"ميليشيات الدفاع الذاتي" في الساحل: من محاربة الجهاديين إلى تفكيك المجتمع والدولة

تكشف هذه الورقة كيف تحولت ميليشيات "الدفاع الذاتي" في الساحل الإفريقي من قوات شعبية لمحاربة الجماعات الجهادية إلى أدوات عنف عرقي وقبلي، أسهمت في تفكيك النسيج الاجتماعي، وتوسيع الانتهاكات، وتعزيز التجنيد داخل التنظيمات الجهادية، بعد عجز الحكومات عن ضبطها أو منع تورطها في المجازر والانتقام الجماعي.
المقاتلون الأزواديون يرفعون علم حركتهم على قاعدة تيساليت في شمال مالي (رويترز)

مقدمة

تنتشر في دول منطقة الساحل الإفريقي ظاهرة تتزايد باطِّراد وتشكِّل خطرًا داهمًا يهدد بتفكك النسيج الاجتماعي، وتغذِّي التناحر العرقي والقبلي، وتفاقم العنف الأهلي بين المجموعات السكانية، ويتعلق الأمر بظاهرة تُعرف باسم "قوات الدفاع الذاتي"، وهي ميليشيات محلية مسلحة تتأسس عادة في شكل صحوات شعبية في البلدان التي تنشط فيها الجماعات الجهادية، من أجل تحقيق أهداف ظاهرها حماية مجموعات سكانية معينة في مناطق التوتر والنزاعات، ومحاربة الجهاديين(1)، لكنها تحولت إلى ميليشيات مسلحة عرقية وقبلية تسعى لتصفية الآخرين والتنكيل بهم والانتقام العشوائي من الأبرياء والمستضعفين بسبب انتماءاتهم العرقية والقبلية، وزادت دوامة العنف اشتعالًا واحتقانًا، ويحظى أغلب هذه الميليشيات في دول الساحل الإفريقي بدعم من حكومات وجيوش بلدانهم، بحجة أنها تشكِّل قوات رديفة للجيوش النظامية وتسد النقص الحاصل في محاربة الجهاديين، كما تساعد في بسط الأمن والنفوذ، غير أن التجربة أثبتت أنها تتحول مع الوقت إلى معول هدم يحطم النسيج الاجتماعي -الهش أصلًا- للمجتمعات في الساحل، ويقضي على أسباب وعوامل التعايش السلمي بين القوميات والمجموعات القبلية المتجاورة، وتتشكل عادة من نشطاء عنيفين من ذوي الخلفيات الإجرامية، وبعض العسكريين ورجال أمن سابقين، كما يتميز قادتها بالتطرف القومي والعرقي والقبلي، والقسوة في التعامل مع الآخر.

وسنتناول في هذه الورقة حقيقة هذه الميليشيات في كل من مالي وبوركينافاسو والنيجر كنموذج لانتشار هذه الميليشيات في الساحل، مع رصد لأدوارها وخطورة تفاقم عنف أفرادها المسلحين بعقيدة قتالية ترى في القوميات الأخرى عدوًّا لا يستحق الحياة.

