حقائق المشرق الجيوسياسية: ما تؤكده الحرب وما تنفيه

أكدت الحرب الممتدة من نهاية 2023 إلى 2026 أن دول المشرق مترابطة أمنيًّا واقتصاديًّا؛ وأن أساس مشكلاتها هو نشوء الدولة القومية التي لم تراع الترابط السكاني والحضاري للمنطقة، وفتحت الباب أمام الحماية الخارجية التي أثبتت المرة بعد الأخرى فشلها في الإيفاء بتعهداتها.
الصواريخ الإيرانية حلقة في حروب ممتدة (AFP)

الحرب التي اندلعت بالهجوم على إيران، في 28 فبراير/شباط2026 ، واتسعت لتستهدف لبنان، وشهدت ردًّا إيرانيًّا في كافة الاتجاهات استهدف إسرائيل وأهدافًا في جوار إيران العربي، ليست سوى جولة أخرى في حرب طويلة بدأت في أكتوبر/تشرين الأول 2023. وهذه الحرب، حرب العامين ونصف العام، هي الأطول على الإطلاق في تاريخ المشرق الحديث، وهي حرب محدودة، والأكثر اتساعًا في الوقت نفسه. الأكثر اتساعًا لأنها استهدفت الجغرافيا المشرقية في جهاتها الأربع، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وحرب محدودة، لأنها لم تمتد إلى خارج حدود المشرق العربي-الإسلامي إلا بظلال خفية وعابرة، وبتوقعات لم يزل ثمة شك في تحققها.

وهذه الحرب هي الأكثر أهمية والأوقع أثرًا من سلسلة الحروب العربية-الإسرائيلية بعد 1948، ومن كافة الحروب الأخرى التي شهدها المشرق، من الحرب العراقية-الإيرانية، إلى حربي الخليج الأولى والثانية. ليس لأنها الحرب الأطول وحسب، ولا لأنها بدأت بالاشتباك في فلسطين التي لم تنفك تمثل بؤرة الصراع الأكثر اشتعالًا منذ سبعين عامًا، ولا لأنها شهدت في جولتها الأخيرة أول عمل عسكري/سياسي أميركي/إسرائيلي فعلي، ولكن أيضًا لأنها تستهدف كافة دول المشرق بلا استثناء.

 

ويمكن القول: إنها لذلك كله تعيد التوكيد على حقائق جيوسياسية، ما كان لها أن تخفى عن قادة الحكم ورجال الدولة وعن الرأي العام. كما أنها أظهرت هشاشة قناعات جيوسياسية، كانت إلى الأمس القريب تبدو وكأنها مسلَّمات ليست عرضة للتساؤل أو الشك.

 

مجال الحرب

بدأت الحرب بمواجهة قصيرة ومحدودة بين مقاومين فلسطينيين في قطاع غزة والقوات الإسرائيلية في جوار القطاع. ولكنها سرعان ما اتسعت في جولتها الأولى لتصل إلى لبنان، وإلى هجوم إسرائيلي على إيران بهدف اغتيال قيادات فلسطينية، وإلى تبادل قصف منخفض الوتيرة بين إسرائيل وإيران. ولأن الحوثيين في شمال اليمن عملوا على محاولة إيقاف الملاحة الأميركية-الإسرائيلية في باب المندب، وتعهدوا عدة هجمات صاروخية وبطائرات مسيرة على إسرائيل مسانَدةً للمقاومة الفلسطينية، تعرض اليمن لغارات إسرائيلية مدمرة طوال العامين الأولين للحرب، وأخرى أميركية لفترة أقصر.

ولم تكد جولة الحرب الأولى تنتهي حتى قامت إسرائيل بقصف مجمع سكني في العاصمة القطرية، التي كانت تقوم بدور وساطة رئيسي في مفاوضات وقف النار، بهدف اغتيال قيادات المقاومة الفلسطينية في الخارج.

 أدَّت الحرب في عامها الأول إلى تبلور توازن قوى إقليمي جديد في المشرق، ساعد بصورة غير محسوبة ولا متوقعة على إطاحة نظام الأسد وانتصار الشعب السوري بعد 15 عامًا دامية ومريرة من الثورة. ولأن إسرائيل رأت في الدولة السورية الجديدة مصدر تهديد، سارعت إلى إطلاق هجمات واسعة على مقدرات سوريا العسكرية وإلى التوغل في الجانب السوري من الجولان. كما تسببت الحرب في تزايد حدة التوتر بين تركيا وإسرائيل، بعد أن اتخذت تركيا موقفًا متعاطفًا مع الفلسطينيين، وبدا وكأنها توشك أن تعزز من وجودها في سوريا.

