جمود الوضع: التوازن الهش في الحرب الإيرانية

أدَّت تطورات الحرب على إيران إلى إخفاق الولايات المتحدة في فرض مطالبها بالقوة، وفشلت كذلك إيران في فرض مطالبها من خلال الإغلاق الانتقائي لمضيق هرمز، ووصل الوضع إلى حالة جمود قلق قد تتجه إلى التصعيد العسكري مجددًا أو إلى التسوية التفاوضية.
فانس وقاليباف أمام طريق مسدود (وكالات)

أعلن الرئيس ترامب تمديد وقف إطلاق النار في الحرب على إيران قبل ما يقارب اليوم على انتهاء مهلة أسبوعَيْ وقف النار، منتصف ليلة الأربعاء 22 أبريل/نيسان. قال في إعلانه: إن التمديد جاء بطلب من رئيس الحكومة الباكستانية، شهباز شريف، ووزير الدفاع، عاصم منير، اللذين يقومان بدور الوسيط في التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران؛ وإن المقصود بالتمديد إعطاء فسحة من الوقت للقيادة الإيرانية لتقديم ردٍّ على المقترح الأميركي لاتفاق وقف الحرب. وكرَّر وجود انقسام في القيادة الإيرانية على نفسها، وأنه يمنح الإيرانيين فسحة للتوصل إلى اتفاق بينهم على الرد.

لم يحدد الرئيس ترامب في إعلانه الأول مدة تمديد وقف النار؛ ولكن مسؤولًا أميركيًّا قال، طبقًا لأكسيوس، في اليوم التالي: إن التمديد لن يتجاوز عدة أيام، ستعود بعدها نيران الحرب إلى الاشتعال في حال لم يفتح الرد الإيراني الطريق لعقد جولة مفاوضات ثانية. ولكن أصدر البيت الأبيض تصريحًا ينفي تحديد الرئيس ترامب مهلة للرد الإيراني.

كان الرئيس ترامب، خلال الأيام القليلة السابقة على إعلان التمديد، قد صعَّد من لغة التهديد الموجهة للإيرانيين؛ بل وقال في أكثر من مناسبة إنه لن يقوم بتمديد وقف النار، وإن أبواب جهنم توشك أن تُفتح على إيران، وإنه على استعداد لتدمير حضارة أمة بأكملها. ولذا، فقد جاء إعلان التمديد المفاجيء ليطرح سلسلة من الأسئلة حول سياق هذه الحرب الكبرى وغير المسبوقة في المشرق العربي-الإسلامي، بعد أن بات واضحًا أن الجانب الإيراني كان الطرف الذي رفض مواصلة المفاوضات تحت التهديد الأميركي، فأدَّى هذا الرفض الإيراني إلى إخفاق جهود الوسيط الباكستاني في عقد جولة المفاوضات الثانية بين الإيرانيين والأميركيين قبل نهاية مهلة الأسبوعين، التي بدأت يوم الثامن من أبريل/نيسان.

ما الذي دفع الإيرانيين إلى التعنت والامتناع عن الذهاب إلى إسلام آباد لجولة المفاوضات الثانية؟ أو بكلمة أخرى، ما مصادر القوة التي منحت الإيرانيين كل هذه الثقة بالنفس، والإصرار على الحصول على موافقة أميركية على مطالبهم الأولية قبل الالتحاق بطاولة التفاوض؟ وما الأسباب الحقيقية خلف التغير المفاجيء في موقف الرئيس ترامب، من التهديد بتدمير إيران برمتها إلى التمديد الإضافي لمهلة وقف النار؟ وهل يبدو الرئيس الأميركي وكأنه في طريقه إلى تبني نهج جديد في حصار إيران والضغط عليها، أو أنه يُعِد فعلًا لحملة عسكرية ثانية بالغة الحدة والاتساع؟

إستراتيجية الصمود والاستنزاف الإيرانية

خاضت إيران الحرب بوصفها مواجهة وجودية، لا تستهدف وجود نظام الجمهورية الإسلامية وحسب، بل وجودَ إيران المستقلة، الحرة من السيطرة الأجنبية، ذات السيادة. ولا يقتصر هذا الإيمان بأن الجمهورية الإسلامية تمثل أول حكم يحقق الاستقلال الوطني والتحرر من النفوذ الأجنبي، منذ الهزائم أمام روسيا القيصرية في أوائل القرن التاسع عشر، على الطبقة الحاكمة، بل يشمل معظم الإيرانيين الذي نشؤوا وتلقوا تعليمهم في الخمسين عامًا الماضية، بالرغم من معارضة قطاع من هؤلاء لعدد من سياسات النظام.

