لماذا تعثرت مفاوضات "إسلام آباد"؟

يمكن القول: إن تعثر مفاوضات إسلام آباد كان نتيجة خلل مركب لا نتيجة خلاف منفرد. فقد تداخلت فيه عوامل سوء تقدير طبيعة المهمة التفاوضية، وارتفاع سقف المطالب الأميركية واللغة الإملائية التي استخدمها وفده المفاوض، واتساع جدول الأعمال إلى ملفات إقليمية وأمنية متشابكة، فضلًا عن تأثير الحسابات الداخلية الأميركية في الحد من فرص الاستثمار السياسي في اتفاق صعب. ولا يمكن إغفال العامل الإسرائيلي؛ فإسرائيل تجلس دائمًا في زاوية المفاوضات ممسكة بعود كبريت.
12 أبريل 2026
تعثرت المفاوضات التي استضافتها باكستان بین إيران والولايات المتحدة (أ.ف.ب).

تكشف جولة المفاوضات الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة في إسلام آباد أن تعثر المسار التفاوضي لا يمكن تفسيره بعامل واحد أو بخلاف محدود حول تفاصيل الملف النووي بل ينبغي فهمه بوصفه نتيجة لتداخل عوامل سياسية وإستراتيجية وتفاوضية متعددة. فالمشكلة لم تكن فقط في تعقيد القضايا المطروحة وإنما أيضًا في وجود فجوة بين طبيعة المهمة التفاوضية المطروحة وحجم الخبرة والقدرة السياسية المطلوبة لإدارتها، بما أضعف القدرة الأميركية على التعامل مع ملف يتجاوز في حساسيته وحدوده الإطار الدبلوماسي التقليدي.

وقد بدا واضحًا أن واشنطن دخلت هذه الجولة وهي تحاول الجمع بين ملفات شديدة التعقيد في وقت واحد: احتواء التداعيات المرتبطة بمضيق هرمز وانعكاساتها على الاقتصاد العالمي، والتعامل مع واحد من أكثر ملفات السياسة الخارجية الأميركية استعصاءً، وهو الملف الإيراني النووي، إضافة إلى الدور الإقليمي لإيران. هذا التداخل بين البعد الأمني والبعد النووي والبعد الجيوسياسي جعل من الصعب تحويل المفاوضات إلى مسار تقني قابل للحسم السريع، وحوَّلها إلى ساحة اختبار أوسع لموازين القوة والإرادات السياسية.

في المقابل، لم تساعد طبيعة المقاربة الأميركية على خلق بيئة تفاوضية مواتية. فقد ظهرت واشنطن وكأنها تدخل المفاوضات بعقلية الإملاء لا بعقلية الراغب بإيجاد حل، عبر طرح شروط مرتفعة السقف ومطالب تمس عناصر تَعُدُّها طهران جزءًا من سيادتها وأوراق قوتها الإستراتيجية. وبدل أن تُبنى العملية التفاوضية على مبدأ التدرج والبحث عن مساحات وسط، اتجهت نحو محاولة فرض تنازلات تتعلق بمستقبل التخصيب النووي الذي تصر إيران على حفظ أصله حقًّا من حقوقها الوطنية التي لا يجوز التنازل عنها، وكذلك مصير مخزون اليورانيوم المخصب، وموقع إيران في معادلة أمن المضائق والممرات الحيوية. ومن شأن مثل هذا النهج أن يضعف فرص الاتفاق منذ البداية، لأن التفاوض يتحول عندئذ إلى اختبار لإرادة الصمود أكثر منه بحثًا عن تسوية متوازنة.

