نصرة الإسلام والمسلمين: تصدع التحالف من الداخل وزحف الفوضى نحو خليج غينيا

يكشف النص أن "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" تواجه تصدعات داخلية عميقة بفعل التوترات الإثنية، وتنافس القيادات، وضغط "داعش في الساحل"، وصراعات الموارد. ورغم توسعها الجغرافي، فإن بنيتها الهشة تدفعها نحو مزيد من العنف والانقسام، وتعقد جهود مكافحة ما يسمى بالإرهاب إقليميًّا على نحو متزايد.
تمزج منهجية عمليات الجماعة بين الحرب غير المتكافئة واستغلال المظالم المحلية لتجنيد الإثنيات التي تشعر بالتهميش (الجزيرة)

كشفت عدة تقارير أن "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، التحالف الموصوف بالإرهابي المرتبط بتنظيم القاعدة، تمر بانشقاقات وتوترات داخلية أجبرتها على شَنِّ حملات تطهير داخلية للحدِّ من الانشقاق والانضمام إلى التنظيم المنافس، "داعش في الساحل"(1). ورغم أن بعض عمليات الجماعة الأخيرة تُظهر أنها تزداد شوكة ونفوذًا، خاصة بعد أن أعلنت، في أكتوبر/تشرين الأول 2025، وجودها على الأراضي النيجيرية(2)، مع شنِّها، في فبراير/شباط 2026، حملة منسقة ضد قوات دول منطقة الساحل الأوسط وصولًا إلى بنين(3)، إلى جانب أنشطتها في توغو وساحل العاج منذ عام 2022؛ فإن تقارير الانشقاق تؤشر إلى صور أخرى عن واقع الجماعة وانتشارها الجغرافي وأزماتها المعقدة المرتبطة بطبيعة تشكلها وطموحات قادتها الفرعيين.

تحالف الضرورة: كيف تشكَّلت الجبهة القاعدية الكبرى في الساحل؟

تشكَّلت "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" من تحالف إستراتيجي لفصائل توصف بالإرهابية في الساحل، أُعلن عنه رسميًّا في مارس/آذار 2017، حيث أدمجت فروع "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" و"جماعة أنصار الدين" و"جبهة تحرير ماسينا" وتنظيم "المرابطون" هياكلَها القيادية للحدِّ من التنافسات الداخلية والموارد المحدودة، ولتعزيز ولائها للقيادة المركزية بتنظيم القاعدة. وهي خطوة أضفت على الجماعة "الشرعية" بصفتها الطليعة الساحلية الرئيسية للشبكات الحركات الموصوفة بالإرهابية العالمية، وحوَّلت المشهد المتشرذم في الساحل وقتذاك من تنظيمات متعددة فاعلة ومستقلة إلى جبهة موحدة ومنصة أيديولوجية منسقة(4).

وقد رأى قادة الجماعة أن تشكيل هذا التحالف ضروري لتنسيق الدعم اللوجيستي والاستخباراتي في مواجهة مبادرات مكافحة الحركات الموصوفة بالإرهاب القوية من قوات دول المنطقة والمهام الإقليمية والدولية، مثل "برخان" الفرنسية وقوة الساحل المشتركة لدول الساحل الخمس، وغيرهما. كما مكَّن التحالف جماعاتها الفرعية من تقديم بديل متماسك لتنظيم "داعش في الصحراء الكبرى" (الذي أصبح اليوم "داعش في الساحل")، وضَمِن استمرار الهيمنة التاريخية لتنظيم القاعدة في المنطقة، ورفع من قدرات العمل كشبكة عابرة للحدود، قادرة على شَنِّ هجمات معقدة على المراكز الحضرية والمواقع العسكرية النائية.

