شرعت الإدارة الأميركية، في 13 أبريل/نيسان 2026، في فرض حصار بحري على السفن التي تنطلق من الموانئ الإيرانية، لرفع التكلفة الاقتصادية على إيران، فتضطر لتقديم تنازلات للولايات المتحدة مقابل رفع هذا الحصار، إضافة لمكافآت اقتصادية كبيرة يعد بها نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس. يأتي على رأس هذه التنازلات المطلوبة قبول إيران برفع الحصار الانتقائي عن حركة الشحن البحري الذي تطبقه منذ الهجوم الأميركي/الإسرائيلي عليها، في 28 فبراير/شباط 2026. بذلك، يكون الحصار الأميركي حصارًا على الحصار.
جاء هذا الإجراء بعد أن فشل الإجراء الأميركي السابق الذي كان يشجع مرور الناقلات البحرية، دون تمييز لبلادها، فلقد رفع الحظر على تصدير النفط الإيراني، حتى يعوِّض النقص الناتج في أسواق الطاقة من فقدان الكميات التي كانت تصدِّرها دول الخليج التي لم تستطع تصدير حصصها لأن إيران منعتها، وفرضت شروطًا مثل تقديم رسوم مالية على مرور الناقلات. أراد ترامب بذلك زيادة المعروض في أسواق الطاقة فتنخفض أسعار الطاقة وأسعار المواد المرتبطة بها، فتنخفض أسعار البنزين في الولايات المتحدة والخدمات المرتبطة بها مثل النقل، فيخف تذمر المواطن الأميركي من الحرب التي تشنُّها بلاده وإسرائيل على إيران.
راجعت إدارة ترامب هذا التقدير، ورأت أنه يصب في مصلحة إيران التي تمكنت من كسر الحصار المفروض على قطاعها النفطي، وباتت تحصل على مداخيل كبيرة لأن الأسعار مرتفعة، وشرعت في فرض قواعد جديدة للمرور عبر مضيق هرمز، قد تصير مع الوقت عُرفًا معمولًا به، بل إنها باتت تستعمل هذا المرور الانتقائي أداة دبلوماسية لمكافأة الدول التي لا تدعم الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل عليها. كذلك، قد تكون إدارة ترامب حسبت أن الوقت سيخدم إيران التي تستطيع بهذه الامتيازات الصمود فترة أطول من الفترة التي يستطيع فيها المواطن الأميركي تحمل غلاء المعيشة، وتعثر الأعمال والتوظيف. كان الحساب الأميركي هو خفض الألم عن إيران لخفضه عن المواطن الأميركي لكن خلصت إلى أن هذا لا يحفز إيران لتقديم التنازلات التي تريدها الولايات المتحدة وإسرائيل.
صار الحساب الجديد هو زيادة الألم الإيراني حتى لو زاد الألم على المواطن الأميركي. وقد يكون رهان الإدارة الأميركية أن سرعة وشدة زيادة الألم الإيراني أكبر من سرعة وشدة زيادته على المواطن الأميركي، فتنهار القيادة الإيرانية أولًا قبل انهيار المواطن الأميركي وتصدع التماسك السياسي في القيادة الأميركية.
التحوط الإيراني
يعتمد نجاح الإجراء الأميركي الجديد على الموازنة بين عوامل ترجح كفته وعوامل ترجح كفة الصمود الإيراني لفترة أطول من صمود الإدارة الأميركية وقاعدتها الناخبة.
العوامل التي قد تؤدي إلى فشل الإجراء الأميركي عديدة؛ أولها هو تعود إيران على الحصار الاقتصادي بدرجات مختلفة لسنوات طويلة، قد يكون أشدها خلال فترة ترامب الأولى وفترة بايدن والفترة الحالية من فتراة ترامب الثانية. وقد شملت العقوبات القطاع المالي الإيراني وقطاع النفط. فلقد انخفضت صادرات إيران من النفط إلى نحو 350 ألف برميل يوميًّا في 2020، وكان متوسط النفط الإيراني المصدر بين 250-800 ألف برميل خلال تلك السنة. تمكنت إيران رغم ذلك من الصمود، ولم ينهر رغم ذلك تماسك القيادة وسيطرة مؤسسات الدولة.
