذي صاحب نهايتها لم يغيِّرا الموقف الإيراني.

خاتمة

بدأت الاحتجاجات بدوافع اقتصادية واعتراضًا علی سوء الإدارة الاقتصادية للحكومة في إيران واستمرت لعشرة أيام قبل دخول المعارضة وتحريكها لأعمال عنف قَلَّ نظيرها في إيران مساء يوم الخميس 29ديسمبر/كانون الأول 2025 وبمجرد اتساع أعمال العنف، تراجع زخم الاحتجاجات الاقتصادية ولم يعد المحتجون للشارع، ولو إلی حين. في غضون ذلك، دخلت السياسات الاقتصادية الجديدة لحكومة الرئيس بزشكيان حيز التنفيذ، وهو ما تعوِّل عليه الحكومة لتحسين الأوضاع الاقتصادية للمواطن وللسيطرة علی موجة التضخم عبر السيطرة علی سعر صرف الدولار، والحد من تراجع قيمة الريال الإيراني بالتالي. وانقسمت السرديات حول أعمال العنف إلی سرديتي المعارضة والحكومة؛ إذ تحاول المعارضة تصوير الاحتجاجات وأعمال العنف رفضًا للنظام برمته، بينما تقوم سردية الحكومة بالفصل بين الاحتجاج الاقتصادي، الذي تحاول الاستجابة له قدر المستطاع، وأعمال العنف. وفي هذا السياق، تتهم الحكومة -بالتركيز علی المعلن إسرائيليًّا وأميركيًّا- بتأجيجهما أعمال العنف، وتقول بأن ضرب الوحدة الوطنية هو الباب الذي أُريد من خلاله استهداف البلاد. إلا أن انتهاء موجة العنف الطارئة وبسرعة قياسية أفشل ذلك المخطط ومنع استهداف البلاد ولو إلی حين. وتُبقي السلطات أيديها علی الزناد علی خلفية التهديدات المستمرة من قبل إسرائيل والولايات المتحدة. بكل الأحوال وبانتهاء موجة العنف، نعود لمربع التكهنات حول الحرب المقبلة أو التفاوض بين إيران والولايات المتحدة. وأيًّا كانت السيناريوهات، فإن التعويل علی الانقسام أو الاقتتال الداخلي مقدمةً لاستهداف إيران لم يعد قائمًا، ليس علی المستوی المطلوب إسرائيليًّا وأميركيًّا علی الأقل.

نبذة عن الكاتب

مراجع
  1. نشر الرئيس ترامب منشورًا علی تروث سوشيال يقول بأنه سيُقْدِم علی نجدة الإيرانيين إن قامت السلطات في إيران بقتلهم:

If Iran shots and violently kills peaceful protesters... the United States of America will come to their rescue."

https://truthsocial.com/@realDonaldTrump/posts/115824439366264186

  1. https://truthsocial.com/@realDonaldTrump/posts/115824439366264186"بيانات در ديدار مردم قم" (تصريحات في لقاء من مواطنين من قم) موقع المرشد الأعلی، 12 دي 1404، (تاريخ الدخول: 14 يناير/كانون الثاني 20269،  https://farsi.khamenei.ir/speech-content?id=62291
  2. "چند شرط براي موفقيت حذف ارز ترجيحي" (بضعة شروط لنجاح إلغاء العملة الترجيحية)، وكالة أنباء إيسنا، 15 دي 1404، (تاريخ الدخول: 16 يناير/كانون الثاني 2026)، https://2u.pw/0eQxE
  3. "مراسم تشييع پپيكر بيش از 100 شهيد مردمي و مدافع أمنيت در تهران آغاز شد" (بدء مراسيم تشييع أكثر من 100 شهيد بين مواطن ومدافع عن الأمن في طهران) وكالة سبوتنيك، (تاريخ الدخول: 14 يناير/كانون الثاني 2026)، https://spnfa.ir/20260114/27463703.html
  4.  عبدالله گنجي، "راز 8 شب" (لُغز الثامنة مساءً) وكالة أنباء فارس نيوز، 22 دي 1404، (تاريخ الدخول 14 يناير/كانون الثاني 2026)،  https://www.alef.ir/news/4041024078.html
  5. "بيانات در ديدار مردم قم" (تصريحات في لقاء من مواطنين من قم) موقع المرشد الأعلی، 19 دي 1404، (تاريخ الدخول: 14 يناير/كانون الثاني 2026)، https://farsi.khamenei.ir/speech-content?id=62291
  6. يقول إعلام المعارضة إنه جرى قتل 12 ألف محتج. بينما وقفت مصادر إسرائيلية عند عدد خمسة آلاف. ولا تُعرف مصادر هذه الأرقام التي أُعلنت بمجرد انتهاء أعمال. هذا بينما لم تُصدر السلطات أي إحصاءات إلى الآن وهي تقول بأنها ستستند إلی تقارير الطب الشرعي لتقديم ذلك. وتقول لنا أعداد القتلى من الأمن في مراسيم تشييع "شهداء الأمن" إن جزءًا كبيرًا من القتلی والجرحی من صفوف رجال الأمن والتعبئة الشعبية.
  7.  كانت صفحة الموساد بالفارسية قد نشرت تغريدة تخاطب الإيرانيين تقول بأنها معهم علی الأرض، انظر تقرير يورو نيوز، موساد به معترضان ایرانی: "به خیابان‌ها بیایید؛ در میدان همراهتان هستیم"(الموساد للمحتجين الإيرانيين: اخرجوا إلى الشوارع، نحن معكم في الميدان)، 31 ديسمبر/كانون الأول 2025 (تاريخ الدخول: 16 يناير/كانون الثاني 2026)،  https://2u.pw/U7DSv
  8.  "هوشنگي: اغتشاشات اخير در ادامه جنگ 12 روزه است" (هوشنكي: أعمال الشغب الأخيرة استمرار لحرب الاثني عشر يومًا) وكالة أنباء تسنيم، 21 دي 1404، (تاريخ الدخول: 16 يناير/كانون الثاني 2026)،  https://2u.pw/DJ3Qw
  9. Patrick Wintour and Lorenzo Tondo, “Trump says Iran has told him ‘killing has stopped’ as he pulls back from strike threats” The Guardian, January 15, 2026 (accessed: Jan 16, 2026): https://2u.pw/3lACO
  10.  "هشدارصريح شوراي دفاع: امنيت و تماميت ارضي إيران خط قرمز غيرقابل عبور است" (إنذار صريح من مجلس الدفاع: أمن ووحدة تراب إيران خط أحمر لا يمكن اجتيازه)، وكالة أنباء بويا، 16 دي 1404، (تاريخ الدخول: 16 يناير/كانون الثاني 2026)،  https://2u.pw/hzIyh