ألقى الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، خطابه الرئيس حول الحرب على إيران، فجر الخميس، 2 أبريل/ نيسان، اليوم الثالث والثلاثين من العمليات العسكرية. ولكن الخطاب، الذي كان يترقبه الأميركيون، كما دول وشعوب العالم الأخرى، لم يأت بكثير من الجديد على التصريحات التي كان الرئيس نفسه ووزيرا خارجيته وحربه قد أطلقوها في الأيام القليلة الماضية. وهذا، ربما، ما تسبب في ردِّ فعل أسواق المال والطاقة السلبي على الخطاب، والذي كانت تهدئة الأسواق أحد أهدافه المضمرة.
حاول الرئيس في خطابه إلى الشعب الأميركي، متأخرًا بلا شك، تسويغ الحرب؛ الأمر الذي كان يفترض أن يفعله في بداية الحرب. وفي محاولة لتوكيد رسالة النصر التي حملها الخطاب، أنكر الرئيس أن يكون تغيير النظام الإيراني هدفًا للحرب. وأكد، في المقابل، أن الحرب حققت فعلًا أهدافها الإستراتيجية، سيما تلك المتعلقة بتدمير مقدرات إيران النووية والسلاح التقليدي والصناعات العسكرية. وعاد إلى تكرار ما كان قد أشار إليه من قبل بأن الهجمات على إيران ستستمر لأسبوعين أو ثلاثة آخرين، بدون أن يلزم نفسه بنهاية قاطعة للحرب.
ولأن الواضح أن المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، والتي تكررت المبالغات الأميركية في تصويرها، لم تحرز تقدمًا كبيرًا، وجَّه الرئيس للقيادة الإيرانية تهديدات صريحة بالتصعيد. قال الرئيس بأنه ما لم يتم التوصل إلى اتفاق، (والمقصود هنا الاتفاق على أساس المطالب الأميركية)، فإن الأسابيع القليلة المقبلة ستشهد تصعيدًا في الهجمات الأميركية على إيران، وتدميرًا شاملًا لكافة مواقع توليد الطاقة.
صناعة انطباع بالنصر سبق أن حاولها رئيس الحكومة الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في خطاب له، يوم 31 مارس/آذار، بعد أن أدرك على الأرجح أن شريك الحرب الأميركي، وصاحب الكلمة الأعلى، يوشك على إنهائها. كان نتنياهو أعلن الانتصار في خطاب يوم الحرب العشرين، ولكن ادعاءه الأخير بأنه نجح في تدمير إيران ومقدراتها النووية والعسكرية كان مدويًّا. والملاحظ، أن نتنياهو، الذي لم ينفك عن تكرار القول بأن الحرب هي في حقيقتها حرب وجودية، أعلن في خطاب النصر أن إيران لم تعد تشكل خطرًا وجوديًّا على إسرائيل.
كما كافة جوانب هذه الحرب، ابتداءً من مبرراتها وأهدافها وكيفية إدارتها، ليس من الممكن التيقن من أنها ستنتهي فعلًا خلال أسبوعين أو ثلاثة. ولكن إعلانات النصر في واشنطن وتل أبيب لابد أن تستدعي أسئلة ضرورية حول ما أنجزته أطراف الحرب الثلاثة الرئيسة، الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وما أخفقت في تحقيقه حتى الآن. كما تستدعي أسئلة أخرى حول الشروط التي لابد من توافرها، أو غيابها، لتسويغ نهاية الحرب، أو استمرارها بصور مختلفة عن الصورة التي اتخذتها منذ اندلاع النيران، في 28 فبراير/شباط.
إنجازات أميركية/إسرائيلية
حققت الحرب الأميركية/الإسرائيلية في أسابيعها الخمسة إنجازات ملموسة بالفعل. ولكن معظم هذه الإنجازات تعلقت بالجانب العسكري البحت، أو بقائمة اغتيال قادة النظام. كانت هذه حربًا جوية كلية، شملت قصفًا بالطائرات المقاتلة، بالصواريخ الموجهة، وبالطائرات المسيرة. وتجنبت، حتى نهاية أسبوعها الخامس على الأقل، الغزو البري والاشتباك المباشر. وإن أُخذت التقديرات الأميركية والإسرائيلية في الاعتبار، وليس ثمة مبرر للتشكيك فيها، يبدو أن الهجمات على إيران أصابت ما لا يقل عن 18 ألف هدف متنوع في أنحاء البلاد المختلفة.