وتشمل القيادة والشخصيات الرئيسية الراهنة في "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين": "إياد أغ غالي" (أميرها وقائدها المركزي الحالي، وهو أيضًا مؤسس "أنصار الدين"، أحد فروع الجماعة)(5)، و"أمادو كوفا" المعروف أيضًا باسم "أمادو جالو" (مؤسس وأمير "جبهة تحرير ماسينا"، أحد فروع الجماعة)(6)، و"أبو عبد الرحمن الصنهاجي" (قائد إستراتيجي رفيع المستوى في الجماعة، يُعد الرجل الثاني في القيادة، ويمثلها في شمال مالي)(7)، و"عبد الرحمن طلحة الليبي" (قائد إقليمي تنسبه التقارير إلى عمليات في تمبكتو)(8).

وتمزج منهجية عمليات الجماعة بين الحرب غير المتكافئة واستغلال المظالم المحلية لتجنيد الإثنيات التي تشعر بالتهميش، مع الاندماج في النسيج الاجتماعي المحلي من خلال توفير خدمات قضائية قائمة في المناطق الريفية، بهدف تقويض نفوذ الحكومات الوطنية (وخاصة في دولة مالي وجيرانها)(9).

وتعتمد الجماعة هيكلًا هرميًّا من أعلى إلى أسفل بثلاثة مستويات: قيادة مركزية، وقادة إقليميون يشرفون على "المناطق"، وكتائب محلية تتولى العمليات(10). وقد امتدت أنشطتها إلى ما هو أبعد من معاقلها التقليدية في شمال مالي؛ مما خلق ممرًّا من انعدام الأمن عبر منطقة ليبتاكو-غورما الحدودية الثلاثية بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو. وبينما شكَّل شمال مالي نقطة انطلاقها الأولية، توغلت الجماعة بقوة جنوبًا إلى بوركينا فاسو وجنوب غرب النيجر، مزعزعة استقرار قلب منطقة الساحل الأوسط. وشهدت السنوات الأخيرة زحفًا جنوبيًّا مدروسًا يشير إلى هدف طويل الأمد يتمثل في إنشاء منطقة إرهابية متصلة تربط منطقة الساحل الداخلية بالمناطق المطلة على سواحل المحيط الأطلسي.

شقوق البنية الداخلية: الإثنية والتوسع وداعش وصراع الموارد

لم تكن الانشقاقات والتوترات داخل "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" حدثًا جديدًا؛ إذ تشمل الحالات المبكرة والمسجلة: انشقاق مقاتلين من مجموعة "توليبي" الفولانية الإثنية (من ميناكا بشمال شرق مالي)، عام 2017، و"كتيبة صلاح الدين" بقيادة "سلطان ولد بادي"؛ حيث انضما إلى تنظيم "داعش في الصحراء الكبرى" وسط علاقات ودية أولية. وفي عام 2019، شهدت "كتيبة ماسينا" انشقاقات جماعية عقب ما عُدَّ تساهلًا في تطبيق مفهومها المنحرف من "الشريعة الإسلامية" من قبل "أمادو كوفا"؛ حيث فضَّل هؤلاء المنشقون حكمَ ونهجَ "داعش في الصحراء الكبرى" الأكثر تشددًا وصرامة(11).

ويمكن تلخيص العوامل الرئيسية للانشقاقات والتوترات الداخلية فيما يلي:

