تصاعد أدوار دول الخليج في إفريقيا: الأدوات والدوافع والتداعيات

يتناول النص تصاعد الانخراط الخليجي في إفريقيا بوصفه تحولًا إستراتيجيًّا مدفوعًا بتعددية الأقطاب وتنويع الاقتصاد لما بعد النفط. ويبرز تداخل الأدوات الاقتصادية والأمنية، وتنافس الإمارات والسعودية وقطر، مع ما يخلقه ذلك من فرص تنموية ومخاطر سيادية وتداعيات جيوسياسية.
منح موقع دول الخليج وأجنداتها انخراطها في إفريقيا بُعدًا جيوسياسيًا ولا سيما في القرن الإفريقي. [الجزيرة]

مقدمة

في خضم التحولات العميقة التي تعصف بالنظام الدولي، برزت إفريقيا بوصفها ساحة مركزية لإعادة تموضع القوى الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها دول الخليج، ولاسيما الإمارات والسعودية وقطر. وقد انتقل الحضور الخليجي من تفاعل محدود الأثر إلى انخراط مؤسسي وإستراتيجي شامل، تعززه تعددية الأقطاب وإعادة صياغة الأولويات الخليجية لما بعد النفط. وفي هذا السياق، تغدو إفريقيا، وخاصة القرن الإفريقي، عمقًا جيوستراتيجيًّا وأسواقًا واعدة وفضاءً حيويًّا لتأمين المصالح وتعزيز المكانة الدولية. وتسعى هذه الورقة إلى تفكيك دوافع هذا التحول، وتحليل أدواته، واستشراف فرصه ومخاطره وتداعياته الإقليمية والدولية.

السياق التاريخي والتجليات المعاصرة

يعكس انخراط دول الخليج في إفريقيا جنوب الصحراء مسارًا تطوريًّا مرتبطًا بتحولات عميقة في أولوياتها الإستراتيجية وطبيعة علاقتها بالنظام الدولي. ورغم قِدم هذه العلاقات، فإنها شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولًا جذريًّا نحو انخراط تغلب عليه الاستثمارات الإستراتيجية والأهداف الجيوسياسية؛ ما يجعل فهم المرحلة الراهنة رهينًا بسيرورتها التاريخية.

السياق التاريخي

يمثل الانخراط الخليجي في إفريقيا مسارًا تراكميًّا انتقل فيه من حضور إنساني وخيري محدود التأطير الإستراتيجي، خلال الفترة الممتدة من سبعينات القرن العشرين إلى نهاية الحرب الباردة، إلى انخراط اقتصادي أكثر وضوحًا منذ التسعينات، مدفوعًا بتحديات الأمن الغذائي وتقلب أسواق الطاقة. وقد تُرجم ذلك بالانتقال من منطق المساعدة إلى الاستثمار المباشر، خاصة في الزراعة والطاقة والبنية التحتية، مع بقاء البعد السياسي والأمني محدودًا. لكن منذ مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، عرف الدور الخليجي تحولًا نوعيًّا نحو انخراط أكثر شمولًا وتسييسًا، بفعل تداعيات الربيع العربي وتصاعد التنافس الإقليمي وأهمية البحر الأحمر والممرات البحرية الإستراتيجية. واتسع الحضور الخليجي ليشمل أدوات دبلوماسية وأمنية إلى جانب الاقتصادية، غير أن اشتداد المنافسة الدولية في إفريقيا فرض اعتماد مقاربة أكثر براغماتية تقوم على الشراكة طويلة الأمد والتنمية المتبادلة، سعيًا للتوفيق بين الطموحات الجيوسياسية ومتطلبات الاستقرار الإفريقي(1).

التحول الجيواقتصادي: تصاعد كمي ونوعي

في ظل تفكك النظام الدولي واحتدام المنافسة بين القوى الصاعدة والتقليدية، أعادت دول الخليج، ولاسيما الإمارات والسعودية وقطر، تعريف موقع إفريقيا ضمن إستراتيجياتها الخارجية. فقد دفعت تداعيات جائحة كوفيد-19، وتراجع أسعار النفط، والتحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، هذه الدولَ إلى البحث عن فضاءات جديدة لتنويع اقتصاداتها. وتوفر إفريقيا، بما تمتلكه من موارد طبيعية وأسواق متنامية، فرصًا مهمة لهذا التحول الجيواقتصادي(2).

