تجدد القتال في تيغراي: إخفاق اتفاق بريتوريا وصراع موازين القوة

تحلل هذه الورقة جولة القتال التي اندلعت في شمال إثيوبيا، مطلع عام 2026، بين قوات دفاع تيغراي والحكومة الفيدرالية. وتبحث في العوامل التي مهدت لتجدد الصراع رغم اتفاق بريتوريا، وإستراتيجيات الطرفين في إدارة المواجهة، والأهداف السياسية والعسكرية التي يسعى كل منهما إلى تحقيقها.
حكومة إثيوبيا وجبهة تيغراي وقعتا اتفاقية سلام في نوفمبر/تشرين الثاني 2022 بجنوب أفريقيا (رويترز)

لم تكن جولة القتال التي اندلعت في شمال إثيوبيا، مطلع عام 2026، حدثًا منفصلًا عن مسار الأزمة الإثيوبية، بل مثَّلت عودة واضحة إلى منطق القوة الذي حكم الصراع منذ اندلاع حرب تيغراي، عام 2020. فعلى الرغم من أن اتفاقية بريتوريا (نوفمبر/تشرين الثاني 2022) نجحت في وقف القتال، فإنها لم تعالج القضايا البنيوية التي غذَّت النزاع، مثل الخلافات حول الأراضي المتنازع عليها، وترتيبات السلطة الإقليمية، وملف النازحين، وموقع الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي في النظام السياسي الإثيوبي.

وقد أعادت الاشتباكات التي اندلعت بين يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط 2026 هذه الإشكالات إلى الواجهة في سياق سياسي وإقليمي معقد؛ حيث تداخلت الانقسامات داخل تيغراي مع حسابات الحكومة الفيدرالية وحلفائها، إلى جانب الحضور الإريتري في خلفية المشهد. وفي هذا الإطار، تسعى الورقة إلى تحليل مسار المواجهة الأخيرة وأسباب تجددها، وفهم الإستراتيجيات التي يعتمدها أطراف الصراع، واستشراف انعكاساتها على مستقبل اتفاق بريتوريا وعلى معادلة الاستقرار في شمال إثيوبيا.

وعملت هذه الورقة على تحليل التطورات التي أدَّت إلى اللجوء إلى البنادق، والإستراتيجيات التي يتبعها كل طرف في هذه المواجهة، والأهداف التي يتطلع إليها من وراء هذه الإستراتيجيات.

اندلاع الاشتباكات الأخيرة بين قوات دفاع تيغراي والحكومة الفيدرالية

في 26 يناير/كانون الثاني 2026، شنَّت قوات دفاع تيغراي، بقيادة الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، عمليةً للسيطرة على المناطق المتنازع عليها في غرب وجنوب تيغراي؛ حيث عَبَرَت تلك القوات نهر تيكيزي الفاصل بين إقليمي تيغراي وأمهرا، في محاولة للسيطرة على منطقة صلمتي المتنازع عليها، والتي تعد المدخل الرئيسي نحو ولغاييت/غربي تيغراي(1)؛ حيث نجحت في السيطرة على مناطق واسعة من صلمتي قبل تراجعها لاحقًا وانسحابها إلى ما وراء نهر تيكيزي.

وفي اتجاه آخر، سيطرت قوات دفاع تيغراي على منطقة جنوب تيغراي/رايا المتنازع عليها، بما فيها مدينتا ألاماطا وكوريم المتنازع عليهما، في 29 يناير/كانون الثاني، بعد انسحاب مركز قيادة قوات الدفاع الوطني الإثيوبية من المنطقة. كما بدأت في نفس اليوم اشتباكات بين قوات دفاع تيغراي وقوات سلام تيغراي(2) في منطقة واجيرات جنوب شرق تيغراي، وفي مقاطعة ميغالي بإقليم عفر المحدد لتيغراي شرقًا.

يُعدُّ هذا القتال المواجهة الأبرز بين قوات دفاع تيغراي وقوات الدفاع الإثيوبية منذ انتهاء الحرب في شمال إثيوبيا، نوفمبر/تشرين الثاني 2022، ومنذ ذلك الحين وحتى اندلاع هذه الاشتباكات الأخيرة لم تُسجَّل اشتباكات مباشرة بين الطرفين، سوى مناوشات طفيفة هامشية(3).

