دخلت المواجهة الأميركية-الإيرانية مرحلة تجاوزت فيها حدود الصراع الثنائي، بعدما أصبحت الممرات البحرية والمنشآت الحيوية والقواعد العسكرية في الخليج جزءًا مباشرًا من حركة التصعيد. فالضربة التي تُقرَّر في واشنطن ضد موقع إيراني لا تنتهي آثارها عند حدود الهدف بل تنعكس في حجم الرد الإيراني، واتجاه الصواريخ والطائرات المسيَّرة، وحركة ناقلات النفط والغاز، وكلفة التأمين والشحن، ومستوى المخاطر المحيطة بالموانئ والمطارات ومحطات الكهرباء والمياه في دول المنطقة. ويجعل هذا الترابط طبيعة القرار الأميركي عاملًا داخليًّا في معادلة الأمن الإقليمي، لأن قدرة الولايات المتحدة على استخدام القوة تؤثر في المنطقة بقدر ما تؤثر فيها قدرتها على تحديد غايتها وضبط مداها وبناء تسوية تعقب استخدامها.
جاء استئناف العمليات الأميركية بعد انهيار التهدئة ليكشف هشاشة الصيغة التي أوقفت القتال مؤقتًا من دون أن تعالج مصادره السياسية والعسكرية. فقد أبلغ الرئيس، دونالد ترامب، الكونغرس، في 13 يوليو/تموز 2026، بأن الأعمال القتالية مع إيران استؤنفت. واعتبرت الإدارة أن العمليات الجديدة بدأت في 7 يوليو/تموز، بعدما اتهمت طهران بخرق مذكرة التفاهم الموقَّعة في يونيو/حزيران واستهداف السفن التجارية في مضيق هرمز. كما أعادت واشنطن فرض الحصار على الملاحة المرتبطة بالموانئ الإيرانية، ووسَّعت ضرباتها ضد القدرات العسكرية المنتشرة على الساحل الإيراني(1).
لم تؤدِّ فترة التوقف إلى بناء تسوية قادرة على تنظيم العلاقة بين الردع العسكري والممر البحري والمفاوضات النووية والأمن الإقليمي. فبقي الاتفاق المؤقت معلقًا على قدرة كل طرف على تفسير التزاماته وفق حاجاته العملياتية. وعندما عادت الهجمات على السفن تعاملت واشنطن معها بوصفها انهيارًا للتهدئة، فيما وسَّعت إيران ردودها باتجاه مواقع أميركية في دول الخليج، لتصبح القواعد والمنشآت الموجودة في البحرين والكويت وقطر وغيرها امتدادًا ميدانيًّا للصراع. وخلال الأيام التالية، أعلنت طهران استهداف مواقع في دول تستضيف قوات أميركية، وتعرضت محطة كويتية لتوليد الكهرباء وتحلية المياه لأضرار وتعطل عدد من وحداتها، وهو تطور أبرز بداية انتقال الحرب من نطاق المنشآت العسكرية إلى البنية التي تستند إليها الحياة اليومية والقدرة الاقتصادية لدول المنطقة(2).
يكشف هذا الانتقال حدود الفصل بين الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة والمجال الجغرافي الذي يحمل جانبًا كبيرًا من أعبائها. فدول الخليج ترتبط بواشنطن بعلاقات دفاعية طويلة، وتستضيف منشآت عسكرية تؤدي وظيفة مركزية في حماية الممرات البحرية وردع التهديدات، غير أن وجود هذه المنشآت يجعل أراضيها جزءًا من حسابات الرد الإيراني عندما تتسع المواجهة. ومن ثم يصبح نجاح الردع مرتبطًا بمعادلة أدق من مجرد حجم القوة الأميركية؛ إذ يتطلب منع إيران من استهداف دول المنطقة، وحماية منشآت الطاقة والمياه والبنى التحتية والمطارات، والإبقاء على الملاحة مفتوحة، ثم منع العمليات العسكرية نفسها من دفع طهران إلى توسيع بنك أهدافها.
