شهدت الأشهر الأخيرة بروز عدد من المؤشرات على تغييرات جدية في العلاقة بين الولايات المتحدة وأحد أكبر ناقديها في القارة الإفريقية، الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، بما يتضمن رفع العقوبات المفروضة على أسمرة، في مقابل استفادة واشنطن من الموقع الجغرافي الحساس للشاطئ الإريتري القريب من باب المندب، والمواجه لليمن على الضفة الغربية للبحر الأحمر.
تحاول هذه الورقة رصد تطور هذا المنحنى الجديد في علاقة طالما شابها التوتر والعداء، مرورًا بتحليل دوافع وأهداف واشنطن من هذا التحرك، وتوضيح محددات الرؤية الإريترية لهذا التقارب المحتمل، ختامًا بالآفاق والسيناريوهات المحتملة لهذا المسار.
من ربيع السلام إلى برودة العقوبات الأميركية
عاشت العلاقات الإريترية-الأميركية ربيعًا بالغ القصر بين عامي 2018 و2021، مع أجواء عملية السلام بين أسمرة وأديس أبابا، التي كانت تمثل محاولة أميركية، عبر حلفائها الإقليميين، لصياغة واقع جيوسياسي جديد في القرن الإفريقي، الذي شهد تصاعدًا كبيرًا للنفوذ الصيني؛ حيث تحولت بيجين إلى أحد أهم الشركاء التجاريين لإثيوبيا، كما افتتحت قاعدتها العسكرية الأولى في الخارج، في جيبوتي، عام 2017.
غير أن هذا الربيع ما لبث أن تحول إلى شتاء شديد البرودة، مع رفض إدارة الرئيس الأميركي السابق، جو بايدن، وإدانتها للمشاركة الإريترية في حرب تيغراي، وصولًا إلى فرضها سلسلة عقوبات استهدفت المؤسسة العسكرية والأمنية، والحزب الحاكم، وقيادات مختلفة.
ثم شهدت العلاقة، من جديد، منحنى مفاجئًا فرضته تداعيات "طوفان الأقصى"، وبروز دور جماعة أنصار الله الحوثيين في تعطيل مسار الملاحة في بابا المندب، والذي أسهم بشكل بارز في صياغة التحولات الأميركية في رؤيتها لكيفية التعاطي مع أسمرة. ورغم محورية دور الرئيس دونالد ترامب وشخصيته في التطورات الأخيرة بين البلدين، كما سنبيِّنه لاحقًا، فإن هذا التوجه الأميركي كان قد بدأت ملامحه بالتشكل في عهد إدارة سلفه، بايدن(1).
وفي هذا السياق، صدرت، في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، "الإستراتيجية الأميركية"(2) المعدَّلة(3) تجاه إريتريا؛ حيث نصَّت على أن عملية السلام الإثيوبية، وخفض أسمرة حضورها العسكري في جارتها الكبرى، يوفران "فرصة لإعادة تشكيل العلاقات الثنائية مع إريتريا إلى نهاية أكثر إنتاجية"(4).
أوضحت الوثيقة كذلك أن سفارة واشنطن في أسمرة ستسعى إلى فتح خطوط اتصال لإقامة "قواسم مشتركة" تخدم مصالح شعبي البلدين، وللاستماع إلى وجهات النظر الإريترية حول القضايا الإقليمية والدولية.
وتظل إحدى أكثر النقاط أهمية، من وجهة نظر أسمرة، ما حملته الوثيقة من توجهات إيجابية مغايرة لهدف تغيير النظام الإريتري؛ حيث احتوت هذه الإستراتيجية تعديلات على نظيرتها السابقة الصادرة عام 2022، وحُذِف في النسخة المحدَّثة ما وُصِف سابقًا بأنه "هدف الإستراتيجية الأميركية الأساس"(5)، والمتمثل في "تنمية الجيل القادم في إريتريا، والاستعداد لمرحلة ما بعد الرئيس الإريتري، أسياس أفورقي"(6).