أ. طفرة في الاستثمار والتمويل والتجارة

تزامن الاهتمام الخليجي بإفريقيا مع سعي دول مجلس التعاون إلى تقليص اعتمادها على النفط والغاز؛ حيث ارتفع حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة لدول الخليج في إفريقيا بين عامي 2012 و2025 إلى أكثر من 179 مليار دولار أميركي، تصدرتها الإمارات بحوالي 64.3 مليارًا، تلتها السعودية بـ28.7 مليارًا، ثم قطر بـ9.2 مليارات(3). وقد تطورت العلاقة من شراكة تجارية محدودة إلى علاقة استثمارية إستراتيجية أعادت تشكيل المسارات الاقتصادية للطرفين.

وشهد عاما 2022 و2023 ذروة غير مسبوقة في حجم الاستثمارات الخليجية، خاصة في قطاعات البنية التحتية، والنقل، والخدمات اللوجستية، مع تركيز إماراتي واضح على الموانئ والمناطق الاقتصادية الخاصة، وسعودي على الطرق، وتشارك خليجي في النقل الجوي. وأسهم هذا التوسع في سدِّ فجوة البنية التحتية والتمويل في إفريقيا، بالتوازي مع تراجع الحضور الغربي. كما عززت دول الخليج دورها في تمويل التحول الطاقي والتنمية والقطاع الخاص عبر تعهدات ومبادرات كبرى من الإمارات والسعودية وقطر(4). أما على مستوى التجارة، فقد رسَّخت الإمارات موقعها حلقةَ وصلٍ تجارية بين إفريقيا والعالم، مع بلوغ حجم التبادل التجاري بينها وبين إفريقيا 100 مليار دولار، سنة 2024(5). وتعكس بنية التبادل التجاري استمرار مركزية الوقود الأحفوري في الصادرات الخليجية مقابل تصدير إفريقيا للمعادن والمنتجات الزراعية، في ظل توقع ارتفاع الطلب الطاقي الإفريقي مستقبلًا(6).

ب. التركيز على القطاعات الإستراتيجية

تحولت الاستثمارات الخليجية نحو قطاعات إستراتيجية طويلة الأمد تتقاطع مع أجندات الأمن القومي والتنويع الاقتصادي، وعلى رأسها:

التحول الطاقي والبنية التحتية الخضراء: أصبحت إفريقيا محورًا أساسيًّا في إستراتيجيات الانتقال الطاقي الخليجية، نظرًا لوفرة مواردها من الطاقة المتجددة والمعادن الحيوية. وتسعى دول الخليج إلى التموقع كفاعلين في الاقتصاد الأخضر، عبر الاستثمار في الطاقة الشمسية والرياح والهيدروجين الأخضر، مع تقدم إماراتي ملحوظ وحضور سعودي متنامٍ ونهج قطري أكثر حذرًا(7).

الأمن الغذائي: دفعت هشاشة الأمن الغذائي الخليجي واعتماد هذه الدول الكبير على الواردات إلى تكثيف الاستثمارات الزراعية في إفريقيا، من خلال شراء الأراضي وتطوير سلاسل الإنتاج والتخزين. وتتصدر السعودية هذا المجال، تليها الإمارات وقطر، خاصة بعد أزمة 2017، في إطار سعيها لضمان إمدادات غذائية مستقرة على المدى الطويل(8).

الدور التنموي والدبلوماسي والإنساني: رغم هيمنة الأبعاد الاقتصادية والأمنية، تحتفظ دول الخليج بحضور تنموي وإنساني ودبلوماسي فاعل، يشكِّل أداة قوة ناعمة مكملة. وتعتمد هذه المقاربة على تمويل مرن وسريع أقل ارتباطًا بشروط الحكامة الغربية إلى جانب توسيع الحضور الدبلوماسي والوساطات السياسية والمساعدات الإنسانية والمشاركة في المؤسسات متعددة الأطراف، فضلًا عن توظيف الهجرة العمالية عنصرًا بنيويًّا في العلاقات الاقتصادية(9).

الأبعاد الأمنية والإستراتيجية

يتسم الانخراط الخليجي المعاصر في إفريقيا بتوظيف الاقتصاد أداةً مركزية لتحقيق أهداف جيوسياسية وجيوستراتيجية.