لقد أظهرت التطورات أن الولايات المتحدة ما زالت تمتلك قدرة عملياتية واسعة على إصابة الدفاعات الجوية ومواقع الصواريخ والطائرات المسيَّرة والقوات البحرية التابعة للحرس الثوري، لكن التفوق العملياتي بقي منفصلًا عن النتيجة السياسية النهائية. فقد استمرت الهجمات الإيرانية بعد عدة موجات من القصف، ووصلت إلى مواقع عسكرية ومنشآت في دول مجاورة، كما استمرت الاعتداءات على ناقلات وسفن تجارية في المضيق. وأدى التصعيد، في منتصف يوليو/تموز، إلى مقتل عسكريين أميركيين في هجوم إيراني، وارتفاع عدد القتلى الأميركيين منذ بداية الحرب؛ ما دفع واشنطن إلى توسيع نطاق عملياتها(3).
يقود هذا التطور إلى التمييز بين القدرة على تدمير الهدف والقدرة على تغيير البيئة التي تنتجه. فالضربات الأميركية تستطيع تقليص مخزون من الصواريخ أو تعطيل منظومة دفاع أو تدمير زوارق وقواعد، فيما تحتاج حماية الخليج إلى ترتيب مستدام يمنع إعادة بناء التهديد ويضبط سلوك إيران تجاه الملاحة والدول المجاورة. وتزداد صعوبة هذا الترتيب عندما تتحول العمليات إلى جولات متعاقبة، لأن كل جولة تمنح الطرفين دافعًا لتوسيع الأدوات والأهداف، وتجعل العودة إلى التفاوض مرهونة بإثبات القوة أكثر من ارتباطها ببناء قواعد مستقرة.
وقد ظهر اضطراب الغاية السياسية بوضوح في إعلان الرئيس الأميركي فرض رسوم بنسبة عشرين في المئة على البضائع العابرة من مضيق هرمز مقابل ما وصفه بالحماية الأميركية للملاحة، ثم تراجعه عن المقترح في اليوم التالي واستبداله به الحديث عن اتفاقات استثمارية وتجارية مع دول الخليج. ولم تعلن الإدارة تفاصيل الالتزامات التي قيل إنها عوَّضت خطة الرسوم، كما واجه المقترح اعتراضًا من جهات دولية وشركات ملاحة رأت أنه يفتقر إلى أي أساس قانوني ويمس مبدأ المرور في الممرات الدولية(4).
في الواقع، لم تكن المسألة مجرد قرار اقتصادي أُلغي سريعًا، لأن مضيق هرمز لا يحتمل التعامل معه بمنطق اختبار الأفكار أو القرارات السياسية عبر التصريحات بل يرتبط بسيادة الدول المطلَّة عليه، وبقواعد القانون البحري، وبحركة نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية. كما أن فرض أي رسوم أو نظام حماية أميركي أحادي يطرح أسئلة حول طبيعة السلطة التي تمنح واشنطن حق فرضه وآلية تحصيله وحدود مسؤوليتها القانونية عن السفن التي تدفعه. وقد أدَّى الإعلان عن الرسوم، بالتزامن مع إعادة الحصار وعودة الضربات، إلى زيادة التوتر في سوق النفط، وسجَّلت الأسعار ارتفاعات حادة مع تزايد احتمالات تعطل الإمدادات وانخفاض حركة السفن عبر المضيق(5).
تتعلق المشكلة الأعمق بنوعية الإشارة السياسية التي تتلقاها دول المنطقة. فالعلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة قامت تاريخيًّا على افتراض أن واشنطن تملك منظومة مؤسسية قادرة على تحويل القوة إلى التزام يمكن توقعه، وأن القرارات الكبرى تمر عبر تقديرات عسكرية وقانونية ودبلوماسية تحدد آثارها قبل إعلانها. وعندما تتغير سياسة تمس حرية الملاحة خلال ساعات، يصبح الحلفاء مضطرين إلى التحوُّط من القرار الأميركي نفسه بالتوازي مع تحوطهم من التهديد الإيراني. ولا يعني ذلك تراجع أهمية الشراكة مع الولايات المتحدة؛ فقدراتها العسكرية والتقنية والاستخباراتية تبقى عنصرًا رئيسيًّا في أمن المنطقة، لكنه يكشف أن قيمة هذه القدرات ترتفع حين تخضع لإستراتيجية مستقرة، وتتراجع حين تتحول إلى استجابة متعاقبة للأحداث.
