إستراتيجية المقامر: من الإخفاق إلى التصعيد في الحرب على إيران

بيَّنت مجريات الحرب على إيران أن الحليفين، الأميركي والإسرائيلي، أخفقا، خلال أكثر من أسبوعين، في تحقيق أهدافهما الرئيسية، وحقَّقا نتائج ضئيلة في أهدافهما الثانوية، وأن هذا الإخفاق ناتج عن سوء تقدير للموقف، لكن هذا الإخفاق نفسه يجعلهما يميلان للتصعيد وإطالة الحرب لأنهما أقل تكلفة في حساباتهما من تكلفة الإخفاق.
زمام الحرب يفلت من ترامب (رويترز)

تتضافر الأدلة، بعد مضي أسبوعين على الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران، على أن الحرب أخفقت في تحقيق أهدافها، الرئيسة منها بصورة كلية، والأدنى أهمية بصورة نسبية. لا يزال نظام الحكم الإيراني، نظام الجمهورية الإسلامية، في مكانه، بل ويبدو أحيانًا أقدر على فرض سيادته وسلطته من أي وقت مضى منذ اندلعت النيران في جنبات المشرق، في أكتوبر/تشرين الأول 2023. ليس ذلك وحسب، بل إن تصميم إيران وبعض حلفائها على الرد، سواء بقصف إسرائيل أو استهداف مواقع التواجد الأميركي ومصادر الطاقة في دول الجوار، لا يبدو أنه يشهد تراجعًا ملموسًا، على الرغم من الهجمات الجوية الهائلة، عددًا وفاعلية، التي تعرضت لها إيران ولبنان. 
خلال يوم الأربعاء، 11 مارس/آذار، دوَّت صفارات الإنذار ثلاث عشرة مرة في مختلف أنحاء الدولة العبرية، وكان على الدفاعات الإسرائيلية التعامل مع ما لا يقل عن 200 صاروخ. وحتى إن صدقت التقارير التي تقول: إن عدد الصواريخ الإيرانية الباليستية، ذات الرؤوس المتفجرة ثقيلة الوزن، هو أصلًا محدود، أو إنه في تراجع ملموس، فالواضح أن مخزون إيران وحزب الله من الصواريخ أكبر بكثير من التقديرات الإسرائيلية، وأن ادعاءات الإنجاز الإسرائيلية في لبنان وإيران خلال العامين الماضين كان مبالغًا فيها.
يوم الخميس، 12 مارس/آذار، وجَّه المرشد الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي، كلمة مكتوبة إلى الشعب الإيراني وقواته المسلحة، قُرئت نيابة عنه. بين ما قاله خامنئي الابن في كلمته:

  1. أن إيران أفشلت مخططات تقسيم البلاد، أو السيطرة عليها. 
  2. أن على دول المنطقة إغلاق القواعد الأميركية، وأن إيران مضطرة لمواصلة استهداف هذه القواعد. 
  3. تجب الاستفادة من كافة الإمكانيات التي تؤمِّن استمرار إغلاق مضيق هرمز. 
  4. إيران لن تتوانى عن الانتقام للجرائم التي ارتُكبت بحقها. 
  5. أن إيران تطالب العدو بالتعويضات، فإن امتنع عن دفع التعويضات، فستأخذ إيران من أمواله ما تراه مناسبًا، أو تدمر من ممتلكاته بالمقدار نفسه.
  6.  إذا استمر الوضع الحربي على ما هو عليه، فستقوم إيران بتفعيل جبهات لا يملك العدو فيها خبرة.

هذا ليس بيان استسلام بأي حال من الأحوال، ولا هو بيان قيادة فقدت السيطرة، أو هي على وشك أن تفقد السيطرة. لم يغلق خامنئي باب المفاوضات، ولكنه في المقابل لم يطلب التفاوض، أو وقف النار. وفي حين لم يتوقف الرئيس ترامب عن إطلاق تصريحات متناقضة حول وقف الحرب، ليس ثمة ما يشير إلى أن إيران ستقبل وقفًا لإطلاق النار بدون شروط. 