أولًا: تؤدي الاستثمارات في الموانئ والبنى التحتية اللوجستية وظيفتين متلازمتين: تسهيل التجارة وإرساء حضور إستراتيجي دائم على طول الممرات البحرية الحيوية. وقد أصبح ساحل البحر الأحمر، عند تقاطع ثلاث قارات ومسارات تجارة بحرية رئيسية، محور التركيز الأساسي(10)؛ حيث تستثمر دول الخليج في موانئ البحر الأحمر، مثل بورتسودان وبربرة، لتقليص اعتمادها على مضيق هرمز، والحد من هشاشتها، وتوسيع نفوذها في منطقة بحرية متنازع عليها. وقد ضمنت الإمارات، عبر كيانات مدعومة من الدولة مثل DP World وAD Ports، السيطرة التشغيلية على موانئ في جيبوتي وبربرة وبوصاصو وكيسمايو وبورتسودان(11).

ثانيًا: يتم توظيف الانخراط الأمني والعسكري أداة لترسيخ النفوذ ومواجهة المنافسين؛ حيث يرتبط النشاط الاقتصادي للخليج ارتباطًا وثيقًا بالاعتبارات الإستراتيجية والأمنية. إلى جانب الاستثمارات في البنية التحتية، أقامت الإمارات قواعد عسكرية وحضورًا في نقاط رئيسية على السواحل الإفريقية.

وقد أدَّت الحرب في اليمن إلى تعزيز المصالح الأمنية للسعودية والإمارات في شرق إفريقيا؛ حيث أنشأتا أول قواعدهما العسكرية الخارجية في القرن الإفريقي. وقد أسست الإمارات قاعدة عسكرية في ميناء عصب الإريتري، عام 2015. كما بدأت، عام 2017، إنشاءَ قاعدة ثانية في ميناء بربرة في أرض الصومال. وفي المقابل، وقَّعت السعودية اتفاقًا، عام 2017، لإنشاء أول قاعدة عسكرية لها في جيبوتي. وأسهم هذا التوسع العسكري في تكثيف التنافس الخليجي على النفوذ الجيوسياسي في المنطقة(12).

يشكِّل دمج الأهداف التجارية والعسكرية سمةً مميزة للدور الجيوسياسي الخليجي؛ إذ باتت صفقات الموانئ تتضمن بشكل متزايد مكونات أمنية تمنح دولًا مثل الإمارات حضورًا بحريًّا على السواحل الإفريقية. وقد موَّلت الإمارات تحديثًا كبيرًا لميناء بربرة إلى جانب قاعدة عسكرية قريبة، في إطار إستراتيجية أوسع لترسيخ النفوذ على طول البحر الأحمر وتوسيع الامتداد نحو البحر المتوسط.

أما السعودية، فرغم تركيزها الأقل على القواعد العسكرية، فإنها تعطي أولوية قصوى لأمن البحر الأحمر ضمن إستراتيجيتها(13). فمن منظور إماراتي، تخدم إفريقيا كساحة لمواجهة كلٍّ من إيران ووكلائها، بالإضافة إلى القوى الإسلامية. ومنذ الحرب السعودية-الإماراتية ضد الحوثيين، استثمرت أبو ظبي في وجود عسكري في القرن الإفريقي وتحتفظ حاليًّا بمواقع قوية في صوماليلاند وبونتلاند.

بالإضافة لذلك، أصبحت الإمارات داعمًا رئيسيًّا لقوى المتمردين في السودان -لدوافع اقتصادية وادعاءات بأن حكومة السودان تضم عناصر إسلامية-؛ حيث أسهم تراجع انخراط القوى الكبرى من القارة الإفريقية في تعزيز موطئ قدم أبو ظبي هناك، وفي غياب استثمارات كبيرة من واشنطن وبيجين، نجحت الإمارات في التميز كمستثمر رئيسي، مع حوالي 97 مليار دولار من الاستثمارات خلال العامين الماضيين -ثلاثة أضعاف الصين وأكثر بكثير من الولايات المتحدة-.