الحرب بين سلطة الرئيس ومسؤولية الكونغرس
وضعت العودة إلى القتال مسألة الصلاحيات الدستورية في مركز الأزمة، بعدما اعتبرت إدارة ترامب أن استئناف العمليات يطلق مهلة جديدة مقدارها ستون يومًا وفق قانون سلطات الحرب. وقد جاء الإخطار المرسل إلى الكونغرس بعد فترة من الخلاف حول احتساب المهلة الأصلية التي بدأت عقب الهجمات الأميركية-الإسرائيلية على إيران، في 28 فبراير/شباط 2026، ثم توقفت جزئيًّا خلال هدنة رأت الإدارة أنها أنهت حالة الأعمال العدائية لأغراض القانون. وأكد مسؤولون أميركيون أن وقف القتال أوقف احتساب الساعة، بينما رأى معارضو الإدارة أن القانون لا يتضمن نصًّا يسمح للرئيس بتعليق المهلة ثم استئنافها بإرادة منفردة(6).
نشأ قانون سلطات الحرب، سنة 1973، أثناء حرب فيتنام، بهدف استعادة دور الكونغرس في القرارات التي تُدخل القوات الأميركية في أعمال قتالية. ويلزم القانون الرئيس بالتشاور مع الكونغرس وتقديم تقرير عند إدخال القوات في أعمال عدائية، كما يقرر إنهاء استخدامها بعد ستين يومًا ما لم يعلن الكونغرس الحرب أو يصدر تفويضًا أو يمدِّد المهلة قانونًا، مع إمكان إضافة فترة محدودة للانسحاب الآمن. وقصد المشرِّعون من هذه الأحكام منع السلطة التنفيذية من تحويل التحرك العسكري المؤقت إلى حرب طويلة تفرض نفسها على المؤسسة التشريعية أمرًا واقعًا(7).
وقد أسفر التطبيق العملي لهذا القانون عن نتيجة أكثر التباسًا؛ إذ تعاملت إدارات متعاقبة مع فترة الستين يومًا بوصفها مجالًا يسمح للرئيس باستخدام القوة قبل الحصول على تفويض صريح. وبمرور الوقت، أصبح القانون الذي وُضع لتقييد سلطة الحرب قادرًا على توفير مساحة زمنية لممارستها، خصوصًا عندما يكتفي الكونغرس بالاعتراض السياسي دون قطع التمويل أو تمرير تشريع ملزم. ويصبح هذا الخلل أكثر وضوحًا في الحروب التي تعتمد على الطائرات والصواريخ والقوات البحرية، لأن الإدارة تستطيع مواصلة العمليات دون تعبئة اجتماعية واسعة أو نشر أعداد ضخمة من القوات البرية، فيما يصعب على المشرِّعين إيقاف التمويل وسط استمرار الهجمات على الجنود والسفن الأميركية.
وتضيف فكرة إعادة تشغيل الساعة بعد هدنة مؤقتة بُعدًا أكثر خطورة. فإذا قُبل أن التوقف القصير يُنهي قانونيًّا جولة الحرب، ثم يمنح الرئيس مهلة جديدة عند استئنافها، يستطيع البيت الأبيض إدارة نزاع طويل من خلال دورات متعاقبة من القتال والتهدئة والإخطار. ويفقد سقف الستين يومًا وظيفته عندئذ، لأن الإدارة تصبح قادرة على تجديد صلاحيتها العملية من خلال توصيف كل جولة بوصفها حالة منفصلة، حتى حين تبقى القوات والأهداف والخصم والغاية العامة جزءًا من حرب واحدة.
تنبع خطورة هذا الخلاف بالنسبة إلى أمن الخليج من أن الصراع الدستوري داخل واشنطن يحدد مقدار الاستقرار في الالتزام العسكري الأميركي. فإذا تمكن الرئيس من بدء العمليات وتوسيعها واستئنافها دون تفويض واضح، تصبح السياسة الإقليمية مرتبطة بدائرة ضيقة في البيت الأبيض وبالتقدير الشخصي للرئيس، بينما يوفر التفويض التشريعي الأوسع درجة أكبر من الاستمرارية والمساءلة وتحديد الغايات. فالحلفاء الذين يستضيفون قوات أميركية يحتاجون إلى معرفة طبيعة الالتزام ومدته، ويحتاجون إلى فهم ما إذا كانت الحرب سياسة دولة قابلة للاستمرار أم قرارًا تنفيذيًّا يمكن أن يتغير مع تحول الموقف السياسي أو الانتخابي.