ترامب وأفورقي: دفء "الرجل القوي" في علاقة مضطربة
تبرز ولايتا الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، استثناءً واضحًا في سياق العلاقة الأميركية-الإريترية خلال ربع القرن الأخير، والتي اتسمت بقدر واضح من العداء المتبادل، والعقوبات، والحروب الإعلامية، في حين تميزت فترتا ترامب بقدر من الدفء الملحوظ؛ حيث تشير بعض المصادر إلى أن الرئيس الإريتري لم يبعث إلا بثلاث برسائل إلى الولايات المتحدة خلال الفترة المذكورة، اثنتين منها لتهنئة ترامب بانتخابه في الولايتين؛ ما قوبل بترحيب لافت من ساكن البيت الأبيض(7).
هذا التقارب بين ترامب وأفورقي يمكن عزوه إلى مجموعة من العوامل الشخصية والفكرية المشتركة بينهما(8)، أهمها النزعة الواضحة نحو نموذج "الرجل القوي"، وما يرتبط به من شخصنة السياسات؛ حيث يصف العديد من الدبلوماسيين الإريتريين السابقين عملية صنع السياسة الخارجية في إريتريا بأنها شديدة المركزية، ومرتبطة بمكتب أفورقي مباشرة، والذي يضع خططها العامة والتفصيلية في بعض الملفات.
هذا الإعجاب بنموذج "الرجل القوي" أشار إليه محرِّر هيئة التحرير في فريدوم هاوس، تايلر رويانس، بأن ترامب "بذل قصارى جهده للتعبير عن إعجابه الشخصي ببعض القادة الاستبداديين الأكثر شهرة في العالم"(9)، وفي المقابل، لم يتوانَ عن الإساءة إلى حلفائه التقليديين والقادة الأجانب المنتَخَبين ديمقراطيًّا، مُعتبرًا إياهم ضعفاء وغير فعَّالين.
كما يتفق الزعيمان في الموقف مما يَعُدَّانه "الخلل" في النظام الدولي ومؤسساته؛ فأفورقي عُرِف بانتقاده اللاذع لما يراه هيمنة غربية، واعتباره المؤسسات الدولية، كالأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، غير فعَّالة في معالجة قضايا التنمية أو الأمن في إفريقيا بشكل عادل.
أما ترامب، فإنه لم يتردد في وصف مؤسسة دولية كالأمم المتحدة بالعجز عن التوصل لحلول مشاكل العالم، وأنها تستنزف موارد بلاده دون جدوى حقيقية بل وصف منظمة التجارة العالمية بأنها منحازة ضد الولايات المتحدة(10)!
جانب آخر من التوافق بين الرئيسين يتمثل في موقفهما من سياسات الحزب الديمقراطي، ولاسيما الثنائي أوباما وبايدن؛ حيث شهدت أسمرة في عهد الأول المساهمة الأميركية في تعرضها لعقوبات دولية لمرتين، في حين فرضت إدارة بايدن عقوبات أخرى، عام 2021، استهدفت عددًا من كبار الشخصيات في المؤسسات العسكرية والاقتصادية والحزب الحاكم في إريتريا، في حين أكد ترامب في رسالة إلى أفورقي أنه "يعمل على إزالة الآثار السلبية والضارة لإدارة بايدن في جميع أنحاء العالم"(11).
الدوافع الإستراتيجية للتحول الأميركي تجاه إريتريا
أولًا: باب المندب وإعادة تشكيل أمن جنوب البحر الأحمر
على عكس ما يعتقد البعض من أن الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران، وإغلاق الأخيرة مضيق هرمز، دفعتا واشنطن إلى محاولة احتواء إريتريا، يؤشر ما أسلفناه سابقًا من بروز ملامح مقاربة أميركية جديدة تجاه إريتريا، أواخر عام 2023، إلى محورية الدور الذي لعبته الحرب الإسرائيلية على غزة وتداعياتها في تشكيل ديناميات أمنية وسياسية جديدة حكمت رؤية واشنطن تجاه الأمن في جنوب البحر الأحمر، التي ازدادت أهميتها مع الهجمات الحوثية المباشرة على إسرائيل، وقدرة الحركة اليمنية على إغلاق باب المندب، خالقة أزمة اقتصادية عالمية(12).