إلى جانب الإمارات، تعمل قطر أساسًا عبر الدبلوماسية الناعمة والاستثمارات في الطاقة والبنية التحتية. ترى قطر علاقاتها بإفريقيا مصدرًا للدعم الدبلوماسي والاقتصادي في النظام الدولي، بهدف توسيع نفوذها بالنسبة لمنافسيها الخليجيين، خاصة الإمارات. بالإضافة إلى الإمكانات الاقتصادية الهائلة للقارة، تسعى قطر أيضًا إلى تقليل اعتمادها على صادرات الغاز واستغلال مكانتها العالمية من خلال شراكات جديدة؛ حيث تَعَزَّز موقف قطر في السودان وموزمبيق وتنزانيا، ولعبت دورًا وسيطًا في نزاعات في جمهورية الكونغو الديمقراطية (حيث تعاونت عن كثب مع إدارة ترامب)، وكذلك في جنوب السودان وتشاد. وبذلك، تستفيد قطر من مكانتها وسيطًا مقبولًا بشكل عام وساعية للتغلب على العزلة التي عاشتها بين عامي 2017 و2021. كما أسهمت شبكة الجزيرة بكثافة في تغطية القضايا الإفريقية مشددةً على دور قطر في المنطقة(14).

الدوافع الخاصة والأسس الجيوسياسية للتنافسات الخليجية

يأتي تصاعد الانخراط الخليجي في إفريقيا في سياق جيوسياسي أوسع يتسم بتفكك النظام العالمي وتراجع الحضور الغربي التقليدي؛ ما أفسح المجال أمام قوى صاعدة وقوى متوسطة، مثل الصين وروسيا وتركيا وإيران وإسرائيل، لتوسيع نفوذها في القارة. ويبرز هذا الواقع الطابع الجيوسياسي العالي للتوجه الخليجي نحو إفريقيا؛ حيث توظف دول الخليج هذا التفكك لتعزيز موقعها بينما يسعى القادة الأفارقة إلى استثمار التنافس بين هذه القوى لتوسيع هامش المناورة الإستراتيجي لديهم.

وتنسجم المقاربة الخليجية، القائمة على تعاون تنموي بديل وسد الفراغيْن الرأسمالي والسياسي، مع تبني إفريقيا للتعددية القطبية؛ ما يوفر تقاطعًا إستراتيجيًّا يعزز الرصيد السياسي لدول الخليج لدى الحكومات الإفريقية. غير أن هذا الانخراط، رغم استناده إلى حتميات إستراتيجية مشتركة، يتخذ أشكالًا ودوافع مختلفة بين الإمارات والسعودية وقطر، تبعًا لإستراتيجياتها الوطنية وفي ظل تنافساتها الجيوسياسية التي يجرى اليوم تصديرها إلى القارة الإفريقية.

الحتميات المشتركة

يرتكز التوجه الخليجي نحو إفريقيا على ثلاث حتميات إستراتيجية مشتركة تتجاوز المصالح الفردية لكل دولة:

أولًا: تنويع الاقتصاد والانتقال الطاقي: تدرك جميع دول الخليج أن الانتقال العالمي في مجال الطاقة يفرض تجاوز نموذج الاقتصاد القائم على النفط والغاز(15). وتوفر إفريقيا، بأسواقها المتنامية ومواردها الطبيعية الغنية وإمكاناتها في مجال الطاقة المتجددة، منصة حيوية لهذا التنويع(16).

ثانيًا: الأمن الغذائي وأمن الموارد: يُعد تأمين إمدادات غذائية مستدامة دافعًا غير قابل للتفاوض، وتمثل عمليات الاستحواذ الواسعة على الأراضي والاستثمارات الزراعية تجسيدًا مباشرًا لهذه الحتمية.

ثالثًا: تعزيز الرأسمال الجيوسياسي في ساحة متعددة الأقطاب: تستثمر دول الخليج تبني إفريقيا للتعددية القطبية، متموضعةً كشركاء بديلين للنماذج الغربية التقليدية. ومن خلال تقديم تمويل مرن ومدعوم من الدولة تربط أجنداتها السياسية بالاستثمارات الإستراتيجية، مستفيدةً من مواردها المالية لسد الفراغ الرأسمالي والسياسي الذي خلَّفته قوى دولية أخرى وتعزيز رصيدها السياسي لدى الحكومات الإفريقية(17).

مقاربات وإستراتيجيات متنافرة

على الرغم من وجود بعض الدوافع المشتركة، فإن نهج كل من الإمارات والسعودية وقطر في إفريقيا يختلف اختلافًا جوهريًّا. تنبع هذه الفروقات الدقيقة من الضروريات الملحَّة وإستراتيجيات السياسة الخارجية الخاصة لكل دولة.

