فاقت الهجمات الإيرانية على دول الخليج هجماتها على إسرائيل، فلقد بلغ العدد الإجمالي للهجمات الإيرانية خلال عشرة أيام الأولى من الحرب، حسب عدد من المصادر الموثوقة، نحو 2410 صواريخ باليستية و3560 طائرة مسيرة، ومجموعهما نحو 5970 قذيفة. وقد بلغ عدد الصواريخ الباليستية الموجه للخليج 2.5 ضعف عددها الموجه إلى إسرائيل، وكانت نسبة الطائرات المسيرة الموجهة للخليج 20 ضعفَ الموجهة إلى إسرائيل. فكانت نسبة إسرائيل من المقذوفات الإيرانية 12.8% من إجمالي المقذوفات، بينما بلغت نسبة الإمارات 46%.
برَّرت إيران تركيز هجماتها على دول الخليج بأنها تستهدف القواعد الأميركية، والمنشآت والمصالح الأميركية في المنطقة. لكن قائمة الهجمات لم تقتصر على ذلك، فلقد ضربت منشآت طاقوية وموانئ، فاضطرت قطر إلى وقف إنتاج الغاز، بحكم القوة القاهرة التي فرضتها الهجمات على مجمع مسيعيد ورأس لفان، وأوقفت السعودية عمل مصفاة رأس تنورة بعد أن أشعل حطام طائرة مسيرة حريقًا هائلًا في المنشأة، وأعلنت كذلك البحرين وقف شحناتها من منشأة بابكو النفطية بحكم القوة القاهرة، واندلع حريق في منشأة الفجيرة النفطية بالإمارات.
أعلنت كذلك إيران تقييد الحركة في مضيق باب هرمز، فضربت الناقلات التي رفضت الامتثال لأوامرها، وقد بلغ عددها في الأيام الأولى للحرب خمس ناقلات، وبلغ عدد الناقلات الجاثمة قرب المضيق 150، فانخفضت حركة تصدير الطاقة من منطقة الخليج إلى بقية دول العالم، وأعلنت عدة شركات تأمين وقف عملياتها في المنطقة؛ لأن المخاطر مرتفعة جدًّا، ولا تستطيع تغطية الخسائر الناتجة عنها. وقد أصاب هذا التقييد المصدر الرئيسي لمداخيل الدول الخليج، وقد تصاب بالتالي ميزانياتها باختلالات تتسع مع استمرار الحرب.
أوضح قادة إيرانيون أن ضغطهم على منشآت الطاقة وتصديرها هو جزء من الحرب، لأنهم يراهنون من خلاله على إرساء صيغة جديدة وهي دفع مختلف الدول المتضررة من توقف وارداتها من الطاقة، وهي دول كبرى مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية ودول أوروبا، إلى التدخل لضمان أمن إيران من الهجمات الأميركية والإسرائيلية، والربط بين نفطها ونفط بقية الدول الخليج الأخرى في عمليات التصدير، فإما أن يتمكن الجميع من التصدير أو يتوقف الجميع.
ندَّدت دول الخليج بالهجمات الإيرانية، وعدَّتها غير مبررة، وأكدت أنها ليست طرفًا في الحرب، بل إنها سعت لمنعها، وحاولت التوسط لإيجاد مخرج سلمي للصراع بين الولايات المتحدة وإيران. وقد حصلت على قرار من مجلس الأمن يندد بالهجمات الإيرانية عليها، ويعدُّه عدوانًا على دول ذات سيادة. وأكدت دول الخليج في نفس الوقت أن عملياتها تظل دفاعية لحماية أقاليمها وسكانها ومنشآتها، وليست مشاركة في الهجوم على إيران.
قد يكون هذا الموقف الخليجي الدفاعي ليس متوافقًا مع حسابات بعض الأجنحة في القيادتين، الأميركية والإسرائيلية. فلقد صرَّح السيناتور الجمهوري، ليندسي غراهام، المقرب من الرئيس الأميركي، ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، نتنياهو، في حديث لجريدة إسرائيل هيوم المملوكة لسيدة الأعمال الأميركية الصهيونية، ميريام أديلسون، أنه يريد أن تشارك دول الخليج في الهجوم على إيران.
سبق أن حذر رئيس الوزراء القطري الأسبق، حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، وكذلك رئيس الاستخبارات السعودية الأسبق، تركي الفيصل، من انخراط دول الخليج في الحرب على إيران، ويشتركان في اعتبار الحرب على إيران تخدم أجندة إسرائيل في سعيها للسيطرة على المنطقة بكاملها، وليس من مصلحة دول الخليج الدخول في حرب استنزاف مع إيران تخرج منها إسرائيل القوة الرئيسية في المنطقة.
تتراوح حسابات دول الخليج بين اعتبارات ترجِّح انتقالها من الدفاع إلى الهجوم لحماية نفسها واعتبارات أخرى ترجح حفاظها على الموقف الدفاعي الراهن. يتحكم في الحالتين حسابات التكلفة والجدوى على المديات المختلفة، القصيرة والمتوسطة والبعيدة.
اعتبارت الهجوم والدفاع
العوامل التي ترجح خيار مشاركة دول الخليج في الهجوم على إيران عديدة:
أولًا: يمنح القانون الدولي دول الخليج حق الدفاع عن النفس بمهاجمة إيران لأنها دولة معتدية على دول ذات سيادة، لم تهاجم إيران.
ثانيًا: إذا شاركت قد تحصل من الولايات المتحدة على شراكات دفاعية أكثر صلابة، قد توفر لها التدخل الأميركي إلى جانبها تلقائيًّا إذا تعرضت لاعتداءات في المستقبل، وقد تُعزِّز دفاعاتها بمنظومات أميركية متقدمة تكون شبيهة بالمنظومات التي تحظى بها إسرائيل.