فلماذا تتزايد احتمالات إخفاق الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران وتتراجع حظوظ النجاح؟ ما الذي أوصل الحرب إلى هذا المأزق؟ وما الذي يعنيه هذا الوضع على مصائر الحرب وآفاق نهايتها؟

أهداف صعبة التحقق

أول أسباب إخفاق الحرب، أنها أُطلقت لإنجاز أهداف عصيَّة على التحقق. في المستوى الأعلى من الأهداف، بدأت الحرب بتباين واضح بين الموقفين الأميركي والإسرائيلي. كان الهدف الكلي الذي أراد الرئيس تحقيقه من الحرب هو تغيير النظام من داخله، سواء بإيقاع هزيمة معنوية أو فعلية بقيادة النظام ودفعها إلى الاستسلام، أو بتشجيع جناح ثقيل التأثير داخل النظام على الانقلاب والقبض على مقاليد الحكم والدولة، في عملية شبيهة بعمليته في فنزويلا، لما اختطف رئيس البلاد، نيكولاس مادورو، وجعل نائبة الرئيس تنفذ مطالبه. في الحالتين، أراد الرئيس ترامب أن تنتهي الحرب بتحول في وجهة إيران الإستراتيجية، سواء على مستوى الإقليم أو العالم.
ما أراد نتنياهو تحقيقه هو إطاحة نظام الجمهورية الإسلامية واقتلاعه من جذوره، وفتح الطريق أمام قوة سياسية وثيقة الصلة بإسرائيل لتسلم زمام الأمور، أو حتى دفع إيران إلى هوة من الفوضى الدموية والانقسام والتدافع الأهلي.
ولكن هذا لا يعني أن خلافًا قد وقع حول الأهداف الصغرى من الحرب. كلتا الحليفتين اتفقتا على أن هناك أهدافًا لابد من تحقيقها من أجل الوصول إلى الهدف الكلي الرئيس والنهائي: قطع رأس القيادة الإيرانية العليا، واغتيال أكبر عدد ممكن من القيادات العسكرية والسياسية؛ وتدمير المقدرات العسكرية الإيرانية، سيما المنظومة الصاروخية التي تعطي إيران القدرة على الرد والردع في الوقت نفسه؛ وتدمير مراكز التحكم والاتصال، سيما تلك الخاصة بأجهزة الأمن والاستخبارات وقوات الحرس؛ وتدمير ما تبقى من المنشآت النووية، ومراكز البحث النووي، ومحاولة الاستيلاء على، أو التخلص من، أربعمئة وأربعين كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب إلى مستوى 60 بالمئة أو يزيد. 
ما أظهره أسبوعان من الحرب المدمرة أن كلا المستويين من الأهداف، الرئيسة والأصغر، كان مبالغًا فيه، وكان لابد أن يُرى أنه صعب التحقق من البداية.
ما لم يستطع الأميركيون والإسرائيليون إدراكه أن دولة الجمهورية الإسلامية بُنِيَت بصورة فريدة، سواء لطبيعة الأسس الدينية للدولة، أو لطبيعة المسار بالغ الخصوصية الذي اتخذته عملية بناء الدولة في سنواتها الأولى. صحيح أن المرشد يتمتع بسلطات دستورية مطلقة في الهيكل السياسي للدولة، وعلى قواها المسلحة. ولكن الصحيح أيضًا أن قوة الدولة جرى توزيعها على عدد كبير من المؤسسات التمثيلية والمرجعية؛ كما أن أجنحة القوات المسلحة المختلفة لا تخضع لقيادة مركزية واحدة. ولأن الجمهورية الإسلامية أنتجت خلال العقود الخمسة الماضية عددًا هائلًا من الكوادر السياسية والعسكرية، فإن هدف قطع رأس النظام يكاد أن يكون هدفًا وهميًّا، لا يؤدي بالضرورة إلى إسقاط النظام.
نظرت الطبقة الحاكمة إلى الحرب من البداية بوصفها حربًا وجودية، ولذا، كان طبيعيًّا أن يفضي اندلاع نيران الحرب إلى مزيد من تماسك النظام لا تشظيه. في ظروف عادية، ربما، ما كان يمكن لمجتبى خامنئي أن يصبح مرشدًا أعلى بهذه السلاسة والسرعة، سواء لتواضع مؤهلاته الدينية مقارنة بقيادات أخرى، أو حتى لأن اختياره يوحي بالتوريث، وهو اعتبار منفِّر في الجمهورية الإسلامية التي نشأت للقضاء على وراثة المنصب في عهد الشاه. ولكن، وما إن أُعلن عن اختياره خليفة لوالده، حتى توالت إعلانات البيعة والولاء له من كافة مراكز القوة ومؤسسات الدولة السياسية والعسكرية والعلمائية.