مع الضغوط الناتجة عن هذا الواقع الجديد، أصبح الهدف الأميركي هو حماية حرية الملاحة وردع أي جهة قادرة على تعطيل باب المندب، أو تحويله إلى نقطة ضغط إستراتيجية(13)، كما وضحت إستراتيجية الأمن القومي الأميركية الصادرة أواخر 2025 أن من المصالح الجوهرية لواشنطن في الشرق الأوسط "بقاء البحر الأحمر صالحًا للملاحة"، و"بقاء إسرائيل آمنة"، وعدم تحول المنطقة إلى حاضنة أو مصدر للإرهاب ضد المصالح الأميركية أو الوطن الأميركي(14).
وضمن هذا السياق، يبدو الموقع الجغرافي لإريتريا، المقابل لليمن على الضفة الغربية للبحر الأحمر، حاسمًا، بساحلها الممتد لأكثر من ألف ومئة كيلومتر، وبسيطرتها على ميناءَي مصوَّع وعصب، اللذين يحتلان موقعًا إستراتيجيًّا بالغ الأهمية بالقرب من مضيق باب المندب.
ثانيًا: احتواء النفوذ الصيني والروسي في القرن الإفريقي
يبدو التنافس الأميركي مع الصين، وبدرجة أقل روسيا، عاملًا حاضرًا ومؤثرًا في تعاطي واشنطن مع إريتريا، ومن اللافت للانتباه أنه في الإستراتيجية الأميركية الخاصة بإريتريا، 2022، وردت مفردة الصين، وما يتعلق بها، 21 مرة في 18 صفحة(15).
وعبر سنوات التوتر المستمر مع الولايات المتحدة، أصبحت إريتريا أحد أبرز شركاء بيجين وموسكو في القرن الإفريقي؛ حيث وقَّعت الخارجية الإريترية، في نوفمبر/تشرين الثاني 2021، مذكرة تفاهم مع بيجين للانضمام إلى مبادرة الحزام والطريق، وسط تنامٍ للحضور الصيني في قطاعات مختلفة داخل إريتريا(16).
كما صرَّح السفير الإريتري في موسكو، في فبراير/شباط 2021، بترحيب بلاده ببناء مركز "لوجستي" روسي على شواطئها، وكانت إريتريا الدولة الإفريقية الوحيدة التي صوَّتت ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي يطالب روسيا بسحب قواتها من أوكرانيا، في أبريل/نيسان 2022(17).
ثالثا: من العقوبات إلى سياسة الاحتواء البراغماتي
عبر الإدارات الأميركية المتعاقبة، اعتمدت واشنطن العقوبات كأداة رئيسية في سياساتها تجاه النظام الإريتري، سواء لدفعه نحو إجراء إصلاحات داخلية وتحسين سجله في حقوق الإنسان، الذي يتذيل التصنيفات الحقوقية العالمية، أو لاجتذابه للتناغم مع السياسات الأميركية في المنطقة، وكانت آخر هذه العقوبات ما فرضته إدارة بايدن أواخر 2021 على الجيش الإريتري، والحزب الحاكم، والشركات التابعة له، ومسؤولين إريتريين(18).
وبخلاف ما خطَّط له صناع القرار في واشنطن، فقد أخفقت هذه الإجراءات في تحقيق أهدافها، بل دفعت النظام الإريتري إلى إعلانه معاداة واشنطن والاقتراب من منافسيها وخصومها بشكل أكبر. لذا، يبدو أن ما يجري الآن هو محاولة لبناء مقاربة لاحتواء أسمرة(19)، تقوم على منطق الصفقات الذي تفضِّله إدارة ترامب، بديلًا عن سياسة "العصا الغليظة".
رابعًا: "صفقة كبرى" وحسابات ترامب نحو نوبل السلام
رغم عدم الإعلان عن الملفات التي يجري التباحث حولها بين الإريتريين والأميركيين، يبدو أن هناك توجهًا نحو التوصل إلى ما يمكن وصفه بـ"صفقة كبرى" تعيد رسم العلاقات داخل القرن الإفريقي، فوفقًا لتصريحات مسعد بولس لقناة الجزيرة، في سبتمبر/أيلول الماضي، والتي حملت أولى الإشارات الأميركية العلنية على انفتاح واشنطن على أسمرة، فإن جهوده تتركز حول ما يمكن حلول سلمية تتضمن ربط ملفات التوتر في القرن الإفريقي(20).
