التعاون الأمني الخليجي: نحو مراجعة الفصل بين التهديدات

كان هدف قيام التعاون الخليجي تجنيب دول الخليج الصراعات التي لا تخدم الأمن الخليجي في المقام الأول. لكن الحرب على إيران كشفت تداخل مجالات الأمن الخليجي بمجالات أمنية أخرى، وحدود التدابير الخليجية في تجنيب دولهم التورط في صراعات لا تخدم أمنهم المباشر، واستحالة الفصل بين أمن الخليج الدفاعي وأمنه الاقتصادي.
2 أبريل 2026
مضيق هرمز وثق الربط بين الأمن بالاقتصاد

ألقت الحرب الحالية على إيران الضوء مجددًا على ضرورة مراجعة صلابة الأرضية العميقة التي أنبتت فكرة النظام الخليجي أو الأمن الخليجي الذي لم ينحصر مبعث تشكيله في الاحتماء الجماعي من الثورة الإسلامية الإيرانية التي عَدَّت تحالف دول الخليج مع الولايات المتحدة خطرًا مستمرًّا على استتبابها وعلى استقرار النظام الإسلامي الوليد.

يوجد مبعث ثان لقيام التعاون الخليجي، هو إنشاء عقيدة أمنية خليجية تتجنب العقائد الأمنية العربية التي قد يرى بعضها أن التهديد الرئيسي ليست إيران، مثل سوريا في عهد حافظ الأسد التي كانت تقيم مدركاتها الأمنية على اعتبار إسرائيل التهديد الأول، واعتبار إيران شريكًا في الإحاطة بالعراق لوضعه وسط كماشة تضيِّق الخناق على صدام حسين.

يعالج هذا الفصل بين مجالات الأمن التوتر المستمر بين اعتماد دول الخليج على الحليف الأميركي لاحتواء إيران، والحليف الأميركي/الإسرائيلي الذي تعده دول عربية عديدة أساس الاضطراب في المنطقة، وتحسب أن إبعاد أميركا من المنطقة سيجعل إسرائيل هشة فتتوقف عن قضم مزيد من الأراضي الفلسطينية والعربية.

بَنَتْ دول خليجية، مثل الإمارات والبحرين، على هذا الفصل في المجال الأمني منظورًا سياسيًّا في التعامل مع إسرائيل مختلفًا عن المبادرة العربية المعتمدة في الرياض. فلقد طبَّعت الدولتان علاقتهما مع إسرائيل لأنها ليست، حسبهما، عدوًّا لهما، وقد يشجعها ذلك على منح الفلسطينيين حقوقهم؛ علاوة على أن هذا التطبيع يقوي علاقة البلدين بالحليف الأميركي، ويفتح أمامهما التقدم التقني الإسرائيلي في مجال الاتصالات والذكاء الاصطناعي والزراعة وغيرها من المجالات التي تخدم أمن ورفاهية البلدين.

من التجنيب إلى التشابك

فرضت الحرب على إيران الحالية مراجعة أساس هذا الفصل في المنظور الأمني الخليجي عن بقية المناظير الأمنية المتداخلة في المنطقة. لا يفصل المنظور الأمني الإسرائيلي منطقة الخليج عن مجال الصراع، ولا يفصلها أيضًا المنظور الإيراني. ترى إسرائيل أن أمنها يتحقق بالقضاء على كل القوى الإقليمية القادرة على تقييد حركتها أو ردعها، وتوجد إيران ضمن هذا الحساب، وكذلك تركيا. ومن الجهة الأخرى، ترى إيران أن إسرائيل تسعى للقضاء عليها لأن عقيدة الطرفين الأمنية متعارضة، فإسرائيل تستمد أمنها وقوتها وحَصَانتها من الوجود الأميركي في منطقة الشرق الأوسط، بينما ترى إيران أن الوجود الأميركي خطر دائم عليها. يؤدي هذا التعارض إلى اشتباك البلدين غير المباشر من خلال الفصائل الحليفة كحزب الله أو المباشر كما يجري حاليًّا. وتقع دول الخليج دون قرار منها وسط هذا الاضطراب الذي حاولت تفاديه بفصل المجال الأمني الخليجي الذي تَشَكَّل حول التهديد الإيراني عن المجال الأمني العربي الذي تشَكَّل حول مواجهة التهديد الإسرائيلي.