لقد أظهر الكونغرس، خلال 2026، قدرًا من الاعتراض تجاوز الخلاف الحزبي المعتاد. فقد أقرَّ مجلس النواب، في يونيو/حزيران، قرارًا يوجِّه الرئيس إلى وقف مشاركة القوات الأميركية في الحرب ما لم يصدر تفويض أو إعلان حرب، وانضم أربعة جمهوريين إلى الديمقراطيين في التصويت. ثم أيَّد مجلس الشيوخ قرارًا مشابهًا بأغلبية ضيقة؛ ما عكس تزايد القلق من استمرار العمليات دون غاية معلنة أو تفويض تشريعي صريح(8). كما أعاد تجدد القتال بعد هذه القرارات الخلاف إلى نقطة أكثر حساسية، لأن الإدارة لم تعد تواجه اعتراضًا نظريًّا على صلاحياتها، وإنما إرادة تشريعية عبَّر عنها المجلسان قبل أن تُعَدَّ الهدنة منتهية ويبدأ احتساب دورة جديدة. وقد أدَّى الاعتراض على الحرب إلى تعطيل تقدم مشروع قانون الدفاع البالغ حجمه 1.15 تريليون دولار في مجلس الشيوخ؛ حيث ربط الديمقراطيون موقفهم بغياب التشاور والإستراتيجية والتفويض(9).
ولا تعني هذه التحركات أن الكونغرس استعاد السيطرة الكاملة على قرار الحرب. فالرئيس يظل قادرًا على استخدام حق النقض، كما يستطيع المشرِّعون التراجع عند ارتفاع الخسائر الأميركية أو تصاعد الخطر على الملاحة. ومع ذلك، تكشف القرارات عن تغير في البيئة السياسية التي كانت تسمح للرؤساء بتوسيع العمليات الخارجية تحت عناوين حماية القوات أو مكافحة الإرهاب أو الدفاع عن المصالح القومية. فقد أصبح جزء من الحزب الجمهوري نفسه أقل استعدادًا لمنح تفويض مفتوح، مدفوعًا بتكلفة الحرب والدَّيْن العام وانقسام القاعدة المحافظة حول معنى "أميركا أولًا".
من ناحية أخرى، تؤثر المناورة الدستورية على مصداقية السياسة الأميركية تجاه إيران. فالردع لا يقوم على شدة الضربة وحدها، وإنما يحتاج إلى وضوح الإرادة واستمرار الالتزام. وعندما ترى طهران أن الرئيس والكونغرس مختلفان حول مشروعية الحرب ومدة استمرارها، قد تراهن على إطالة المواجهة إلى أن تزداد كلفتها السياسية داخل الولايات المتحدة. في المقابل، قد يدفع شعور البيت الأبيض بضيق الوقت إلى تكثيف العمليات خلال المهلة التي يُعتقد أنها متاحة، فتزداد مخاطر التصعيد قبل أن تنضج فرصة التسوية.
في هذا السياق، تجد دول المنطقة نفسها أمام نتيجتين متعارضتين. فقد يؤدي ضبط الكونغرس لصلاحيات الرئيس إلى تقليص الاندفاع نحو حرب مفتوحة، بما يؤدي إلى خفض المخاطر المحيطة بالمنشآت والمدن والممرات البحرية. وقد يؤدي أيضًا إلى إضعاف صورة الردع إذا تحولت القيود الداخلية إلى رسالة تفيد بأن إيران تستطيع تجاوز الضغوط عبر إطالة المواجهة. لهذا، تتطلب السياسة الأميركية المتماسكة جمع الشرعية الدستورية مع الحزم الإستراتيجي، عبر تفويض واضح يحدد الأهداف والسقف الزمني وشروط التوقف، بدلًا من الاختيار بين قرار رئاسي متقلب أو انسحاب يترك التهديدات دون معالجة.