سياسيًّا، تصاعدت التوترات بين الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي والحكومة الفيدرالية الإثيوبية، منذ أواخر عام 2024، على خلفية العديد من القضايا، منها استئناف العلاقات بين إريتريا والجبهة، ونشوب نزاع داخلي داخل الجبهة؛ ما أدى إلى احتلال قوات دفاع تيغراي التابعة لها للإدارات المحلية في تيغراي، في مارس/آذار 2025، والتي كانت قد أُنشئت من قِبل الإدارة الإقليمية المؤقتة المُعيَّنة اتحاديًّا.

ورغم تعدد العوامل الكامنة وراء هذا الانفجار العسكري، فقد صرَّح رئيس الإدارة الإقليمية المؤقتة لتيغراي، الجنرال تاديسي وريدي، بأن عبور القوات لنهر تيكيزي كان للسيطرة على المناطق المتنازع عليها(4)، مبررًا ذلك بتقاعس الحكومة الفيدرالية عن معالجة ملف النازحين داخليًّا من عرقية التيغراي الذين هُجِّروا منها(5).

ووفقًا لهذا التصريح، فإن الجبهة تسعى إلى بسط سيطرتها على المناطق المتنازع عليها، وتفكيك الإدارات المحلية الحالية الموالية للأمهرا، والتي أُنشئت خلال حرب التيغراي، قبل الإشراف على عودة النازحين، ثم التفاوض على وضعها المستقبلي، في حين كان موقف الحكومة الفيدرالية يتمثل في تسهيل عودة النازحين إلى هذه المناطق أولًا، ثم تنظيم استفتاء لتحديد ما إذا كانت ستخضع لإدارة الأمهرا أو تيغراي(6).

العوامل الممهِّدة لاندلاع الاشتباكات في تيغراي

سُبق مشهد الاشتباك العسكري بأشهر طويلة من التوتر المستمر بين الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي والحكومة المركزية، هيأت البيئة لمثل هذا التطور، وتقف خلف هذا التوتر مجموعة من العوامل، أهمها:

أولًا: ثغرات اتفاقية بريتوريا

عند توقيع اتفاقية السلام الدائم لوقف العدائيات في بريتوريا، كان الأمل يحدو المجتمع الدولي في إنهاء أحد أدمى الصراعات في القرن الحادي والعشرين، والذي حصد أرواح ما يقرب من 600.000 شخص(7). ورغم نجاحها في إسكات البنادق، فقد انطوت الاتفاقية على ثغرات جوهرية تحولت مع مرور الوقت إلى ألغام موقوتة؛ حيث ركزت بشكل أساسي على الجوانب العسكرية التقنية دون تقديم حلول نهائية للقضايا السياسية والحدودية الشائكة(8).

غموض الآليات المتعلقة بكيفية حسم عديد من الملفات الحساسة جعل تنفيذ الاتفاقية رهنًا بالتفاهمات السياسية بين الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي والحكومة الفيدرالية؛ حيث يشير التحليل المعمق للوثيقة والواقع العملي إلى أن الحكومة الفيدرالية استخدمتها أداةً لإدارة الاستقرار والتقليص التدريجي لنفوذ جبهة تحرير شعب تيغراي، في حين جعلتها الجبهة وسيلة لالتقاط الأنفاس والحفاظ على وجودها الإداري والعسكري(9).

هذا الواقع المعقد حول الاتفاقية وتنفيذها إلى جزء رئيسي في صراع القوة الدائر بين الطرفين الموقعين عليها؛ ما أدى في النهاية إلى تكرار الاتهامات المتبادلة بالتملص من تنفيذ بنود الاتفاقية، ووقوعها في دائرة التهديد المستمر بالتقويض وتحطيم الأرضية الوحيدة لحل الأزمة في تيغراي وتشعباتها داخل إثيوبيا.

ثانيًا: الصدع الداخلي في تيغراي

لا يمكن فهم اندلاع اشتباكات 26 يناير/كانون الثاني 2026 دون النظر في التحول الجذري الذي شهده إقليم تيغراي، في مارس/آذار 2025، عندما وقع انقسام عميق داخل الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي أدَّى إلى إزاحة رئيس الإدارة المؤقتة، غيتاتشو رضا، لصالح تيار أكثر تشددًا يقوده رئيس الجبهة، ديبرصيون جبريميكائيل.