ولم تلبث الحرب أن ولدت حربًا أخرى على إيران، استمرت لاثني عشر يومًا، شاركت فيها الولايات المتحدة بدور جانبي ومحدود، بهدف تدمير المقدرات النووية الإيرانية. ولم تكن حرب الاثني عشر يومًا محدودة بالجغرافيا الإيرانية، لأنها استهدفت أيضًا مواقع لميليشيات عراقية عُرفت بالولاء لإيران، في موازاة استمرار الهجمات على لبنان واليمن.

في جولتها الأخيرة، اندلعت الحرب بهدف إسقاط نظام الحكم الإيراني أو إحداث تغيير جوهري في قيادته ووجهته الإستراتيجية. ولذا، فقد بدأت هذه الجولة بمحاولة إبادة أكبر عدد ممكن من القيادة الإيرانية، بمن في ذلك المرشد الأعلى، وأوقعت التدمير بآلاف المواقع العسكرية والبحرية والأمنية والصناعية والجامعية، إضافة إلى مواقع اتصال وتحكم. وسرعان ما امتدت الحرب إلى لبنان، الذي تعرَّض لهجمات تدميرية في جنوبه وفي ضاحية عاصمته الجنوبية والبقاع، وإلى عشرات محاولات الاغتيال؛ إضافة إلى توغل بطيء ومستمر للقوات الإسرائيلية في المنطقة جنوبي الليطاني.

ولأن إيران نظرت إلى الحرب عليها بوصفها حربًا وجودية، فقد تبنَّت مقاربة شمولية للرد، لم تستند إلى مسوغات قانونية أو أخلاقية ولم تفرِّق في ردِّها بين إسرائيل وجوارها العربي-الإسلامي، الذي لم تعلن ولا دولة من دوله موافقتها على الحرب أو المشاركة فيها. قصفت إيران أهدافًا عسكرية وأمنية واستخباراتية في إسرائيل، كما استهدفت مواقع تمركز أميركية في الجوار العربي، إضافة إلى موانئ تحميل نفط ومَصَافٍ للبترول وإنتاج الغاز المسال، مدعية تبعيتها لشركات أميركية.

وعلى الرغم من أن مسؤولين إيرانيين كبارًا أنكروا الهجوم الصاروخي على عُمان، وإطلاق صاروخين إلى المجال الجوي التركي، إلا أن الأرجح أن إيران كانت مصدر هذه الصواريخ وأن المقصود منها كان الإنذار والتهديد.

وكما دفعت إيران حزب الله في لبنان للمشاركة في الرد على الحرب الأميركية-الإسرائيلية، كذلك فعلت في العراق؛ حيث شاركت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران في قصف أهداف في دول الخليج العربية، وفي قصف مواقع تتبع المعارضة الإيرانية الكردية في الشمال العراقي. ولكن الإقليم الكردي في شمال العراق كان هدفًا أيضًا لهجمات صاروخية إيرانية، استهدفت مواقع تمركز للقوات الأميركية، ومعسكرات ومكاتب للمعارضة الإيرانية الكردية، ومنشآت نفطية.

نجم عن حرب العامين ونصف العام، حتى الآن، دمار إبادي لقطاع غزة ومقتل عشرات الآلاف من سكانه، ودمار مشابه لبلدات وقرى الشريط الحدودي اللبناني وأجزاء واسعة من ضاحية بيروت الجنوبية، ودمار محدود لموانئ ومعسكرات ومحطات توليد طاقة يمنية. في سوريا، استهدفت الحرب تدمير كل ما تبقى من السلاح الثقيل والطائرات المقاتلة والطائرات المروحية بعد إطاحة النظام السابق، وإلى تمركز القوات الإسرائيلية في الجانب السوري من خط فصل القوات بأعماق مختلفة. كما نجم عنها دمار واسع النطاق، لم تتكشف أبعاده بعد، لمقدَّرات الشعب الإيراني ومؤسسات دولته؛ وتدمير لمواقع نفط وغاز، ومحطات تصدير نفط وغاز، وأهداف مدنية أخرى في دول الخليج والعراق.