هذا الطموح قد يمثِّل أداة لترامب للفوز بجائزة نوبل للسلام، التي طالما تطلع إليها، وبما يتجاوب مع "خيبة أمل" قديمة عبَّر عنها الرئيس الأميركي بنفسه، في يناير/كانون الثاني 2020، تعليقًا على فوز آبي أحمد بجائزة نوبل للسلام في العام السابق، معبِّرًا عن استحقاقه لها بالقول: "لقد عقدتُ صفقة، وأنقذتُ بلدًا، وسمعتُ للتوِّ أن رئيس ذلك البلد سيحصل الآن على جائزة نوبل للسلام لإنقاذه البلاد. فقلتُ: ماذا! هل كان لي دور في ذلك؟ نعم، لكن كما تعلمون، هكذا هي الدنيا!"(21).
رهانات واشنطن الكبرى في إريتريا: أمن البحر الأحمر وصراع النفوذ في القرن الإفريقي
أسمرة بوابة واشنطن لإعادة هندسة توازنات القرن الإفريقي، والسعي الأميركي الحالي في الساحة الإريترية يمكن اعتباره جزءًا من تحول "براغماتي"، يستخدم رفع العقوبات مدخلًا لتحقيق مجموعة من الأهداف، أبرزها:
أولًا: باب المندب: العقدة المركزية في الأمن الأميركي الجديد
يبدو العامل الجغرافي المحرك الرئيسي للحراك الأميركي الأخير تجاه إريتريا، في ظل تشكل بيئة أمنية جديدة جنوب البحر الأحمر، والخطورة التي أثبتت حركة أنصار الله الحوثيين قدرتها على تشكيلها، وقد أوضحت إستراتيجية الأمن القومي الأميركية الصادرة أواخر 2025 حزمة من "المصالح الجوهرية" لواشنطن في الشرق الأوسط، من أبرزها "بقاء البحر الأحمر صالحًا للملاحة"، و"بقاء إسرائيل آمنة"، وعدم تحول المنطقة إلى حاضنة أو مصدر للإرهاب ضد المصالح الأميركية أو الوطن الأميركي(22).
وفي هذا السياق، تستهدف واشنطن تحييد إريتريا عن القيام بأي عرقلة للترتيبات التي تحاول، من خلالها، إعادة هندسة الأمن جنوب البحر الأحمر، وربما، في مرحلة لاحقة، الاستفادة من تفاهمات عسكرية مع إريتريا تتضمن بناء قاعدة عسكرية أو مراكز مراقبة أميركية على أراضيها، وبالتالي دمج إريتريا في المنظومة الأمنية التي تعمل على بنائها في المنطقة.
تزداد الأهمية الجيوستراتيجية لإريتريا مع تعقد الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران، والتي أسهمت في إعادة تركيز واشنطن على ضرورة ضمان أمن باب المندب، الذي أصبح "بعد إغلاق إيران الفعلي لمضيق هرمز أهم ممر مائي حيوي في الشرق الأوسط. إن تعطيل المضيقين، سواء بشكل منسق أو متتابع، سيشكِّل صدمة غير مسبوقة للتجارة العالمية وأسواق الطاقة"(23).
ثانيًا: إريتريا في قلب الاحتواء الأميركي للصين وروسيا
يمثِّل القرن الإفريقي إحدى الساحات التي تشهد حربًا عالمية باردة على النفوذ بين قوى دولية وإقليمية متصارعة على عدد من المحاور، كحرب الموانئ وصراعات الوكالة التي رأيناها خلال السنوات الماضية(24).
وقد شهدت المنطقة تصاعدًا في النفوذ الصيني، بدا التخوف الأميركي منه واضحًا منذ إطلاق إدارة ترامب الأولى إستراتيجيتها تجاه إفريقيا (2018)، التي أشارت إلى أنه، مع إنشاء الصين قاعدتها العسكرية في جيبوتي عام 2017، واقتراب تسليم الأخيرة ميناء دوراليه الإستراتيجي للشركات الصينية، "فإن ميزان القوى في القرن الإفريقي، الذي يمتد على الشرايين الرئيسية للتجارة البحرية بين أوروبا والشرق الأوسط وجنوب آسيا، سوف يكون لصالح الصين"(25).