ولم يكن خافيًا على الإيرانيين أن إطاحة النظام، أو تغييره وإعادته إلى المدار الأميركي، كانت الهدف الأساسي للحرب، وأن المطالب الأميركية/الإسرائيلية الأخرى، المتعلقة بالبرنامج النووي وبمخزون الصواريخ وعلاقة إيران بالقوى الموالية والحليفة في الإقليم، كانت مطالب لاحقة للهدف الأساسي. لذا، كان الصمود خلال حرب الأربعين يومًا، والقدرة على الرد، والحفاظ على النظام وتماسكه، أول عناصر الثقة الإيرانية بالنفس. نجح نظام الجمهورية الإسلامية، الذي يستند إلى قطاع كبير من الكوادر العسكرية والسياسية والعلمائية، في ملء المواقع التي تسببت الحرب في شغورها بسرعة نسبية؛ كما قام باختيار مرشد أعلى جديد بسلاسة لم تكن متوقعة.

تعرضت إيران لحملة قصف غير مسبوقة لمنشآتها العسكرية والصناعية ومؤسساتها الرسمية والمدنية، يُقدَّر أنها استهدفت ما لا يقل عن 18 ألف هدف. ولكن الواضح أن التقديرات الأميركية/الإسرائيلية لحجم الخسائر العسكرية الإيرانية كان مبالغًا فيها. في 22 أبريل/نيسان، نشرت شبكة سي بي إس الأميركية تقريرًا، استند إلى أحاديث مع عدد من المسؤولين الأميركيين الذين لديهم اطلاع على التقارير الاستخباراتية، قالت فيه: إن إيران لم تزل تحتفظ بمقدرات عسكرية تفوق ما تدعيه وزارة الحرب الأميركية. بمعنى، أن إيران لم يزل باستطاعتها تعهد ردٍّ ملموس إن عاد الأميركيون والإسرائيليون إلى الهجمات العسكرية.

وعلى الرغم من وجود تيارات إيرانية معارضة متعددة الخلفيات، شهدت الحرب التفافًا شعبيًّا واسعًا حول النظام وقراره خوض المواجهة إلى نهايتها. وفيما عدا شبكات العملاء المباشرين للأميركيين والإسرائيليين، التي تعمل أجهزة النظام بصورة حثيثة على كشفها وتحييدها، أخفقت الجهود الأميركية/الإسرائيلية في إطلاق أي حراك معارض ملموس خلال أسابيع الحرب، لا حراكًا مسلحًا ولا غير المسلح. على العكس، استطاع النظام تحريك القوى الحليفة له، سيما في العراق ولبنان، لتعزيز قدراته على الرد، سواء بتهديد أمن إسرائيل بهذه الدرجة أو تلك، أو باستهداف دول الخليج العربية، والمقار الأميركية ومراكز المعارضة الإيرانية في العراق.

عملت إيران من الأيام الأولى من الحرب على الإغلاق الانتقائي لمضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، الخطوة التي تركت تأثيرًا فادحًا على المتاح من النفط والغاز والأسمدة والكيماويات في السوق العالمية، وأثرًا أقل نسبيًّا على واردات دول الخليج العربية من السلع الضرورية. وعلى الرغم من أن إيران سمحت بحركة محدودة عبر المضيق للسفن التي تحمل أعلام دول مثل العراق، أو دول عقدت تفاهمات معها، مثل الهند وتركيا، فقد طوَّرت طهران مفهومًا قانونيًّا جديدًا للمضيق، بوصفه يقع ضمن المياه الإقليمية لإيران وعُمان، ويخضع بالتالي لسيادة الدولتين؛ وبدأت بالفعل فرض رسوم على السفن المارة عبر المضيق.