نجحت الهجمات الأميركية/الإسرائيلية في اغتيال عدد من كبار قادة البلاد، بمن في ذلك المرشد الأعلى، آية الله خامنئي، ورئيس مجلس الأمن القومي، علي لاريجاني، وقائد قوات الحرس الثوري، وقائد القوات البحرية في الخليج وبحر العرب. كما اغتيل عدد يصعب تحديده من كبار ضباط الحرس والجيش، وجهاز الاستخبارات، والأمن الداخلي.
دمَّرت الهجمات الأميركية/الإسرائيلية في الأسبوع الأول من الحرب عددًا كبيرًا من الدفاعات الجوية الإيرانية، واستطاعت السيطرة على الأجواء الإيرانية بشكل كبير وإن اتضح بعد مرور ستة أسابيع على الحرب أن إيران قادرة على إصابة طائرات حربية وإسقاط بعضها. وخلال الأسابيع التالية، استهدفت الهجمات معسكرات للجيش والحرس، على الرغم من أن أغلبها كان أُفرغ من قبل، ومواقع تمركز ومنصات إطلاق للصواريخ، ومصانع عسكرية ومدنية في مختلف أنحاء البلاد. كما ادَّعى الإسرائيليون أنهم دمروا العديد من مواقع تصنيع الصواريخ.
أما على صعيد المشروع النووي، فالأرجح أن مركز إنتاج الماء الثقيل في آراك قد تعرض لتدمير فادح. ولكن المواقع النووية الرئيسية الأخرى، التي سبق أن استُهدفت في حرب الاثني عشر يومًا، فليس من الواضح ما إن كان قد جرى استهدافها من جديد. معمل بوشهر النووي المدني، الذي تواجد فيه خبراء روس، تعرض لضربتين غير مباشرتين على الأقل؛ ولكن الأرجح أن المقصود لم يكن تدميره، بل مجرد التهديد وإيقافه عن العمل.
استهدفت حملات القصف، خصوصًا تلك التي تعهَّدها الإسرائيليون، عددًا كبيرًا من المنشآت الاقتصادية والصناعية المدنية. وربما كان تدمير مجمع إنتاج الصلب قرب أصفهان، أحد أكبر مصانع الصلب في الشرق الأوسط وفخر القاعدة الصناعية الإيرانية، في 27 مارس/آذار، أحد أبرز إنجازات الحرب في جانبها الإسرائيلي. ولكن الحرب استهدفت كذلك مصانع أدوية وكيماويات وبتروكيماويات، ومصانع وسائل نقل عسكرية ومدنية. ووصل التدمير -إضافة إلى ذلك- مراكز أبحاث وجامعات ومدارس، ومراكز أبحاث طبيعة، ادَّعى الإسرائيليون أنها مزدوجة الاستخدام، أو أنها توفر الدعم للجهود النووية وتطوير سلاح الصواريخ.
كما تولَّى الأميركيون، على وجه الخصوص، تدمير كافة قطع الأسطول الإيراني الرئيسة في الخليج وبحر العرب. ويُعتقد أن ما تبقى للبحرية الإيرانية يقتصر على الزوارق الصغيرة-السريعة، التي أعدتها قوات بحرية الحرس للهجمات المحدودة والمفاجئة، وجرى الاحتفاظ بها في مناطق ساحلية محصنة.
ولأن حزب الله وقوى من الفصائل العراقية الشيعية دخلت الحرب إلى جانب إيران، فقد استهدفت الهجمات الأميركية/الإسرائيلية العراق ولبنان كذلك. في لبنان، الذي هو أصلًا ساحة عمل عسكري إسرائيلي، جرى اغتيال عدد من قادة أجنحة حزب الله المسلحة. وقام سلاح الجو الإسرائيلي بتدمير واسع النطاق لمعظم بلدات وقرى الشريط اللبناني الحدودي وضاحية بيروت الجنوبية، وتهجير ما يقارب المليون من السكان، بحجة استهداف مواقع ومراكز تابعة للحزب. كما تقدمت القوات الإسرائيلية، بعمق يقارب العشرة كيلومترات داخل الحدود اللبنانية جنوبي الليطاني، وإن ببطء ملحوظ نظرًا للمقاومة التي تواجهها القوات المتقدمة من مسلحي حزب الله.