تسببت الحرب في خفض كبير في دخل دول الخليج والعراق، التي يشكِّل تصدير النفط والغاز مصدر دخلها الرئيس. ولأن الحرب لم تزل مستمرة، فليس من الممكن بعد تقدير حجم التراجع في دخل هذه الدول. كما تسببت الحرب في تهجير ما لا يقل عن ثمانية ملايين من الفلسطينيين واللبنانيين والإيرانيين من مدنهم وبلداتهم.

وإن كانت الحرب قد أخفقت، أو تكاد أن تخفق، في تقسيم سوريا وإيران ولبنان، فإنها فاقمت من هشاشة الدولتين، اللبنانية والعراقية، وإن كان بمستويات متفاوتة. في العراق، حيث تتمتع إيران بنفوذ واسع النطاق في أوساط مواطنيه الشيعة، وفي مؤسسات دولته، كشفت الحرب عن غياب فادح لسيادة الدولة على أرضها، وقصور هائل في قدرة الدولة العراقية على السيطرة على شعبها. وإضافة إلى أن الحرب أظهرت عجزًا مشابهًا في قدرات الدولة اللبنانية، فإنها توشك أن تدفع لبنان كله إلى حافة الحرب الأهلية.      

  

حقائق تؤكدها الحرب

ما تؤكده الحرب بصورة لم يعد ممكنًا منازعتها أن المشرق العربي الإسلامي، الممتد من البحر الأسود إلى خليج عدن، ومن أصفهان إلى القاهرة، يمثل مجالًا جيوسياسيًّا واحدًا. خارج هذا الدائرة، ثمة دائرة أكبر، تحيط بالدائرة الداخلية الصغرى، وتضم عددًا من المجموعات الجيوسياسية. تمثل الهند وباكستان وأفغانستان معًا مجالًا جيوسياسيًّا واحدًا، وكذلك هي دول وسط آسيا المسلمة، ومجموعة دول جنوب القوقاز، ودول البلقان، واليونان وقبرص، وشمال إفريقيا، والسودان ودول القرن الإفريقي.

ترتبط مجموعة دول المجال المشرقي المركزي، أمنيًّا وسياسيًّا وديمغرافيًّا، بصورة وثيقة، وتكاد تكون جميعها، ما عدا إيران، وريثة الرابطة العثمانية. ولكن إرادة ومصالح القوى الخارجية هي التي صنعت معظم كياناتها السياسية، ورسمت حدودها، خلال العقد التالي على نهاية الحرب الأولى.

وإن لم تشترك دول هذا المجال في لغاتها الرسمية، فإنها تشترك في مكوناتها الإثنية المتنوعة، والعابرة للحدود، عربًا وتركًا وكردًا بصورة رئيسية، وهو ما صنع توترًا مديدًا بين أطراف التنوع الديمغرافي للشعوب، والأنظمة التي تحكمها. يشكِّل المسلمون السنَّة الأغلبية العظمى من سكان دول هذا المجال، ما عدا إيران ذات الأغلبية الشيعية، ولكن الطبيعة الخاصة لنمط الاجتماع في هذا المجال حافظ أيضًا على وجود جماعات ملموسة العدد من المسلمين الشيعة والزيدية والإسماعيلية والعلوية والدرزية، إلى جانب جماعات من المسيحيين من أتباع معظم الكنائس؛ وعلى وشائج القرابة بين شعوبها.

هنا، في هذه المجال المشرقي من العالم، وُلِدت أبكر الحضارات الإنسانية. هنا بدأت كتابة التاريخ، وهنا تعلَّم الإنسان كيف يزرع الحقول ويبني المدن، وهنا وضع الإنسان أول الشرائع والقوانين، وهنا وُلدت عقيدة التوحيد وعرف الإنسان ربه وخالقه واتجه إلى عبادة الإله الواحد.

ربطت بلادَ دائرة المشرق المركزية منذ قرون طويلة طرق قوافل التجار والحجيج والباحثين عن العلم والمعرفة، تمامًا كما تربطها اليوم أنابيب النفط والغاز والطرق السريعة وخطوط الطيران والملاحة. وقد برزت هذه المنطقة، منذ القفزات الملموسة في تطور وسائل الاتصال وحركة التجارة في القرن التاسع عشر، بوصفها دائرة جيوسياسية واحدة، الوضع الذي تجلَّى في أكثر صوره وضوحًا خلال الحرب العالمية الأولى، وانتشار الجيش العثماني للقتال، من العراق إلى مصر، ومن البحر الأسود إلى اليمن، ومن غرب إيران إلى البوسفور.