مالي: ولادة ميليشيات "الدفاع الذاتي" وتحولها إلى عنف عرقي

كانت جمهورية مالي سبَّاقة في إنشاء مثل هذه الميليشيات؛ حيث عرفت أول ظهور لها برعاية الحكومة والجيش الماليين في تسعينات القرن الماضي، وذلك بتأسيس ميليشيات مسلحة من قومية "السونغاي" المنتشرة في القسم الجنوبي من منطقة أزواد شمالي البلاد، ومعهم بعض "الفلان"، وعُرفت تلك الميليشيات باسم "الكوندو كوي"، وهو تعبير باللغة الكوربورية التي يتحدثها السونغاي، ومعناه "أهل الأرض"، وكان الهدف المعلن من وراء تأسيسها آنذاك حماية السكان السود من هجمات المتمردين الطوارق والعرب الذين كانوا يقاتلون الجيش المالي(2)، لكن خطابها تميز بالتعبئة العرقية المتطرفة ضد الطوارق والعرب، وتورطت في انتهاكات جسيمة ذات طابع عرقي، لتشكِّل بعد ذلك نموذجًا تم الاحتذاء به لاحقًا في مناطق أخرى من جمهورية مالي وبعض البلدان المجاورة لها، وقد تركزت هجماتها العنيفة على الطوارق والعرب في شمال مالي، الذين تَعُدُّهم حاضنة اجتماعية مؤيدة للتمرد ضد الدولة، وارتكب عناصرها العديد من المجازر والانتهاكات، خلال الفترة ما بين 1994 و1996؛ حيث سجلت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch) قيامهم بعشرات الهجمات التي استهدفت قرى صغيرة من الطوارق في المنطقة الواقعة بين مدن "تمبكتو" و"غاوا" و"منيكا"، قُتل فيها عشرات النساء والأطفال والشيوخ والرجال غير المقاتلين، كما أحرقت هذه الميليشيات العديد من القرى في شمال مدينة تمبكتو(3). وفي عام 2006، ظهرت ميليشيات أخرى من نفس القومية (السونغاي) تحت مسمى "الكوندو إيزو"، وتعني "أبناء الأرض"(4)، وصُنِّفَت على أنها نسخة أكثر عنفًا وراديكالية من ميليشيات "الكوندو كوي"، وقد كان لها دور مشهود في الانتهاكات التي عرفتها منطقة شمال مالي منذ اندلاع الحرب عام 2012 بين الجيش المالي من جهة، والجماعات الجهادية والمتمردين الطوارق من جهة أخرى، وينطلق أعضاء هذه الميليشيات من مُسلَّمة مفادها أن كل الطوارق مؤيدون للتمرد والانفصال، حتى أولئك الذين احتفظوا بولائهم للدولة المالية.

وعلى غرار ميليشيات "السونغاي"، سَعَى بعض قبائل الطوارق إلى استنساخ التجربة عبر عدة ميليشيات قبلية من أبرزها "قوات الدفاع الذاتي لقبائل الإيمغاد الطارقية وحلفائهم"، وتُعرف اختصارًا باسم "غاتيا" (GATIA)، وهي ميليشيات أسستها قبائل الإيمغاد الطارقية الموالية للحكومة في باماكو، عام 2014، وتحظى بدعم ومؤازرة الجيش المالي، وقد شغل مؤسسها الرئيسي، الجنرال "الهجي أغ آمو"، منصب القائد العام المساعد للجيش المالي إبَّان تأسيس تلك الميليشيات(5)، وكان الهدف المعلن من وراء تأسيسها، مواجهة الجماعات الجهادية وحركات التمرد الأزوادية التي تقاتل من أجل الاستقلال عن مالي، وقد أجَّج تشكيل هذه الميليشيات أحقادًا قديمة داخل مجتمع الطوارق أنفسهم، خصوصًا بين قبائل الإيمغاد وقبائل الإيفوغاس ومن يتحالف معهم، وتحوَّلت تلك الميليشيات من أداة لفرض السلم ومحاربة التمرد والجهاديين، إلى طرف فاعل في صراع سياسي عرقي وقبلي دموي، ضمن نطاق جغرافي يتراوح بين ولايتي "غاوا" و"منيكا" في شمال شرق البلاد.

وقد وثَّقت هيومن رايتش ووتش ومنظمة العفو الدولية وعدد من المراقبين المحليين، انتهاكات ذات طابع عرقي وقبلي ارتكبتها ميليشيات "غاتيا"، شملت عمليات إعدام ميدانية خارج القانون، واعتقالات تعسفية وعمليات خطف وإخفاء قسري لعدد من الأشخاص، من قومية الفلان ومن قبائل الطوارق المناوئة لقبائل "الإيمغاد"(6).

كما أسست قبائل "دوسحاق" الطارقية، سنة 2016، ميليشيات خاصة بها تحت اسم "حركة إنقاذ أزواد"، وانضمت إلى تنسيقية الحركات المتحالفة مع الحكومة في باماكو، وتمركزت في منطقة "منيكا" بشمال شرق البلاد، وعلى الحدود بين مالي والنيجر؛ حيث ينشط مقاتلو جماعة "ولاية الساحل" التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية. وقد دخلت تلك الميليشيات في صراعات دموية مع مقاتلي "ولاية الساحل"، وارتكب عناصرها مذابح بحق عشرات القرى من الفلان، بحجة أنهم يشكِّلون حاضنة شعبية لمقاتلي التنظيم، كما تعرض المئات من أفراد "دوسحاق" للقتل والذبح والتشريد على يد الفلان من مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية، بحجة التعاون مع "حركة إنقاذ أزواد" والحكومة المالية والقوات الفرنسية(7).

