رغم أن العلاقات الأردنية-الإسرائيلية لا تزال قائمة رسميًّا، فإنها لم تعد تستند إلى المرتكزات ذاتها التي قامت عليها وضمنت استمرارها ولاسيما منذ اتفاق وادي عربة، عام 1994، في سياق عملية السلام في المنطقة(1). فقد دفعت التحولات الداخلية الإسرائيلية، والتطورات المتسارعة في القدس والضفة الغربية هذه العلاقة إلى مرحلة جديدة تعرضت فيها إلى التآكل التدريجي في وظيفتها ومعناها السياسي. فقد فرضت هذه التحولات سؤالًا حول كيفية استمرار علاقةٍ لا تزال قائمة رسميًّا، فيما تدخل في الوقت نفسه في تصادم متزايد مع المصالح الأردنية، ولاسيما في القدس والوصاية الهاشمية على المقدسات وإعادة تشكيل الهوية الجغرافية والديمغرافية في الضفة الغربية.
تزداد أهمية هذا السؤال لأن السياسات الإسرائيلية الجارية لا تقتصر على خروقات للوضع القائم فقط، وإنما تعبِّر عن مسار أوسع يعيد تشكيل المكان والهوية الفلسطينية ومرجعيتها التاريخية والدينية تدريجيًّا. ومن هنا، فإن الأزمة الحالية تعبِّر عن تحول عميق يضغط على الدور الأردني نفسه ويضعه أمام تحدٍّ يتجاوز إدارة الخلاف إلى مواجهة مسار إحلالي متدرج، يستهدف تفريغ الدور الأردني القائم من مضمونه السياسي وتحويله من مرجعية فاعلة إلى حضور شكلي.
انطلاقًا من ذلك، تحاول الورقة تحليل أبعاد العلاقات الأردنية-الإسرائيلية عبر ثلاثة محاور مترابطة: أولها يفسر أسباب استمرار العلاقة وحدود ثباتها رغم تصاعد الأزمة، وثانيها يتناول مسار إعادة تشكيل الواقع وتغير معنى العلاقة، وثالثها يبحث في استهداف الدور الأردني وارتفاع كلفة العلاقة ومستقبلها.
أولًا: استمرار العلاقة وحدود ثباتها
يمكن القول: إن العلاقة بين الأردن وإسرائيل لا تزال محكومة بإطار يتسم بقدر من الثبات النسبي؛ إذ لم يطرأ تغير جوهري على بنيتها القانونية والسياسية، ويظهر ذلك في استمرار الإطار الناظم الذي تمثله معاهدة وادي عربة(2)، وفي بقاء ملفات أساسية مثل المياه والحدود والتنسيق الأمني، إلى جانب الدور الأردني في رعاية المقدسات الإسلامية.
غير أن هذا الثبات النسبي لا يعني وجود توافق سياسي عميق حول العلاقة؛ إذ يتعامل الأردن معها بوصفها إطارًا تفرضه الجغرافيا وتشابك المصالح والتهديدات، أكثر من كونها خيارًا سياسيًّا كاملًا. لذلك فإن ما تسعى إليه عَمَّان يتمثل في الإبقاء على الحد الأدنى من الملفات التي يصعب تجاوزها أو فَكُّ الارتباط بها، بالنظر إلى الكلفة التي قد تترتب على اضطرابها بالنسبة للطرفين، ولاسيما الأردن.
لكن استمرار هذا المستوى ليس مضمونًا على نحو ثابت؛ لأن العوامل التي أبقت على العلاقة قائمة هي نفسها التي تتعرض الآن لضغط متزايد يؤثر على بنيتها. فكلما اتجهت إسرائيل إلى تقويض الدور الأردني في القدس وتصعيد مسارات التهجير وإعادة تشكيل الضفة الغربية بصورة تمس الأردن بشكل مباشر، ارتفعت كلفة استمرار العلاقة على الصعيدين، السياسي والأمني، وتراجعت قدرتها على أداء وظائفها الأساسية السابقة. ومن هُنا يبقى هذا المستوى قائمًا ما دامت العلاقة قادرة على الحفاظ على الحد الأدنى من المصالح الحيوية للأردن، لكنه يظل مهددًا كلما اقتربت السياسات الإسرائيلية بالمساس المباشر بالوصاية الهاشمية، أو فتحت المجال أمام سيناريوهات التهجير والوطن البديل أو حوَّلت العلاقة نفسها إلى عبء يفوق قدرة عَمَّان على احتوائه(3).