كذلك، تحتفظ إيران بنحو 180 مليون برميل من النفط خارج مضيق هرمز، منها 100 مليون في المياه المحيطة بماليزيا وإندونيسيا والصين. وهذه آلية تخزين عائم، وظفتها إيران تحسبًا للهجمات الأميركية على حقولها أو منشآتها النفطية أو منعها من عبور مضيق هرمز. وتقدر الاستخبارات البحرية وفق وكالة وين وارد أن إجمالي النفط الإيراني العائم في ناقلات نحو 157.7 مليون برميل، بطريقة حساب مختلفة عن طريقة حساب 180 مليون برميل، يتجه نحو 97.6% منه إلى الصين. يدرُّ ذلك دخلًا معتبرًا على إيران، علاوة على أن هذا التخزين العائم يخفف الضغط على التخزين في الحقول الذي يحتاج إلى إفراغ حتى لا يصاب الحقل بالتخمة، وتضطر إيران إلى وقف اشتغال الحقل الذي قد يعرضه لأضرار كبيرة، قد تمنعه من العودة إلى قدرته السابقة. لكن رغم ذلك فإن مساحة التخزين الأراضي المتاحة لإيران تبلغ نحو 20 مليون برميل، وستتشبع خلال 13 يومًا، إلا إذا تمكنت من إدخال ناقلات تحت أعلام مختلفة تغيِّر وجهتها بعد المرور إلى داخل الخليج، وتحمِّل النفط الزائد وتظل داخل الخليج، فتخفف عن الحقول الأرضية وتنتظر إمكانية العبور خارج مضيق هرمز مجددًا.
اللاتناظر الرئيسي في المنازلة الأميركية-الإيرانية هو في الجانب النفسي بين البلدين. اعتاد الإيرانيون على مواجهة نفس الحصار الأميركي لأجيال عديدة، ويربطه كثير منهم بجولات الإذلال الذي تعرضت لها بلادهم طول تاريخها المعاصر على يد البريطانيين أولًا والأميركيين ثانيًا. ولا تزال عملية الاستخبارات الأميركية والبريطانية في إسقاط رئيس الوزراء الإيراني، محمد مصدق، في الخمسينات من القرن الماضي، الذي حاول تأمميم النفط الإيراني عالقة بأذهان الإيرانيين وقلوبهم. وأكدت تصريحات الرئيس ترامب خلال هذه الحرب التي توعد فيها بمحو الحضار الإيرانية أن هدف الحرب ليس النظام الإيراني بل البلاد كلها.
كل ذلك، يجعل فئات واسعة من الإيرانيين تشعر بأن البلاد تتعرض لخطر وجودي وأنها مرغمة على خوض حرب بقاء. تقاس بعد ذلك كل التكاليف والتضحيات بالفوز في هذه الحرب الوجودية، ويكون ضمنها التكاليف المعيشية.

توسيع التشققات
في المقابل، توجد عوامل ترجح نجاح الإجراء الأميركي. تعاني إيران من انخفاض للعملة هائل. يبلغ سعر الدولار نحو مليون وثلاثمئة ألف ريال إيراني، وهو ارتفاع بنحو 20 ألف ضعف منذ الثورة في 1979. وارتفعت أسعار الخبز 140% من 2025-2026، وأسعار اللحوم والدواجن 135%. وقد اندلعت احتجاجات كبيرة على الأوضاع المعيشية الصعبة، في 28 ديسمبر/كانون الأول 2025، شملت 31 محافظة، وأوقعت نحو 3 آلاف قتيل، حسب مكتب الرئيس الإيراني. وقد كانت هذه الاعتبارات جزءًا من تقدير إدارة ترامب وبنيامين نتنياهو أن الإطاحة برأس النظام ستجعل أركان النظام تنهار، وتُحدث ثورة تستولي على الحكم في إيران.