في العراق، تعرضت مقار فرق ومواقع للحشد الشعبي، في جنوب وشمال وغرب العراق، لعدد من الغارات الأميركية والإسرائيلية، نجم عنها دمار للمواقع وقُتل بفعلها عشرات من عناصر الحشد. كما نُفِّذت عمليات اغتيال لعدد من قيادات بعض الجماعات العراقية المعروفة بصلاتها الوثيقة مع إيران. ولكن، وللعلاقات الملتبسة التي تربط العراق الرسمي بالولايات المتحدة، تجنَّب كل من الأميركيين والإسرائيليين تعهد هجمات تدميرية واسعة النطاق على العراق، كتلك التي نُفِّذت ضد إيران ولبنان.
إخفاقات أميركية/إسرائيلية
ليس ثمة شك في أن هدف الحرب الحقيقي أميركيًّا كان تغيير النظام في إيران، على طريقة فنزويلا، ومن ثم تغيير وجهة النظام الإستراتيجية على صعيد علاقاته بالولايات المتحدة وإسرائيل، ومن ثم التوصل إلى اتفاق مع الحكام الجدد حول كافة المسائل الأخرى، بما في ذلك المشروع النووي والنفوذ الإيراني في الشرق الأوسط. إسرائيليًّا، كان الهدف هو تدمير نظام الجمهورية الإسلامية واقتلاعه من جذوره، حتى إن أفضى انهيار النظام إلى اندلاع حرب إيرانية أهلية، وفقدان المركز السيطرة على أطراف البلاد.
كلا الهدفين لم يتحقق. ولابد أن تُفهم تصريحات الرئيس ترامب المتناقضة، مرة حول إنكار وجود هدف مسبق لتغيير النظام، ومرة أخرى حول وقوع التغيير فعلًا، في ضوء هذا الإخفاق. ما جرى، أن عمليات اغتيال عدد من قادة البلاد السياسيين والعسكريين لم ينجم عنها سوى تصعيد قادة جدد إلى المواقع الشاغرة، ليس ثمة شك في أن بعضهم يبدو أكثر إيمانًا بالجمهورية الإسلامية وأكثر راديكالية في التعامل مع أعدائها في الداخل والخارج، على السواء.
أخفقت إدارة الحرب في تحريك قوى إيرانية معارضة للضغط على النظام، على الرغم من وجود إيرانيين جُنِّدوا من قبل وتعاملوا استخباراتيًّا مع الإسرائيليين. وأخفقت محاولة تجنيد قوى معارضة مسلحة في الخارج، سيما في شمال العراق، لدفعها إلى داخل إيران بهدف إرباك أو تقويض نظام الحكم الإيراني وقدرته على الحكم والسيطرة. وربما كانت المبالغة الإسرائيلية في حساب قوة وفاعلية المعارضة الكردية الإيرانية المسلحة، أبرز مؤشرات الفشل الاستخباراتي الإسرائيلي على هذا الصعيد.
لم يستطع الأميركيون احتواء الرد الإيراني على الحرب، سيما الاستهداف الإيراني لدول الجوار، الخليجية منها، أو العراق والأردن. كما شهدت مجريات الحرب فشلًا استخباراتيًّا فادحًا في التقديرات الأميركية/الإسرائيلية لإمكانيات إيران العسكرية، سيما في مجال سلاح الصواريخ، التي تستمر إيران في استخدامها بدون أي تراجع ملموس على الرغم من الدعاوى الأميركية/الإسرائيلية بتدمير معظم مخزونها ومراكز تصنيعها.
وأخفق الإسرائيليون على وجه الخصوص في تقدير ما حققوه في الحرب السابقة على حزب الله، وفي توقع قدرة الحزب على التعافي بعد وقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية، في أواخر 2024. لم يُظهر الحزب أن مخزونه من الصواريخ يفوق كل الحسابات الإسرائيلية، وحسب، بل أن جناح الحزب العسكري وهرمه القيادي لم يزل متماسكًا.
هذه الإخفاقات، السياسية والعسكرية معًا، هي ما دفع واشنطن إلى التخلي عن هدف تغيير النظام، وإعطاء الأولوية للتوصل إلى اتفاق مع الإيرانيين، يلبي المطالب الأميركية. في الجانب الآخر، ولأن الإسرائيليين أدركوا أن الحرب لن تفضي إلى إسقاط النظام، فقد انتقلوا إلى سياسة تدمير المقدرات الصناعية والاقتصادية والعلمية، بهدف إخراج إيران من الحرب في حالة من الإنهاك والشلل الاقتصاديين، وإفساح المجال لانفجار اجتماعي-سياسي.