غير أن هذا المستوى من الثبات ظل خلال الفترة السابقة قابلًا للاهتزاز؛ لأن العلاقة لم تعد تواجه أزمات يمكن احتواؤها فقط بل أصبحت تصطدم بتحولات عميقة مسَّت طبيعة إسرائيل نفسها، وبيئة الصراع، وموقع الأردن داخل هذا الصراع. ومع الاتفاقيات الإبراهيمية أولًا، ثم طوفان الأقصى وما تلاه من تصعيد في غزة والقدس والضفة الغربية، برزت هذه التطورات مجتمعة بوصفها لحظة تحول لم تعد بعدها العلاقة كما كانت سابقًا؛ إذ لم يعد التوتر يدور حول إدارة الخلاف فقط بل تجاوز ذلك إلى تغير الشروط التي جعلت استمرار هذه العلاقة ممكنة أصلًا.
ثانيًا: إعادة تشكيل الواقع وتغير معنى العلاقة
إذا كان المستوى الأول قد وضَّح أسباب بقاء العلاقات الأردنية-الإسرائيلية ضمن حدِّها الأدنى، فإن هذا المستوى يتعلق بالتحولات التي أعادت تشكيل البيئة التي قامت عليها هذه العلاقة. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بتصاعد التوتر السياسي أو بارتفاع حدة الخطاب بل بمسار أعاد تشكيل موقع الأردن داخل هذه المعادلة، وأعاد تشكيل الواقع في القدس والضفة الغربية، وفرض ضغوطًا متزايدة على الدور الأردني داخل هذه العلاقة.
ولعل هذا المستوى نقل العلاقة بين الطرفين من إطار "السلام البارد" إلى حالة أزمة مفتوحة مرتفعة السقف سياسيًّا وخطابيًّا. فمنذ طوفان الأقصى، لم يتعامل الأردن مع التطورات بوصفها مواجهة عسكرية محصورة في غزة، بقدر ما عَدَّها لحظةً كاشفة لاحتمالات أوسع تمس بصورة مباشرة المصالح الأردنية المرتبطة بالقدس، والتهجير، والحدود، والاستقرار الإقليمي. وفي هذا السياق، جاء التصعيد السياسي الأردني بوصفه انعكاسًا لتحول في تقدير الموقف، وليس مجرد رَدِّ فعل دبلوماسي عابر. وقد تمثَّل ذلك في إلغاء قمة عَمَّان مع الرئيس الأميركي، جو بايدن، في أكتوبر/تشرين الأول 2023، ثم استدعاء السفير الأردني من تل أبيب، في نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، إلى جانب التصاعد الملحوظ في خطاب كلٍّ من الملك عبد الله الثاني ووزير الخارجية، أيمن الصفدي، بشأن الحرب على غزة وما ترتب عليها من أخطار سياسية وإستراتيجية. لم يعد الخطاب الأردني الرسمي مقتصرًا على الدعوة إلى التهدئة أو وقف إطلاق النار، وانما اتجه إلى التحذير الصريح من أن السياسات الإسرائيلية تدفع المنطقة نحو انفجار أوسع. ويتضح ذلك في تصريحات الصفدي التي أكدت أن الحرب "لن تحقق الأمن أو تؤدي إلى السلام"، وفي تحذيره من أن دفع الفلسطينيين إلى مغادرة منازلهم يمثل خطًّا أحمر سيواجه العرب، إلى جانب تأكيده أن استمرار هذه السياسات سيُدخل المنطقة في "جحيم الحرب"(4).