هذا الانقسام لم يكن مجرد صراع على السلطة في الإقليم الشمالي، بل كان خلافًا جوهريًّا حول العلاقة مع أديس أبابا؛ حيث اتهم فصيل ديبرصيون إدارة غيتاتشو بالضعف والتواطؤ مع الحكومة الفيدرالية في تهميش مطالب التيغراي وتطبيق بنود اتفاقية بريتوريا، في حين اتهم الأخير قيادة الجبهة بأنها تعيق عملية السلام وتجر الإقليم إلى جولة جديدة من الصراع للحفاظ على نفوذها.

تطور الصراع في أوائل عام 2025 إلى مواجهات صامتة ثم علنية؛ حيث قامت قوات موالية لفصيل ديبرصيون بالسيطرة على مكاتب إدارية في مقلي ومصادرة الأختام الرسمية في مناطق عديدة في وسط وجنوب الإقليم(10)؛ حيث وصفت الإدارة بقيادة غيتاتشيو هذه التحركات بـ"الانقلاب الرسمي"(11).

أدى تصاعد الصراع بين الجناحين إلى هروب غيتاتشو رضا وعدد من مؤيديه إلى أديس أبابا؛ حيث بدأوا في العمل مستشارين للحكومة الفيدرالية والتحريض ضد القيادة الجديدة في مقلي؛ حيث لم يضعف هذا التشرذم الموقف التفاوضي لتيغراي فحسب، بل جعل القوات العسكرية تنقسم هي الأخرى في ولاءاتها، في حين أدى استيلاء جناح ديبرصيون على السلطة في الإقليم إلى أن تشهد العلاقات مع أديس أبابا سلسلة متواصلة من التوترات والاتهامات المتبادلة، انتهاءً بالاشتباكات المسلحة أخيرًا.

ثالثًا: الفشل في التوصل إلى حل لقضايا الأراضي المتنازع عليها 

تعد السيطرة على مناطق ولقايت/غربي تيغراي ورايا/جنوبي تيغراي من القضايا المعقدة لتشابك أبعادها تاريخيًّا واقتصاديًّا ووجدانيًّا، وثمة نزاع حاد بين كل من التيغراي والأمهرا على الأحقية بالسيادة على المنطقتين، وقد تبعتا وفقًا لدستور 1994 إقليم تيغراي، وهو ما يرفضه الأمهرا، وكانت إعادة فرض سيطرتهم على المنطقتين من أهداف تحالف القوميين منهم مع رئيس الوزراء، آبي أحمد، الذي بلغ ذروته منذ بداية حرب التيغراي، في نوفمبر/تشرين الثاني 2020(12).

بالنسبة للتيغراي، تمثل هذه المناطق سلة الغذاء والمنفذ الإستراتيجي الوحيد نحو السودان والعالم الخارجي بعيدًا عن حصار أديس أبابا وأسمرا. أما بالنسبة للأمهرا؛ فهي تكتسب أهمية رمزية بالغة كأراض "مستردة" تم انتزاعها منهم قسرًا في عام 1991، ويرفضون تقديم أي تنازلات بشأنها(13).

اتسمت الفقرة الرابعة من المادة رقم 10 التي تناولت قضايا الأراضي المتنازع عليها في اتفاقية بريتوريا بقدر من الغموض؛ حيث لم تحدد تبعيتها لطرف دون الآخر، بل أحالتها إلى الدستور الإثيوبي، حيث "تتعهد الأطراف بحل القضايا المتعلقة بالمناطق المتنازع عليها والهويات وفقًا لدستور جمهورية إثيوبيا الفيدرالية الديمقراطية"(14).

ونتيجة لهذا الغموض تعقَّد الملف تبعًا للتفسيرات المتباينة للاحتكام للدستور؛ حيث يرى التيغراي أنه يعني العودة لحدود 1991، في حين أعلن آبي أحمد في لقاءات برلمانية أن الحل سيكون عبر "استفتاء شعبي" في المناطق المتنازع عليها، وهو ما رفضه كل من التيغراي والأمهرا(15).

رابعًا: قضايا النازحين

يمثل ملف النازحين داخليًّا أحد أكثر الملفات حساسية على العديد من الصعد؛ حيث تشير تقارير أممية إلى وجود قرابة 900 ألف نازح داخليًّا في تيغراي(16) يعيشون ظروفًا مأساوية في مخيمات مؤقتة داخل الإقليم، محرومين من العودة إلى ديارهم في المناطق المتنازع عليها.