ولم تلبث هذه الوحدة الجيوسياسية أن عادت إلى التجلي في كافة المنعطفات الرئيسة خلال العقود ما بعد الحرب الأولى من القرن العشرين، من تأسيس المملكة العربية السعودية، والثورة الفلسطينية الكبرى في 1936–1939، وقيام إسرائيل في 1948، والحرب الثانية وإعادة احتلال سوريا ولبنان والعراق، والعدوان الثلاثي على مصر، وعقود الحرب الباردة وسياسة الأحلاف، والهزيمة العربية في يونيو/حزيران 1967. وما تعيد توكيده حرب العامين ونصف العام أن إسرائيل مصدر تهديد لكافة جوارها المشرقي، وأن ليس ثمة أمن خليجي بمعزل عن أمن إيران وتركيا والعراق وبلاد الشام، كما أن ليس ثمة أمن تركي بمعزل عن أمن إيراني وعراقي وسوري.

ولا يتعلق أمن هذا المجال بالجانب العسكري وحسب بل بالاقتصاد والتجارة وأنظمة الاتصال واستقرار الاجتماع السياسي. تشترك كل من إيران والعراق وتركيا وسوريا في مواجهة تحديات المسألة القومية الكردية. وتسببت سياسات القمع والتدخل الأجنبي خلال سنوات الثورة السورية في تدفق ملايين اللاجئين في كافة أنحاء المجال الجيوسياسي المركزي، من تركيا إلى لبنان والأردن والسعودية ودول الخليج الأخرى، ومن شمال العراق إلى مصر. ويصعب حسم الصراع الاقتصادي والتجاري في شرق المتوسط دون تفاهم بين تركيا وسوريا ولبنان ومصر. كما ارتبط انهيار الدولة اليمنية، والأثر الذي تركه هذا الانهيار، بتقاطعات سياسية واقتصادية بين دول الخليج والسعودية وإيران والعراق.

ترددت أصداء العدوان على غزة في إيران ولبنان والعراق وتركيا والإمارات وباب المندب، سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا. وحتى بمعزل عن هجمات الطائرات القاذفة والصواريخ والطائرات المسيرة، يكاد إغلاق مضيق هرمز، وتراجع صادرات النفط والغاز العربية، أن يترك آثارًا اقتصادية فادحة على كافة دول الدائرة المركزية، التي يعمل الملايين من أبنائها في دول الخليج.

هذا لا يعني بالضرورة أن هناك فصلًا قاطعًا بين الاعتبارات والمتطلبات الجيوسياسية لدول الدائرة المركزية، ودول الدائرة الخارجية الأكبر. هناك بالطبع صلات وثيقة بين أمن تركيا، من جانب، وأمن دول جنوب القوقاز والبلقان واليونان وقبرص، من جوانب أخرى. ويرتبط أمن السعودية واليمن ومصر، من جانب، بأمن السودان ودول القرن الإفريقي، من جانب آخر. كما أن ثمة علاقات تاريخية، وحسابات توازن قوة، تجمع باكستان والهند بالسعودية ودول الخليج. تمامًا كما تجمع روابط العروبة بين كافة دول المشرق والمغرب العربيين. ولكن هذه الصلات والعلاقات بين دول الدائرة المركزية ودول الدائرة الخارجية الأكبر هي في أغلب الأحيان محدودة وخطِّية الطابع، أو شرطية ومرحلية. في المقابل، تشترك دول الدائرة المركزية في مجال جيوسياسي متداخل، وعضوي، ومستديم، وحيوي.           

 

حقائق تنفيها الحرب

تجاهلت أنظمة الدولة الحديثة، الدولة القومية المركزية، مواريث البلاد التي تحكمها، وغضَّت النظر عن تنوعات شعوبها، وصنعت تصوراتها لأمنها، في أغلب الأحيان، في أطر قومية حصرية، وبدون كبير اعتبار لمصالح جوارها في المجال المركزي الجيوسياسي. ولأن أنظمة الدول الحاكمة أُقيمت على أسس من التوترات المديدة، التي وُلِدت من الخطوط العشوائية التي رسمت حدود هذه الدول، ولتفاوت مستويات الثراء والمقدرات التي تتمتع بها كل منها، فقد حكمت علاقات الجوار والمحيط الإقليمي مخاوف متبادلة، وعداوات ظاهرة أو مستبطنة، ودوافع توسع وسيطرة في بعض الأحيان.