لكن نقطة الضعف في الحساب الأميركي هي قدرة تحمل المواطن الأميركي لتكاليف هذه الحرب التي تواجه معارضة واسعة داخل أميركا عامة ووسط قاعدة ترامب خاصة. أخفقت إدارة ترامب في إقناع الأميركيين بأن هذه الحرب ضرورية لأن إيران تمثل تهديدًا لهم، بل إن قطاعات كبيرة من الأميركيين في قاعدة ترامب يعتقدون أن أميركا تخوض حربًا لخدمة دولة أجنبية، هي إسرائيل. فلقد أوردت بيو للأبحاث أن 59% من الآراء ترى قرار الحرب خاطئًا. وتوصلت مؤسسة البيانات للتقدم في عملية سبر للآراء إلى أن 56% من الآراء ترى أن الحرب تخدم إسرائيل. وتشير تقديرات سي بي أس نيوز، أن تأييد الأميركيين البيض غير الجامعيين، وهم ركيزة فوز ترامب في الانتخابات، انخفض خلال 14 شهرًا بنحو 40 نقطة وهي الفارق بين نسبة المؤيدين والمعارضين، وقد باتت حاليًّا نقاط الفارق سالبة وهي تحديدًا (-4)؛ لأن عدد المؤيديدين من الأميركين البيض غير الجامعيين لترامب انتقلت من 48-52%. وقد عَدَّ 51% من الآراء المستطلعة في أبسوس بين 10-12 أبريل/نيسان 2026، أن تكلفة الحرب غير مبررة، وعَدَّ 54% منهم أن الحرب أثَّرت سلبيًّا على معيشتهم، ويوجد ضمنهم 40% من المؤيديين للجمهوريين.
ترجِّح جولدمان ساكس وبلومبيرغ أن استمرار إغلاق هرمز شهرًا إضافيًّا قد يرفع أسعار الطاقة إلى 120 دولارًا للبرميل، وإذا استمرت 10 أسابيع فقد تبلغ الأسعار نحو 140 دولارًا للبرميل. وتقدر باركليز أن استمرار الأوضاع الحالية أسبوعيين إضافيين قد يجعل أسعار النفط تتأرجح بين 120-150 دولارًا للبرميل.
بخصوص أسعار البنزين في الولايات المتحدة، تذهب تقديرات إلى أنها ستكون 5 دولارات للغالون إذا ظل مضيق هرمز مغلقًا حتى منتصف أبريل/نيسان الجاري. وهو حاليا في عموم الولايات المتحدة يبلغ متوسطه نحو 4 دولار للغالون، لكن هذا المتوسط يتوزع على سعر 3.50 دولار في مناطق أمريكية وسعر 5.90 دولارات للغالون حاليًّا في كاليفورنيا. لم يصل متوسط سعر البنزين بعد الذروات التاريخية مثل بلوغه 5.65 دولارات للغالون في 2008، لكن يتميز الارتفاع الحالي بالاقتراب من هذه الذروة، وسرعة الارتفاع المقدرة بنحو 45% زيادة في سبعة أسابيع. تؤثر هذه السرعة في مدركات المستهلك ومشاعره؛ لأنها لم تعطه الفترة الكافية للتأقلم مع الوضع الجديد والتعود على الألم. وقد شهدت فترات هذه الذروات انهيارات سياسية كبيرة؛ فلقد ترافقت هذه الذروة بهزيمة جيمي كارتر.