وبحلول يناير/كانون الثاني 2026، انحدرت الأزمة الإنسانية في مخيمات النازحين إلى مستويات كارثية؛ حيث تشير تقارير إلى وفاة 300 شخص منذ عام 2022، منها أكثر من 50 حالة وفاة بسبب الجوع ونقص الرعاية الطبية سُجِّلت منذ يوليو/تموز 2025 في مخيم هيتساتس وحده، الذي يضم أكثر من 16.000 نازح، بينهم 1.700 يواجهون خطر الموت جوعًا بشكل عاجل(17).

ومما زاد خطورة هذا الملف تحوله من أزمة إنسانية إلى ورقة مساومة سياسية إستراتيجية بين مقلي وأديس أبابا؛ حيث يتهم تقييم صادر عن "الجمعية العالمية لعلماء ومهنيي تيغراي" القيادة في مقلي باستخدام النازحين "رهائن" لتعزيز أجندتها السياسية؛ إذ أعلنت قيادة الجبهة والقادة المتحالفون معها أنه لن يُسمح للنازحين بالعودة إلى ديارهم في غرب تيغراي/ولقاييت ما لم يتم أولًا استعادة السيطرة العسكرية والإدارية الكاملة للجبهة على تلك المناطق وإعادة تنصيب هيكل الجبهة الأمني هناك(18).

وفي المقابل، تتهم الجبهة الحكومة الفيدرالية بتعمد عرقلة المساعدات وبتعقيد عودة النازحين من خلال المساهمة في التغيير الديمغرافي ونشر "القوات الغازية" والمستوطنين "الذين استولوا على بيوت التيغراي وأراضيهم"(19)؛ ما يَحُول دون توفير البيئة الملائمة لعودة النازحين.

أدى طول أمد النزوح وفشل الحلول السياسية إلى تصدع الحاضنة الشعبية للجبهة داخل تيغراي؛ حيث شهدت مقلي سلسلة من التظاهرات الحاشدة، كان أبرزها في يونيو/حزيران 2025، حين تجمهر النازحون أمام مكتب رئيس الإدارة المؤقتة مطالبين بالعودة الفورية، متهمين النخبة السياسية بالتقاعس عن إنقاذهم من المأساة المستمرة لخمس سنوات(20)؛ ما وضع الشرعية الشعبية للجبهة على المحك كقوة مدافعة عن التيغراي وحقوقهم.

خامسًا: سحب الصفة القانونية عن الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي

تعد قضية الوضع القانوني للجبهة الشعبية لتحرير تيغراي أحد أكثر الألغام خطورة في المشهد السياسي الإثيوبي، مع تحولها من نزاع إجرائي إلى تهديد وجودي لاتفاقية السلام؛ حيث اتخذ المجلس الوطني للانتخابات في إثيوبيا، في مايو/أيار 2025، قرارًا تاريخيًّا بإلغاء تسجيل الجبهة حزبًا سياسيًّا قانونيًّا(21).

وفي تبريره للقرار، أعلن المجلس أن الجبهة فشلت في عقد مؤتمرها التأسيسي الجديد وانتخاب قيادة مستقرة والموافقة على اللوائح الداخلية ضمن المهلة المحددة التي حددها لها، ما يترتب عليه فقدان الجبهة لمميزاتها كحزب رسمي وشطبها من القوائم الانتخابية، ومنعها رسميًّا من المشاركة في الانتخابات الوطنية العامة السابعة المقررة في يونيو/حزيران 2026(22).

وبينما تصر الحكومة على وجوب الامتثال لقرارات مجلس الانتخابات فقد رفضت الجبهة شروط إعادة التسجيل كحزب جديد، معتبرة أن شرعية الجبهة مستمدة من اتفاقية بريتوريا التي وقَّعَتها كطرف معترف به، وأن قرار المجلس يتناقض مع روح الاتفاق الذي يَعُدُّ الجبهة ممثلًا شرعيًّا لتيغراي دون إعادة تأسيس(23).

يهدد هذا الفراغ القانوني سلطة الجبهة وشرعيتها في قيادة إقليم تيغراي مع استبعادها من الانتخابات المزمع عقدها هذا الصيف، وهو ما يدفع المحللين إلى القول بأن هذا الاستبعاد السياسي للجبهة هو محرك رئيسي لتحركاتها العسكرية في يناير/كانون الثاني 2026؛ حيث تسعى لاستخدام القوة الميدانية لفرض اعتراف سياسي جديد قبل الانتخابات القادمة.