تكشف هذه التصريحات انتقال الخطاب الأردني من مستوى الإدانة السياسية إلى مستوى الدفاع عمَّا يَعُدُّه الأردن أمنًا وطنيًّا ومصالح إستراتيجية عُليا، باعتبار أن الأمر يرتبط بإمكانية لجوء إسرائيل إلى التهجير القسري، أو بإعادة طرح الوطن البديل بصورة مباشرة أو ضمنية على حساب الأردن. وبالمقابل، تركزت الجهود الأردنية على حشد دعم دولي لإنهاء الكارثة الإنسانية في غزة ومنع اتساع الصراع، مع التشديد في الوقت نفسه على أولوية حماية المدنيين ورفض تهجير الفلسطينيين من أراضيهم. غير أن هذا الموقف، رغم بُعده الإنساني، ينطلق أيضًا من اعتبارات سياسية تتصل بما يَعُدُّه الأردن تهديدًا لتركيبته السكانية، ولموقعه الإقليمي، ولدوره التاريخي في القدس. ومن هنا، فإن التحذير من التهجير لا يقتصر على كونه موقفًا أخلاقيًّا أو إنسانيًّا، بقدر ما يعبِّر عن مخاوف أردنية من أن تتحول الحرب إلى مدخل لإعادة تشكيل الواقع الديمغرافي والسياسي الفلسطيني بصورة تؤثر مباشرة على استقرار الأردن.
وقد ترافق هذا التصعيد مع تحول واضح في اللغة الرسمية الأردنية، فلم يعد الخطاب الرسمي يكتفي بالحديث عن ضرورة التهدئة أو استئناف المسار السياسي، بقدر ما بات يصف السلوك الإسرائيلي بوصفه خطرًا يدفع المنطقة إلى الهاوية، ويهدد الاستقرار الإقليمي برمته. وفي هذا الإطار، اكتسبت التعابير الرسمية الأردنية حدَّةً غير معهودة نسبيًّا، سواء في توصيف الحرب، أو في التحذير من نتائجها، أو في وصف إسرائيل في بعض الخطابات السياسية بالدولة المارقة. وتكمن أهمية هذا التحول في أن اللغة هنا لم تعد مجرد أداة للتعبير السياسي بل أصبحت مؤشرًا على انتقال الأردن من إدارة خلاف سياسي مع إسرائيل إلى التعامل مع سلوكها بوصفه تهديدًا إستراتيجيًّا متصاعدًا.
اتصلت هذه الأزمة بالمجال الإقليمي الأوسع، مع تصاعد التوتر بين إيران وإسرائيل وتبادل الضربات بينهما، وما رافق ذلك من توسيع لمخاطر المواجهة الإقليمية. وفي هذا السياق، بدا الأردن أمام مشهد أكثر تعقيدًا؛ إذ لم يعد يتعامل فقط مع تداعيات الحرب على الفلسطينيين أو على الوضع في القدس بل أيضًا مع احتمالات اختلال أمني إقليمي قد ينعكس مباشرة على حدوده واستقراره وموقعه السياسي.
وهكذا انتقلت الأزمة من كونها أزمة مرتبطة بالحرب على غزة إلى جزء من بيئة إقليمية مضطربة، تتقاطع فيها الحرب والقدس ومخاطر التهجير والتصعيد الإقليمي في آن واحد. وبذلك، يكشف هذا المستوى أن العلاقات الأردنية-الإسرائيلية لم تعد تعيش حالة توتر سياسي تقليدي بل دخلت في أزمة مفتوحة تعكس تضاربًا متزايدًا بين متطلبات الاستمرار الرسمي للعلاقة واتساع إدراك الأردن أن السلوك الإسرائيلي بات يهدد المصالح التي قامت عليها هذه العلاقة أصلًا.
ويتصل ذلك بما يمكن وصفه بالمسار الإحلالي، الذي يمثل الجزء الأكثر حساسية في العلاقات الثنائية؛ إذ لم تكتفِ إسرائيل بخرق الوضع القائم، وانما تجاوزت ذلك إلى استهداف بنيته الأصلية والعمل على استبدالها، فمن خلف التصعيد المرتبط بالحرب على غزة، والقدس، وخطاب التهجير، يتشكل تدريجيًّا منطق إحلالي لا يكتفي بخرق الترتيبات القائمة، بل يعمل على إعادة بناء واقع بديل يحل محلها تدريجيًّا. في القدس والأقصى، تمثل الإجراءات الإسرائيلية مسارًا يعيد تعريف من يملك سلطة القرار والسيادة داخل المكان. فقد كشف الاغلاق الأخير للمسجد الأقصى ثم إعادة فتحه أن إسرائيل باتت تتعامل مع "الحرم" بوصفه حيزًا خاضعًا لسلطتها المباشرة، وليس مكانًا محكومًا بترتيبات قائمة. وظهر ذلك في استئناف الاقتحامات، وتوسيع زمنها، وتصاعد الطقوس والرموز ذات الدلالة السيادية. فكل اقتحام للمسجد الأقصى وكل محاولة لإدخال طقس توراتي جديد في ساحاته، يمثل خطوة ضمن مشروع أوسع يعيد صياغة هوية المكان بما يخدم المشروع الإسرائيلي.