إنجازات إيران وإخفاقاتها
أظهرت إيران ثباتًا سياسيًّا أمام الهجمات الهائلة التي تعرضت لها، سيما خلال الأسابيع الأولى من الحرب. حافظ النظام الإيراني على وجوده وتماسكه، وعمل على احتواء الضربات التي أصابت مؤسساته القيادية، بدون تراجع ملموس في مظاهر الحكم والسيادة في كافة أنحاء البلاد. وربما كان هذا الثبات والتعافي السريع أحد أبرز إنجازات النظام الإيراني حتى الآن.
نجح النظام في توظيف أدوات الحرب غير المتكافئة، سواء في الاستخدام الكثيف لسلاح الصواريخ، سيما الصواريخ العنقودية ومتعددة الرؤوس، أو في قرار إغلاق مضيق هرمز الانتقائي. ولأن إغلاق المضيق الانتقائي كان من عواقب الحرب ذاتها، وللأثر الكبير الذي تركه الإغلاق على الاقتصاد العالمي، فقد أضاف ورقة ضغط أخرى في يد المفاوض الإيراني. ولكن، وإن تحول إغلاق هرمز إلى عبء سياسي على الولايات المتحدة، وعلى علاقات واشنطن بحليفاتها الأوروبية على وجه الخصوص، فالأرجح أن الإغلاق أفاد الولايات المتحدة اقتصاديًّا، بعد أن ارتفعت أسعار النفط وتزايد الطلب على النفط الأميركي، لكن من جانب آخر أدى إلى ارتفاع أسعار البنزين والطاقة على المستهلك الأميركي.
والواضح، أن الفصائل المسلحة الحليفة لإيران نجحت فعلًا في حشد ونشر قوة رادعة لمجموعات المعارضة الإيرانية المسلحة، سيما المجموعات الكردية في الجانب الغربي من الحدود مع العراق، والتي تواترت التقارير حول وجود اتصالات إسرائيلية ببعض منها منذ ما يزيد عن عام قبل اندلاع الحرب.
وبغضِّ النظر عن الاتهامات التي طالما وُجِّهت لنظام الجمهورية الإسلامية باتباع سياسات طائفية لتوسيع نطاق النفوذ الإقليمي، وعدم اكتراث باستقرار دول الجوار الإقليمي، فقد نجح الإيرانيون في توظيف حلفائهم في لبنان والعراق لخدمة وتعزيز الرد على الحرب. شكَّل حزب الله تهديدًا لأمن إسرائيل منذ أيام الحرب الأولى، بينما استُخدمت الفصائل العراقية الموالية لإيران لتهديد مواقع التواجد الأميركي في العراق، وتهديد مواقع القوى الكردية الإيرانية المعارضة، إضافة إلى قيادات كردية عراقية رئيسية، اتُّهمت بتوفير مظلة حماية للأكراد الإيرانيين. كما يعتقد أن الفصائل العراقية شاركت في الهجمات على دول الخليج، سيما الكويت.
ولكن إخفاقات إيران في إدارة الحرب لم تكن أقل أثرًا.
ما أرادته إيران من توسيع نطاق الحرب إلى دول الخليج والعراق كان بالتأكيد مضاعفة تكاليف الحرب، سيما للولايات المتحدة التي تتحمل مسؤولية بدء الحرب وتُعَد قوة كبرى صديقة لدول الخليج. ولكن، وبخلاف تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره ما يعادل خُمس حاجات العالم من النفط، إلى جانب نسبة ملموسة من الأسمدة والمواد الكيماوية الصناعية الأخرى، لا يبدو أن الولايات المتحدة أو إسرائيل أظهرت أي اكتراث بالأذى الذي أصاب دول الخليج. حَسِبَ الإيرانيون أن التهديد باستهداف البنية التحتية المدنية في دول الخليج إن استُهدفت مثيلتُها في إيران، سيشكِّل ردعًا لإدارة الحرب الأميركية/الإسرائيلية. ولكن قد يكون استمرار الهجمات على المواقع الصناعية والبحثية الإيرانية يدل على أن الإسرائيليين والأميركيين يرحبون في الحقيقة بتزايد مستوى العداء بين إيران وجوارها العربي.
أما على المستويين، العسكري والأمني، فقد عانت إيران من إخفاقات متعددة الأوجه.