سادسًا: العلاقات مع إريتريا

تحولت العلاقة مع إريتريا(24) في الأشهر الأخيرة إلى عامل توتر مركزي بين الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي والحكومة الفيدرالية؛ حيث اتهمت الخارجية الإثيوبية حكومة إريتريا والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي بتكوين تحالف جديد بهدف "شن حرب" على إثيوبيا(25)، وهو ما رفضته الجبهة التي وصفت الاتهامات بأنها "غير دقيقة وذات دوافع سياسية"(26).

إستراتيجيات إدارة المواجهة بين الطرفين

ميدانيًّا، اعتمدت الجبهة إستراتيجية هجومية استباقية بعبور نهر تيكيزي والسيطرة على ألاماطا وكوريم لفرض واقع ميداني جديد؛ حيث استخدمت في منطقة صلمتي وحدات مشاة خفيفة مدعومة بالأسلحة الثقيلة قادرة على المناورة في المنطقة الجبلية الوعرة، كما عبَّأت الجبهة ما يُعرف بـ"الجيش 70" في معسكراته على الحدود السودانية-الإثيوبية، ولوحت بتنفيذ كماشة متعددة الرؤوس على منطقة غربي تيغراي/ولغاييت.

إداريًّا، أصدرت قوات دفاع تيغراي حال دخولها مدنًا كألاماطا إخطارات لنزع سلاح الميليشيات المحلية، وقامت بتنفيذ اعتقالات انتقائية لتثبيت سلطة الأمر الواقع.

في الجهة المقابلة، تعمدت القوات الفيدرالية الانسحاب من المدن والبلدات كألاماطا وكوريم لتجنب الدخول في معارك استنزاف حضرية، معتمدة على ميليشيات حليفة كـ"قوات سلام تيغراي" و"حراس تيكيزي" للقيام بالعمل الميداني المباشر؛ مما يقلِّل من الخسائر البشرية في صفوف الجيش النظامي.

وشكَّلت الطائرات المسيرة أداتها للهيمنة من الجو؛ حيث وجَّهت ضربات لخطوط إمداد التيغراي ولاستهداف المخازن العسكرية وقوافل الدعم اللوجستي من إريتريا(27) في قلب تيغراي، كما علقت الخطوط الجوية الإثيوبية رحلاتها إلى الإقليم(28).

إعلاميًّا، برز تفاوت واضح في تعاطي الطرفين مع هذه الاشتباكات؛ حيث التزمت الحكومة الإثيوبية الصمت، فلم تصدر عنها بيانات تتعلق بمجريات هذه الاشتباكات أو أسبابها أو رؤية الحكومة حيالها، في حين أصدرت الجبهة أكثر من بيان منذ بدء التصعيد، كما عقد رئيس الإدارة المؤقتة في تيغراي، الجنرال تاديسي وريدي، لقاء تليفزيونيًّا تناول فيه التطورات الأخيرة.

الأهداف الإستراتيجية للطرفين في المواجهة

تشير الإستراتيجيات المتبعة من الطرفين إلى سعي كل منهما لرسم واقع جديد من خلال هذه المواجهة.

أولًا: الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي

يمكن تلخيص أهداف الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي من خوض هذه الاشتباكات في النقاط التالية:

أ) السيطرة على الأراضي المتنازع عليها وضمان عودة النازحين

ترى قيادة الجبهة أن استمرار الوجود الأمهري كإدارات محلية وميليشيات متحالفة مع أديس أبابا في غرب تيغراي/ولغاييت يمثل خرقًا جوهريًّا لاتفاق بريتوريا وتهديدًا دائمًا لسلامة الإقليم، ووفق ما أعلنته فإن الهدف الرئيسي من هذه التحركات هو فرض انسحاب هذه القوات وتفكيك هذه الإدارات، وتأمين عودة النازحين "بصورة آمنة وكريمة"(29)، واستعادة ما تعده حدود تيغراي الدستورية.

ب) فرض تنفيذ شامل لاتفاق بريتوريا وليس إلغاءه

أصرَّت الجبهة في مذكرتها، التي أصدرتها في 2 فبراير/شباط، على أن الاتفاق لا يزال الإطار الأفضل، لكنها تطالب بتنفيذه كاملًا بما يتضمن إعادة دمج تيغراي، ورفع العقوبات الاقتصادية على الإقليم، ومعالجة ملف الحدود الداخلية، وإخضاع القوات غير الفيدرالية لسلطة القانون. ومن منظورها، فإن الرد على ما تصفه بـ"التعبئة العسكرية على مستوى البلاد"(30) من جانب الحكومة يهدف إلى منع فرض أمر واقع جديد ينسف الاتفاق ويجرد تيغراي من أي أوراق تفاوض.