أ. ديناميكية التوتر الإثني والقبلي: في حين تدَّعي "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" أنها جبهة موحدة، إلا أنها تتجذر في السياسات الإثنية بمالي وبوركينا فاسو؛ حيث إن تماسكها التنظيمي يتأثر بالتراتبية التي توحي بتفضيل نخبة الطوارق من قبيلة "إيفوغاس" في قيادتها العليا. كما أن الهيمنة الهيكلية على الجماعة من قبل قادة "جماعة أنصار الدين"، مثل "إياد أغ غالي"، تُشكِّل سقفًا زجاجيًّا مُتصورًا لمقاتلي "كتيبة ماسينا"، وهم في غالبيتهم من الفولاني، الذين ينشطون في وسط مالي وشمال بوركينا فاسو. ويتجلى هذا الاحتكاك في اختلاف الأولويات الإستراتيجية بين تركيز القيادة الشمالية على الحكم الذاتي الإقليمي، وانشغال الكوادر الجنوبية بالمظالم الزراعية والرعوية المحلية. وقد أدى توظيف الهوية الإثنية لأغراض التجنيد إلى نشوء "تحالف مصلحة"، حيث تُعطي الجماعات الفرعية الأولوية لبقاء القبائل، أو حقوق ملكية الأراضي المحلية، أو رعي الماشية، على حساب توجيهات كل من الجماعة الأم (أي "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين") وتنظيم القاعدة المركزية؛ الأمر الذي أدَّى إلى جمود العمليات وظهور إمارات شبه مستقلة(12).

وقد عَدَّ بعض مقاتلي "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" هذه الديناميكية الإثنية محفزًا للانشقاق والانضمام إلى تنظيم "داعش في الساحل"، الذي يُنظر إليه على أنه أكثر "مساواةً" للهرمية القَبَلية مقارنة بجماعتهم. وفي منطقة ليبتاكو-غورما، كان فشل الجماعة في التوسط في النزاعات بين الطوائف -بسبب اعتبار قيادتها منحازة لمصالح طوارقية أو عربية محددة- دافعًا لقادة الفولاني الذين يشعرون بالتهميش نحو نقل ولائهم إلى جهات أخرى. ويتجلى هذا في حقيقة أنه غالبًا ما تسبق انشقاق وحدات مختلفة (خاصة تحت "كتيبة ماسينا") محاولاتٌ من جانب "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" للتفاوض على هدنات محلية تُعد خيانةً من قبل مقاتلين منتمين أو مقربين إلى الإثنيات المحلية المرتبطة بالهدنة.

ب. معضلة التوسع الإقليمي: برزت، منذ عام 2024، خلافات داخل الجماعة بشأن التوسع جنوبًا نحو سواحل غرب إفريقيا (وتحديدًا بنين وتوغو وساحل العاج)(13)، وخاصة أن الحملات العسكرية المكثفة من قبل دول المنطقة تزيد من عزل قيادة "إياد أغ غالي"، المتمركزة في الشمال، عن العمليات اليومية لفروع الجماعة، مثل "كتيبة ماسينا" في الجنوب؛ مما أدى إلى انهيار في الاتصالات والقدرة على فرض الانضباط الأيديولوجي والعملياتي، مع إضعاف سلطة مجلس الشورى والقيادة المركزية. وتتجلى معضلة التوسع داخل الجماعة في توتر بنيوي بين ترسيخ القيادة العليا لسيطرتها الإستراتيجية وانتهازية الوحدات الطرفية للتوسع الإقليمي؛ إذ بينما تُعطي القيادة المركزية في منطقتي كيدال وميناكا الأولوية للحفاظ على جهاز شبه دولة (أو جهاز موازٍ للدولة) في شمال مالي، تسعى الكوادر الجنوبية -وخاصة تلك النشطة على طول ممرات بنين وتوغو- إلى التوغل السريع جنوبًا لاستغلال الفراغات الأمنية على طول سواحل غينيا. وقد اتضح هذا التباين الحاد في أواخر عام 2025، عندما تجاهل القادة الميدانيون الساعون إلى الاستفادة من عائدات تعدين الذهب غير المشروعة وفرص التجنيد المحلية، توجيهاتِ "إياد أغ غالي" بضبط النفس التكتيكي في "مجمع غرب-أرلي-بنجاري".