الإمارات العربية المتحدة: السيطرة الجيواقتصادية والجيوأمنية

تُعد الإمارات الفاعل الخليجي الأكثر اندفاعًا وهيمنةً اقتصاديًّا في إفريقيا؛ إذ تتسم إستراتيجيتها بربط قوي، وأحيانًا هجومي، بين المصالح التجارية والأمنية. يتمثل الدافع الأساسي للإمارات في ترسيخ موقعها مركزًا عالميًّا للتجارة واللوجستيات. وتتجاوز استثماراتها التراكمية 64.3 مليار دولار، مع تركيز كثيف على اللوجستيات والطاقة المتجددة والموانئ والزراعة(18). ويهدف ذلك إلى تحقيق سيطرة طويلة الأمد على البنية التحتية الإستراتيجية(19).

في هذا الصدد، تربط الإمارات صراحةً بين السيطرة التجارية على الموانئ وإتاحة الوصول العسكري. ويُعد تمويل تحديث ميناء بربرة في أرض الصومال إلى جانب قاعدة عسكرية قريبة مثالًا بارزًا على ذلك. وتهدف هذه الإستراتيجية إلى ترسيخ النفوذ على طول البحر الأحمر، وتأمين سلاسل الإمداد العالمية، وتوسيع النفوذ باتجاه البحر المتوسط(20). هذه الاندفاعية أدَّت أيضًا لبروز تنافسات مع قوى أخرى متوسطة؛ إذ تجاوزت السعودية في مواجهة أنشطة إيران، كما باتت تَعُدُّ تركيا منافسًا مباشرًا لها على النفوذ في إفريقيا(21). وقد أدى هذا التموضع السياسي-العسكري الحاد إلى انخراط الإمارات في تنافسات مع دول خليجية أخرى، كما هو الشأن في ليبيا والسودان.

المملكة العربية السعودية: التصدي لإيران والاستحواذ على الموارد

شهد انخراط السعودية، الذي كان يركز تاريخيًّا على المساعدات، تحولًا جذريًّا نحو مقاربة إستراتيجية تتمحور حول الأمن الإقليمي والاستحواذ على الموارد، غالبًا عبر صندوقها السيادي؛ إذ يرتبط تكثيف إستراتيجية صندوق الاستثمارات العامة السعودي في إفريقيا، في قطاعات التعدين والزراعة والطاقة النظيفة، بالحاجة إلى تأمين الموارد والإمدادات الغذائية على المدى الطويل(22). ويخدم استثمارُها البالغ مليار دولار في السودان، والموجه للمشاريع الزراعية والبنية التحتية، هذا الهدف(23). يتمثل الدافع الإستراتيجي الرئيسي للمملكة في إعطاء الأولوية لأمن البحر الأحمر، بوصفه منطقة بحرية حيوية(24). كما يشكِّل التصدي لأنشطة إيران في المنطقة دافعًا جيوسياسيًّا طويل الأمد(25). ويحرك هذا الاعتبار الأمني جانبًا كبيرًا من انخراطها الدبلوماسي والأمني في القرن الإفريقي.

قطر: الدبلوماسية والمواءمة الإستراتيجية

اتسم انخراط قطر بطابع أكثر تركيزًا على القوة الناعمة والدبلوماسية المالية، ولاسيما منذ أزمة 2017 الخليجية. فمنذ ذلك الحين، أصبحت قطر أكثر نشاطًا في القارة عقب تصاعد التنافس مع السعودية والإمارات. وقد فرضت علاقاتها العسكرية الوثيقة مع تركيا وتعاملاتها الإيجابية مع إيران وبعض التنظيمات الإسلامية الحاجةَ إلى بناء تحالفات ونفوذ في إفريقيا لتأمين موقعها الإقليمي(26).

كما تسعى قطر إلى تعزيز نفوذها عبر الدبلوماسية المالية، من خلال المساعدات والاستثمارات والوساطة الدبلوماسية، لاكتساب رأسمال سياسي وممارسة تأثير في دول شرق إفريقيا، ولاسيما الصومال والسودان(27). حيث وقَّعت قطر، في مارس/آذار 2018، اتفاقًا مع السودان بقيمة 4 مليارات دولار لإدارة ميناء سواكن على البحر الأحمر(28). وتتيح هذه المقاربة لقطر إسقاط نفوذها دون الانخراط العسكري المباشر الذي تنتهجه دولة الإمارات.