الاقتصاد الأميركي والتحولات داخل الحزب الجمهوري
لا تنفصل الحرب عن القوة المالية التي تحملها. فالولايات المتحدة تستطيع تمويل عمليات واسعة، وتحريك أساطيل وقاذفات ومنظومات دفاعية، مستفيدة من حجم اقتصادها ومكانة الدولار وعمق سوق سندات الخزانة. غير أن هذه الامتيازات تعتمد على ثقة المستثمرين في المؤسسات الأميركية، وعلى قدرة واشنطن على إدارة الأزمات دون إدخال الاقتصاد العالمي في دورات متكررة من عدم اليقين. وتزداد حساسية الخليج لهذه العلاقة بسبب ارتباط عملات دول عدة بالدولار، واعتماد الإيرادات العامة والأسواق والاستثمارات على استقرار الطاقة والسياسة النقدية الأميركية.
وقد أظهر تقرير الاستقرار المالي الصادر عن مجلس الاحتياطي الفيدرالي، في مايو/أيار 2026، أن تصاعد المخاطر الجيوسياسية أدى إلى زيادة تقلبات أسعار الفائدة وتدهور أوَّلي في سيولة سوق سندات الخزانة، قبل أن تستعيد السوق جانبًا من استقرارها. وتكشف هذه النتيجة مرونة النظام المالي الأميركي، كما تكشف في الوقت نفسه أن الصدمات المرتبطة بالحرب تستطيع الوصول إلى السوق التي تمثل مرجع التسعير والضمان في النظام المالي العالمي(10).
لذا، ينبغي التعامل بحذر مع الحديث عن انهيار الثقة في الدولار أو تخلِّي الحلفاء عن السندات الأميركية، لأن البيانات المتاحة لا تدعم فكرة الهروب الجماعي من الأصول الأميركية. فقد أظهرت وزارة الخزانة ارتفاع القيمة الإجمالية للأوراق المالية الأميركية التي يحتفظ بها المستثمرون الأجانب من 30.881 تريليون دولار، في نهاية يونيو/حزيران 2024، إلى 35.349 تريليون دولار، في يونيو/حزيران 2025(11). كما أظهرت بيانات صندوق النقد الدولي ارتفاع حصة الدولار من الاحتياطيات العالمية المعلنة إلى 57.13 في المئة خلال الربع الأول من 2026، مقارنة بـ56.42 في المئة في الربع السابق، فيما ارتبط تجاوز الذهب لسندات الخزانة من حيث حصته في بعض الاحتياطيات الرسمية بدرجة كبيرة بارتفاع سعر الذهب، وليس بتصفية واسعة للسندات الأميركية(12).
تؤكد هذه الأرقام استمرار مركزية الدولار، إلا أنها لا تلغي مسار التنويع التدريجي الذي تتبعه بنوك مركزية وصناديق سيادية ومستثمرون ومؤسسات. فالدولار يحتفظ بموقعه نتيجة عمق السوق الأميركية وقابليتها للتحويل وغياب بديل يملك الحجم والسيولة نفسيهما، بينما ترفع الديون الحكومية وتكرار العقوبات والتوترات التجارية والحروب من الحوافز التي تدفع الدول إلى توزيع المخاطر على الذهب وعملات وأصول أخرى. من هنا، يظهر أثر الارتجال السياسي في صورة تراكمية أكثر من ظهوره في انهيار فوري؛ إذ يستهلك كل قرار مفاجئ جزءًا من الرصيد المؤسسي الذي يمنح الأصول الأميركية جاذبيتها.
ينطبق ذلك على مقترح رسوم مضيق هرمز والتراجع عنه. فمكانة الدولار لم تتغير خلال يوم، إلا أن الواقعة أضافت مثالًا جديدًا على استخدام قضايا تمس التجارة العالمية في خطاب سريع لا تسبقه بنية قانونية أو تفاوضية معلنة. ويتحول هذا السلوك مع تكراره إلى زيادة المخاطر السياسية، لأن المستثمر وشركة الملاحة والحكومة الحليفة يصبحون مضطرين إلى احتساب احتمال صدور قرار مفاجئ ثم تعديله أو إلغائه.
ويتضاعف أثر الحرب على دول الخليج عبر أسعار الطاقة وأسواق الأسهم والسياسة النقدية. فقد أدَّت عودة الضربات إلى ارتفاع أسعار النفط، كما انعكس التصعيد على أداء عدد من أسواق المنطقة وتراجع شهية المخاطرة. وتبقى الزيادة في أسعار النفط قادرة على رفع الإيرادات خلال فترة قصيرة، لكنها تأتي مقرونة بكلفة أعلى للتأمين والشحن، واضطراب في سلاسل الإمداد، وضغوط على المنشآت والاستثمارات، إضافة إلى احتمال ارتفاع التضخم العالمي وتشدد السياسة النقدية الأميركية(13).