لا تنحصر المراجعة في الافتراضات التي قامت عليها فكرة التعاون الخليجي ونظرة أعضائها لأنفسهم وللتهديد المشترك، بل تتعلق أيضًا بنظرة الأطراف الخارجية لموقع منطقة الخليج في منظورها الأمني. تَعُدُّه إيران موجَّهًا لها لأنه تشَكَّل أساسًا للاحتماء منها. وتعد إسرائيل منطقة الخليج رافعة لحصار إيران وخنقها والاقتراب منها وضربها بل والسعي ليكون اشتباكها مع إيران تحت عنوان حماية أمن الخليج والحصول في المقابل على تمويل خليجي لأعمالها العسكرية. وتعد الولايات المتحدة الأميركية -حسب التدابير المتخذة في الحرب- شبكة لوجستية تيسِّر اشتباكها مع إيران ومختلف عملياتها من أفغانستان إلى جيبوتي، ولا تحصر وجودها في الخليج لحماية أمن الخليج حسب اشتراطات دول الخليج.

تزداد مهمة دول الخليج في فصل مجال الأمن الخليجي عن بقية المجالات تعقيدًا في أن التعاون الخليجي لم يطور تدابير ترسخ هذا الفصل، مثل إرغام الولايات المتحدة وإسرائيل على تجنيب المجال الأمني الخليجي الارتباط بمجال الصراع الأميركي/الإسرائيلي مع إيران. وكذلك منع إيران من الربط بين صراعها مع أميركا وعلاقتها مع دول الخليج والاتفاق معها على ذلك. لكن ما يجري حاليًّا هو أن إيران ترفض الفصل وتعد دول الخليج هدفًا لهجماتها مثل الولايات المتحدة وإسرائيل. يؤكد الرئيس دونالد ترامب ذلك في تصريحاته بأن بعض حلفائه الخليجيين يشاركون جانبه في الحرب، رغم أن كل دول الخليج تنفي مشاركتها، وتؤكد حرصها على التخفيض ورفض المشاركة في الحرب. ليس من مصلحة إيران نفي ما يدعيه ترامب سواء كان صحيحًا أم خاطئًا، بل تجده مؤكِّدًا لادعاءتها بأن دول الخليج شريكة باعتراف الرئيس ترامب. وفي المقابل، قد يكون ترامب يوظف هذه التصريحات حتى يورط دول الخليج ويدفعها رغمًا عنها إلى المشاركة في العمليات الهجومية على إيران.

كل ذلك ينقل النقاش حول التعاون الأمني الخليجي من الاتفاق البيني الخليجي على تولي مسؤولية أمنهم في المقام الأول والاستعانة بالدول الحليفة رافدًا مساعدًا إلى قدرة دول الخليج على إرغام مختلف الأطراف المتصارعة على تجنيب المجال الأمني الخليجي صراعاتها. لا ينحصر ذلك في إرغام إيران على هذا بل وإرغام الولايات المتحدة وإسرائيل على ذلك أيضًا. وقد كاتنا البادئتين في حرب 12 يومًا في 2025 وهذه الحرب ولم تكن إيران هي البادئة. وقد عملت دول الخليج على إقناع ترامب بأن مهاجمة إيران قد يجعلها تهاجم دول الخليج بل إن وزير الطاقة القطري، سعد الكعبي، قال إنه حذَّر باستمرار الولايات المتحدة من أن احتمال مهاجمة إيران قد تجعلها تهاجم دول الخليج. لكن ترامب يدعي أنه فوجئ بمهاجمة إيران لدول الخليج، وقد يريد من ذلك نفي اتهام بأنه دخل حربًا من أجل إسرائيل دون أدنى اعتبار لتبعاتها على حلفائه الخليجيين.

حدود التدابير العسكرية

هذه الترتيبات كلها ليست كافية حتى وإن نجحت دول الخليج في تحقيقها. فلقد أظهرت الحرب الحالية أن صون الأراضي الخليجية من الحرب ليس كافيًا لضمان أمن الخليج. نفترض أن الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران جنَّبت دول الخليج حربها الجارية، لكن إيران أغلقت مضيق هرمز ومنعت حركة ناقلات الشحن التجارية، وأصيبت سوق الطاقة الخليجية بصدمة هائلة، ولن تنفع الحلول العسكرية في فتح المضيق أمام الملاحة الخليجية؛ لأن كل عمل عسكري يرفع المخاطر في مضيق هرمز ويفاقم المشكلة بدلًا من حلها.

هذا يضيف تحديين للتعاون الخليجي: التحدي الاقتصادي الذي يجعل الاقتصاد ركنًا في الأمن وليس كما كانا في السابق مفصولين. والتحدي الثاني، هو تغيير عقيدة مجلس التعاون من الدفاع للاحتماء من الخطر الإيراني إلى الاستباق وتوسيع مجال الأمن حتى لا يكون حبيس الأراضي الخليجية حتى لا تغلق إيران مضيق هرمز مجددًا وتصيب قطاع الطاقة الخليجي بالصدمة تلو الأخرى فتهتز الثقة في الاعتماد الدولي عليه.

نبذة عن الكاتب