ففي يومي 26 و27 أبريل/نيسان عام 2018، شَنَّ مسلحون من الفلان تابعون لتنظيم الدولة الإسلامية هجومًا على مخيمات للنازحين الطوارق من قبائل "دوسحاق" قرب مدينة منيكا شمال شرقي مالي، وقتلوا عشرات المدنيين من الرجال والشبان، في قريتين تابعتين لولاية "منيكا". وردًّا على تلك الهجمات، نفَّذ مقاتلون تابعون لحركة إنقاذ أزواد هجمات على تجمعات للرعاة الفلان وقتلوا واختطفوا العشرات.

مجازر الدوغون والفلان: انهيار التعايش في وسط مالي

وفي وسط مالي، أعلن الصيادون التقليديون من قبائل "الدوغون" والمعروفون باسم "الدوزو"، سنة 2016، عن تشكيل ميليشيات عرقية خاصة بهم تحظى بدعم الحكومة، تحت مسمى "دانا أمباساغو" (Da Na Ambassagou)، ومعناها باللغة المحلية "الصيادون الواثقون بالله"، وهي ميليشيات ذات انتشار أفقي في مناطق وسط مالي، خصوصًا في ولاية "موبتي" وهضبة "باندياغار"، وقد تفرَّعت عنها مجموعات مسلحة تابعة لها، من أشهرها "دوزو ماسينا"، التي أسسها "أمادو ديارا"، وتنشط ضد الرعاة الفلان في منطقة "ماسينا" وسط البلاد.

وبرَّر قادة هذه الميليشيات من "الدوغون" تأسيسها بما يسمونه عجز الحكومة المالية عن حماية قراهم وممتلكاتهم من هجمات الجهاديين الفلان، وقد ارتكبت تلك الميليشيات أعمال عنف غير مسبوقة وانتهاكات جسيمة، تمثَّلت في عمليات قتل جماعي وتطهير عرقي أسفرت عن مقتل المئات ونزوح عشرات الآلاف من الفلان الذين أصبحوا بالنسبة لهؤلاء المسلحين هدفًا مستباحًا بتهمة دعم "كتائب ماسينا" التابعة لجماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" وإيواء عناصرها، كما تعرَّضت بعض قرى "الدوغون" لهجمات انتقامية من المسلحين الفلان، قُتل فيها المئات من المدنيين، وقد أذكت تلك الهجمات صراعات قديمة بين قبائل "الدوغون الصيادين" و"البمبارة" المزارعين من جهة، وقبائل "الفلان" الرعاة من جهة أخرى، بسبب التنافس على الأراضي ومصادر المياه والمراعي.

وتفاقمت أعمال العنف ضد المدنيين، عام 2018، حين شَرَعَ المسلحون "الدوزو" في إبادة قرى من الفلان ومحاصرتها وإحراقها وقتل سكانها وطردهم وإبعاد مواشيهم عن المراعي الخصبة ونقاط المياه ومصادرتها والاستيلاء عليها، وبلغت الأمور ذروتها مع مجزرة قرية "أوغاوساغو" في ولاية "موبتي" وسط البلاد، والتي ارتكبها مسلحون من ميليشيات "دانا أمباساغو"، في مارس/آذار عام 2019، ضد الفلان، وقُتِل فيها حوالي 160 شخصًا، فشكَّلت حالة غير مسبوقة من انهيار حالة التعايش المجتمعي في وسط البلاد(8)؛ حيث كانت تلك القرية تتألَّف من حيَّيْن، أحدهما حي للسكان الفلان والآخر للسكان الدوغون، وقد أقدم المسلحون الدوغون على قتل جيرانهم من الفلان وحرق مساكنهم ونهب ممتلكاتهم، رغم التعايش الذي جمعهم لعقود طويلة في قرية واحدة، وهو ما أحرج الحكومة المالية التي ردَّت بقرار يقضي بحل ميليشيات "دانا أمباساغو" والأمر بنزع سلاحها، لكنه قرار ظل حِبرًا على ورق بعد أن أعلن زعيم تلك الميليشيات، "يوسف تولوبا"، رفضه، وسانده قادة مجتمعيون من "الدوغون" أعلنوا استعدادهم لمواجهة الحكومة إذا ما حاولت نزع سلاحهم بالقوة، وقد وثَّقت تقارير لبعثة الأمم المتحدة في مالي "المينيسما" (MINUSMA) ومنظمة "هيومن رايتس ووتش" و"مجموعة الأزمات الدولية" والمعهد الفرنسي للعلاقات الدولية (Ifri)، ارتكاب تلك الميليشيات لعدد من المذابح والانتهاكات ذات الطابع العرقي ضد الفلان خلال الفترة ما بين 2018 و2020، في مناطق باندياغارا وكورو ودوينتزا وسيغو في وسط وغرب البلاد(9).