ج. عامل تنظيم "داعش في الساحل": كان ضمن العوائق الوجودية أمام "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" منذ تشكيلها وجودُ تنظيم آخر منافس لها في المنطقة(14). وهذا الوجود يُحدث احتكاكًا مستمرًّا داخل الجماعة لما يقدمه داعش من نهج بديل أيديولوجيًّا وعملياتيًّا للفصائل غير الراضية عن نهج تحالف الجماعة المحلي والبراغماتي. وقد انخرط التنظيمان -أي "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" و"داعش في الساحل" (أو "داعش في الصحراء الكبرى" سابقًا)- في مناوشاتهما الأولى في عام 2019، ومنذ ذلك الحين اشتبكا مئات المرات، كان آخرها في 2 أبريل/نيسان 2026، عندما تفاقمت المواجهات بينهما وانتقل القتال -الذي دار سابقًا في مالي وبوركينا فاسو فقط- إلى غرب النيجر، حين هاجم مقاتلو داعش موقعًا تابعًا لـ"جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" في منطقة تيلابيري، وأعلنوا في بيان أنه قُتل 35 عنصرًا من "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" واستولوا على أسلحة ودراجات نارية، قائلين إن هجومهم كان ردًّا على هجوم شنَّته الجماعة على قرية في المنطقة(15).

ويُلاحَظ الاحتكاك بين التنظيمين من خلال أنه، على عكس استعداد "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" للدخول في هدنات تكتيكية مع الحكومات المحلية أو الميليشيات الأخرى، وخاصة مع فشل محاولاتها أواخر عام 2025 للتفاوض مع الميليشيات المحلية في وسط مالي، يحافظ "داعش في الساحل" على موقف إرهابي صارم لا يقبل التنازل عنه في كثير من الأحيان؛ مما يجذب قادة "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" الفرعيين الأكثر تطرفًا، الذين يرون في إستراتيجيتها لضبط النفس خيانةً لأهدافهم الأيديولوجية "الدينية" الأساسية المتصورة.

ويؤدي هذا إلى نقاشات داخلية في الجماعة حول ما إذا كان ينبغي "تلطيف" صورتها لكسب الدعم المحلي أو "تشديدها" لمنع الانشقاقات إلى داعش. بل وخلقت البيئة التنافسية الناجمة عن هذا الوضع ظهور "مزايدة أيديولوجية" كبيرة في مناطق النفوذ التقليدية والمناطق الجديدة مثل بنين، حيث انشق في فبراير 2026 عدد من كبار قادة الجماعة وانضموا إلى "داعش في الساحل". ويلي هذه الانشقاقات، في كثير من الأحيان، تصاعدٌ في أعمال العنف بين الفصائل الحركات الموصوفة بالإرهابية، حيث تستهدف وحدات منشقة من الجماعة رفاقَها السابقين لإظهار ولائها الجديد لداعش(16).

د. ملفات الحكم والقضاء وإدارة الموارد: تُطبِّق "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" حكمًا موازيًا في العديد من المجالات بمناطق نفوذها، وتنشأ انقسامات بين مقاتليها حول مدى صرامة تطبيق بعض المفاهيم والمبادئ والسياسات. وعلى سبيل المثال: هناك قادة يرون اتباع نهج تدريجي لكسب تأييد السكان المحليين، بينما يدفع آخرون -متأثرين بالمقاتلين الأجانب- باتجاه عقوبات فورية وقاسية -تُنَفِّر في كثيرٍ من الأحيان المجتمعات التي تدعي الجماعة حمايتها والقتال من أجلها-. ويتناقص التماسك الداخلي للجماعة بسبب التناقض بين مذاهبها القضائية المركزية والواقع غير المركزي لإدارة الموارد المحلية. فبينما يسعى مجلس الشورى إلى إظهار تطبيق موحد لـ"الشريعة" للحفاظ على شرعية "كسب القلوب والعقول"، فإن الإدارة الفعلية للعدالة والقضاء تتقلب بناءً على الاحتياجات المالية للقادة المحليين؛ مما يؤدي إلى اتهاماتٍ بالفساد و"المحاباة القضائية".