وهكذا، فإن المحاولات الأميركية للتقارب مع إريتريا تقع ضمن رؤية احتواء مزدوجة تستهدف محاصرة النفوذ الصيني والروسي من جهة، وتقديم خيارات بديلة لأسمرة تصبح فيها الشراكة مع الولايات المتحدة أقل كلفة وأكثر إغراءً من الارتهان المتزايد للصين، أو الارتماء في مساحات رمادية قد تستفيد منها روسيا.
الجهد الأميركي الحالي لا يقتصر على الجوانب السياسية والأمنية، لكنه يدرج أيضًا الاقتصاد أداةً لخلق النفوذ السياسي؛ حيث لوَّحت الإستراتيجية الأمريكية لعام 2023 بإمكانيات الاستثمار الأميركي، وإشارتها إلى أن لبيجين استثمارات كبيرة في إريتريا، لكن بالنظر إلى تنوع مجالات الاستثمار في الدولة الواقعة شرقي إفريقيا، فإن واشنطن تتمتع بوضع تنافسي أفضل قياسًا بالصين(26).
ثالثًا: تعزيز النفوذ في التوازنات الإقليمية
التقارب مع إريتريا يمنح واشنطن قناة تأثير في واحدة من أكثر المناطق هشاشة واضطرابًا في إفريقيا؛ حيث تمثل إريتريا الجزيرة المستقرة ضمن محيط يموج بالصراعات في إثيوبيا، والسودان، والصومال، وجميعها ساحات تتقاطع مع إريتريا جغرافيًّا وسياسيًّا.
ولهذا ترى واشنطن أن التعامل مع أسمرة لا يستهدف فقط إدارة العلاقة الثنائية، بل أيضًا التأثير في توازنات إقليمية أكبر، خاصة مع الحضور الإريتري في كل الملفات الملتهبة في المنطقة تقريبًا؛ فأسمرة أحد أهم داعمي الجيش السوداني، كما أنها في علاقة تحالف غير معلن مع أبرز المجموعات المعارضة المسلحة في إثيوبيا(27)، بجانب قيامها بتدريب وحدات من الجيش الصومالي.
وقد أشارت الوثيقة الأمريكية الخاصة بإريتريا إلى أن من أهداف السياسة الأميركية أن "لا تعارض إريتريا أو تسعى إلى عرقلة"(28) المبادرات الأميركية، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي، وبالتالي ضمان ألا تكون أسمرة عنصر تعطيل في الملفات التي تهم الولايات المتحدة.
وعلى سبيل المثال، تتبدى أهمية التواصل مع إريتريا في الحالة الإثيوبية؛ حيث تعد أسمرة أحد أهم اللاعبين المؤثرين في الساحة السياسية الإثيوبية الداخلية، كما أن البلدين يعيشان حالة توتر غير مسبوقة على خلفية المطالب الإثيوبية بالحصول على ميناء سيادي على البحر الأحمر، بما ينذر باحتمال انخراط الطرفين في أي اشتباك عسكري بدخول المنطقة في أتون عدم استقرار، واحتمالات إغراق القرن الإفريقي في مزيد من الفوضى، الذي يعاني أصلًا من الحرب في السودان والمصاعب الأمنية الجمة التي يواجهها الصومال.
وبالنظر إلى التأثير المباشر لهذه الاحتمالات على المصالح الأميركية المباشرة، فإن حاجة واشنطن إلى الوصول إلى حلول نهائية لهذه الأزمات المترابطة تقتضي فتح قنوات التواصل مع إريتريا، مدخلًا رئيسيًّا لبلورة شكل نهائي لهذا الحل الذي تطمح إليه الإدارة الأميركية.