أفضى إغلاق مضيق هرمز، وتوقف تصدير معظم النفط والغاز والبتروكيماويات من موانئ جانب الخليج العربي إلى ارتفاع مطرد في أسعار الطاقة في مختلف أنحاء العالم بل إلى إلغاء الآلاف من رحلات الطيران، سيما في مطارات الدول الأوروبية الغربية. وعلى الرغم من أن أسعار النفط تعرضت لتذبذبات مستمرة، تبعًا لمؤشرات الحرب والتفاوض، فإن الاتجاه العام كان نحو ارتفاع الأسعار. اَّدعت الإدارة الأميركية أن إغلاق المضيق لا يؤثر على السوق الأميركية، كون الولايات المتحدة أكبر منتج لمصادر الطاقة في العالم، وأن شركات النفط الأميركية المستفيد الرئيس من ارتفاع الأسعار. ولكن هذا الادعاء لا يضع الصعود في معدلات ارتفاع أسعار السلع والخدمات في الاعتبار، ويتجاهل كلية الانخفاض المستمر في مخزون النفط الإستراتيجي الأميركي، وفي أن الحرب لا تستند إلى دعم أغلبية عموم الأميركيين، ولا حتى من قاعدة الرئيس ترامب الشعبية.

صباح الاثنين، 13 أبريل/نيسان، بدأت القوات البحرية الأميركية في بحر العرب، بأوامر من الرئيس ترامب، فرض حصار بحري شامل على الموانئ الإيرانية، في خطوة دراماتيكية أخرى للضغط بعد رفض الوفد الإيراني الانصياع للمطالب الأميركية في جولة تفاوض إسلام آباد الأولى. خلال الأيام التالية، أعلنت القيادة المركزية الأميركية، التي تدير الحرب على إيران، عن إيقاف عدد محدود من السفن المتوجهة لموانئ إيرانية، أو التي تحمل صادرات من إيران، والاستيلاء على سفينة إيرانية واحدة.

ولكن يبدو أن الحصار، على الرغم من أن طهران عدَّته خطوة حربية وانتهاكًا لاتفاق وقف النار، لم يكن محكمًا. ففي 21 أبريل/نيسان، نشرت فايننشيال تايمز أن نحو 34 سفينة مرتبطة بإيران نجحت بالفعل في اختراق الحصار. كما أن ثمة تقديرات تشير إلى أن احتياطي النفط الإيراني، المتواجد خارج البلاد، سواء في ناقلات أو مواقع تخزين صديقة، لا يقل عن 191 مليون برميل. ما يعني أن إيران تستطيع الاستمرار في تزويد عملائها بالنفط لعدة شهور مقبلة، مهما كان مستوى إحكام الحصار الأميركي على موانئها.

قد يقدِّر الإيرانيون أنهم يستطيعون الصمود في المضمار الاقتصادي العام أمام الحصار الأميركي. فمنذ أعلن المرشد الراحل، علي خامنئي، شعار "الاقتصاد المقاوم" على مدى سنوات منذ 2012، بادرت وزارات حكومية وقوى عسكرية وسياسية مختلفة في النظام إلى إنشاء مؤسسات رفاه وشبكات توريد وتسويق مستقلة، يُقدَّر نصيبها من الناتج الإجمالي المحلي بعشرين بالمئة. وإلى جانب احتفاظ هذه المؤسسات باحتياطيات إستراتيجية، ربما تكفي الحاجات الاستهلاكية الداخلية لعدة شهور، فإن الحصار الأميركي لن يستطيع إغلاق حدود إيران الهائلة مع سبع دول، تمتد من باكستان إلى تركيا، تحتفظ مع أغلبها بعلاقات صديقة.

هذا لا يعني بالتأكيد أن الإيرانيين لا يكترثون بالحصار. الحقيقة، أن إيران، أو على الأقل عدد من القيادات الإيرانية، بات يطرح رفع الحصار شرطًا أساسيًّا للموافقة على الالتحاق بجولة تفاوض ثانية، وإن كان من غير الواضح ما إن كان شرطًا وحيدًا أو شرطًا إلى جانب شروط أخرى. وبالرغم من أن أحدًا لا يستطيع التيقن من قدرة إيران على الصمود أمام الحصار لأسابيع أو شهور أو سنوات، فلابد أن تحول الحصار إلى أداة حرب يثير شيئًا من القلق في أوساط القيادة الإيرانية.