الأسس الجيوسياسية للتنافسات الخليجية في إفريقيا

تعود الفروقات الجوهرية بين الإمارات والسعودية وقطر في إفريقيا إلى اختلاف كيفية توظيف أدوات القوة لدى كل منها؛ إذ تمزج الإمارات بين الاستثمار والأمن، محولة المشاريع الاقتصادية إلى مواطئ قدم عسكرية وأمنية. في المقابل، توظف السعودية الاستثمار أداةَ قوةٍ ناعمة لتحقيق أهداف إقليمية محددة، خاصة استقرار البحر الأحمر والتصدي لإيران، مع تجنب الانخراط العسكري المباشر. أما قطر، فتركز على بناء "رأسمال دبلوماسي" عبر استثمارات أصغر حجمًا لكنها عالية الرمزية، تتيح لها لعب دور مؤثر في بيئة إفريقية معقدة.

تعكس هذه المقاربات تحولًا في هندسة القوة داخل القارة؛ حيث لم تعد إفريقيا حكرًا على تنافس القوى الكبرى، بل أصبحت ساحة لقوى خليجية متوسطة تملأ الفراغ الذي خلَّفه تراجع النفوذ الغربي وتردد الصين وانشغال روسيا. وبالنسبة للدول الإفريقية، يتيح هذا الوضع فرصة لتنويع الشركاء لكنه يحمل في المقابل مخاطر التورط في تنافسات إقليمية ذات كلفة عالية.

وتتجلَّى هذه التنافسات في أبعاد اقتصادية وأمنية وأيديولوجية؛ إذ تتوجس السعودية والإمارات من تنامي نفوذ إسلامي مرتبط بقطر وتركيا، بينما ترى السعودية وقطر في السياسات الإماراتية مقاربة تصادمية، خصوصًا في الصومال والسودان(29). وتسعى السعودية إلى تحييد المنطقة عن النفوذ الإيراني وتعزيز دورها القيادي، في حين توظف الإمارات حضورها السياسي والعسكري لمواجهة خصومها الإقليميين، بينما تعد قطر إفريقيا مجالًا لبناء تحالفات جديدة وتعزيز استقلالها الإستراتيجي.

ورغم إدراك الدول الثلاث لأهمية إفريقيا ساحةً لتعزيز مكانتها الدولية، فإن تصادم أولوياتها يجعل هذا الانخراط محفوفًا بالمخاطر بالنسبة للقارة؛ إذ يجمع بين تدفقات رأسمالية مهمة واحتمالات متزايدة للتبعية والنفوذ الخارجي وتصعيد التوترات. ومن المرجح أن يتعمق هذا الانخراط مستقبلًا، مدفوعًا بسعي دول الخليج إلى الريادة الإقليمية وتحويل شرق إفريقيا إلى عمق إستراتيجي لأمنها طويل الأمد.

ويُعد أخطر تجليات هذا التوجه تصدير التنافسات الإقليمية إلى الساحة الإفريقية؛ ما يفاقم عدم الاستقرار، كما في السودان؛ حيث تذهب التقارير الإعلامية إلى أن الإمارات تدعم قوات الدعم السريع، بينما يُزعم دعم السعودية للقوات المسلحة السودانية، في سياق تنافس إستراتيجي مباشر بين أكبر قوتين خليجيتين(30). كما يتقاطع هذا التنافس مع أدوار قوى متوسطة أخرى، مثل تركيا، التي تنشط بقوة في السودان عبر الاستثمارات والدعم العسكري؛ ما يعمق تعقيد الصراعات الداخلية(13).

وعلى العموم، يقوم الانخراط الخليجي في إفريقيا على دوافع اقتصادية مشتركة، لكنه يُنفَّذ عبر إستراتيجيات متنافسة: هيمنة تجارية-أمنية إماراتية، ومقاربة سعودية تركز على الأمن ومواجهة إيران، ودبلوماسية مالية قطرية. ويشكِّل تصادم هذه الإستراتيجيات سمة جيوسياسية مركزية في العلاقات الخليجية-الإفريقية الراهنة.

الأثر الجيوسياسي للتمدد الخليجي في إفريقيا

يعكس تعمق الانخراط الخليجي في إفريقيا تحولات بنيوية في النظام العالمي تتسم بتعقيد متعدد وترسخ تعددية الأقطاب. ويخلق هذا الانخراط فرصًا تنموية مهمة للدول الإفريقية، لكنه في الوقت ذاته يطرح مخاطر سيادية وأمنية، إلى جانب تداعيات مباشرة على تراجع النفوذ الغربي التقليدي.