وحتى على مستوى الأهداف الأصغر، من تحطيم الأنظمة والمعدات العسكرية إلى انتزاع اليورانيوم عالي التخصيب، لم يكن خافيًا أن من خططوا للحرب بالغوا في صحة تقديراتهم الاستخباراتية لما تملكه إيران وحلفاؤها من مقدَّرات. كما لم يأخذوا في الحسبان أن ثمة حدودًا للقصف الجوي، مهما بلغت آلة الحرب الجوية من قوة تدميرية. 
ربما كانت البيانات الأميركية/الإسرائيلية المتعلقة بحجم ما أُنجز في أسبوعي الحرب الأولين صحيحة. ولكن الصحيح أيضًا أن منظومة الصواريخ الإيرانية، وقدرة إيران على التصنيع في ظل القصف، تبدو أكبر بكثير من التقديرات الأميركية/الإسرائيلية. وهذا ما ينطبق أيضًا على مقدرات حزب الله، وربما حتى الفصائل الشيعية العراقية المسلحة، وثيقة الصلة واللصيقة بالساحة الإيرانية.
أما اليورانيوم عالي التخصيب، الذي سيُعد النجاح في تدميره أو الاستيلاء عليه ونقله خارج إيران، انتصارًا كبيرًا للحملة الأميركية/الإسرائيلية، فيبدو أن الوصول إليه أمر بالغ التعقيد والصعوبة. تعتقد وكالة الطاقة الذرية، ولكنها ليست متيقنة تمامًا، أن إيران تحتفظ بهذه الكمية من اليورانيوم المخصب في حاويات خاصة، بمنطقة جبلية قرب أصفهان. ولكن السيطرة على هذا الموقع تتطلب دفع عدة آلاف من القوات الخاصة، والسيطرة على أقرب مطار عسكري إيراني للموقع. كما تتطلب جلب معدات خاصة لاكتشاف الحاويات وتأمينها، ومن ثم نقلها جوًّا، أو تدميرها في موقعها بدون التسبب في تسريبات إشعاعية. وهذه عملية محفوفة بالمخاطر، سيما أن القوات البرية الإيرانية لم تزل في كامل جهوزيتها ولا يبدو أن أسبوعي القصف الجوي قد تسبَّبا في إضعافها بأية صورة من الصور.
كما أساء الأميركيون والإسرائيليون قراءة طبيعة وإمكانيات المعارضة الإيرانية، سواء المعارضة السياسية الداخلية أو المعارضة الكردية المسلحة في الخارج.
تعرَّض النظام الإيراني لسلسلة من حركات الاحتجاج منذ أزمة إعادة انتخاب أحمدي نجاد، في 2009، وصولًا إلى تظاهرات أواخر العام الماضي وأوائل الحالي، 2026. والحقيقة أن حركات الاحتجاج المعارضة في أقصى ذروتها لم تستطع حشد كتلة شعبية ملموسة، وأن قاعدة النظام الشعبية ظلَّت أكثر استعدادًا للتضحية من التيار المعارض. كما أن ليس كل التحركات المعارضة كانت تستهدف إطاحة النظام. مظاهرات 2009، مثلًا، عبَّرت عن تدافع داخل صفوف حاضنة النظام نفسه. والواضح أن الدوافع الأبرز لحركة الاحتجاج الأخيرة كانت في أصلها اقتصادية. هذا لا يعني بالتأكيد عدم وجود قوى تسعى فعليًّا إلى إحداث تغيير سياسي جذري؛ ولكن هذه القوى أضعف من أن تستطيع تحدي وهزيمة أدوات النظام الأمنية وقاعدته الشعبية.
أما المعارضة الكردية المسلحة، ففوق أنها تستند إلى أقلية لا تزيد عن 6-7 بالمئة من السكان، فإن خُمس هذه الأقلية السكانية هم أصلًا من الشيعة الأكراد المندمجين في جسم النظام ومؤسساته. كما تعاني الحركة الكردية القومية في إيران من تعدد تنظيماتها وولاءاتها، ومن الانقسام المديد على الذات. والمؤكد أن ثمة مبالغة شديدة في حديث بعض قيادات هذه التنظيمات عن وجود عشرات الآلاف من المسلحين على حدود إيران. وهذا، ربما، ما أدركه الأميركيون، بعد أن شرعوا في التعرف على أوضاع التنظيمات الكردية، وما دعا الرئيس الأميركي، ترامب، في 7 مارس/آذار، إلى التصريح بأنه لا يريد "مشاركة الأكراد في حرب معقدة، قد تزيدها مشاركتهم تعقيدًا".