هذا الألم هو الذي أحدث تصدعات في قاعدة ترامب والجمهوريين الانتخابية. فلقد أثار سخط حلفائه المروجين له، مثل تاكر كارلسون، وأعلنوا أن ترامب خان ناخبيه؛ لأنه وعدهم بالتركيز على تحسين الوضع داخل أميركا لكنه اختار الإضرار بمؤيديه وببلاده من أجل خوض حرب تخدم مصالح دولة أجنبية هي إسرائيل. وبيَّنت هزائم الجمهوريين الانتخابية المتتالية أن الرئيس ترامب ليس رافعة المرشحين الجمهوريين كما كان يروج لنفسه سابقًا بأنه هو الذي يتحكم في أصوات الناخبين الجمهوريين، ويمكنه توجيهها حسب ما يشاء بل بات عبئًا عليهم. كما تبين نتائج الانتخابات اللاحقة على توليه الرئاسة في الفترة الثانية، فقد تمكن الديمقراطيون خلالها من انتزاع 30 مقعدًا في مختلف الانتخابات، وأخفق الجمهوريون في انتزاع مقعد واحد من الديمقراطيين. وتعد خسارة المرشح الجمهوري في الدائرة الانتخابية التي تضم مقر ترامب بمارالاغو، وفوز المرشحة الديمقراطية بها بفارق 11 نقطة ذروة الإحراج السياسي للرئيس ترامب وللجمهوريين. ويزداد الإحراج من أن نسبة الجمهوريين المصوتين من إجمالي الجمهوريين المسجلين بلغت 46% في مقابل 36% من الديمقراطيين المصوِّتين؛ ما يدل على أن نسبة معتبرة من الجمهوريين صوتت للمرشحة الديمقراطية. ليس من المستبعد قياسًا على ذلك، أن عددًا متزايدًا من المرشحين الجمهوريين قد يحسبون أن دعم ترامب لهم لن يخدم ترشحهم، فيشرعون في النأي بأنفسهم عنه، فتتسع التصدعات داخل معسكر ترامب، سواء تصدعات صامتة أو صاخبة؛ لأن التقديرات تشير إلى خسارة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني 2026. ترجِّح تقديرات سوق التوقع بولي ماركت أن الديمقراطيين سيهيمنون على مجلس النواب في هذه الانتخابات بنسبة 85.5%، وتصل سوق التوقع كالشي لنفس التقدير تقريبًا بنسبة 84%. وتقدر بولي ماركت أن الجمهوريين سيحتفظون بمجلس الشيوخ بنسبة 53%، لكن كالشي تتوقع أن الديمقراطيين سيهيمنون على النواب والشيوخ بنسبة 53.5%. وتعد هذه الأسواق الأدق في التوقع قياسًا على تقديراتها السابقة.
تتعرض إدارة ترامب كذلك إلى ضغط الحلفاء، كدول الخليج التي تتزايد الأضرار التي تلحق بها كلما طال إغلاق هرمز، وقد تصير بعض الأضرار غير قابلة للعلاج، مثل خسارة حقول طاقة إذا توقفت فترات طويلة عن العمل، أو فقدان شركاء لأنهم بحثوا عن جهات توريد جديدة للطاقة. وتضغط أيضًا على إدارة ترامب الدولُ المستوردة للطاقة مثل الدول الآسيوية الحليفة أو الدول الأوروبية التي تبحث عن حلول لهذه المشكلة من خلال الابتعاد عن الولايات المتحدة.
حسابات مرتبكة
تعتمد حسابات الحصار الأميركي الانتقائي المفروض على مضيق هرمز على أن تحمل إيران للألم الناتج أضعف ورضوخها أسرع من تحمل الأميركيين للألم، لكن تعود النظام الإيراني والإيرانيين على ضغط الحصار لسنوات طويلة، واتخاذهم تدابير للإفلات منه أو تخفيفه، ومقارنة تكاليفه بواجب حماية بلدهم والدفاع عنها في حرب يرونها وجودية ومفروضة عليها، قد يجعلهم يتحملون الألم أطول من تحمل الأميركيين له، فيضطر ترامب إلى التراجع عن هذا الإجراء، ويبحث عن خيار لا يستغرق مفعوله زمنًا طويلًا؛ فقد يوازن حينها بين نقل الحرب إلى مستوى شَنِّ العمليات البرية بناء على مؤشرات التحشيد المتزايد للقوات الأميركية، أو خيار التوصل إلى اتفاق شبيه باتفاق إيران مع أوباما لكن مع فارق هذه المرة، وهو إبقاء سيطرة إيران على مضيق هرمز، وإن كانت مؤشرات التصعيد أكبر من التوافق؛ لأن إيران قد لا تقبل أن تحمي أمنها بالاعتماد على الوعود الأميركية، وقد تراكم عوامل الردع، كالسيطرة على مضيق هرمز بل ومراجعة عقيدتها النووية، وقد لا يقبل ترامب بذلك، فيصعد درجة أخرى في سلم التصعيد، لعل في ظنه أن مزيدًا من القوة العسكرية يحقق ما أخفقت في تحقيق القوة العسكرية حتى الآن.