في الوقت نفسه، تمر بنية القرار الجمهوري بتحولٍ له أثر مباشر على السياسة الخارجية. فقد أدَّى رحيل السيناتور، ليندسي غراهام، في يوليو/تموز 2026، إلى غياب أحد أبرز المدافعين عن الاستخدام الواسع للقوة الأميركية والتحالفات التقليدية داخل مجلس الشيوخ. وكان غراهام يجمع بين قربه من ترامب وتمسكه بسياسة خارجية تدخلية، ما منحه قدرة على تقريب الرئيس من المؤسسة الجمهورية التقليدية في ملفات إيران وأوكرانيا والإنفاق الدفاعي(14). وقد تزامن غيابه مع استمرار ابتعاد ميتش ماكونيل عن مجلس الشيوخ بسبب وضعه الصحي؛ ما خفض الأغلبية الجمهورية الفعلية وأضعف حضور جيل ارتبط بتوسيع الالتزامات الأميركية الدولية(15). وقد عُيِّنت دارلين غراهام نوردون، شقيقة السيناتور الراحل، بصورة مؤقتة لإكمال المدة المتبقية من ولايته، إلا أن شغل المقعد لا ينقل تلقائيًّا النفوذ الذي بناه غراهام عبر الأقدمية واللجان والعلاقات داخل الحزب والإدارة(16).
يفتح هذا الفراغ المجال أمام إعادة تعريف موقف الحزب من الحرب. فالجمهوريون التقليديون ينظرون إلى إيران بوصفها اختبارًا للهيبة الأميركية وحرية الملاحة ومصداقية التحالفات، بينما ترى تيارات "أميركا أولًا" أن التدخل الطويل يعيد إنتاج حروب الشرق الأوسط التي استنزفت الولايات المتحدة ماليًّا وسياسيًّا. أما النزعة التحررية داخل الحزب فتربط رفض الحرب بالحد من السلطة التنفيذية والإنفاق والدَّيْن العام، وتطالب بإعادة قرار استخدام القوة إلى الكونغرس. وهذه التيارات لا تسير في خطوط منفصلة، لأن القاعدة الترامبية تستطيع تأييد الرئيس حين يوسِّع الضربات، ثم التعبير في الوقت نفسه عن رفضها للحروب المفتوحة. وقد ساعد غراهام في إدارة هذا التناقض عبر تقديم القوة العسكرية بوصفها أداة تخدم شعار "أميركا أولًا" من خلال الردع السريع، فيما يجعل غيابه التوتر أكثر ظهورًا بين الرئاسة والتيارات التي ترفض الالتزامات الطويلة.
يتصل بذلك تصاعد المطالب بالشفافية تجاه المؤسسات الأمنية والقضائية، ومن بينها الجدل حول الملفات المتعلقة بجيفري إبستين. وقد تحولت هذه القضية لدى أجزاء من القاعدة المحافظة إلى رمز للشك في النخب وأجهزة الدولة، متجاوزة نطاقها الجنائي إلى سؤال حول قدرة المؤسسات على إخفاء المعلومات وحماية أصحاب النفوذ. ويغذِّي هذا المزاجَ الشكُّ في المبررات الحكومية للحروب، لأن المجتمع الذي يشك في شفافية الدولة داخليًّا يصبح أقل استعدادًا لقبول تقديراتها الخارجية دون رقابة.
تنعكس هذه التحولات على العلاقات مع الولايات المتحدة بطريقة مركبة. فصعود التيار المتحفظ على التدخل قد يقلِّل احتمالات اندفاع واشنطن نحو حرب برية أو احتلال طويل، لكنه قد يرفع أيضًا الشكوك حول استمرارية الالتزامات الأمنية عندما ترتفع الكلفة. في المقابل، يضمن نفوذ الصقور استمرار الردع العسكري، مع ما يحمله ذلك من مخاطر توسُّع المواجهة ووصول الرد إلى أراضي الحلفاء. لذلك، تحتاج المنطقة إلى علاقة مع الولايات المتحدة تتجاوز الارتباط بتيار حزبي أو شخصية رئاسية، وتستند إلى مصالح مؤسسية واتفاقات واضحة وقدرات دفاعية مشتركة قادرة على الصمود أمام التحولات السياسية الأميركية.