ويتصل هذا المسار مع ما يحدث في الضفة الغربية، من إعادة تشكيل الجغرافيا والديمغرافيا الفلسطينية على نحو يضعف شروط الحياة والبقاء، فالتوسع الاستيطاني ومشاريع مثل E1 وجفعات همتوس وعطاروت(5)، إلى جانب شبكات الطرق وتفتيت المشهد الفلسطيني وحصره في كانتونات صغيرة، لا تعمل على تغيير الخريطة فقط إنما على إنتاج بيئة ضاغطة وطاردة للفلسطينيين. وتتضاعف خطورة هذا المسار مع تصاعد الخطابات الإسرائيلية الداعية إلى التهجير، بما يجعل المخاوف الأردنية من الوطن البديل ومن دفع الفلسطينيين نحو الأردن جزءًا من قراءة لمسار كامل لا مجرد تخوف من سيناريو طارئ.
أما على المستوى الأردني، فإن هذا التحول لا يضغط على الأردن سياسيًّا فقط، بل يقوِّض الوظيفة التي منحت العلاقة معناها بالنسبة له، ولاسيما في القدس. فمع بقاء الأوقاف والوصاية الأردنية من الناحية الشكلية، يتزايد في المقابل تفريغ هذا الدور من مضمونه العملي، عبر نقل مركز القرار الفعلي إلى السيادة الإسرائيلية. وبهذا المعنى، لا يتعلق الأمر بمجرد تضييق على الدور الأردني، بقدر ما هو مسار يسعى إلى تهميش مرجعيته القانونية والسياسية، وإبقائه في حدود رمزية لا تملك التأثير الفعلي في ضبط التحولات الجارية.
ثالثًا: استهداف الدور الأردني ومستقبل العلاقة
تطرح هذه المستويات مجتمعة سؤالًا حول موقع الخلل في هذه العلاقة، ومدى ارتباط هذا المسار بصعود يمين إسرائيلي أكثر حدة. فالحكومات اليمينية، ولاسيما في السنوات الأخيرة، دفعت نحو سياسات أكثر حدة فيما يتعلق بالقدس والاستيطان والتهجير ورفعت مستوى التوتر مع الأردن. فمنذ عودة بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الوزراء وتشكيل الحكومة التي وُصفت بأنها الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل، أواخر عام 2022، تَعَزَّز حضور اليمين الديني والأيديولوجي في داخل مركز القرار، وأصبحت السياسات الإسرائيلية أكثر حدة في التعامل مع الفلسطينيين(6).
وقد ظهر هذا التحول في حوادث ذات دلالات مباشرة بالنسبة للأردن، من بينها ظهور وزير المالية، سموتريتش، أمام خريطة تضم الأردن ضمن حدود ما يسمى إسرائيل الكبرى، وهو ما أثار احتجاجًا أردنيًّا رسميًّا، وكشف أن تصعيد اليمين الإسرائيلي ليس محصورًا في الملف الفلسطيني بل انتقل وبات يستهدف الدولة الأردنية بصورة مباشرة(7).
وفي هذا السياق، تكتسب التقارير التي تحدثت عن رفض الملك عبد الله الثاني عقد لقاء مع نتنياهو دلالة سياسية مهمة لأنها تعكس انتقال التوتر إلى مستوى العلاقة المباشرة مع الحكومة الإسرائيلية. فرفض اللقاء، يشير إلى تراجع الثقة الأردنية بحكومة نتنياهو وإلى أن استمرار العلاقة الرسمية لا يعني بالضرورة بقاء قنواتها السياسية العليا مفتوحة بالطريقة ذاتها، وبذلك بات الأردن يعتقد أن الحكومة الإسرائيلية تدفع باتجاه تقويض المرتكزات التي قامت عليها هذه العلاقة(8).