وفي هذا السياق، قدَّم الخطاب الإيراني الرسمي هذا التعثر بوصفه نتيجة مباشرة لفشل واشنطن في معالجة أزمة الثقة التي تسبق المفاوضات نفسها. فقد شدَّد رئيس مجلس الشورى، محمد باقر قاليباف، في تغريدات له على أن إيران دخلت المحادثات وهي تمتلك حُسن النية والإرادة اللازمة لكنها لا تمتلك ثقة بالطرف المقابل بسبب خبرات الحربين السابقتين. ووفق هذا المنظور، فإن جوهر الأزمة لا يتعلق فقط بمضمون العروض المطروحة بل بقدرة الولايات المتحدة على إثبات أنها مستعدة للانتقال من منطق الضغط إلى منطق بناء الثقة. كما ينسجم ذلك مع التأكيد الإيراني على أن الوفد الإيراني طرح مبادرات ذات طابع استشرافي وتطلعي، غير أن الطرف المقابل أخفق في تحويل التفاوض إلى مسار يبدد الشكوك الإيرانية المتراكمة.

إلى جانب ذلك، يبدو أن الخلاف لم يكن نوويًّا خالصًا؛ فالمسار التفاوضي اتسع ليشمل قضايا إقليمية أخرى، وبخاصة ما يتصل بالساحة اللبنانية وترابطها مع حسابات التهدئة والتصعيد في المنطقة؛ إذ أصرَّت إيران على سريان وقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية أيضًا.

وقد أسهم هذا الاتساع في تعقيد المشهد، لأن كل طرف دخل التفاوض وفق تعريف مختلف لطبيعة الملفات التي ينبغي بحثها. فبينما نظرت طهران إلى التفاوض ضمن إطار إقليمي مترابط، سعت واشنطن إلى إبقاء بعض الملفات خارج المسار الأساسي أو التعامل معها بوصفها مسائل منفصلة. هذا الاختلاف في تعريف موضوع التفاوض ذاته جعل من الصعب إنتاج جدول أعمال مستقر أو صيغة اتفاق واضحة المعالم.

1
جدارية في طهران تحمل عبارة "المضيق سيبقى مغلقا" (أ.ف.ب)

ثلاث ديناميات مفسِّرة

ويمكن تفسير تعثر المفاوضات من خلال ثلاث ديناميات رئيسية، يفصِّل فيها الباحث آرش رئيسي نجاد:

أولى هذه الديناميات أن الطرفين دخلا المحادثات وهما يحملان شعورًا نسبيًّا بالنجاح؛ فإيران رأت أنها استطاعت الحفاظ على التماسك والصمود، وأنها لم تُدفع إلى تغيير إستراتيجي جذري رغم الضغوط. وفي المقابل، عَدَّت الولايات المتحدة -ومعها إسرائيل- أن الضربات العسكرية والضغط المتواصل منحاها موقعًا تفاوضيًّا متقدمًا. وعندما يذهب الطرفان إلى الطاولة وهما يتصرفان من منطلق الإحساس بعدم الهزيمة بل بقدر من الثقة بالقدرة على الاستمرار، فإن فرص التنازل المتبادل تتراجع، لأن كل طرف يراهن على إمكانية انتزاع مزيد من المكاسب بدلًا من الاكتفاء بتسوية وسط.

أما الدينامية الثانية فتتمثل في تشظي جدول الأعمال التفاوضي. فبدل أن يظل التفاوض محصورًا في ملف محدد ذي بنية فنية واضحة، تمدد ليشمل قضايا الردع، والمضائق البحرية، والبرنامج النووي، ومخزون المواد المخصبة، وساحات النفوذ الإقليمي. وهذا الاتساع جعل من الصعب بناء صفقة واحدة متماسكة؛ لأن كل ملف من هذه الملفات يخضع لحسابات مختلفة ويستدعي أطراف ضغط متباينة ويطرح مستويات مختلفة من الحساسية السياسية. وبذلك تحولت المفاوضات من محاولة للتوصل إلى اتفاق محدد إلى عملية مساومة مركبة تفتقر إلى مركز ثقل واضح.