ويتجلَّى ما سبق في أواخر عام 2025، عندما تصاعدت التوترات في منطقة موبتي (وسط مالي) بسبب سوء إدارة جمع الإتاوات وفرض رسوم غير مشروعة على مناجم الذهب الحرفية؛ إذ اتهمت كوادر الفولاني المحلية القيادة التي يهيمن عليها الشمال بنهب الثروات المعدنية لتمويل عملياتها في منطقة أزواد، متجاهلةً الرفاه الاجتماعي للمناطق الجنوبية. وتُشكِّل هذه الخلافات، على ما يَعُدُّونه "غنائم الحرب"، نقاطَ ضعف؛ حيث تختار الفصائل التي تنظر إلى القيادة المركزية على أنها جهة استغلالية -وليست هيئة حاكمة- الانشقاقَ للانضمام إلى منافسين أو للعمل تنظيماتٍ إجراميةً مستقلة، بينما "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" تشن حملات قمع تأكيدًا لسيطرتها، وسط مخاوف من اتساع رقعة التفكك، كما هي الحال بعد انشقاق القائد البارز، سادو سماهونا، وانضمامه إلى "داعش في الساحل"، في فبراير/شباط 2026، فشَنَّتْ "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" حملة واسعة ومنسقة في منطقة الساحل الأوسط وشمال بنين، والتي بدأت بهجوم إستراتيجي على قاعدة عسكرية نيجَرية في ماكالوندي، وتركزت في مناطق شرق ووسط وشمال بوركينا فاسو، وتصاعدت إلى أكثر من 30 اشتباكًا أسفرت عن مقتل أكثر من 120 من أفراد قوات الدولة وقوات الدفاع الشعبي. ومع ذلك، تمكن "داعش في الساحل" من تحدي هذه الحملة من خلال هجوم موازٍ تسبب في خسائر كبيرة في صفوف مقاتلي "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"(18).

من الانشقاق إلى الفوضى: التداعيات الأمنية على الساحل وغرب إفريقيا

هناك عدة تداعيات أمنية للانشقاقات والتوترات داخل "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، وأبرزها زيادة التطرف العنيف التكتيكي في غرب إفريقيا، وذلك أنه عند حدوث انشقاقات، غالبًا ما تلجأ الفصائل المنشقة إلى "المزايدة" في العنف، بما يفوق مستوى الجماعات أو الفصائل المنافسة لها، بهدف إثبات "نقاء" أيديولوجيتها أو تفوقها العملياتي، أو حتى لتأكيد استقلالها والحفاظ على شرعيتها داخل قواعدها القبلية. ويؤكد هذا حقيقة أن الفصائل التي تشعر بالتهميش من قبل القيادة المركزية التي تهيمن عليها الطوارق (مثل بعض عناصر "كتيبة ماسينا") أصبحت أكثر ميلًا لاستخدام أساليب أكثر دموية ضد القرى المحلية لفرض الامتثال لأوامرها، خارجة عن إستراتيجية "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" المعتادة المتمثلة في "كسب القلوب والعقول".

ومن التداعيات الأخرى التوسع التنافسي في دول سواحل خليج غينيا؛ حيث أدى الانقسام بين "النخبة الشمالية" و"المقاتلين الجنوبيين" إلى تسريع وتيرة التوغل في بنين وتوغو وساحل العاج. وهذا الضعف للسيطرة المركزية يمنح القادة المحليين في الجنوب فرصة التصرف بمزيد من الاستقلالية، فيسيطرون على طرق التجارة ويفرضون الإتاوات على المراكز التجارية لتمويل وحداتهم الفرعية. ويُصعِّب هذا التوسع "غير المنسق" على حكومات دول سواحل غينيا التنبؤ بسلوك الجماعات الحركات الموصوفة بالإرهابية؛ إذ لم تعد تتعامل مع عقل إستراتيجي واحد بل مع سلسلة من أمراء التنظيمات الحركات الموصوفة بالإرهابية شبه المستقلين.