خاتمة
كشفت الحرب مع إيران أن التحدي الذي تواجهه الولايات المتحدة لا يرتبط بحجم القوة المتاحة بقدر ارتباطه بطريقة تحويلها إلى استقرار. فقد أثبتت واشنطن قدرتها على ضرب المواقع الإيرانية وحماية أجزاء من المجال البحري وتحريك منظوماتها العسكرية بسرعة، فيما بقيت النتيجة السياسية غامضة، واستمرت إيران في استخدام الصواريخ والطائرات المسيَّرة وشَنِّ الهجمات البحرية. واتسعت دائرة الخطر لتصل إلى القواعد والمنشآت المدنية في دول المنطقة. وتعني هذه النتيجة أن حماية الخليج تحتاج إلى إستراتيجية تتجاوز تبادل الضربات. فالأمن الإقليمي لا يتحقق بمجرد إضعاف إيران عسكريًّا، وإنما يتطلب منع انتقال الرد إلى الدول المجاورة، وحماية منشآت الطاقة والمياه والموانئ والمطارات، وتطوير دفاع جوي وبحري مشترك، وفتح مسار سياسي يضع قواعد للملاحة قابلة للتنفيذ، وعدم استهداف الأراضي والمنشآت المدنية.
كما أظهرت الأزمة أن الخلاف الدستوري الأميركي ليس شأنًا داخليًّا معزولًا. فطريقة توزيع سلطة الحرب بين الرئيس والكونغرس تحدد استمرارية الالتزام الأميركي، وتؤثر في حسابات الخصوم والحلفاء معًا. ويمنح القرار الرئاسي السريع واشنطن مرونة عملياتية واسعة، إلا أن غياب التفويض الواضح يجعل السياسة قابلة للتغير ويُضعف قدرتها على حمل التزامات طويلة. أما المشاركة التشريعية فتمنح الحرب شرعية واستمرارية أكبر، شريطة أن تقترن بأهداف محددة ومسار للخروج.
ويظل الاقتصاد الأميركي أكثر متانة مما توحي به القراءات التي تتحدث عن انهيار وشيك للدولار. فقد استمرت الحيازات الأجنبية للأصول الأميركية وبقيت العملة في مركز الاحتياطيات العالمية. ومع ذلك، تقوم هذه القوة على ثقة تراكمت بفعل المؤسسات واستقرار القواعد، ويمكن للقرارات المتقلبة أن تستنزفها تدريجيًّا. وكلما امتزجت إدارة الحرب بسياسة الرسوم والإعلانات المفاجئة، ازدادت كلفة عدم اليقين على الملاحة والطاقة والأسواق.
بذلك، تدخل العلاقات مع الولايات المتحدة طورًا جديدًا يحتاج إلى قدر أكبر من التوازن. فواشنطن تبقى شريكًا أمنيًّا مركزيًّا، وتظل قدراتها ضرورية لحماية الممرات البحرية وردع الهجمات وتطوير المنظومات الدفاعية، بينما تفرض تقلبات السياسة الأميركية بناء قدرة إقليمية أوسع على إدارة الأزمات وتقليل الاعتماد على قرار يصدر من مركز واحد. فالشراكة الأكثر استدامة هي التي تجمع الالتزام الأميركي مع قدرة ذاتية خليجية متنامية، وتحوِّل التحالف من استجابة متأخرة عند اندلاع الحرب إلى بنية مؤسسية تمنع توسعها وتحمي المنطقة من أن تصبح الساحة التي تُختبر فيها حدود القوة الأميركية والإيرانية معًا.