ما عمل عليه الإيرانيون، ومنذ الأيام الأولى للحرب، هو باختصار اتباع إستراتيجية صمود واستنزاف للأميركيين والإسرائيليين معًا: صمود في مواجهة عاصفة الحرب واستنزاف أمني وسياسي واقتصادي للإسرائيليين والوجود الأميركي في الجوار الإقليمي، كما لاقتصاد دول الخليج العربية والاقتصاد العالمي. وليس ثمة شك في أن اعتقاد الإيرانيين بأن إستراتيجيتهم تؤتي ثمارها هو ما دفعهم للإحجام عن الذهاب إلى إسلام آباد إلى أن تنزل الولايات المتحدة عن سقف مطالبها وتقترب من حدود المطالب الإيرانية.

إستراتيجية الاستنزاف الأميركية المضادة

لم يكن للرئيس ترامب أن يستجيب للدعوة الباكستانية بوقف النار لولا أنه أدرك أن حملة القصف المدمر لإيران طوال أربعين يومًا لم تعد مجدية، أو على الأقل أنه لم يعد من الممكن تحقيقها لاستسلام إيراني في المدى المنظور. ولكن الرئيس ترامب لم يكن على استعداد للتخلي عن زمام المبادرة. ولذا، فإن قرار وقف النار جاء أصلًا من واشنطن وليس من طهران، وبمبادرة من الرئيس ترامب، وليس نتيجة مفاوضات ما مع الإيرانيين. وفي توكيد على أن وقف النار لا يمثل نهاية للحرب، لم تنفك الإدارة الأميركية عن تعزيز وجودها العسكري في جوار إيران، سواء باستدعاء عدة آلاف من القوات الخاصة، القادرة على تعهد عمليات برية وبحرية على السواء، أو بإضافة حاملة طائرات ثالثة إلى قواتها في المنطقة، أو باستغلال مهلة وقف النار لإعادة بناء مخزون القواعد والقطع البحرية الأميركية من الصواريخ والدفاعات الجوية.  

وكما مهلة وقف إطلاق النار، كذلك كان القرار بفرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، الذي أعلن الرئيس عن أنه أمر به ليس فقط لامتناع إيران عن فتح مضيق هرمز، ولكن أيضًا لإرسال رسالة للقيادة الإيرانية بضرورة الموافقة على المقترح الأميركي لاتفاق نهاية الحرب. ولم يلبث الحصار أن أصبح أداة الحرب الرئيسة ضد إيران في مرحلتها الثانية، عندما أكد ترامب على استمرار الحصار طوال مهلة وقف النار، وإلى أن يصبح اتفاق نهاية الحرب ممكنًا.

في كلتا الحالتين قد يريد الأميركيون القول: إن وقف النار لا يعني نهاية الحرب، وإن الولايات المتحدة أكثر قدرة على تحمل عواقب إطالة مدى المواجهة، وإن التعنت الإيراني لن يفضي إلا إلى استنزاف إيران.

يقول الأميركيون، إنه على الرغم من صمود النظام الإيراني، فإنهم أوقعوا بالفعل دمارًا هائلًا بالمقدرات الإيرانية، العسكرية والمدنية على السواء. وفي القطاع الصناعي، على الأقل، يبدو أن الحرب بدأت في التسبب في زيادة معدلات البطالة في إيران، وألقت بعبء اجتماعي ثقيل من اللاجئين ومن فقدوا مساكنهم وأعمالهم على كاهل السلطات الإيرانية. وطبقًا لترامب في منشور على منصة تروث سوشيال، لم يستطع النظام الإيراني دفع رواتب موظفيه في الشهر الماضي، فيما يكلف الحصار إيران خسارة يومية تقدر بخمسمئة مليون دولار، أو ما يقابل 45 بالمئة من إجمالي إيرادات الحكومة الإيرانية. وهذه بالتأكيد، إن صحت، أرقام كبيرة، وتشير بوضوح إلى أن الحصار لا يستهدف حرمان إيران من تصدير النفط والغاز، ومن الواردات الحيوية، وحسب، وإنما أيضًا إيقاف أية محاولة للتعافي، حتى وإن كان تعافيًا جزئيًّا لسداد الحاجات الملحَّة للشعب الإيراني.

ولكن الحصار لم يكن أداة الاستنزاف الأميركي المضاد الوحيد؛ فقد سارعت الإدارة الأميركية، ومنذ ما قبل إعلان وقف النار، إلى محاولة احتواء التهديد النابع من حلفاء إيران في العراق ولبنان.