كان من المفترض بعد حرب الاثني عشر يومًا أن تقوم إيران بتحديث أنظمة الدفاع الجوي، وأن تعالج الخلل الذي كشف عن فشل هذه الأنظمة في التعامل مع الهجمات الجوية الإسرائيلية طوال أيام الحرب. ولكن ما يبدو أن جهود إيران في هذا المجال، بغضِّ النظر عن مصدر الأنظمة، لم توفر الحماية الضرورية من الهجمات الأميركية/الإسرائيلية، التي استهدفت ليس طهران وحسب، بل مختلف أنحاء البلاد، بما في ذلك مواقع بالغة الحساسية، عسكريًّا واقتصاديًّا. ولم تتمكن إيران من إصابة طائرتين أو ثلاث طائرات أميركية إلا في أسبوع الحرب الخامس، في دلالة ربما لدعم تقني واستخباراتي قُدِّم للإيرانيين في الأسابيع القليلة الماضية من روسيا والصين وكوريا الشمالية. ولكن من غير الواضح بعد إن كانت هذه نجاحات مستديمة، وأن مدى إصلاح أو تحديث دفاعات إيران الجوية يغطي كافة أجواء البلاد.
أمنيًّا، كان ثمن الإخفاق الإيراني باهظًا؛ فقد أظهرت الحرب حتى الآن أن الاختراق الاستخباراتي الأجنبي لإيران يصل مستويات مختلفة من نظام الحكم، ومجالات واسعة من الحياة الإيرانية. كافة القيادات الإيرانية الرئيسة، السياسية والعسكرية، جرى اغتيالها بفعل إخفاقات أمنية، سواء تلك المستندة إلى عملاء أو إلى اختراقات لأنظمة الرقابة والاتصال. كما كشفت الحرب عن أن الأميركيين والإسرائيليين كانوا قد أعدُّوا بنك أهداف لآلاف من المواقع الإيرانية العسكرية والصناعية والاقتصادية في عموم البلاد.
ملامح نهاية الحرب
السؤال الذي تفرضه هذه المرحلة من الحرب هو ما إن كان حجم إنجازات وإخفاقات الحرب سيدفع كلًّا من أطراف الاشتباك الثلاثة إلى طلب، أو ترجيح طلب إنهاء الحرب. بمعنى، هل بات من الممكن للإدارة الأميركية، أو ربما حتى الحكومة الإسرائيلية، أن ترى أنها حققت ما يكفي من الإنجازات للإعلان عن نهاية الحرب أو أن الحرب، من الجانب الآخر، أوقعت في إيران ما يكفي من الإصابات للموافقة على نهاية ما من الحرب، حتى إن لم تتوافق هذه النهاية كلية مع المطالب الإيرانية الأساسية؟
في 3 أبريل/نيسان، نشر وزير الخارجية الإيراني الأسبق، محمد جواد ظريف، والذي يشار إليه أحيانًا بوصفه أحد الشخصيات المقبولة غربيًّا في إيران، مقالة في الفورين أفيرز الأميركية. قال ظريف في مقاله إنه بات لإيران اليد العليا في المواجهة، وإن على القيادة الإيرانية بالتالي التوجه لإنهاء الحرب، تجنبًا لمزيد من الخسائر في الأرواح والمنشآت. طرح ظريف أيضًا مقترحًا لما يمكن أن يرتكز إليه وقف الحرب من استجابة لمطالب أطرافها المختلفة، بدون أن يأتي بأي إضافة على الاتفاق النووي الذي سبق أن وقَّعه مع إدارة أوباما. ولكن الأرجح أن ظريف لا يعبِّر في مقاله عن موقف القيادة الإيرانية، ولا يبدو أنه حصل على موافقة الإيرانيين أو الأميركيين على مقترح الاتفاق الأولي الذي يطرحه.
من جهة أخرى، ما يمكن استنتاجه من خطاب الرئيس ترامب الأخير، على الرغم من صعوبة التيقن من دلالات تصريحات الرئيس دائمًا، أن واشنطن باتت تربط النهاية القاطعة للحرب بالتوصل إلى اتفاق شامل مع الإيرانيين حول كافة المسائل العالقة. ثمة مؤشرات على أن الرئيس بات يدرك صعوبة تغيير النظام الإيراني أو إطاحته، وأنه في المقابل يريد التوصل إلى اتفاق مع الإيرانيين، يستجيب للمطالب الأميركية فيما يتعلق بالتخلص من كمية اليورانيوم عالي التخصيب، وتحديد مدى الصواريخ الإيرانية، وتخلي الإيرانيين عن حلفائهم في الجوار الإقليمي. ولكن الإسرائيليين لا يظهرون أي اهتمام بالاتفاق، ويرون أن الشراكة مع الولايات المتحدة في الحرب توفر فرصة غير مسبوقة لاستمرار المواجهة مع النظام الإيراني إلى أن يُقتلع نظام الجمهورية الإسلامية كلية، أو يصل إلى حافة الهاوية.