ثالثًا: قد تؤدي مشاركتها إلى إسقاط النظام الإيراني الحالي والمشاركة في إقامة نظام جديد يكون أكثر توافقًا مع مصالح دول الخليج.
لكن هناك اعتبارات أخرى ترجح فوائد الامتناع عن مهاجمة إيران:
أولًا: ستضرر سمعة دول الخليج إذا شاركت بجانب إسرائيل في مهاجمة إيران؛ لأن السردية الناتجة عن ذلك ستكون خدمة الأهداف الإسرائيلية وليس الدفاع عن السيادة الخليجية فقط.
ثانيًا: سبق أن حذَّر الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني من أن الولايات المتحدة وإسرائيل سينسحبان من الحرب مباشرة بعد انضمام دول الخليج إلى الهجوم على إيران، ويتركان الطرفين يستنزفان بعضهما بعضًا، ثم يلعبان دور المنقذ الذي يعمل على وقف الحرب حفاظًا على الخليج، ويحصلان بدلًا عن ذلك على مكاسب كبرى من دول الخليج. بذلك، يتحول موقف الولايات المتحدة وإسرائيل من دولتين تبحثان عن المساعدة إلى دولتين تلعبان دور المساعد، ويطلبان مقابلًا لذلك. علاوة على أن الخليج يكون قد استنزف إيران فيسهل على إسرائيل السيطرة على المنطقة.
ثالثًا: عارضت دول الخليج هذه الحرب، ووردت تقارير عن أن الولايات المتحدة اتخذت قرار شنِّها استجابة لنتنياهو دون إشراك لدول الخليج. هذا يدل على أن الحرب لا تخدم مصالح دول الخليج، ولم تشارك في قرار شنها. يمنح ذلك دول الخليج أداة ضغط على الولايات المتحدة التي لم تراع مصالحها ولم تشركها في القرار، وقد توظف ذلك في وضع شروط على العلاقة مع الولايات المتحدة لأن تصرفاتها أضرَّت بمصالح حلفائها من أجل مصلحة الحليف الإسرائيلي، ولم تعاملها معاملة الشريك في اتخاذ القرار. لذلك، لن يكون من مصلحة دول الخليج المشاركة الهجومية في الحرب لأنها ستخسر هذه الورقة في صياغة أمنها مستقبلًا.
رابعًا: المؤكد أن الهجمات الإيرانية ألحقت أضرارًا بدول الخليج على مختلف المستويات، المستوى السيادي والأمني والاقتصادي، لكن هذه الأضرار ستتضاعف إذا قررت دول الخليج المشاركة في الهجوم، فلقد تتسع عمليات الانتقام إلى منشآت الطاقة بالكامل، ومنشآت تحلية المياه أو المنشآت المائية في دول الخليج، ومنشآت الكهرباء، فتتعاظم الأضرار، ويقع عدد أكبر من القتلى في الجانبين، ولن يستعيد الطرفان عافيتهما ويتجاوزان الأحقاد الناشئة إلا بعد سنوات طويلة، بخلاف الوضع حاليًّا، فالجانبان يمكن أن يرأبا الصدع في وقت أقصر لأن غالبية المنشآت سليمة، ولم تقع خسائر بشرية كبيرة.
خامسًا: لا تتوافق أهداف هذه الحرب وأهداف دول الخليج على المدى البعيد؛ لأن دول الخليج تعطي الأولوية للرخاء الاقتصادي، وتتطلع إلى تنويع اقتصاداتها والتحول إلى مراكز دولية في الطاقة والخدمات المصرفية والنقل الجوي والرياضة والمعلومات والذكاء الاصطناعي. لكن هدف الحرب الجارية هو القضاء على كل قوة إقليمية تحول دون هيمنة إسرائيل على المنطقة. ولذلك، ستظل أهداف دول الخليج وأهداف إسرائيل والولايات المتحدة الداعمة لها متعارضة في المستقبل. ولن تحل هذا التعارض اتفاقات إبراهام التي تركز على التطبيع مع دول الخليج من أجل الرفاه الاقتصادي؛ لأن إسرائيل لا تعطي الأولوية للرفاه الاقتصادي بل للسيطرة الأمنية على المنطقة، والقضاء على كل قوة تقاوم ذلك.
سادسًا: نفترض أن الولايات المتحدة وإسرائيل تمكنتا من الإطاحة بالنظام الإيراني، قد تبدو دول الخليج حينها قد فوَّتت فرصة المشاركة الهجومية لحجز مكان على طاولة ترتيبات ما بعد الحرب؛ لكن العكس هو الصحيح، فستجد دول الخليج نفسها في موقف أفضل للمشاركة في ذلك إذا حافظت على موقفها الدفاعي، فمن جهة سينظر إليها الإيرانيون وديًّا لأنها لم تشارك في الاعتداء عليه ولم تسفك دماءهم، ويقبلون بها وسيطًا أو طرفًا في الحفاظ على بلدهم، ويودون مشاركتها في إعادة الإعمار، وكذلك ستضطر الولايات المتحدة إلى الاستعانة بدول الخليج في جهود إعادة الإعمار، ولن تجد بديلًا لها.
الأقل سوءًا
يتضح من مقارنة الخسائر أن التمسك بالموقف الدفاعي هو الإستراتيجة الأقل سوءًا؛ والتي توسع خيارات دول الخليج مستقبلًا لبناء موقف إستراتيجي يضع في الحسبان مراجعة العلاقة مع الولايات المتحدة حتى لا تتخذ قرارات تضر مصالح دول الخليج، وحتى تعيد صياغة علاقاتها مع إيران حتى تجعل تكاليف مهاجمتها مستقبلًا أكبر من عوائد إيران المرتجاة.