الفرص: نموذج تنموي بديل

يوفر الانخراط الخليجي لإفريقيا مصدرًا حيويًّا لتمويل التنمية، في ظل تراجع الشركاء التقليديين، من خلال استثمارات تفوق 179 مليار دولار وتمويلات تنموية تتجاوز 60 مليار دولار(32). ويتميز هذا النموذج بمرونة وسرعة التنفيذ، وبابتعاده عن الشروط السياسية الصارمة المرتبطة بالمقاربات الغربية(33).

كما ينسجم التعاون الخليجي-الإفريقي مع توجهات الجنوب العالمي الرامية إلى إصلاح النظام الدولي وتعزيز تعددية الأقطاب، بما يدعم التصنيع الإفريقي والتحول الطاقي وتعزيز الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد للطرفين(34).

مخاطر على السيادة والحوكمة والاستقرار

رغم مكاسبه الاقتصادية، يثير الانخراط الخليجي مخاطر تتعلق بالسيادة الوطنية والحوكمة نتيجة الطابع الموجه من الدولة للاستثمارات واحتمال المقايضة بين المكاسب المالية قصيرة الأمد والسيطرة على الأصول الإستراتيجية. وتُعد قضية جيبوتي؛ حيث ألغت الحكومة من جانب واحد امتيازًا لمدة 50 سنة لشركة DP World بحجة أنه "قوَّض السيادة الوطنية" عبر منح الإمارات سيطرة مفرطة، مثالًا تحذيريًّا واضحًا(35).

كما يسهم تصدير التنافسات الخليجية إلى إفريقيا، خصوصًا في القرن الإفريقي، في تأجيج النزاعات وتحويلها إلى حروب بالوكالة، كما في السودان، إلى جانب ضعف معايير الشفافية؛ ما قد يكرِّس علاقات استخراجية ويقيد خيارات الدول الإفريقية مستقبلًا(36).

الآثار على النظام العالمي: تراجع النفوذ الغربي

يعيد التوسع الخليجي في إفريقيا تشكيل موازين القوى العالمية، بما يحد من النفوذ الغربي التقليدي، خاصة مع سيطرة الشركات الخليجية على موانئ وممرات بحرية إستراتيجية؛ حيث يواجه الغرب تحدي تقديم بدائل تنافسية قادرة على الحفاظ على الاستقرار الإقليمي(37).

في هذا السياق، تبرز دول الخليج قوى متوسطة فاعلة، إلى جانب تركيا وإسرائيل، تملأ الفراغ الذي خلَّفه تراجع القوى التقليدية، وتُسهم في تعميق تفكك النظام العالمي وترسيخ تحالفات مرنة قائمة على المصالح البراغماتية(38).

خاتمة

إن الانخراط الخليجي المتصاعد في إفريقيا لا يُختزل في تمدد اقتصادي عابر، بل يعبِّر عن تحول بنيوي في خرائط النفوذ العالمي؛ حيث تتقاطع رهانات التنمية الإفريقية مع طموحات الخليج لإعادة تموضعه في نظام دولي متعدد الأقطاب. وبين الفرص الواعدة والمخاطر الكامنة، تتشكل مرحلة جديدة عنوانها التنافس على الموارد والممرات والأسواق والشرعية الجيوسياسية بما يجعل إفريقيا ساحة اختبار مركزية لإعادة تعريف القوة والنفوذ في القرن الحادي والعشرين.

وسيُقاس الوزن التاريخي لهذا المسار بقدرته على تجاوز منطق المكاسب السريعة نحو شراكة إستراتيجية متوازنة، تُنصف أولويات التنمية والسيادة الإفريقية وتمنح دول الخليج عمقًا إستراتيجيًّا مستدامًا. ففي هذا الامتحان الجيوسياسي الدقيق، لا يُصاغ المستقبل بمنطق القوة وحده بل بتوازن المصالح وحكمة الاختيار واستبصار العواقب بعيدة المدى.