المشكلة، أن الحرب، بالرغم من الدمار الهائل الذي أوقعته، لم تزد الإيرانيين إلا ثقة بالنفس. يرى الإيرانيون أن صمودهم وتماسك نظامهم يستدعيان موقفًا أكثر صلابة في المفاوضات، وليس الاستسلام للمطالب الأميركية. وهذا ما يفسر البطء البالغ في عملية التفاوض غير المباشرة، التي تجري عبر وسطاء. الأكثر من ذلك، أن الإيرانيين، وفي مقابل سقف المطالب الأميركية العالية، أضافوا إلى موقفهم بخصوص الملف النووي، مطالب أخرى حول رفع كامل للعقوبات، والسيادة على مضيق هرمز، وضمانات بوقف الاعتداء نهائيًّا، ووقف الحرب في الجبهة اللبنانية، وخروج القوات الأميركية من الجوار.
في ساحة صراع بالغة التعقيد، ومتعددة الأطراف، وواسعة الأثر، يجب ألا يستبعد دائمًا احتمال التوصل إلى اتفاق، سيما إن أدركت الأطراف العواقب الكارثية لاستمرار الحرب، وأبدت استعدادًا للتنازل عن سقف مطالبها. وقد أعلنت الخارجية القطرية، في 31 مارس/آذار، أنها مستعدة للمساعدة في المفاوضات الإيرانية-الأميركية. وقد توالت عدة تقارير عن إسهام بعض دول الجوار الإيراني في دفع الأطراف المتحاربة إلى التفاوض.
المؤكد أن النافذة الزمنية المتاحة للتوصل إلى اتفاق هي نافذة ضيقة؛ وإن لم ينجح الطرفان في تجاوز مساحة الخلاف خلال أيام قليلة، فإن وتيرة الحرب تتجه إلى التصعيد، بما في ذلك تعرض إيران لغزو أميركي محدود.
ليس ثمة شك أن الحرب تداعت، على الأقل في الجانب الأميركي، من انتهائها في بضعة أيام إلى أسابيع، تلقائيًّا، بفعل الأخطاء الفادحة في التقديرات الأميركية والإسرائيلية للموقف الإيراني، ولقدرة إيران على الصمود والرد. لذا، فإن لم يكن الاتفاق ممكنًا، ربما خلال أسبوع الحرب السادس، فربما تشرع الإدارة الأميركية في تنفيذ التهديدات باستهداف البنية التحتية المدنية لإيران، و"إعادتها إلى العصر الحجري"، كما هو التعبير الذي استخدمه الرئيس ترامب، لكن تَحُول دون ذلك اعتبارات أميركية بارتفاع أسعار الطاقة، فترتفع الأسعار في أميركا، وقد تتحول إلى سخط شعبي على إدارة ترامب وحزبه الجمهوري.
لذلك، ثمة احتمال، بالطبع، لأن يعلن الرئيس الأميركي مجرد وقف لإطلاق النار خلال أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، نظرًا لآثار الحرب السلبية على الرأي العام الأميركي، سواء في المجال الاقتصادي، أو لقرب آجال انتخابات الكونغرس النصفية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، أو لتجنب العودة إلى الكونغرس إن استمرت الحرب لأكثر من ستين يومًا. ولكن وقفًا لإطلاق النار لا يعني حلًّا نهائيًّا للمواجهة الأميركية-الإيرانية المستمرة منذ عقود، وقد يترك الباب مواربًا لاستئناف الحرب بصورة مختلفة عن الصورة التي اتخذتها في مرحلتها الأولى.
كما أن هناك جانبًا آخر للحرب يبدو وكأنه يغيب عن الحسابات. فحتى إن توقفت الحرب باتفاق، أو نصف اتفاق، أو بمجرد وقف لإطلاق النار، والتزم الإسرائيليون بالموقف الأميركي في الجبهة الإيرانية، فالمؤكد أن الإسرائيليين لن يوقفوا الحرب على حزب الله، وليس ثمة مؤشر على أنهم يخططون للانسحاب قريبًا من مواقع توغلهم في الجنوب اللبناني. وسيصعب على إيران، في المقابل، إيقاف النار مع الإسرائيليين فيما يتعرض حلفاؤهم في لبنان للقصف، ويتعرض الجنوب اللبناني للإبادة.