ج) منع "خنق" الإقليم اقتصاديًّا وأمنيًّا

تشير مذكرة الجبهة إلى أن الحكومة استخدمت أدوات عقابية ضد المدنيين: كتعليق الرحلات الجوية، وخلق شحٍّ في السيولة النقدية، وتشديد القيود على الحركة، وتصف ذلك بأنه "عقاب جماعي"(31) يهدف إلى تركيع الإقليم سياسيًّا. وبالتالي، فهدف القوات التيغراوية، وفق هذا الخطاب، هو كسر حالة الحصار ومنع عزل الإقليم تمامًا عن بقية إثيوبيا بما يسمح بفرض ترتيبات سياسية أحادية الجانب.

د) الانتصار في صراع شرعية داخل تيغراي

أدى انقسام النخبة التيغراوية إلى صراع بين أطراف متنازعة يسعى كل منها لإثبات أنه الأقدر على حماية كرامة وأمن الإقليم وسكانه؛ ما يخلق حافزًا للتصعيد بدل قبول ترتيبات يُنظر إليها كتنازل مبالغ فيه؛ حيث تعكس تصريحات غيتاتشو رضا هذا الانقسام في دعوته إلى محاسبة "من يبذلون قصارى جهدهم لإعادتنا إلى الحرب"، في إشارة إلى قادة الجبهة الذين اتهمهم بأنهم "أطالوا معاناة شعبنا نتيجة التعطش الشخصي والجماعي للسلطة"(32)، في حين تحاول الجبهة من خلال العمل العسكري تثبيت وضعها: الفاعل الأبرز في الإقليم.

هـ) التفاوض من خلال فرض أمر واقع

هدفت الجبهة من خلال تقدم قوات دفاع تيغراي ميدانيًّا إلى فرض أمر واقع ميداني وجَرِّ الجيش الفيدرالي إلى الدخول في اشتباكات واسعة واستقطاب الاهتمام الدولي للحيلولة دون الانزلاق إلى الحرب الشاملة من جهة، وبما يهيئ المناخ المناسب للتفاوض على جميع الملفات من واقع قوة، وعلى رأسها ملف الأراضي المتنازع عليها واستعادة الوضع القانوني للجبهة حزبًا سياسيًّا داخل إثيوبيا.

ثانيًا: الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وحلفاؤها

تهدف الحكومة الإثيوبية والميليشيات المتحالفة معها إلى تحقيق مجموعة من الغايات عبر الإستراتيجية التي اتبعتها، وأهمها:

أ) إعادة فرض السيطرة الفيدرالية ومنع إعادة تشكُّل قوة مسلحة مستقلة

تستهدف الحكومة الإثيوبية إبطال أي جدوى ممكنة لأي عمل عسكري يتحدى سلطة الدولة أو يستهدف فرض وقائع بالقوة على المركز؛ حيث يمكن قراءة التحركات العسكرية، بما فيها نشر قوات إضافية واستخدام الطائرات المسيرة، على أنها رسالة ردع بأن أي تحرك مسلح خارج ترتيبات بريتوريا سيُواجَه بقوة.

ب) تثبيت المكاسب في الأراضي المتنازع عليها وحماية الحلفاء المحليين

استمرار دعم ميليشيات "حرس تيكيزي" والقوى الأمهرية في غرب تيغراي يوحي بأن الحكومة لا تريد خسارة النفوذ الذي اكتسبته تلك القوى في الحرب السابقة، وترى في انسحابها خطرًا سياسيًّا وأمنيًّا داخليًّا. فمن منظور أديس أبابا وحلفائها الأمهرا فإن أي إعادة ترسيم تعيد غرب تيغراي بالكامل لتيغراي قد تُفسَّر تنازلًا تحت الضغط المسلح، وهو ما تحاول القيادة تجنبه.

ج) منع توظيف ملف تيغراي في الصراع مع إريتريا ومع القوى الداخلية

تخشى الحكومة أن يتحول إقليم تيغراي إلى منصة لتعاون بين خصومها الداخليين وأسمرا أو قوى خارجية، خاصة في ظل توتر متصاعد حول قضية الوصول إلى البحر الأحمر، لذلك تسعى إلى إظهار أنها قادرة على التحكم بالأمن في الشمال، وأنها لن تسمح بفراغ أمني يفتح الباب أمام تدخلات إريترية أو تحالفات غير خاضعة لسيطرة المركز، مع الاستمرار في حرب منخفضة الحدة.