فوق ذلك، فإن سيطرة النظام على البلاد والمجتمع، رغم فقدانه قوة الإبداع وتجديد الذات في السنوات الأخيرة، كانت دائمًا متعددة الطبقات والأدوات، بداية من انتشار العلماء في جنبات المجتمع الإيراني، إلى التعليم، وصولًا إلى الأذرع الأمنية ومؤسسات القوة القهرية. 

الحسابات الخاطئة للرد الإيراني

بدأ الرد الإيراني خلال ساعات قليلة من اندلاع الحرب، على الرغم من أن الضربة الأولى استهدفت المرشد الأعلى، علي خامنئي، وعددًا من القيادات العسكرية. ومن المرجح أن الإيرانيين كانوا على استعداد، ومنذ نهاية حرب الاثني عشر يومًا، لحرب جديدة. كما أن الطريقة والوتيرة التي حكمت إستراتيجيات الرد أظهرت أن الإيرانيين كانوا قد أعدُّوا ترسانة عسكرية لحرب طويلة نسبيًّا، وأنهم جهَّزوا بنك أهدافهم منذ زمن، في إطار من التوافق السياسي-العسكري. 
بمعنى، أن الإيرانيين لم يُظهروا، ولا في أي لحظة من لحظات الحرب طوال أسبوعيها الأوليْن، أية درجة من الارتباك. هذا، في الوقت الذي حسب الرئيس الأميركي أن مجرد حشد القوة الأميركية الهائلة في الجوار، أو قطع رأس النظام في أيام الحرب الأولى، سيدفع الإيرانيين إلى الاستسلام، أو طلب التفاوض من جديد حسب شروطه. 
افتقدت الحرب على إيران، بلا شك، الغطاء القانوني الدولي والمبررات الأخلاقية، على السواء. والواضح خلال الحقبة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أن الدول الكبرى نظرت إلى القانون الدولي بوصفه مسألة نسبية وثيقة الصلة بميزان القوى، كما قال بوتين ذات مرة. قرَّرت الولايات المتحدة الحرب على أساس أن لها وجهة نظرها الخاصة لما يعنيه القانون الدولي، تمامًا كما فعلت روسيا عندما بدأت حربها على أوكرانيا. ولم يتوقع أصحاب قرار الحرب، لا في واشنطن ولا تل أبيب، أن الإيرانيين سيردُّون كذلك بدون كبير اكتراث بما هو قانوني.
رَدَّ الإيرانيون على الحرب عليهم بإطلاق موجات من الصواريخ والطائرات المسيرة على عدد واسع من المواقع الأمنية والعسكرية الإسرائيلية؛ وعندما هاجم الإسرائيليون مركزًا للوقود في طهران، حاول الإيرانيون استهداف مراكز وقود مماثلة في حيفا. أما حزب الله، حليف إيران الأوثق، وبالرغم من الهجمات الإسرائيلية المدمرة على جنوب لبنان وضاحية بيروت الجنوبية والبقاع، فقد عمل بصورة حثيثة على تحويل الحياة في شمال إسرائيل إلى نوع من الجحيم. وكما جرى تحريك حزب الله، كذلك التحقت الجماعات الشيعية العراقية المسلحة بإستراتيجية الرد الإيراني، سواء بإزعاج الأميركيين في قواعدهم العراقية، أو استهداف مراكز الحكم الذاتي الكردي في شمال العراق، أو مكاتب ومعسكرات التنظيمات الكردية الإيرانية المعارضة، أو حتى دول عربية خليجية.  
لم يتردد الإيرانيون في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة على كافة مواقع التواجد الأميركي في دول الجوار، سيما في دول الخليج والعراق والأردن، سواء كانت قواعد عسكرية أو حتى إسكانًا مدنيًّا ومقارَّ بعثات دبلوماسية، على الرغم من أنهم لم يعلنوا تبنِّيَهم لكافة الهجمات. كما أطلقوا ثلاثة صواريخ إلى المجال الجوي التركي. ولكن أكبر الهجمات الإيرانية أثرًا كانت تلك الموجهة إلى الملاحة عبر مضيق هرمز، أو إلى موانئ تصدير النفط في أعالي الخليج. ويُعتقد أن عدد الهجمات الإيرانية على كل من الإمارات والبحرين والكويت فاقت نظيرتها على إسرائيل. 