يضاف إلى ما سبق أنه يُتَوقَّع تصعيد المواجهة بين "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" وتنظيم "داعش في الساحل"، وهو ما يُعد أخطر تبعات الانشقاق الداخلي، وتحديدًا انشقاق الفئة الأكثر تشددًا وانضمامها إلى "داعش في الساحل". كما أن مساعي "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" لمنع الانشقاقات تُجبرها على القتال على جبهتين: ضد قوات الدول التي تنشط فيها، وضد "داعش في الساحل"، وهي حالة حوَّلت مناطق مثل ليبتاكو-غورما إلى أعنف مناطق الصراع الموسوم بالإرهابي في العالم. إضافة إلى أنه، مع انشقاق الفصائل وتغيير ولاءاتها، تُتهم المجتمعات المحلية بـ"الخيانة" من قِبل أحد الطرفين، بدعوى التعاون مع أحدهما؛ مما يؤدي إلى ارتكاب مجازر وحصار "عقابي" في تلك المجتمعات المحلية.

إن الانشقاق قد يزيد وتيرة التخريب الاقتصادي وحروب الحصار للمدن، وخاصة في ظل تزايد لجوء "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" إلى الحرب الاقتصادية، سعيًا وراء مكاسب مالية سريعة وحفاظًا على ولاء مختلف فروعها. ويؤكد هذا ما وقع في أوائل عام 2026، عندما فرضت الجماعة حصارًا على الوقود حول باماكو (عاصمة مالي)، بهدف الضغط على الحكومة العسكرية بمالي، وتوفير سوق سوداء مربحة تستغلها فروع الجماعة. وقد تُعزِّز التدفقات المالية الضخمة من مثل هذه الأنشطة تكثيف استخدام هذا التكتيك، مع احتمال تفاقم الانشقاقات؛ حيث تتنازع الفروع على توزيع ما تعده "غنائم حرب".

بل وقد يطرأ تغيير جذري في مشهد التجنيد بمنطقة الساحل؛ حيث يحوِّل تكرار الانشقاق وكثرته عمليات تجنيد مقاتلين جدد من تعبئة أيديولوجية مركزية إلى عملية تنافسية شديدة الاحتدام على المستوى المحلي. وخير مثال على هذا أنه، مع تراجع سلطة القيادة المركزية، اتجهت الفصائل الفرعية، وخاصة داخل "كتيبة ماسينا"، نحو توطين خطاباتها التجنيدية، منتقلة من الإرهاب العالمي (وفق نمط القاعدة) إلى استغلال المظالم المجتمعية، مثل تهم انتهاكات حقوق الإنسان المنسوبة للدولة ونزاعات استخدام الأراضي.

وقد تتفاقم هذه الديناميكية من خلال كون انشقاق العناصر الأكثر تشددًا وانضمامها إلى "داعش في الساحل" يجبر وحدات "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" على تبني أساليب تجنيد أكثر عدوانية لتعزيز صفوفها، مستخدمةً وسائل تواصل رقمية متطورة ومتعددة اللغات (باللغتين البامبارا والفولانية) لاستهداف الشباب الباحثين عن الفرص الاقتصادية والانتماء الهوياتي المجتمعي. وهكذا يصبح التجنيد لعبة محصلتها صفر بين الجماعات الحركات الموصوفة بالإرهابية المتنافسة، فتتصاعد عسكرة المجتمعات الريفية؛ حيث يُنظر إلى الانضمام إلى فصيل ما على أنه شرط أساسي للبقاء المادي والاقتصادي، وليس مجرد خيار أيديولوجي بحت.