في العراق، قامت الولايات المتحدة وإسرائيل باغتيال قادة الفصائل المسلحة وثيقة الصلة بإيران، وأعلنت عن جوائز مالية لمن يدلي بمعلومات عن قادة آخرين. كما منعت واشنطن، التي لم تزل تتمتع بنفوذ كبير في العراق وبأدوات ضغط فعَّالة على الدولة العراقية، ترشيح نوري المالكي رسميًّا لمنصب رئاسة الحكومة، بدعوى ارتباطه بإيران. ولم يزل المجلس التنسيقي الشيعي، الذي يمثل الكتلة الشيعية الأكبر في البرلمان العراقي ويفترض أنه صاحب القرار في تسمية مرشح رئاسة الحكومة، ساحة صراع محتدم بين إيران والولايات المتحدة حول هوية مرشح رئاسة الحكومة المقبل البديل للمالكي.

لا يُخفي الممثلون الأميركيون في بغداد اشتراط دعم أي رئيس جديد للحكومة بتعهده حل قوات الحشد الشعبي ومطاردة الفصائل المسلحة. وللكشف عن نواياهم، أوقف الأميركيون، الذين يتحكمون بالاحتياطي العراقي النقدي، شحنة الدولار المخصصة للعراق لشهر أبريل/نيسان.

أما في لبنان، فقد قام الرئيس الأميركي بالضغط على الإسرائيليين وفرض وقفًا لإطلاق النار على الجبهة اللبنانية لعشرة أيام منذ فجر الجمعة، 13 أبريل/نيسان؛ وعملت الإدارة الأميركية، من ثم، على عقد أول جلسة مباحثات مباشرة منذ عقود بين اللبنانيين والإسرائيليين، استضافتها الخارجية الأميركية بواشنطن. في يوم الخميس، 23 أبريل/نيسان، عُقدت جلسة المباحثات الثانية، ولكن هذه المرة في البيت الأبيض؛ حيث أُعلن عن تمديد وقف النار في لبنان لأسبوعين آخرين. ويشير الاهتمام الأميركي المتزايد بالملف اللبناني إلى عزم الإدارة الأميركية على استمرار هذا المسار التفاوضي، وإلى اتجاه واشنطن لاتخاذ خطوات عملية لدعم موقف الدولة اللبنانية في مواجهة حزب الله، ومساعدة لبنان الرسمي على التخلص من الضغوط الإيرانية.

ليس من الواضح بعد ما إن كان الأميركيون سيستطيعون في المدى القريب تحييد المخاطر التي يمثلها حلفاء إيران في العراق، أو أن ضغوطهم ستساعد على تحقيق انسحاب إسرائيلي من لبنان وتوقيع اتفاق أمني دائم بين لبنان وإسرائيل. الواضح، أن واشنطن تأمل أن يعزز التحرك في الساحتين، الذي يستند بالفعل إلى نفوذ وأوراق تأثير ملموسة، عناصر الاستنزاف المضاد للإيرانيين، ويجعل من الوقت هاجسًا ثقيل الوطأة على أكتاف القيادة الإيرانية.

حرب تستعصي على التنبؤات

توقفت الحرب في صورتها التقليدية من القصف المتبادل، وانتقلت إلى ما يمكن وصفه بالاستنزاف الاقتصادي؛ بمعنى انتظار كل من الطرفين لما يمكن أن ينجم عن ضغوط الاستنزاف التي فرضها الطرف الآخر. تحول دور الوسيط الباكستاني إلى التفاوض على العودة للتفاوض، وليس حول صلب اتفاق نهاية الحرب، رغم ما يبدو من الانخراط الباكستاني الأعمق في المفاوضات وتحولهم من مجرد وسيط إلى طرح أفكار وحلول وسط ممكنة للتباينات. ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن بالإمكان الاستبعاد القاطع لعودة مستوى ما من الحرب الساخنة، كما تشي التهديدات المتكررة من الرئيس ترامب وكبار المسؤولين الإسرائيليين، والتهديدات الإيرانية المضادة.