أسمرة وحدود الانفتاح على واشنطن: براغماتية التقارب وهواجس السيادة
رغم الترحيب الإريتري الواضح بالانفتاح الأميركي على أسمرة، فإن القراءة المتأنية لما صدر عن أسمرة خلال الفترة الماضية تكشف عن وجود مجموعة من المحددات لرؤية النظام الإريتري لهذا التقارب مع واشنطن، وأهمها:
1- رفض ربط التقارب بأي إصلاحات حقوقية أو ديمقراطية: تُصرُّ أسمرة على أن أي علاقة يجب أن تُبنى على "المصالح المتبادلة"، وأن "عدم التدخل" ركيزة أساسية في السياسة الإريترية(29)؛ ما يستبعد أي جداول لإصلاحات مفترضة، بما يشمل رفض ربط رفع العقوبات بإطلاق سراح المعتقلين، أو فتح الصحافة، أو عقد انتخابات، أو تقليص الخدمة العسكرية، أو حتى على المستوى الاقتصادي؛ ولذلك تُفضِّل التعامل مع إدارة ترامب؛ لأنها تُظهر "مرونة أكبر" في هذا المجال مقارنة بالإدارات السابقة.
2- رفض ربط التقارب بتسوية ملف المنفذ البحري الإثيوبي: ستناور أسمرة في سبيل عدم تحويل تطوير علاقتها بواشنطن إلى أداة ضغط لدعم أديس أبابا في طموحاتها البحرية المعلنة، أو لفرض تسوية في ملفات النزاع الحدودي أو البحري وفق الرؤية الإثيوبية؛ حيث يرى النظام الإريتري في إثيوبيا آبي أحمد تهديدًا إستراتيجيًّا مستمرًّا، ويخشى أن تُحوَّل محاولات التقارب الأميركية إلى وسيلة لإعادة تمكين أديس أبابا أو تعزيز محورها الإقليمي. لذلك تُحدِّد أسمرة موقفها بأن أي تعاون مع واشنطن يجب أن يُبنى على مصالح ثنائية بحتة، دون ربطه بمعادلات إقليمية تُضعف موقع النظام أمام دول الجوار.
3- الحفاظ على تعددية الخيارات الدولية: رغم ترحيبها بالتقارب مع الولايات المتحدة، ستعمل إريتريا على عدم قطع جسورها مع الصين وروسيا، والحفاظ على هامش يسمح لها بالمناورة والتلويح بورقة العلاقة مع الأطراف المختلفة في مواجهة أي ضغوط مستقبلية محتملة، ولاسيما أن إدارة ترامب تفتقد لإستراتيجية واضحة في سياستها تجاه العديد من الملفات، واحتمالات تعثرها في الانتخابات النصفية القادمة، والخلاف داخل الإدارة نفسها حول ربط رفع العقوبات بإصلاحات داخل إريتريا.
آفاق التقارب الأميركي-الإريتري: بين التطبيع البراغماتي واحتمالات الصفقة الكبرى
تبدو آفاق الحراك الدبلوماسي الحالي للتقارب الأميركي الإريتري مرتبطة بالسقوف التي يسعى لها الطرفان من هذه العلاقة، ضمن موازنات إستراتيجية تتأرجح بين المنافع المأمولة منها وغياب الثقة المتبادل عبر عقود، وإصرار النظام الإريتري على رفض أي مؤثرات على سيطرته المطلقة على مقاليد الأمور في إريتريا، وما يمكن أن تقدمه واشنطن من "إغراءات" للابتعاد عن بيجين وموسكو.
وبالنظر إلى ما سبق، يمكن الإشارة إلى مجموعة من السيناريوهات المتوقعة لهذا المسار الجديد في العلاقة بين الطرفين، مرتبة وفق أرجحيتها:
السيناريو الأول: تطبيع تدريجي محدود: يتم فيه رفع بعض العقوبات، واستئناف الحوار الدبلوماسي الرسمي، وبناء الثقة التدريجي، دون الوصول إلى تطبيع كامل. تحصل واشنطن على ضمانات من أسمرة في بعض الملفات السياسية والأمنية، بينما تنال أسمرة انفراجًا اقتصاديًّا نسبيًّا، دون المساس بقدرة النظام الحاكم على استدامة سلطته، بما يعني غياب أي تحولات حقيقية في الملفات الحقوقية والديمقراطية، وما يرتبط بالإصلاح الداخلي، وتستمر الشراكات الإريترية مع روسيا والصين وإيران، وإن بوتيرة أخفض، وانخفاض حدة النقد الذي يوجهه الرئيس الإريتري للولايات المتحدة، وهذا المسار يخدم واشنطن أمنيًّا، وأسمرة اقتصاديًّا وسياسيًّا، دون تغيير جذري للنظام الإريتري.