أما من منظور مكافحة ما يوصف بالإرهاب في الساحل وغرب إفريقيا، فتؤدي الانشقاقات في "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" إلى "إقطاعيات" شبه مستقلة، وزيادة تعقيد العمليات الأمنية الإقليمية؛ إذ إن معظم نماذج جهود مكافحة ما بات يعرف بالإرهاب التقليدية التي تنفذها دول المنطقة، بما في ذلك "تحالف دول الساحل"، ستحتاج إلى مواجهة تهديد لم يعد كيانًا متجانسًا، بل مجموعة متغيرة من الجهات الفاعلة ذات أهداف تكتيكية متباينة. ويخلق هذا التشرذم وضعًا لا يؤدي فيه القضاء على القيادات العليا -مثل عزل "إياد أغ غالي"- بالضرورة إلى إضعاف القدرة العملياتية للخلايا الجنوبية التي قد تواصل التوسع نحو دول سواحل غينيا باستقلال تكتيكي كامل.

كما أن التنافس الإرهابي الشرس بين "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" وتنظيم "داعش في الساحل" سيعقِّد عملية جمع المعلومات الاستخباراتية؛ إذ تخلق الولاءات المتغيرة والمناوشات بين الفصائل المتنافسة ساحة معركة متفجرة؛ حيث يُستهدف السكان المدنيون بشكل متكرر بسبب تعاونهم مع القوات الحكومية. ويجبر هذا الوضع قوات مكافحة الإرهاب على خوض حرب غير متكافئة عبر جبهات متعددة وغير منسقة، تغذِّي -عن غير قصد- دورات التجنيد التي تسعى الحكومات إلى إنهائها.

خاتمة

تعد الانشقاقات التي تمر بها "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" نتيجة حتمية لبنيتها الهيكلية القائمة على "اندماج الضرورة"؛ حيث طغت التسلسلات الهرمية الإثنية والسياسية والطموحات الإقليمية المتباينة على الواجهة الموحدة التي تقدمها الجماعة. وتسهم العوامل الرئيسية -بدءًا مما يُعد "سقفًا زجاجيًّا" للطوارق داخل مجلس الشورى المركزي، وصولًا إلى الاحتكاك الإستراتيجي بين التوطيد الشمالي واندفاع التوسع الجنوبي الانتهازي نحو خليج غينيا، وعامل التنافس مع "داعش في الساحل" وغيرها- في تحويلها من تحالف منضبط إلى مجموعة متقلبة من الخلايا التابعة للتنظيم المنافس (داعش) أو الفصائل شبه المستقلة.

وتُنتج هذه الانشقاقات تداعيات إقليمية عديدة، يتجلَّى بعضها في "المزايدة الأيديولوجية" الملحوظة في ممر ليبتاكو-غورما، والانضمام المنهجي للكوادر الأكثر تشددًا إلى "داعش في الساحل". وهذا التجويف في القيادة والسيطرة المركزية لا يشير إلى انهيار وشيك لـ"جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"؛ إذ يُحوِّلها إلى كيان محلي أكثر غموضًا؛ مما يعقِّد جهود مكافحة ما بات يوصف بالإرهاب المحلية منها والإقليمية، من خلال إجبار الجهات الفاعلة الحكومية على مواجهة شبكة لا مركزية من أمراء الفصائل الحركات الموصوفة بالإرهابية القديمة والجديدة في مناطق نفوذ تقليدية وجديدة، الذين يعطون الأولوية للبقاء الإثني واستخراج الموارد غير الشرعية والتحكم المحلي بمناطق وجودهم، على حساب القيادة المركزية المتماسكة لتحالف الجماعة الأم (جماعة نصرة الإسلام والمسلمين).