والواضح أن طبيعة الرد الإيراني على الحرب لم تُرِدْ إيقاع الأذى بمواقع التمركز الأميركي العسكري أو الاستخباراتي في الجوار، فحسب، أو حتى بمراكز الرادار التي توفر إنذارًا مبكرًا من الهجمات الإيرانية، ولكن أيضًا صناعة أزمة طاقة عالمية، وتوجيه ضربة مؤلمة للاقتصاد العالمي، إلى جانب توليد رأي عام مناهض للحرب في دول الجوار.
ولأن الإيرانيين نظروا إلى دول الجوار بوصفها منطقة أهداف سهلة، سواء لقربها أو لأنها لم تتوقع مثل هذه الهجمات، ولم تكن بالتالي على استعداد كاف للدفاع عن مجالها الحيوي، أصبح الهجوم على دول الجوار إحدى وسائل الردع الإيراني. عندما هدَّدت دوائر أميركية وإسرائيلية باستهداف البنية التحتية المدنية في إيران، مثل مولدات الكهرباء، أو مصافي النفط، أو مراكز الاتصالات، لم يُخْفِ الإيرانيون أنهم سيردون بتدمير البنية التحتية المدنية في كافة دول الجوار.   
لم يأخذ الإيرانيون في الاعتبار عواقب هذه المقاربة للمحيط العربي-الإسلامي على علاقاتهم المستقبلية مع دول وشعوب جارة لهم منذ آلاف السنين، وستبقى كذلك لآلاف أخرى من السنين، وأن تفاقم الشعور بالتهديد الإيراني لن يخدم مطلقًا مصلحة إيران ووجودها في المشرق العربي-الإسلامي. نظر الإيرانيون إلى الحرب بوصفها تهديدًا وجوديًّا، وما دام وجود الجمهورية الإسلامية مهددًا، فلابد أن تصبح الحرب مناسبة لتهديد استقرار كافة دول الجوار، بغضِّ النظر عن علاقات هذه الدول بالولايات المتحدة أو إسرائيل، ومدى معارضتها أصلًا للحرب، ومدى صداقتها لإيران.
وليس ثمة شك أَنْ لا الولايات المتحدة ولا إسرائيل توقعت حجم ومدى الرد الإيراني. في إسرائيل، وعلى الرغم من التكتم على مستوى نجاح الهجمات الإيرانية وهجمات حزب الله، تكاد الحياة أن تصل إلى حالة من الشلل. وبالرغم من أن أسعار موارد الطاقة أظهرت شيئًا من التذبذب في أسبوعي الحرب الأولين، إلا أن اتجاه الأسعار في تصاعد مستمر، بكل ما في ذلك من عواقب على معدلات التضخم في معظم اقتصادات العالم. وكما أن عددًا من الدول العربية قد حُرِمت من عوائد صادراتها من النفط والغاز والبتروكيماويات، أو معظم هذه العوائد، فإن آثار الحرب الاقتصادية على هذه الدول لم يزل من المبكر تقديرها.
في العراق، ثمة بوادر على تفاقم الانقسام الوطني، بعد أن انحاز أغلب الفصائل الشيعية، السياسية أو المسلحة، لإيران، وتصاعدت هجماتها على الإقليم الكردي والجوار الخليجي، وبدت الحكومة العراقية عاجزة عن ممارسة الحكم. والمؤكد أن مشاركة الفصائل العراقية الشيعية في الحرب لم تؤثر على صورة الدولة وقدرتها على الحكم وحسب، ولكنها أيضًا ستترك أثرًا سلبيًّا على علاقات دول الخليج العربية مع قطاع كبير من الشعب العراقي. 
أما في لبنان، وبعد أن اصطفت الأغلبية العظمى من الأحزاب اللبنانية، بما في ذلك حركة أمل، ضد سلاح حزب الله، فإن المخاطر على السلم الأهلي اللبناني تزايدت، حتى إن توقفت الحرب خلال الأسابيع القليلة المقبلة. وليس ثمة شك في أن توسع نطاق الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان سيطرح أسئلة إضافية حول مستقبل البلد العربي الصغير، الذي يعاني من القلق والانقسام الداخلي منذ سنوات طويلة.