أما الدينامية الثالثة فمرتبطة بالسياق الداخلي الأميركي؛ فالتفاوض في مثل هذه الملفات لا ينفصل عن الحسابات الحزبية والانتخابية وصورة الإدارة أمام الرأي العام. وكلما ازداد تعقيد الملف، ارتفعت كلفة الاستثمار السياسي فيه. ويبدو أن الاستعداد الأميركي لتحمل هذه الكلفة كان محدودًا خاصة في ظل بيئة سياسية داخلية لا تشجع على تقديم تنازلات في ملف شديد الحساسية مثل الملف الإيراني. وهذا يعني أن تعثر المحادثات لم يكن ناتجًا فقط عن تصلب الموقف الإيراني أو ارتفاع سقف المطالب الأميركية بل أيضًا عن محدودية القدرة الأميركية على تحويل الرغبة في الاتفاق إلى التزام سياسي فعلي قادر على تجاوز الاعتراضات الداخلية وحسابات المستقبل الانتخابي.

وتبرز ضمن هذا السياق جملة من العقد الأساسية التي دفعت نحو الانسداد؛ من بينها الإصرار الأميركي على ترتيبات تمس جوهر البرنامج النووي الإيراني لاسيما ما يتعلق بالتخصيب ومخزون اليورانيوم، فضلًا عن مطالب ذات صلة بمضيق هرمز ودوره في معادلة الردع والضغط المتبادل. وبالنسبة إلى إيران، لا تُعد هذه الملفات موضوعات تفاوضية تقنية قابلة للفصل عن السيادة الوطنية بل تدخل في صميم تعريفها لمكانتها الإقليمية وقدرتها على حماية مصالحها. لذلك بدا من الصعب أن تستجيب طهران لمطالب من هذا النوع، لا لاعتبارات تفاوضية فحسب بل لأن قبولها قد يُفهم داخليًّا وإقليميًّا بوصفه تنازلًا إستراتيجيًّا يتجاوز حدود التسوية المرحلية.

ويكشف خطاب قاليباف كذلك عن تصور إيراني أوسع لوظيفة التفاوض نفسها؛ إذ لا تُقدَّم الدبلوماسية في هذا الخطاب بوصفها بديلًا عن أدوات القوة الأخرى، بل بوصفها مسارًا موازيًا ومكملًا لها في الدفاع عن حقوق الأمة الإيرانية. ومن هنا، فإن التفاوض، وفق هذا الفهم، يتحرك ضمن معادلة أشمل تربط بين الصمود الميداني والإنجاز السياسي، وتتعامل مع أي انفتاح دبلوماسي بوصفه امتدادًا لما تعده طهران منجزات تحققت خلال أربعين يومًا من "الدفاع الوطني". وتساعد هذه الرؤية في تفسير تشدد الموقف الإيراني إزاء القضايا المرتبطة بالتخصيب ومضيق هرمز ومخزون المواد المخصبة، لأن هذه الملفات لا تُقرأ في طهران بوصفها بنودًا تقنية قابلة للمساومة المنفصلة بل بوصفها امتدادًا مباشرًا لمعادلة الردع والسيادة.

مناخ مشبع بالتصعيد

ولا يمكن فصل هذه الجولة أيضًا عن المناخ الإقليمي والدولي الأوسع؛ فالمفاوضات جرت في بيئة مشبعة بالتهديدات، وباحتمالات الانتقال من منطق الضغط السياسي إلى منطق الإكراه العسكري أو الحصار البحري أو إعادة ترتيب أدوات الاحتواء. وقد جعل هذا المناخ كل طرف أكثر حذرًا من تقديم تنازلات قد تُقرأ بوصفها علامة ضعف. كما عزَّز دور الفاعلين الإقليميين، وفي مقدمتهم إسرائيل، في التأثير على السقف السياسي للموقف الأميركي، سواء عبر الضغط المباشر أو عبر إعادة تعريف أولويات التفاوض وشروطه. ولا يمكن إغفال هذا العامل الإسرائيلي؛ إذ تبدو إسرائيل حاضرة دائمًا في زاوية المشهد التفاوضي ممسكة بعود كبريت، تدفع نحو تقليص هوامش التسوية وتوسيع مجال الاشتراطات والتنازلات.