ومن هنا، يبدو أن كل تقدم في المشروع الديني داخل مدينة القدس تنظر إليه عمَّان بوصفه تهديدًا لاستقرار الترتيبات المعمول بها منذ عقود. وباتت العلاقات الأردنية-الإسرائيلية اليوم محكومة بمعادلة تجمع بين حدٍّ أدنى من التعاون الأمني من جهة، وتصاعد الضغوط السياسية من جهة أخرى؛ إذ يدرك الطرف الأردني أن أي إخلال بهذه التوازنات ينعكس بصورة مباشرة على أمنه الداخلي، وعلى الوضع الإقليمي، وعلى علاقته أيضًا بالدول المعنية بالنزاع. وتتضح هذه الكلفة بصورة أكبر فيما شهدته المعابر والحدود من توترات وحوادث عَكَسَت انتقال أثر الأزمة إلى نقطة التَّماس بين الأردن وإسرائيل. فالمعابر اليوم ليست مجرد قنوات للنقل وتنظيم حركة العبور؛ حيث أصبحت مساحة تكشف هشاشة هذه العلاقة، وتختبر قدرتها على البقاء.
ويتصل ذلك أيضًا بالبنية الاجتماعية الداخلية للأردن وبالبُعد الشعبي للعلاقة، وقد ظهر ذلك في محاولات التوجه الشعبي نحو مناطق الجسر والحدود خلال الأشهر الأولى من الحرب، وفي الحوادث التي وقعت عند معبر جسر الملك حسين/اللنبي، ولاسيما عملية الثامن من سبتمبر/أيلول 2024 التي أدَّت إلى مقتل ثلاثة إسرائيليين وأعقبها إغلاق المعبر من الجانب الأردني ورفع مستوى التوتر حوله. ومن ثم، فإن ما جرى على هذه النقاط لا يُقرأ بوصفه أحداثًا منفصلة، بقدر ما يعكس ارتفاع كلفة العلاقة وتراجع قدرتها على البقاء بمعزل عن التحولات الأوسع داخل الأردن وفي البيئة الإقليمية المحيطة بها.
في ضوء ذلك، تبدو العلاقة الأردنية-الإسرائيلية مرشحة للاستمرار الرسمي على المدى القريب، لكنها مرشحة أيضًا لمزيد من التآكل في مرتكزاتها كلما استمر المسار الإسرائيلي الحالي في القدس والضفة الغربية، سواء بقي اليمين الحاكم بصيغته الحالية أو جرى استبدال صيغة أقل حدة به من دون تغيير جوهري في السياسات على الأرض. كما تنظر عَمَّان إلى النشاطات الاستفزازية في القدس بوصفها محطات متكررة لاختبار الترتيبات القائمة وقياس حدود الضغط عليها، ومن ذلك ما يُسمى بيوم "توحيد القدس" و"مسيرة الأعلام" المرتبطة به، والتي تقترن عادة باقتحامات واسعة للمسجد الأقصى ومسارات استفزازية داخل البلدة القديمة. وكثيرًا ما تقترن هذه المحطات بمحاولات فرض وقائع ميدانية جديدة داخل الأقصى؛ الأمر الذي يجعلها في القراءة الأردنية لحظات شديدة الحساسية، لا لرمزيتها الدينية والسياسية فقط، بل لأنها تمس مباشرةً الدور الأردني ومرجعيته داخل المكان.
خاتمة
في المحصلة، إن العلاقات الأردنية-الإسرائيلية لا تبدو متجهة إلى قطيعة، لكنها لا تبدو أيضًا قابلة للعودة إلى الصيغة التي حكمتها قبل الحرب. فالعلاقة لا تزال قائمة بحكم ما تفرضه ملفات حيوية مثل الحدود والمياه والاستقرار الأمني، غير أن استمرارها لم يعد يستند إلى المرتكزات السياسية نفسها التي منحتها سابقًا قدرًا من القابلية للاستمرار. ومع اتساع مسارات إعادة تشكيل الواقع في القدس والضفة الغربية، وتصاعد خطاب التهجير والوطن البديل، وتراجع القدرة الأردنية على حماية بعض الوظائف التي قامت عليها العلاقة، تتجه هذه الأخيرة إلى صيغة أكثر هشاشة: تُبقي على ما يلزم من الوظائف، لكنها تفقد تدريجيًّا ما كان يمنحها معناها السياسي للطرفين.