عاشت شعوب دائرة المشرق المركزية قرونًا ضمن نظام إمبراطوري رسم تاريخَها وأسَّس لأنماط اجتماعها. ولكن كافة دول دائرة المشرق المركزية الحديثة نشأت من محاولات عبثية وانتحارية للقطيعة مع هذا الميراث، بهذه الدرجة أو تلك. وكان لتبني نموذج الدولة الحديثة، الدولة القومية، عواقب كارثية على الشعوب وعلى العلاقات بين دول الدائرة المشرقية المركزية. داخليًّا، عملت معظم دول المشرق على فرض هوية قومية أحادية، ذات بُعد ديني أو عداء للدين، مُوقعة انقسامات داخلية. وخارجيًّا، تبنَّت سياسات تقوم على أساس تصور ضيق لمصالح الدولة، متجاهلة العلاقات التاريخية بينها وبين محيطها الإقليمي.

وتكاد كافة حالات استدعاء مظلة الحماية الأجنبية، أو الوجود العسكري للقوى الكبرى، أن تكون وليدة الخوف من تغول إحدى دول الجوار، سواء لتبني هذه الدولة سياسات عدوانية صريحة، أو لأنها أصبحت أداة أو ركيزة لمطامح ونفوذ دولة كبرى أخرى. وليس ثمة شك أن قيام دولة إسرائيل، وما تمثله من تهديد مباشر ودائم لمحيطها العربي-الإسلامي، أدَّى إلى تفاقم أزمات دول دائرة المركز المشرقي.

منذ ما بعد الحرب الثانية، ونهاية حقبة الاستعمار المباشر، لم تنفك أغلب دول الدائرة المركزية عن البحث عن مظلة الحماية الخارجية. ولم تلبث سياسات الانضواء في تحالفات تقودها قوى كبرى، أو بناء علاقات دفاعية وأمنية وثيقة بهذه القوة الخارجية أو تلك، أو حتى السعي إلى وجود عسكري أجنبي، أن اكتسبت صفة الحقائق الأمنية وضمانات الاستقرار والحماية والسيادة.

كانت هذه السياسات ما أسس للعلاقات الخاصة بين الولايات المتحدة، من جهة، والسعودية وإيران الشاه، من جهة أخرى، ولانضواء العراق في الحلف المركزي، وعضوية تركيا في حلف الناتو، خلال حقبة الحرب الباردة. وهذه السياسات ذاتها ما أقام العلاقات متعددة الأوجه بين سوريا ومصر والعراق، من جهة، والاتحاد السوفيتي، من جهة أخرى. والمشكلة، أن تكلفة مظلة الحماية الخارجية كانت دائمًا كبيرة.

لم تتحرك القوى الكبرى لضمان حماية واستقرار دول المشرق إلا عندما كان التهديد يمس مصالحها المباشرة، تمامًا كما كان التدخل الأميركي لحماية نظام الشاه من السقوط في مطلع الخمسينات، والتدخل السوفيتي لحماية النظام المصري في الستينات، والتدخل الأميركي ضد العراق في حرب الخليج. في أغلب حالات التهديد الأخرى لدول الدائرة المشرقية المركزية، تخلَّت القوى الخارجية عن حلفائها أو تجنبت تحمل أعباء التدخل.

لم يستطع الاتحاد السوفيتي حماية مصر من العدوان الثلاثي، ولا من الهزيمة الفادحة في حرب يونيو/حزيران 1967، ولا حماية منظمة التحرير من الاجتياح الإسرائيلي في 1982. ولم تستطع الولايات المتحدة حماية نظام الشاه في 1979، وتركته يواجه مصيره المحتوم، ولا استطاع الاتحاد السوفيتي حماية العراق من الهزيمة المحققة في حرب الخليج الثانية.