وزادت هذه الانتهاكات من حالة القطيعة بين السكان المحليين والدولة المالية، وكرَّست انعدام الثقة فيها، وتحولت تلك الميليشيات من جهاز شعبي للحماية الذاتية ومحاربة الجماعات الجهادية إلى عامل تغذية لهذه الجماعات يخدمها بواسطة الفظائع التي يرتكبها أولئك المسلحون وتدفع السكان الفلان للجوء إلى الجماعات الجهادية طلبًا للحماية بعد أن فشلت الدولة في ذلك أو تواطأت مع قَتَلَتِهِم. وانتقل الصراع في وسط البلاد من حرب بين الدولة والجماعات الجهادية، إلى صراع ثلاثي الأبعاد ذي طابع عرقي، أطرافه الجيش المالي وميليشيات الدوغون وكتائب ماسينا، يسعى من خلاله كل طرف لإبادة الطرف الآخر قدر المستطاع والانتقام العشوائي منه(10)، ودخلت البلاد في دوامة حرب أهلية ذات طابع عرقي وقبلي وديني.

بوركينا فاسو: ميليشيات "الدفاع عن الوطن" وعسكرة المجتمع

وفي بوركينا فاسو أعلنت الحكومة والبرلمان عن صدور قانون، في الـ21 يناير/كانون الثاني 2020، لإنشاء قوة تحت اسم "متطوعون للدفاع عن الوطن" Volunteers for the Defense of the Homeland ((VDP، وهي عبارة عن ميليشيات مسلحة يتم تجنيد عناصرها من السكان المحليين، للعمل قوةً رديفةً لدعم الجيش في مواجهة الجماعات الجهادية المسلحة التي تسيطر على مساحات شاسعة من شمال وشرق البلاد وغربها(11)، ومعظم عناصر هذه القوة من قومية "الموسي" (Mossi) الذين يشكِّلون أغلبية سكان البلاد، وبعض المجموعات الأخرى من "الدوزو" و"الغورما"، وقد دمجت الحكومة في هذه الميليشيات مجموعات محلية كانت تنشط في البلاد سابقًا، مثل مجموعة "كوغلو ويغو" (Koglweogo) وتعني باللغة المحلية "حراس الغابات"، وهي مجموعة مسلحة تأسست منتصف العقد الماضي لمواجهة قُطَّاع الطرق ولصوص المواشي، وتُقدِّر بعض المراكز المهتمة بالمنطقة عددَ عناصر ميليشيات "متطوعون للدفاع عن الوطن" بحوالي 100 ألف عنصر، موزعين في عدة مناطق بشرق وشمال وغرب البلاد.

وقد أعلنت الحكومة الحالية في بوركينا فاسو، بداية عام 2026، عن منح هذه الميليشيات وضعًا أكثر رسمية من السابق، بحيث سيتم دمجهم في أجهزة الدولة، وتعزيز تبعيتهم لها، خصوصًا في الهياكل العسكرية والأمنية.

وتتوزع ميليشيات "متطوعون للدفاع عن الوطن" إلى عدة مجموعات، من بينها "مجموعة ماهونا للدفاع الذاتي" و"قوة كوكا السريعة"، وهما مجموعتان تنشطان في منطقتي "ماهونا" و"كوكا" بولاية "بانوا" في شمال غربي البلاد، قرب الحدود مع مالي.

وقد وثَّقت منظمات حقوقية ومراقبون محليون العديد من الانتهاكات والأعمال الانتقامية التي تنسب لهذه الميليشيات والمجموعات المرتبطة بها، تمثلت في عمليات قتل جماعي وعشوائي وذبح للقرويين، واعتقالات تعسفية وعمليات خطف واحتجاز خارج القانون، وحرق بعض القرى والمساكن، وقد راح ضحية هذه الأعمال مئات المدنيين من الفلان، بينهم نساء وأطفال، وذلك على خلفية اتهامهم بدعم وإيواء الجماعات الجهادية(12).