فأية تطورات محتملة يمكن توقعها لهذه الحرب؟

الاحتمال الأول هو بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أي انتظار كلا الطرفين ليرى ما إن كان الطرف الآخر سيضطر تحت أعباء عامل الوقت إلى التراجع عن موقفه وقطع المسافة الكافية للقاء الطرف الآخر في الطريق إلى عقد صفقة تؤسس لاتفاق نهاية الحرب. ولكن المشكلة المتعلقة بهذا الاحتمال أن من غير الواضح ما إن كان باستطاعة إيران تحمل عواقب الحصار لأسابيع أو شهور؛ كما إن الرئيس الأميركي، التي يواجه معارضة داخلية متسعة للحرب وانتخابات نصفية للكونغرس، لا يمكنه الانتظار طويلًا. كما يصعب على الإدارة الأميركية الاحتفاظ بكل هذه القوة العسكرية المنتشرة في المنطقة في حالة انتظار. ومهما كان الرأي في تقلبات الرئيس ترامب، لا يزل من الصعب تصور قبوله الخروج من الحرب خاسرًا. لذلك، قد يميل إلى الموافقة على تنازلات جزئية متبادلة في إطار الضغط الاقتصادي المتبادل، خاصةً حول حركة مرور ناقلات النفط والغاز في مضيق هرمز، بهدف تخفيف الضغط على أسعار البنزين في الولايات المتحدة. وفي المقابل، تخفف إيران الضغط الاقتصادي الداخلي. وهذا ما تنسجم معه التقارير المتداولة بشأن مقترح عراقجي الجديد، القائم على تأجيل الملف النووي إلى مفاوضات لاحقة.

الاحتمال الثاني، هو العودة إلى الحرب الساخنة، سواء بشنِّ حملة قصف هائلة للمنشآت الإيرانية المدنية، الجسور والسكك الحديدية، ومراكز توليد الطاقة وموانئ تصدير النفط، أو حتى بشنِّ حملة برية محدودة ذات هدف نوعي؛ إلى جانب محاولة اغتيال أكبر عدد ممكن من القيادات العسكرية والسياسية. تستهدف مثل هذه الحملة إجبار القيادات الإيرانية على القبول بالمطالب الأميركية؛ وإن استعصى إخضاع إيران، فيمكن للرئيس ترامب عندها، وسماء إيران مغطاة بسحب الدخان، أن يعلن عن أنه قام بما يمكنه القيام به، وأنه أوقع دمارًا لن تستطيع إيران لسنوات الخروج منه، وأخَّر برنامجها النووي لعقود، مهددًا في الوقت نفسه بالعودة إلى الحرب من جديد إن ظهرت أية مؤشرات على أن إيران تعمل على إحياء برنامجها النووي.

الاحتمال الثالث، بالطبع، هو نجاح الجهود الباكستانية في إحياء المسار التفاوضي، سيما بعد وصول وزير الخارجية الإيراني، عراقجي، إلى إسلام آباد في المساء المتأخر من 24 أبريل/نيسان. ثمة تقارير يصعب التيقن من صحتها أشارت إلى أن عراقجي حمل ردًّا على مقترحات باكستانية سابقة يلبِّي الكثير من المطالب الأميركية، وأن هذا الحراك التفاوضي غير المباشر قد يمهد لجولة ثانية من المفاوضات المباشرة، يقودها نائب الرئيس الأميركي، فانس، ورئيس البرلمان الإيراني، قاليباف. ولكن إلغاء رحلة مبعوثي الرئيس ترامب، ويتكوف وكوشنر، إلى إسلام آباد، التي كان يفترض أن تمهد لجولة المباحثات المباشرة، سكب الكثير من الماء البارد على التوقعات المتفائلة باستئناف المفاوضات. عمومًا، فحتى إن عُقدت جلسة مفاوضات ثانية، فليس ثمة ما يضمن أن تكون كافية للتوصل إلى اتفاق نهائي؛ وربما يتطلب التوصل للاتفاق شوطًا أطول من المفاوضات.

ولأن هذه الحرب دخلت منذ يومها الأول مستوى غير مسبوق من التعقيد، سواء لتعدد أطرافها، أو لتعدد مطالب كل من هذه الأطراف وتباعدها، أو لآثارها الإقليمية والدولية، فإن حدوث تطور غير محسوب قد يدفع الوضع نحو مسار لم يكن في الحسبان.