نبذة عن الكاتب

مراجع

1. Ladd Serwat, Jalale Getachew Birru, Héni Nsaibia, & Peter Bofin. “Africa Overview: March 2026.” ACLED, 9 March 2026, https://shorturl.at/DlH4a (تاريخ الدخول: 11 أبريل/نيسان 2026)
2. Aliyu Dahiru. “What JNIM’s Entry into Nigeria Means for Security in the Sahel.” HumAngle, 11 December 2025, https://l1nq.com/wsn973q (تاريخ الدخول: 11 أبريل/نيسان 2026)
3. Liam Karr, Michael DeAngelo, Alexis Thomas, & Zoe Sommer. “US Sanctions Sudanese Islamists; ISWAP Ramadan Offensive: Africa File, March 12, 2026.” Critical Threats Project, 12 March 2026, https://shorturl.at/EkZEX (تاريخ الدخول: 11 أبريل/نيسان 2026)
4. Héni Nsaibia. “Jama’at Nusrat al-Islam wal-Muslimin (JNIM)", ACLED, 13 November 2023, https://shorturl.at/YZZxD (تاريخ الدخول: 11 أبريل/نيسان 2026)
5. “Jama'a Nusrat ul-Islam wa al-Muslimin (JNIM).”  United Nations Security Council, https://shorturl.at/vAjsB (تاريخ الدخول: 11 أبريل/نيسان 2026)
6. “AMADOU KOUFA.” United Nations Security Council, https://shorturl.at/Ogsaq (تاريخ الدخول: 11 أبريل/نيسان 2026)
7. State Department. “Designation of Ali Maychou, aka Abu Abdul Rahman Ali al Sanhaji, aka Abu `Abd Al-Rahman Ali al-Sanhaji, aka Abou abderrahman al-Senhadji, aka Abou Abderrahmane al-Sanhaji, aka Abderahmane al Maghrebi as a Specially Designated Global Terrorist.” Department of State [Public Notice: 10826], https://shorturl.at/vjArA (تاريخ الدخول: 11 أبريل/نيسان 2026)
8. “Abd al-Rahman Talha al-Libi.” Counter Extremism Project, https://shorturl.at/IDqPw (تاريخ الدخول: 11 أبريل/نيسان 2026)
9. “Measuring the Impact of Terrorism: Global Terrorism Index 2026”, Institute for Economics & Peace (IEP), p. 54, https://shorturl.at/gSRdB (تاريخ الدخول: 11 أبريل/نيسان 2026)
10. مصدر سابق:
Héni Nsaibia. “Jama’at Nusrat al-Islam wal-Muslimin (JNIM)".
11. Nsaibia, Héni, and Caleb Weiss. "The end of the Sahelian Anomaly: how the global conflict between the Islamic State and al-Qaida finally came to West Africa." CTC Sentinel 13, no. 7 (2020): 1-14.
12. Daniel Eizenga, & Wendy Williams. “The Puzzle of JNIM and Militant Islamist Groups in the Sahel.” Africa Center for Strategic Studies, December 2020 (No. 38), https://shorturl.at/gSXz8 (تاريخ الدخول: 11 أبريل/نيسان 2026)
13. “Understanding JNIM’s Expansion Beyond the Sahel.” International Crisis Group, 20 February 2026, https://shorturl.at/Kbxci (تاريخ الدخول: 11 أبريل/نيسان 2026)
14. مصدر سابق:
Nsaibia, Héni, and Caleb Weiss. "The end of the Sahelian Anomaly: how the global conflict between the Islamic State and al-Qaida finally came to West Africa."
15. Robbie Corey-Boulet. “Fighting between Sahel-based jihadist rivals spills into Niger.” Reuters, 9 April 2026, https://shorturl.at/der1x (تاريخ الدخول: 12 أبريل/نيسان 2026)
16. Jacob Zenn. “Saad’s Betrayal:  JNIM and ISGS Rivalry in West Africa.” Jamestown, 2026 (Volume 17, Issue 3), https://shorturl.at/9ChHp (تاريخ الدخول: 12 أبريل/نيسان 2026)
18. مصدر سابق:
Ladd Serwat, Jalale Getachew Birru, Héni Nsaibia, & Peter Bofin. “Africa Overview: March 2026.”