ومن أبرز الفظائع التي ارتكبتها هذه الميليشيات ضد المدنيين، والتي تم توثيقها، وكانت أحيانًا بدعم من القوات الحكومية أو بتواطؤ معها:

ـ مجزرة "سولينزو"، وهي عاصمة ولاية "بانوا"، وقد وقعت يومي 10 و11 مارس/آذار عام 2025؛ حيث قامت مجموعات من هذه الميليشيات بالتعاون مع إحدى كتائب الجيش النظامي بتنفيذ مجزرة ضد المدنيين من الفلان في بلدة "سولينزو"، راح ضحيتها أكثر من 130 مدنيًّا قُتلوا في عمليات إعدام جماعية(13).

ـ مجزرة في قريتي "تافاغو" و"نوبيول"، وقعت يوم 21 مايو/أيار 2025؛ حيث نفَّذت هذه الميليشيات هجمات عنيفة متزامنة ضد السكان المدنيين في القريتين الواقعتين شمالي شرق البلاد، وقتلت 105 مدنيين من الفلان.

ـ مجزرة "ييرغو" التي وقعت في بداية شهر يناير/كانون الثاني عام 2019، وسط غرب البلاد، وقُتل فيها أكثر من 200 مدني من الفلان.

ـ مجزرة "نونا" التي وقعت في نهاية شهر ديسمبر/كانون الأول عام 2022، وقُتل فيها أكثر من 88 مدنيًّا، وذلك في مدينة "نونا" عاصمة محافظة "كوسي"، ونفذها مسلحون من "الدوزو" تابعون لميليشيات "متطوعون للدفاع عن الوطن".

وفي شهر ديسمبر/كانون الأول عام 2023، وثقت منظمات حقوقية هجومًا انتقاميًّا نفذته هذه الميليشيات في قرية "بورو" أدَّى إلى مقتل 19 شخصًا من عائلة واحدة، بينهم أطفال.

النيجر تلتحق بنادي "قوات الدفاع الذاتي"

أما النيجر فقد أحجمت لفترة طويلة عن تأسيس أي ميليشيات أهلية مسلحة للاستعانة بها قوةً رديفةً للقتال إلى جانب الجيش في مواجهة الجماعات الجهادية المسلحة، رغم بعض المبادرات التي قام بها سكان محليون في غرب البلاد قبل سنوات دون دعم أو تدخل حكومي، لكنها أقرَّت مؤخرًا، وبالتحديد يوم 27 مارس/آذار 2026، مرسومًا حكوميًّا يقضي بإنشاء هيئة للدفاع الذاتي تحت اسم "دومول ليدي" "Domol Leydi"، وهو تعبير باللغة الفولانية يعني "حارس الأرض"، وأكدت الحكومة أن هذه المنظمة المسلحة ستتألَّف من متطوعين من السكان المحليين في مناطق الصراع مع الجهاديين(14)، بوصفها تطبيقًا عمليًّا لحالة التعبئة العامة التي أُعلنت في البلاد نهاية عام 2025(15).

وحسب بيان الحكومة، فإن ميليشيات "دومول ليدي" ستُكلَّف بالدفاع الذاتي عن القرى والسكان في مناطقهم وحمايتهم وتأمين الطرق البينية في غرب البلاد، فضلًا عن مواجهة المسلحين الجهاديين من تنظيمي "نصرة الإسلام والمسلمين" التابع لتنظيم القاعدة و"ولاية الساحل" التابع لتنظيم الدولة الإسلامية، كما ستُكَلَّف بجمع المعلومات الاستخباراتية وتعبئة السكان المحليين وتجنيدهم لنفس الغرض.

ورغم أن هذه الميليشيات أُعلن عنها حديثًا ولا تزال قيد التشكُّل، وقد استوحت اسمها من ثقافة ولغة الفلان، إلا أن العارفين بشؤون المنطقة وخريطة الصراعات المحلية يؤكدون أنها ستعتمد على مقاتلين من قومية "الزارما" لمواجهة الجهاديين "الفلان"؛ وهو ما يعني أن التوترات العرقية بين قبائل "الزارما" وقبائل "الفلان"، قد تشهد تصاعدًا خطيرًا في تلك المناطق، خصوصًا في منطقة "ليبتاكو-غورما" وبلدات "تيلابيري" و"بانيبانغو" و"بانكيلاري" في غرب النيجر، والتي تعرف منذ أكثر من عشر سنوات عمليات تطهير عرقي متبادل بين الفلان وقبائل الطوارق والزارما.