نبذة عن الكاتب

مراجع

(1)- Michael B. Bishku "The Gulf Cooperation Council (GCC) and Sub-Saharan Africa: In Search of Influence, Security, and New Markets," the Journal of South Asian and Middle Eastern Studies, Vol. 45, No. 2 (Winter 2022), pages 48-64. https://tinyurl.com/4shmj72j

(2)- M. Procopio and C. Čok, “Diversification Nations: The Gulf Way To Engage With Africa,” ecfr.eu, March 2025. https://tinyurl.com/5a28p986 (accessed Dec. 29, 2025).

(3)-  Adil shafi et.al, “Rising Gulf Investments in Africa: A New Era of Strategic Partnership, ” Chambers.com, 5 November 2025. https://tinyurl.com/2r5emykc  (accessed Dec. 29, 2025).

(4)- “Diversification Nations: The Gulf Way To Engage With Africa,” Ibid. ; Yoel Guzansky, Asher Lubotzky “Gulf Involvement in Africa: Motives and Implications,” INSS, Nov. 11, 2025. https://tinyurl.com/yc329h6k   (accessed Dec. 29, 2025).

(5)- “Rising Gulf Investments in Africa: A New Era of Strategic Partnership, ”Ibid.

(6)- Ibidem.

(7)- “Diversification Nations: The Gulf Way To Engage With Africa,” Ibid.

(8)- H. Kinkoh, “Gulf states’ trade and investment relations with Sub-Saharan Africa” AGDA INSIGHT, JULY 2024. https://tinyurl.com/ytvpevha ‌(accessed Dec. 29, 2025). ; B. Cherkas and N. Novytska, “The Interests of the Gulf Monarchies in the Horn of Africa,” Przegląd Politologiczny, no. 2, pp. 67–84, Jun. 2023, doi: https://doi.org/10.14746/pp.2023.28.2.5.

(9)- “Diversification Nations: The Gulf Way To Engage With Africa,” Ibid. ; “The Interests of the Gulf Monarchies in the Horn of Africa,”Ibid.

(10)- “Gulf State Influence in East Africa,” Ibid.

(11)- Ibidem.

(12)- “The Interests of the Gulf Monarchies in the Horn of Africa,”Ibid.

(13)- “Gulf State Influence in East Africa,” Ibid.

(14)- Ibidem.

(15)- “Rising Gulf Investments in Africa: A New Era of Strategic Partnership, ”Ibid.

(16)- “Diversification Nations: The Gulf Way To Engage With Africa,” Ibid.

(17)- Ibidem.

(18)- “Rising Gulf Investments in Africa: A New Era of Strategic Partnership, ”Ibid.

(19)- “Gulf State Influence in East Africa,” Ibid.

(20)- Ibidem.

(21)- “Gulf Involvement in Africa: Motives and Implications,”Ibid.

(22)- “Rising Gulf Investments in Africa: A New Era of Strategic Partnership, ”Ibid.

(23)- “Mapping Gulf State Actors’ Expanding Engagements in East Africa,” Ibid.

(24)- “Gulf State Influence in East Africa,” Ibid.

(25)- “Gulf Involvement in Africa: Motives and Implications,”Ibid.

(26)- Ibidem.

(27)- “Gulf State Influence in East Africa,” Ibid.

(28)-  “The Interests of the Gulf Monarchies in the Horn of Africa,”Ibid.

(29)- “Gulf Involvement in Africa: Motives and Implications,”Ibid.

(30)- “Gulf State Influence in East Africa,” Ibid. ; “Mapping Gulf State Actors’ Expanding Engagements in East Africa,” Ibid.

(31)- “Gulf Involvement in Africa: Motives and Implications,”Ibid. ;“Mapping Gulf State Actors’ Expanding Engagements in East Africa,” Ibid.

(32)- “Rising Gulf Investments in Africa: A New Era of Strategic Partnership, ”Ibid.

(33)- “Diversification Nations: The Gulf Way To Engage With Africa,” Ibid.; “Gulf State Influence in East Africa,” Ibid.

(34)- “Diversification Nations: The Gulf Way To Engage With Africa,” Ibid. ; “Rising Gulf Investments in Africa: A New Era of Strategic Partnership, ”Ibid.

(35)- “Gulf State Influence in East Africa,” Ibid.

(36)- “Diversification Nations: The Gulf Way To Engage With Africa,” Ibid. ; “Gulf State Influence in East Africa,” Ibid.

(37)- “Gulf State Influence in East Africa,” Ibid.

(38)- “Gulf Involvement in Africa: Motives and Implications,”Ibid.