ومع ذلك، فإن تعثر هذه الجولة لا يعني بالضرورة إغلاق المسار التفاوضي نهائيًّا. فمن الممكن النظر إلى ما حدث بوصفه مرحلة من مراحل مساومة أطول، تتخللها لحظات توقف وانقطاع وإعادة تموضع واختبار للإرادات. وغالبًا ما تمر الأزمات الكبرى بمثل هذه المراحل؛ حيث يُستخدم الانسداد الظاهري أحيانًا أداةً لتحسين الشروط أو لإعادة ترتيب الأولويات أو لفتح قنوات موازية أقل علنية. وعليه، فإن فشل هذه الجولة لا يستبعد عودة المفاوضات لاحقًا، لكنه يكشف بوضوح أن أي استئناف جدي للمسار سيتطلب تعديلًا في طريقة إدارة التفاوض، وتخفيضًا لسقف الشروط القصوى، وإعادة ضبط جدول الأعمال بما يجعله أكثر واقعية وقابلية للمعالجة.

وفي مستوى آخر، تعكس تصريحات قاليباف محاولة لإعادة تأطير المفاوضات ضمن سردية داخلية جامعة، تربط بين أداء الوفد المفاوض وشرعية الدعم الشعبي والسياسي الذي يستند إليه. فالإشادة بأعضاء الوفد بعد جولة استمرت 21 ساعة، إلى جانب توجيه الشكر إلى باكستان على دورها التيسيري، وإبراز التفاف الشعب الإيراني حول قيادته ومؤسساته، كلها عناصر تسهم في تقديم المفاوضات لا بوصفها مسارًا منفصلًا عن المجال الوطني بل جزءًا من جهد سيادي شامل يشارك فيه الداخل والخارج معًا. وبذلك يتحول الخطاب المصاحب للمفاوضات إلى أداة لتثبيت الموقف التفاوضي الإيراني وتعزيز صورته بوصفه موقفًا مدعومًا شعبيًّا ومسنودًا إقليميًّا لا مجرد موقف وفد تقني على طاولة تفاوض.

خلاصة

يمكن القول: إن تعثر مفاوضات إسلام آباد كان نتيجة خلل مركب، لا نتيجة خلاف منفرد؛ فقد تداخلت فيه عوامل سوء تقدير طبيعة المهمة التفاوضية، وارتفاع سقف المطالب الأميركية واللغة الإملائية التي استخدمها وفدها المفاوض، واتساع جدول الأعمال إلى ملفات إقليمية وأمنية متشابكة، فضلًا عن تأثير الحسابات الداخلية الأميركية في الحد من فرص الاستثمار السياسي في اتفاق صعب. كما يكشف الخطاب الإيراني المصاحب، كما عبَّر عنه قاليباف، أن جوهر الأزمة لا يقتصر على تفاصيل الخلافات التقنية بل يمتد إلى غياب الثقة وإلى اختلاف أعمق في فهم وظيفة التفاوض وحدوده وعلاقته بمعادلة القوة والسيادة. وفي ضوء ذلك، لا يبدو الفشل مجرد تعثر ظرفي بل تعبيرًا عن أزمة أعمق في تعريف التفاوض نفسه: موضوعه، وحدوده، وطبيعة التسوية الممكنة داخله. ومن دون معالجة هذه المسائل البنيوية ستظل فرص التقدم محدودة، حتى لو عادت الأطراف إلى الطاولة في مرحلة لاحقة.

تعثر مفاوضات إسلام آباد أدخل الأزمة الأميركية-الإيرانية في مرحلة أكثر خطورة؛ حيث باتت واشنطن عالقة بين حرب مكلفة ومفاوضات طويلة، فيما تتمسك إيران بأوراق قوتها وعلى رأسها مضيق هرمز وحق التخصيب. والنتيجة أن تعثر مفاوضات إسلام آباد لم يكن حدثًا عابرًا بل لحظة تنقل الأزمة إلى مرحلة أكثر تعقيدًا؛ فالمشهد لا يزال مفتوحًا على هدنة هشة أو تصعيد جديد أو تفاوض بالغ الصعوبة.

نبذة عن الكاتب