وكان سكان بعض القرى في غرب النيجر من قومية "الزارما" قد أعلنوا، سنة 2019، عن تأسيس ميليشيات للدفاع الذاتي، تحت اسم "زنكاي زارما" (Zankai Zarma)، وتعني باللغة المحلية "شباب الزارما"(16)، وذلك على خلفية تصاعد هجمات المسلحين الجهاديين في مناطقهم، ومقتل أحد زعماء "الزارما" على يد عناصر تنظيم "ولاية الساحل" بحجَّة أنه منع الزكاة. هذا فضلًا عن تعرضهم لعنف عصابات السطو والسرقة في مناطق الصحراء وفي مثلث الحدود بين النيجر ومالي وبوركينافاسو، الذي يُعَدُّ اليوم من أخطر المناطق في الساحل على الإطلاق، وقد عُرفت ميليشيات "زنكاي زارما" بضعف التسليح والتدريب وعدم احترافية عناصرها، وتتكون من مجموعة خلايا تنتشر أفقيًّا وتعمل بشكل لا مركزي خارج سيطرة الحكومة في نيامي ودون دعمها، لذلك لم يكن لها دور يُذكر في المواجهات العنيفة مع الجهاديين، إلا أن المراقبين يأخذون على الحكومة النيجرية عدم ضبط هذه الميليشيات أو مراقبتها ووضع حدٍّ لانتهاكاتها بحق بعض السكان من الفلان(17).

فقد ركزت حكومة النيجر خلال السنوات الماضية على تنظيم أهلي، أسسته عام 2021، ويُعْرَف باسم "الحرس الرحل"، وجُلُّ عناصره من مقاتلي الطوارق الذين كانوا ينشطون في حركات التمرد سابقًا ورفضوا الاندماج في الجيش، وبعض العناصر من الطوارق الذين خدموا في الجيش الليبي قبل سقوط نظام العقيد معمر القذافي وعادوا إلى النيجر، وقد أعلنت حكومة نيامي عن دمجهم في نظامها الدفاعي والأمني بصفتهم قوةً محلية(17)، تنتشر في المناطق الصحراوية في شمال وغرب البلاد، ولديهم دراية كبيرة بمسالك الصحراء والحدود بين النيجر وكل من الجزائر ومالي ونيجيريا، وتتركز مهمتهم أساسًا في "الإنذار المبكر" ومراقبة الصحراء وجمع المعلومات الاستخباراتية، ورصد التحركات المشبوهة داخل القرى والتجمعات السكانية، وتعبئة السكان المحليين للدفاع عن قراهم والتبليغ عن أي تحركات غير مألوفة.

وتتبع هذه الميليشيات لما يُعرف بلجان تعبئة الاحتياط العسكري، غير أن طابعهم العرقي يعزز المخاوف من احتمال تورطهم في الصراعات العرقية المتفاقمة في المنطقة(17).

نتائج عكسية

ويمكن تلخيص النتائج المترتبة على وجود هذه الميليشيات الأهلية وتسليحها وإطلاق يدها في المجتمعات المحلية، في عدة نقاط، من أبرزها:

ـ تأجيج الصراع العرقي بين المجموعات السكانية وزيادة وتيرة القتل والقتل المضاد، وتحويل الحرب ضد الجهاديين إلى حرب أهلية عنيفة ذات نتائج فظيعة على مختلف الأطراف.

ـ وجود هذه الميليشيات المؤسَّسة على أساس عرقي بحت، فاقم من حالة الانقسام بين المجتمعات المحلية المتساكنة منذ قرون (الفلان، الدوغون، الموسي، الطوارق، السونغاي، الزرما.. إلخ).

ـ تفاقمت عمليات انتهاك حقوق الإنسان بشكل مروع؛ مما يزيد من العزلة السياسية والدبلوماسية للدول المضيفة لها، ويجعلها دولًا مصنفة بلدانًا ترعى العنف والجرائم ذات الطابع العرقي، وأحيانًا الجرائم ضد الإنسانية، وعمليات الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والإخفاء القسري.