حرب أميركية/إسرائيلية فقط

لم تستطع إدارة ترامب تقديم رواية مقنعة للحرب لحلفائها في الغرب الأطلسي، ولا في الجوار العربي-الإسلامي. وربما كان فشل واشنطن في توسيع نطاق تحالف الحرب المناهض لإيران غير مسبوق في تاريخ الحروب الأميركية الرئيسة منذ الحرب العالمية الثانية. فحتى في الحرب على العراق، التي لم تتمتع بقاعدة قانونية دولية، لم تلبث عدة دول غربية أن التحقت بجهد إدارة بوش الابن العسكري. بدأت هذه الحرب أميركية/إسرائيلية، والأرجح أنها ستنتهي في جهدها المركزي أميركية/إسرائيلية.
لم تعلِّق واشنطن آمالًا كبيرة على إمكانية التحاق فرنسا بتحالف الحرب، نظرًا لطبيعة علاقاتها بدول منطقة الشرق الأوسط ككل، وموقفها التقليدي من الحروب الأميركية في المنطقة. ولكن ترامب كان يأمل بالتأكيد بمشاركة بريطانيا، الحليف التقليدي للولايات المتحدة في أوروبا، وربما بمشاركة إيطاليا التي يحكمها تحالف قومي يميني، أو ألمانيا. ولم يجد الرئيس ترامب حرجًا في ممارسة ضغط إعلامي معلن على رئيس الحكومة البريطاني، كير ستارمر، لدفعه إلى الالتحاق بالحرب. 
ولكن كافة الدول الأوروبية في النهاية لم تستطع تجاوز حقيقة افتقاد الحرب للأسس القانونية الدولية والأخلاقية، ونظرت إليها بوصفها خطوة غير ضرورية ولا مبرَّرَة إستراتيجيًّا. والأرجح أن الدول الأوروبية حسبت أيضًا أن الحرب ستفشل في تحقيق أهدافها، وقد تفضي إلى تورط بعيد المدى. وفي لحظة كاشفة، لم تتردد رئيسة الحكومة الإيطالية، جورجيا ميلوني، في القول بأن هذه ليست حربنا، ولن نشارك فيها.
وكان أقصى ما قامت به الدول الأوروبية الحليفة لاحتواء الضغوط الأميركية أن سمحت للولايات المتحدة باستخدام قواعدها في هذه الدول لأغراض دفاعية. وفي حالات محدودة، أشارت تقارير إلى مشاركة الطيران البريطاني أو الفرنسي، وأنظمة الدفاعات الجوية البريطانية والفرنسية، في اعتراض الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية إلى الأردن ودول الخليج. ولكن هذا لا يعني توقف واشنطن عن محاولة توريط الدول الغربية في الحرب، حتى وإن بصورة جزئية، مثل المشاركة في جهود تأمين مضيق هرمز للملاحة الدولية.
أما دول جوار إيران العربية والإسلامية، فما كان لها أن تشارك في الحرب بأية صورة من الصور. نظرت دول الجوار إلى الحرب بوصفها شأنًا إسرائيليًّا في جوهرها وأنْ لا مصلحة لها في الالتحاق بحرب على دولة جارة مسلمة مهما كانت سياسات هذه الدولة الإقليمية مدعاة للخلاف والرفض في العقود القليلة الماضية. تبرر طهران هجماتها بأن بعض هذه الدول سمحت للقوات الأميركية باستخدام أراضيها في الهجمات ضد إيران، أو كمواقع استخباراتية متقدمة. لكن دول الجوار ترفض هذه التبريرات وتَعُدُّ هجمات إيران انتهاكًا لسيادتها. 
ولمَّا أقدمت إيران على تقييد حركة الملاحة في مضيق هرمز، واستهداف دول الخليج والأردن والعراق، وعلى الرغم من توكيد الدول التي تعرضت للاعتداء على حقها في الدفاع عن نفسها لم تلجأ أي منها إلى الرد على الاعتداءات بقصف مماثل. هذا، فوق أن الالتحاق بتحالف الحرب قد يفضي إلى مزيد من القصف الإيراني العشوائي، بما يهدد بنية الطاقة التحتية، وربما حتى أوجه الحياة اليومية. ما توافقت عليه تصرفات هذه الدول، في النهاية، قد يستند إلى تقدير بأن أميركا وإسرائيل لن تبقيا في المنطقة طويلًا، وأن الأفضل عندما تنتهي الحرب أن يقع عبء العدوان على إيران لا أن تتساوى الأطراف كافة فيه.