(1) Patricia Zengerle, Trump Sends Congress Formal Notice That Iran Conflict Has Resumed, Reuters, 13 July 2026.
https://www.reuters.com/world/us/trump-sends-congress-formal-notice-that-iran-conflict-has-resumed-2026-07-13/ (accessed 19 July 2026)
(2) Jana Choukeir, Enas Alashray, Ahmed Tolba and Menna Alaaeldin, US and Iran Target Infrastructure as Strait Shipping Comes under Further Attack, Reuters, 17 July 2026.
https://www.reuters.com/world/middle-east/iran-launches-fresh-attacks-after-sixth-day-us-strikes-2026-07-17/ (accessed 19 July 2026)
(3) Reuters: US Renews Strikes on Iran after Two Military Personnel Killed by Iranian Attack, 18 July 2026.
https://www.reuters.com/world/asia-pacific/us-renews-strikes-iran-after-two-military-personnel-were-killed-by-iranian-2026-07-18/ (accessed 19 July 2026)
(4) Reuters: Trump Drops 20% Fee Plan for Hormuz Strait in Favor of Deals with Gulf States, 14 July 2026.
https://www.reuters.com/world/us/trump-says-us-will-take-investment-deals-with-gulf-states-instead-fee-using-2026-07-14/ (accessed 19 July 2026)
(5) Reuters: U.S. Military Renews Strikes on Iran while Tankers Come under Attack in Strait of Hormuz, 13 July 2026. https://www.reuters.com/world/middle-east/iran-escalates-attacks-us-bases-gulf-states-warns-more-incidents-strait-2026-07-13/ (accessed 19 July 2026)
(6) Reuters: U.S. Official Says Iran War Truce ‘Terminated’ Hostilities for War Powers Purposes, 1 May 2026.
https://www.reuters.com/world/middle-east/war-powers-resolution-purposes-us-hostilities-with-iran-that-began-february-have-2026-05-01/ (accessed 19 July 2026)
(7) United States Code, Title 50, §§1541–1548: War Powers Resolution, Legal Information Institute, Cornell Law School. https://www.law.cornell.edu/uscode/text/50/chapter-33 (accessed 19 July 2026)
(8) Reuters: US House Votes for Measure That Would End Iran War, 3 June 2026.
https://www.reuters.com/world/us/us-house-backs-resolution-curbing-trump-iran-war-powers-2026-06-03/ See also, Reuters: US Senate Joins House in Voting to Halt Iran War, Rebuking Trump, 23 June 2026.
https://www.reuters.com/world/us/us-senate-joins-house-voting-halt-iran-war-rebuking-trump-2026-06-23/ (accessed 19 July 2026)
(9) Reuters: US Senate Democrats Block $1.15 Trillion Defense Bill over Iran War Objections, 14 July 2026.
https://www.reuters.com/legal/government/us-senate-democrats-block-115-trillion-defense-bill-over-iran-war-objections-2026-07-14/ (accessed 19 July 2026)
(10) Board of Governors of the Federal Reserve System: Financial Stability Report, May 2026, Board of Governors of the Federal Reserve System, 2026. https://www.federalreserve.gov/publications/files/financial-stability-report-20260508.pdf (accessed 19 July 2026)
(13) Reuters: Oil Climbs to One-Month High as US, Iran Step Up Attacks in Strait of Hormuz, 14 July 2026.
https://www.reuters.com/business/energy/oil-climbs-one-month-high-us-iran-step-up-attacks-strait-hormuz-2026-07-14/ See also, Reuters: Most Gulf Markets Subdued as US-Iran Tensions Escalate, 15 July 2026. https://www.reuters.com/world/middle-east/most-gulf-markets-gain-us-drops-hormuz-shipping-levy-plan-softer-us-inflation-2026-07-15/ (accessed 19 July 2026)
(14) Reuters: Lindsey Graham, US Republican Senator and Trump Ally, Dies at 71, 12 July 2026.
https://www.reuters.com/world/us/us-senator-lindsey-graham-passes-away-2026-07-12/ See also, Jeffrey Collins, Lindsey Graham’s Rise from a Pool Hall to Global Statesman, Associated Press, 13 July 2026. https://apnews.com/article/lindsey-graham-south-carolina-senate-trump-88aaf34c3a2f1daa382b80b2099ccf5f (accessed 19 July 2026)
(15) Reuters: McConnell Says He Is Unable to Return to US Senate Yet, 12 July 2026.
https://www.reuters.com/world/us/mcconnell-says-he-wont-be-able-return-us-senate-yet-2026-07-12/ (accessed 19 July 2026)
(16) Jeffrey Collins, Darline Graham, Sister of Lindsey Graham, Chosen to Fulfill Remainder of His US Senate Term, Associated Press, 13 July 2026.
https://apnews.com/article/5ba55574ce6f087d56999abe3a7f9fdc (accessed 19 July 2026)