ـ خروج الأمور عن سيطرة الدولة وتقويض سلطانها، بسبب غياب ميكانيزمات مساءلة ومحاسبة تلك الميليشيات وردعها، بل وأحيانًا يوجد تواطؤ واضح بينها وبين الجيوش النظامية في بعض هجماتها ضد المدنيين كما حدث في وسط مالي وشمال وغرب بوركينا فاسو، وقد فشلت تلك الحكومات في كبح جماح الميليشيات حين أرادت ذلك، فكانت الأحداث في وسط جمهورية مالي مثالًا صارخًا بعد المذبحة التي نفذتها ميليشيات "الدوغون" ضد "الفلان" في ولاية موبتي، خلال شهر مارس/آذار عام 2019، والتي راح ضحيتها 160 شخصًا، حاولت الحكومة المالية حَلَّ تلك الميليشيات ومصادرة أسلحتها، لكن قادة الميليشيات رفضوا القرار الحكومي وأعلنوا استعدادهم لمواجهة الجيش إذا حاول نزع سلاحهم بالقوة.

خاتمة

رغم أن ميليشيات "الدفاع الذاتي" في دول الساحل أُسِّستْ أصلًا بوصفها صحوات شعبية تهدف إلى المساعدة في حماية القرى والأهالي، ومحاربة الجماعات الجهادية، لكنها أفضت إلى نتائج عكسية؛ حيث كانت الجماعات الجهادية المستفيد الأول منها، بسبب تجاوزاتها وانتهاكاتها بحق السكان، فكلما تضاعف عدد ضحايا العنف بين المدنيين على يد هذه الميليشيات تضاعفت أعداد الشباب الملتحقين بالجماعات الجهادية من أبناء المجتمعات المستهدفة بالعنف؛ حيث أدَّت عمليات القتل الجماعي والانتهاكات المتنوعة التي تنفذها ميليشيات "الدفاع الذاتي" في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، إلى هجرة آلاف الشباب والرجال نحو معسكرات الجماعات الجهادية في الأدغال والغابات والصحراء، طلبًا للحماية أو سعيًا وراء الانتقام ممن قتلوا ذويهم ونكلوا بهم، وكان تنظيم "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" وتنظيم "ولاية الساحل" المستفيدين من تداعيات أعمال العنف والانتقام التي ينفذها مقاتلو "الدوزو" و"الكوندو كوي" و"الإيمغاد" و"دو سحاق" في مالي، وميليشيات "الزارما" في النيجر، ومقاتلو "الموسي" و"الدوزو" المنخرطون في ميليشيات "متطوعو الدفاع عن الوطن" في بوركينا فاسو(18).

كما أن هذه الميليشيات لم تستطع سَدَّ الفراغ ولا تعويض غياب الدولة المركزية وأجهزتها الأمنية والعسكرية والإدارية في المناطق التي تنشط فيها كما كان مرجوًّا منها، بل أضعفت الثقة في الدولة وأنهت مفهوم احتكارها للسلاح وللعنف لصالح مسلحين محليين تحركهم نوازع عرقية انتقامية لا علاقة لها بالقانون ولا بالدولة، كما فشلت هذه الميليشيات في حماية المدنيين من أبناء عرقياتها، بل زادت من معاناتهم وجعلتهم عرضة للانتقام من طرف الجماعات الجهادية والمجموعات الأخرى. وتحولت بسببها الحرب في الساحل الإفريقي من حرب ضد الجماعات الجهادية، إلى مستويات غير مسبوقة من العنف الأعمى ذي طابع عرقي وقبلي واجتماعي وميليشياوي، تسهم في تفكيك الدولة والمجتمع وتفتيت بنيتهما، أكثر مما تسهم في حماية الأمن والاستقرار.

نبذة عن الكاتب

مراجع

1 ـ عباس صالح عباس، مجموعات الحماية الذاتية.. استنساخ تجربة الصحوات في الساحل الإفريقي-العربي، 1 يوليو/تموز 2020، (تاريخ الدخول: 4 مايو/أيار 2026)،

[https://urli.info/1uO1R](https://urli.info/1uO1R)

2 ـ Mouvement patriotique malien Ghanda Koy aka Ganda Koy (Mali) ـ Guidebook ـ accessed May 2, 2026

[https://militias-guidebook.com/pgag/492/](https://militias-guidebook.com/pgag/492/)

3 ـ Amnesty International ـ Mali: Ethnic conflict and killings of civilians ـ September 20, 1994 ـ accessed May 2, 2026

[https://www.amnesty.org/en/documents/afr37/008/1994/en/](https://www.amnesty.org/en/documents/afr37/008/1994/en/)

4 ـ Mouvement patriotique malien Ghanda Koy aka Ganda Koy (Mali) ـ Guidebook ـ accessed May 2, 2026

[https://militias-guidebook.com/pgag/493/](https://militias-guidebook.com/pgag/493/)