واجهت الحرب منذ أيامها الأولى معارضة من الرأي العام الأميركي ومن الرأي العام في معظم الدول الغربية الحليفة للولايات المتحدة. ولا شك أن اقتصار تحالف الحرب على الولايات المتحدة وإسرائيل يعزز من الاعتقاد، المنتشر في أوساط اليمين واليسار الأميركيين على السواء، بأن الحرب هي في الحقيقة حرب إسرائيلية، وُضعت فيها المقدرات الأميركية الهائلة لخدمة أهداف إسرائيلية. كما سيزيد عجز واشنطن عن إقناع دول حليفة أخرى بالانضواء في تحالف الحرب إلى مزيد من العزلة الأميركية في الساحة الدولية، وإلى مزيد من التفاقم في العلاقات الأميركية-الأوروبية، كما تجلَّى ذلك في ردِّ الفعل الأوروبي الغاضب على رفع واشنطن للعقوبات عن مستوردي النفط الروسي.

مسارات الحرب

كرَّرت مصادر أميركية مسؤولة، لم تُسمَّ، في نهاية أسبوع الحرب الثاني، للجزيرة، ولوسائل إعلام أميركية أخرى، الإشارة إلى أن الحرب خُطِّط لها من البداية لأن تمضي لما يزيد عن أربعة أو خمسة أسابيع. بمعنى، أنه بات من المتوقع أن تستمر الحرب أسبوعين أو ثلاثة إضافيين. ولكن المصادر ذاتها قالت: إن القرار في النهاية هو قرار الرئيس ترامب، وإن هذا القرار يرتبط بحسابات الرئيس لما تم إنجازه من الحرب. أما الرئيس ترامب، وكما هي عادته منذ اندلعت نيران الحرب، فقد تراوحت تصريحاته بين القول بأن القوات الأميركية لم تعد تجد أهدافًا ذات قيمة لتقصفها، والتوكيد على أن الحرب ماضية في طريقها إلى أن تحقق أهدافها.
عمومًا، إن صَحَّت تقديرات المصادر الأميركية، يمكن توقع خروج الرئيس ترامب في أي وقت يختاره خلال الأسابيع القليلة المقبلة ليعلن أن الحرب نجحت في قطع رأس النظام في طهران، وقوَّضت المقدرات العسكرية الإيرانية، ودمرت ما تبقى من منشآت ومراكز أبحاث نووية، وأن إيران لم تعد تشكل تهديدًا أمنيًّا، لا لأميركا ولا لإسرائيل ولا لجوارها. تمامًا كما أشار الرئيس في تصريحات له، في 14 مارس/آذار، بأن الضربات الأميركية أنجزت تحطيم مئة بالمئة من مقدرات إيران العسكرية، وأن ما تبقَّى لدى إيران من مسيرات أو صواريخ ليس بذي شأن. 
وربما يُقْدِم الرئيس الأميركي، لهذه الأسباب، على الإعلان عن نهاية الحرب؛ وإن كان أصدر أوامره للقوات الأميركية بالمحافظة على حالة الاستعداد لاستئناف عملها ما لم تتقدم إيران بعرض مقبول للاتفاق. ولكن الرئيس سيتجنب بالتأكيد الإقرار بأن أسابيع القصف المدمر، الأميركي/الإسرائيلي، أخفقت في تحقيق الهدف الذي أراد تحقيقه أصلًا من الحرب. 
مثل هذا السيناريو لنهاية الحرب يظل محتملًا، سيما أن ثمة مؤشرات برزت مؤخرًا على أن قناة ما من التفاوض قد فُتحت من جديد بين إيران والولايات المتحدة. إعلان واشنطن، في وقت مبكر من 15 مارس/آذار، أن الرئيس ترامب رفض عرضًا من الرئيس فلاديمير بوتين بنقل اليورانيوم الإيراني المخصب إلى روسيا، وتصريحات ترامب الغامضة مساء اليوم نفسه بأن الإيرانيين يُبدون الرغبة في التفاوض ولكنهم لم يعرضوا بعد صفقة يمكن له أن يقبلها، تُقدِّم أدلة، وإن واهية، على محاولة لاستئناف الحديث بين طهران وواشنطن. 
ولكن المشكلة أن ليس ثمة ما يشير إلى أن الرئيس الروسي أخذ موافقة الإيرانيين على العرض الذي قدمه للرئيس ترامب، سيما أن إيران كانت قد رفضت وبصورة قاطعة نقل اليورانيوم عالي التخصيب خارج الأراضي الإيرانية، وإن كانت قد عرضت تخفيف مستوى التخصيب بإشراف دولي. المشكلة الأخرى، أن من الصعب دائمًا أخذ أقوال الرئيس ترامب على ظواهرها، وأنه ربما يعمل على تضخيم مؤشراتٍ ما بحيث يصبح من الصعب تحديد حقيقة دلالاتها.