وبنهاية الحرب الباردة، أصبح التساؤل حول جدوى الحماية الأجنبية أكثر إلحاحًا. عجزت روسيا الاتحادية عن حماية العراق من الغزو الأجنبي؛ ورفضت الولايات المتحدة بعد الاحتلال انتشار القوات التركية في غرب وشمال العراق لحماية السنَّة العراقيين من هجمات الفصائل الشيعية الموالية لإيران. كما ترددت الولايات المتحدة في تقديم أية مساهمة ملموسة لدعم الجهد السعودي الحربي في اليمن، أو حماية الفضاء السعودي من اعتداءات الفصائل العراقية والحوثية.

طوال عقود، تركت الولايات المتحدة لبنان والسلطة الفلسطينية فريسة للتوغل والاعتداءات الإسرائيلية. وعندما تحولت سوريا إلى ساحة تدافع بين تركيا، من جهة، وروسيا وإيران، من جهة أخرى، لم تحرك الولايات المتحدة ساكنًا لدعم أكبر حليفاتها في الناتو. ومنذ تصاعدت حدة التوتر بين تركيا واليونان، وقفت الولايات المتحدة وكافة دول الناتو الأخرى، ولم تزل، إلى جانب اليونان في الصراع على قبرص وعلى المجال التجاري-الاقتصادي في بحر إيجة وشرق المتوسط.

وليس مثل حرب العامين ونصف العام مناسبة لتكشف حدود الثقة بمظلة الحماية الخارجية. وقفت الولايات المتحدة بكامل ثقلها السياسي والعسكري خلف إسرائيل طوال عامي الحرب على غزة، ولم تنصت لدعوات حلفائها العرب والأتراك لوقف إبادة أشقائهم الفلسطينيين. وبالتحالف الفعلي مع إسرائيل، خططت الولايات المتحدة للحرب على إيران بدون استشارة أصدقائها العرب والأتراك في الجوار، الذين كان من الواضح أنهم سيكونون أول المتضررين من الحرب. لم تستطع الولايات المتحدة، أو لم تبذل جهدًا كافيًا، لحماية دول الخليج والأردن والعراق من الهجمات الإيرانية؛ كما أنه لا الصين ولا روسيا، حليفتا إيران الوثيقتان، حاولتا حمايتها من الحرب المدمرة، أو حتى تقديم المساعدة الضرورية للدفاع عنها.

 

زمن المراجعة

هذه الحرب ستنتهي، بعد أسبوع أو اثنين، أو بعد شهر أو شهرين، ستنتهي. ولكن توقف دوي الطائرات والصواريخ، مهما كان حجم الدمار والضرر الذي أوقع بإيران ودول جوارها، يجب ألا يسمح بعودة الأمور في دائرة المشرق المركزية إلى ما كانت عليه قبل الحرب. على دول دائرة المشرق المركزية أن تدرك أنها تقطن مجالًا جيوسياسيًّا واحدًا، وأن أمنها وحياتها واستمرار وجودها ومستقبل أبنائها، وثيق الصلة والارتباط بدول المجال الأخرى. وهذا ليس مجرد خيار بل حقيقة فرضتها شروط الجغرافيا والتاريخ والمواريث الثقافية.

لا يستدعي هذا بالضرورة التخلي عن الهويات الوطنية، الثقافية والسياسية، ولكنه يتطلب إحياء الذاكرة التاريخية للدول والشعوب، والوعي بأنها جميعًا وريثة قرون من الفضاء الإمبراطوري، الذي تداخلت فيه الأعراق والجماعات الإثنية والولاءات. لا يمكن لدول المشرق أن تصنع مستقبلًا أفضل بعقلية الدولة القومية، الدولة التي لا ترى إلا نفسها ومصالحها. 

الشرعية التي تؤسَّس على سياسات تغول الدول على بعضها على البعض الآخر، أو تهديد الواحدة منها لجوارها، سواء لطموحات قومية مضخمة أو لعلاقات بقوى أجنبية، هي شرعية وهمية، قصيرة العمر وقصيرة النظر. ولا يمكن ضمان أمن مجموعة صغيرة من دول المشرق على أساس من بناء محور خليجي أو شيعي أو سُني أو عربي، وبمعزل عن الآخرين. خلال ربع القرن الماضي، تعرضت بلاد المشرق للدمار، كليًّا أو جزئيًّا، كما لم تتعرض أي منطقة أخرى في العالم: العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن، وفلسطين، وإيران، وعدد من دول الخليج. وبدون إدراك لحجم وأثر وعواقب حرب العامين ونصف العامين، قد تخفق كل محاولات الخروج من هذا الدمار.

نبذة عن الكاتب