ولا شك أن جزءًا من مستقبل العلاقة يرتبط بمآلات المشهد السياسي في إسرائيل، ولاسيما مصير حكومة بنيامين نتنياهو الحالية، التي لا تزال تقود ائتلافًا يمينيًّا ودينيًّا تَشَكَّل منذ أواخر 2022، لكنه واجه خلال الفترة الماضية أزمات متكررة وتراجعًا في استطلاعات الرأي، فيما تستعد قوى معارضة، من بينها تحالف بين نفتالي بينيت ويائير لابيد، لخوض الانتخابات المقبلة ومحاولة إزاحته. فإذا بقيت حكومة نتنياهو، أو استمر ائتلاف يميني قريب من توجهاتها، فمن المرجح أن يستمر الضغط على الأردن في ملفات القدس والاستيطان والتهجير، وأن تظل العلاقة محكومة بمعادلة تجمع بين الحد الأدنى من التعاون الوظيفي وارتفاع كلفة التوتر السياسي. أما إذا تغيرت الحكومة الإسرائيلية، فقد يفضي ذلك إلى تخفيف حدة الخطاب وبعض أشكال التصعيد، لكنه لا يضمن بالضرورة إعادة العلاقة إلى ما كانت عليه، لأن جزءًا مهمًّا من التآكل لم يعد مرتبطًا بالحكومة وحدها بل بمسار أعمق ترسَّخ على الأرض في القدس والضفة الغربية، وبتحولات تراكمت داخل بنية السياسة الإسرائيلية نفسها.
إن معضلة الأردن لا تتمثل فقط في كيفية الإبقاء على الحد الأدنى من العلاقة الوظيفية مع إسرائيل بل أيضًا في كيفية مواجهة مسار إسرائيلي يعيد تشكيل الواقع الفلسطيني، ويستهدف بصورة مباشرة الوصاية الهاشمية، ويزيد كلفة العلاقة داخليًّا وإقليميًّا من دون أن يتحمل الأردن وحده كلفة الانفجار الكامل فيها. وبذلك، فإن مستقبل هذه العلاقة لن يتحدد فقط ببقائها أو انهيارها بل بمدى قدرتها على الاستمرار بعدما بدأت تفقد الشروط التي جعلت استمرارها ممكنًا أصلًا.
- United Nation, “TREATY OF PEACE BETWEEN THE STATE OF ISRAEL AND THE HASHEMITE KINGDOM OF JORDAN” 2042, 1-35325, (New York: United Nations), 1994, (accessed 18 May 2026), https://peacemaker.un.org/sites/default/files/document/files/2024/05/il…
- المصدر السابق.
- رئاسة الوزراء، "موقف الأردن واضح وثابت بشأن التهجير.. فلا توطين، ولا تهجير، ولا حلول على حساب الأردن"، رئاسة الوزراء، 12 فبراير/شباط 2025 (تاريخ الدخول: 2 مايو/أيار 2026)، https://www.pm.gov.jo/Ar/NewsDetails/am0218
- Nandita Bose, Kanishka Singh and Nidal Al-Mughrabi, “Trump says Jordan, Egypt should take in Palestinians from Gaza; Egypt and Jordan push back”, Reuters, 27 January 2025 (accessed 30 April 2026), https://shorturl.at/onw5h
- Peace Now, "Settlements in Jerusalem 2023–2025", Jerusalem: Peace Now, 27 February 2026, (accessed 30 April 2026), https://peacenow.org.il/en/settlements-in-jerusalem-2023-2025
- رافي بيرغ، إسرائيل: الاتفاق على حكومة هي "الأكثر يمينيةً" برئاسة بنيامين نتنياهو، بي بي سي عربي، 22 ديسمبر/كانون الأول 2022 (تاريخ الدخول: 2 مايو/أيار 2026)، https://www.bbc.com/arabic/middleeast-63993806
- Suleiman Al-Khalidi, “Jordan says Israel rejects 'racist' comments by minister”, Reuters, 21 March 2023, (accessed May 3, 2026), https://shorturl.at/hmRX7
Rania Abushamala, “Jordan’s king declines meeting requests from Netanyahu: Israeli media”, Anadolu Agency, 31 March 2026, (accessed May 3, 2026), https://shorturl.at/uR1As