ما هو واضح أن إدارة ترامب فقدت التحكم في مسار الحرب، وتفتقد حتى الآن إلى عناصر مقنعة لصورة إعلان النصر، وأن ثمة تحركات جديدة في ميدان الحرب توحي بمزيد من التصعيد أكثر من الاقتراب إلى التهدئة. التقارير من وزارة الحرب الأميركية، مساء 13 مارس/آذار، بأن أوامر صدرت بتحريك ما يقارب خمسة آلاف من مشاة البحرية والبحارة الأميركيين وعدد من سفن الإنزال إلى منطقة الخليج وبحر العرب لابد أن تُفهم في إطار من تعقيد سياق الحرب وتوسيع نطاقها. 
قد يكون المقصود من نشر هذه القوات والسفن السيطرة على جزيرة خرج الإيرانية، التي تعرضت لقصف هائل خلال أسبوع الحرب الثاني، والتي تعد ميناء التصدير لما يزيد عن 90 بالمئة من النفط الإيراني، لأن البعض في واشنطن يرى في هذه السيطرة ضرورة لتشكيل صورة النصر، أو الاحتفاظ بالجزيرة ورقة مساومة في أية مفاوضات مقبلة. وقد يكون المقصود محاولة تأمين، والتمركز في الساحل الشمالي لمضيق هرمز. والمؤكد أن تصريحات الرئيس ترامب حول استعداد عدد من الدول الغربية، إضافة إلى اليابان وكوريا، لإرسال سفن إلى الخليج للمساعدة في تأمين المرور عبر مضيق هرمز، إن صحَّت، تصب في الاتجاه نفسه.
كذلك تصريحات الوزراء الإسرائيليين التي تفيد بعزم إسرائيل على القيام بمزيد من التوغل في جنوب لبنان، وربما حتى احتلال كافة المنطقة جنوب الليطاني، بهدف نزع سلاح حزب الله من المنطقة وحماية السكان في شمال إسرائيل. وبغضِّ النظر عن ضعف حظوظ الإسرائيليين في تحقيق هذا الهدف، الذي فشل احتلالهم للجنوب في 1982 وطوال عقدين تاليين في تحقيقه، لم يعد من الممكن فصل الوضع في لبنان عن الوضع في إيران بعد أن دفع حزب الله لبنان إلى تحمُّل ما تحمَّله من أعباء الحرب. 
هذه المؤشرات جميعًا، من جزيرة خرج إلى ساحل مضيق هرمز، ومن نشر المزيد من القوات الأميركية إلى التهديد الإسرائيلي بالعودة إلى احتلال جنوب لبنان، لا تدفع إلى التفاؤل بنهاية قريبة للحرب وعودة الأطراف إلى طاولة المفاوضات. ما تطرحه هذه المؤشرات، حتى إن لم تكن هناك نية أميركية، ليس احتمال مزيد من التصعيد وحسب، ولكن أيضًا المزيد من التورط. وبانتظار إعداد مشهد انتصار ملائم، أو عرض إيراني مقنع لاتفاقٍ ما، سيتسع نطاق القتل وتدمير مقدرات الشعب الإيراني ومؤسسات دولته، كما سيتسع نطاق القتل وتدمير المدن والبلدات اللبنانية. 
مهما كانت الاحتمالات تميل نحو نهاية قريبة أو تعقيد إضافي، لم يعد ثمة شك في أن هذه الحرب في طريقها لأن تترك آثارًا عميقة على علاقات القوة في العالم وفي المشرق على السواء. إن انتهت الحرب إلى فشل أميركي، فلابد أن تعاني الولايات المتحدة من انحدار في موقعها في الساحة الدولية، وتراجع نسبي في بصمتها في المشرق؛ وستكون طموحات إسرائيل في الهيمنة على الإقليم قد تلقَّت ضربات مؤلمة. أما إيران، فستقف أمام خيارات بالغة الصعوبة في طريق إعادة البناء الداخلي وإعادة بناء علاقاتها بجوارها وبالعالم. وكذلك قوى الإقليم الأخرى، مثل تركيا والسعودية، التي ستُجبَر على إعادة النظر في المخاطر والتهديدات التي تواجهها وفي الفرص التي يمكن أن تفتحها الحرب أمامها.