5 ـ WAMAPS ـ Le GATIA : Groupe autodéfense touareg Imghad et alliés ـ November 28, 2024 ـ accessed May 4, 2026

[https://westafricamaps.com/fr/analyses/le-gatia-groupe-autodefense-toua…](https://westafricamaps.com/fr/analyses/le-gatia-groupe-autodefense-toua…)

6 ـ Studio Tamani ـ « Exécutions sommaires » des civils à Ménaka : la MINUSMA accuse, la coalition MSA-GATIA récuse ـ April 14, 2018 ـ accessed May 3, 2026

[https://www.studiotamani.org/67095-executions-sommaires-des-civiles-a-m…](https://www.studiotamani.org/67095-executions-sommaires-des-civiles-a-m…)

7 ـ المصدر السابق.

8 ـ Human Rights Watch ـ Mali: Army, UN Fail to Stop Massacre ـ March 18, 2020 ـ accessed May 3, 2026

[https://www.hrw.org/news/2020/03/18/mali-army-un-fail-stop-massacre](https://www.hrw.org/news/2020/03/18/mali-army-un-fail-stop-massacre)

9 ـ Amnesty International ـ Mali 2025 : Abuses by armed groups ـ 2026 ـ accessed May 3, 2026

[https://www.amnesty.org/en/location/africa/west-and-central-africa/mali…](https://www.amnesty.org/en/location/africa/west-and-central-africa/mali…)

10 ـ عبد الله ممادو با، العنف ضد قبائل الفلان.. إلى أين تتجه منطقة الساحل الإفريقي، مركز الجزيرة للدراسات، 21 أبريل/نيسان 2019 (تاريخ الدخول: 4 مايو/أيار 2026)،

[https://studies.aljazeera.net/ar/reports/2019/04/190421082952370.html](https://studies.aljazeera.net/ar/reports/2019/04/190421082952370.html)

11 ـ Fasocheck ـ Fiche d’info : Les volontaires pour la défense de la patrie ـ November 16, 2020 ـ accessed May 1, 2026

[https://fasocheck.org/fiche-dinfo-les-volontaires-pour-la-defense-de-la…](https://fasocheck.org/fiche-dinfo-les-volontaires-pour-la-defense-de-la…)

12 ـ Human Rights Watch ـ Burkina Faso : L’armée a dirigé des massacres ethniques ـ May 12, 2025 ـ accessed May 1, 2026

[https://www.hrw.org/fr/news/2025/05/12/burkina-faso-larmee-dirige-des-m…](https://www.hrw.org/fr/news/2025/05/12/burkina-faso-larmee-dirige-des-m…)

13 ـ المصدر السابق.

14 ـ التيار، النيجر: الحكومة تعتمد تشكيلات "دومول ليدي" لدعم قوات الأمن في مواجهة التحديات، 28 مارس/آذار 2026 (تاريخ الدخول: 29 أبريل/نيسان 2026)،

[https://ettayar.net/ar/node/8442](https://ettayar.net/ar/node/8442)

15 ـ الجزيرة نت، النيجر تعلن التعبئة العامة ضد الجماعات المسلحة، 28 ديسمبر/كانون الأول 2025 (تاريخ الدخول: 5 مايو/أيار 2026)،

[https://urli.info/1uO1X](https://urli.info/1uO1X)

16 ـ AFP ـ AFRICAN INSIDER ـ Two killed as French army convoy runs into fresh trouble in Niger ـ accessed May 3, 2026

[https://www.africaninsider.com/politics/two-killed-french-army-convoy-r…](https://www.africaninsider.com/politics/two-killed-french-army-convoy-r…)

17 ـ ADF ـ Les milices ethniques du Niger provoquent des cycles de violence brutaux ـ November 21, 2023 ـ accessed April 30, 2026

[https://adf-magazine.com/fr/2023/11/les-milices-ethniques-du-niger-prov…](https://adf-magazine.com/fr/2023/11/les-milices-ethniques-du-niger-prov…)

18 ـ عبد الله ممادو با، العنف ضد قبائل الفلان.. إلى أين تتجه منطقة الساحل الإفريقي؟، مركز الجزيرة للدراسات، 21 أبريل/نيسان 2019 (تاريخ الدخول: 4 مايو/أيار 2026)،

[https://studies.aljazeera.net/ar/reports/2019/04/190421082952370.html](https://studies.aljazeera.net/ar/reports/2019/04/190421082952370.html)