د) استخدام أدوات الضغط الاقتصادية والإدارية

تعليق رحلات الخطوط الإثيوبية إلى تيغراي، إلى جانب القيود المالية والإدارية، يُستخدم للضغط على القيادة التيغراوية، عبر خلق كلفة اقتصادية واجتماعية لأي تصعيد عسكري من جانبها؛ حيث تستهدف الإجراءات دفع أبناء الإقليم والنخب المحلية للسعي إلى التهدئة وقبول ترتيب يرسخ سلطة الحكومة الفيدرالية حتى لو لم يعالج جذور المطالب التيغراوية بالكامل.

خاتمة

تكشف الجولة الأخيرة من القتال في شمال إثيوبيا أن اتفاقية بريتوريا، التي بدت في لحظة توقيعها إطارًا واعدًا لإنهاء الحرب، لم تكن سوى هدنة سياسية هشة أرجأت انفجار التناقضات البنيوية دون أن تنجح في حلها. فالقضايا الجوهرية التي شكَّلت جوهر الصراع -من وضع الأراضي المتنازع عليها إلى ملف النازحين، ومن موقع الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي في النظام السياسي إلى التوازنات الإقليمية المحيطة بالإقليم- ظلت عالقة في منطقة رمادية بين النصوص القانونية والتفاهمات السياسية المؤقتة.

وفي هذا السياق، لا تبدو الاشتباكات الأخيرة مجرد حادث عسكري عابر، بل تعبيرًا عن صراع أعمق حول إعادة رسم موازين القوة في شمال إثيوبيا. فكل طرف من أطراف المواجهة يسعى إلى استخدام القوة المحدودة لإعادة تعريف شروط التفاوض وإعادة ترتيب الوقائع على الأرض بما يخدم مصالحه السياسية والإستراتيجية. ومن هنا يمكن فهم حرص الطرفين في الوقت ذاته على إبقاء المواجهة ضمن نطاق جغرافي محدود، وتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة قد تعصف بما تبقى من ترتيبات ما بعد بريتوريا.

غير أن استمرار هذه المقاربة القائمة على إدارة الصراع بدل حله يحمل في طياته مخاطر كبيرة؛ إذ إن ترك القضايا الجوهرية دون تسويات نهائية -وخاصة ملف الأراضي المتنازع عليها وقضية النازحين- يعني بقاءها بؤرًا دائمة للتوتر يمكن أن تعيد إشعال القتال في أي لحظة. لذلك فإن مستقبل الاستقرار في شمال إثيوبيا سيظل مرهونًا بقدرة الأطراف الإثيوبية، بدعم إقليمي ودولي، على الانتقال من منطق الهدن المؤقتة إلى منطق التسويات السياسية الشاملة التي تعالج جذور الأزمة لا مظاهرها العسكرية.

نبذة عن الكاتب

مراجع

1- ظهرت أكثر من رواية حول كيفية بدء القتال لكنها في النهاية تتفق على تحرك قوات دفاع تيغراي نحو المنطقة المذكورة، كما أنها ما تحقق منه الكاتب من مصادر على الأرض.

2- ميليشيا تضم منشقين عن قوات دفاع تيغراي وتسعى لإسقاط هيمنة الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي على المنطقة.

3- Birru, Jelale Getachew, Ethiopia: Fresh clashes renew fears for a return to conflict — Expert comment, ACLED, 02/02/2026, (Accessed: 03/02/2026), https://h7.cl/1oivV

4- ستتناول الورقة هذا الملف بشكل مفصل لاحقًا.

5- BBC Amharic, የትግራይ ጊዜያዊ አስተዳደር ከፌደራል ኃይሎች ጋር የተካሄደው ግጭት "ሊፈጠር የማይገባ ነበር" አለ, 02/02/2026, (Accessed: 03/02/2026), https://h7.cl/1jg0x

6- FDRE Government Communication Service, Statement of the Goverenment of the Federal Democratic Republic of Ethiopia Regarding the First anniversary of the Signing of The “Agreement For Lasting Peace Through a Permanent Cessation of Hostilities”, 6/11/2023.

7- CFR, Conflict in Ethiopia, 20/03/2025, (Accessed: 02/02/2026), https://h7.cl/1oiwe

8- محمد علي، عبد القادر، اتفاقية وقف العدائيات في إثيوبيا: المكاسب والثغرات والسيناريوهات المستقبلية، مركز الجزيرة للدراسات، 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2022، (تاريخ الدخول: 2 فبراير/شباط 2026)، https://h7.cl/1jg0J

9- المصدر السابق.

10- ACLED, Ethiopia situation update (19 March 2025), 20/03/2025, (Accessed: 02/02/2026), https://h7.cl/1jg0R

11- Addis Standard, News: Tigray interim admin accuses TPLF faction of 'coup d’état,' asserts power-sharing is 'non-negotiable', 11/11/2025, (Accessed: 02/02/2026), https://h7.cl/1oiwx

12- محمد علي، عبد القادر، غربي تيغراي.. قراءة في أبرز معضلات محادثات السلام الإثيوبية، تريندز للدراسات والاستشارات، 8 سبتمبر/أيلول 2022 (تاريخ الدخول: 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2022)، https://cutt.us/J0mQA

13- المصدر السابق.

14- Agreement for Lasting Peace through the Permanent Cessation of Hostilities Between the Government of the Federal Democratic Republic of Ethiopia and the Tigray People's Liberation Front (TPLF), 10/04.

15- The Reporter, Pretoria Agreement, referendum proposals reanimate tensions between Fed and Tigray Admin, 10/02/2024, (Accessed: 02/02/2026), https://h7.cl/1jg10

16- UNHSCR, Ethiopia Refugees and Internally Displaced Persons as of 31 January 2025, p.1.

17- Gebregziabher, Mulugeta , Tigray: Preventing the next Hitsas – a call reform, local accountability and a diplomatic pressure, Martin Plaut, 28/12/2025, (Accessed: 02/02/2026), https://h7.cl/1jg15

18- Borkina, GSTS Assessment of the Second Tigray Interim Administration’s Eight Month Performance and GSTS’s Strategic Recommendations on Tigray’s  Priorities , 26/11/2025, (Accessed: 02/02/2026), https://h7.cl/1jg19

19- Tigray People's Liberation Front, ብዋጋ ሞትን ስቓይን ህዝቢ ትግራይ ዝፍፀም ፖለቲካዊ ሸፈጥ የብቅዕ! ስምምዕ ፕሪቶርያ ይተግበር!, Facebook, 27/10/2025, (Accessed: 02/02/2026), https://h7.cl/1jg1c

20- Addis Standard, News: IDPs from Western Tigray protest at Interim President’s Office demanding return to their homes; denounce stalled promises by authorities, 12/06/2025, (Accessed: 02/02/2026), https://h7.cl/1jg1g

21- محمد علي، عبد القادر، ماذا يعني نزع القانونية عن جبهة تحرير تيغراي؟، الجزيرة نت، 20 مايو/أيار2025، (تاريخ الدخول: 2 فبراير/شباط 2026)، https://h7.cl/1oiwU

22- المصدر السابق.

23- المصدر السابق.

24- محمد علي، عبد القادر، بين الأمهرا والتيغراي: إريتريا وإدارة تحالفاتها مع خصمين متصارعين في إثيوبيا، مركز الجزيرة للدراسات، 10 سبتمبر/أيلول 2025، (تاريخ الدخول: 4 فبراير/شباط 2026)، https://h7.cl/1jg1o

25- Maina, Mwangi, Ethiopia accuses Eritrea, TPLF of forging new alliance to destabilise country, The Eastleigh Voice, 07/10/2025, (Accessed: 04/02/2026), https://h7.cl/1oix3

26- All Africa, Ethiopia: TPLF Rejects Claims of Alliance With Eritrea, Calls Cross-Border Ties a Step Toward Peace, 09/10/2025, (Accessed: 04/02/2026), https://h7.cl/1jg0a

27- لم تصدر الحكومة الإثيوبية بيانًا حول هذه الضربات لكن عزا المناصرون لها هذه الهجمات إلى وجود إمداد لوجستي إريتري.

28- تم استئناف الرحلات إلى الإقليم بعد بضعة أيام.

29- TPLF, TPLF Aide-Mémoire: The Federal Government’s Comprehensive and Sustained Campaign Against the People of Tigray, Martin Plaut, 02/02/2026, (Accessed: 03/02/2026), https://h7.cl/1oivJ

30- المصدر السابق.

31- المصدر السابق.

32- الحساب الرسمي لغيتاتشو رضا على منصة إكس https://h7.cl/1jf-Y