السيناريو الثاني: التحالف الإستراتيجي الكامل: يتطلب هذا السيناريو تنازلات أكبر من الطرفين، ويفترض تطبيعًا كاملًا للعلاقات مع تعاون أمني كامل مع واشنطن، بما يتضمن منح الولايات المتحدة حق الوصول إلى الموانئ والبنية التحتية الإريترية لأغراض عسكرية أو لوجستية، مقابل اعتراف واشنطن بدور أفورقي الإقليمي، وحصول إريتريا على دعم اقتصادي ملموس، كاستثمارات في التعدين، وتطوير موانئ مصوع وعصب، وتسهيلات تجارية.
ورغم أن هذا السيناريو يمنح واشنطن قدرة أكبر على التأثير في القرن الإفريقي وجنوب البحر الأحمر، ويقلِّل من نفوذ الصين في إحدى عقد الحزام والطريق، لكنه يعتمد على قدرة الطرفين على تجاوز هوة واسعة من عدم الثقة، يزيدها عمقًا رفض أسمرة التخلي عن ورقة تنوع تحالفاتها، فيما يبقى الملف الحقوقي الإريتري عائقًا أمام أي إدارة أميركية تجد نفسها ملزمة، ولو شكلًا، بتبرير خطواتها أمام الرأي العام، بجانب عوامل الضغط الإقليمية التي لن تنظر إلى هذا التقارب بعين الرضا من قبل أطراف كإثيوبيا والإمارات وإسرائيل.
السيناريو الثالث: التعثر أو الفشل: نتيجة عدد من العوامل، منها الثقة الهشة والضغوط الداخلية؛ حيث تشير التقارير إلى وجود خلافات داخل الإدارة الأميركية حول شروط رفع العقوبات، وهو ما سيزداد إن كشفت المباحثات عن موقف إريتري أكثر تصلبًا مما تتوقعه واشنطن. ومن جانبها، تخشى أسمرة أن يتحول التقارب إلى ضغط حقوقي متجدد، أو ربط هذه التحركات بتنازلات معينة في ملف التوتر الإثيوبي-الإريتري حول مطالبة أديس أبابا بميناء سيادي على الأراضي الإريترية، بجانب أن غياب عوامل الاستهداف الخارجي المرتبطة بواشنطن وأديس أبابا، التي تستخدمها الرواية الرسمية لأسمرة أداةً لتجميد الأوضاع داخل البلاد، من شأنه أن يضع السلطات الإريترية في مواجهة ضغوط داخلية متزايدة مطالبة بالإصلاحات الحقوقية والديمقراطية.
اجتماع هذه العوامل سيعرقل التقدم، ويدفع نحو تواصل منخفض المستوى دون اختراق حقيقي، مع استمرار العقوبات المحدودة والحذر المتبادل، وفي أسوأ الأحوال قد تعود العلاقات إلى حالة الجمود التي ميَّزت معظم العقود الماضية.
السيناريو الرابع: نجاح الصفقة الكبرى: يفترض هذا السيناريو نجاح الوساطة الأميركية في تحقيق انفراج بين إريتريا وإثيوبيا، وربما التوصل إلى ترتيب شامل حول قضية الوصول الإثيوبي إلى البحر، التي تمثِّل عقدة إقليمية حقيقية، وقد يُعيد ذلك رسم خريطة التوازنات في القرن الإفريقي بصورة جذرية. غير أن هذا السيناريو يتطلب إرادة سياسية واسعة، وجهدًا دبلوماسيًّا مديدًا، يبدو صعب التحقق في ظل نمط السياسة الأميركية الراهنة في إفريقيا، والحذر الإريتري من دمج ملف التقارب الثنائي بالتوتر مع إثيوبيا، وضغط تحالفاته مع مصر والسودان.
خاتمة
وفي الختام، مع تكتم أسمرة وواشنطن على مجريات المفاوضات الحالية وملفاتها، فإن ما يمكن استشفافه أن التقارب الحالي قائم على معادلة براغماتية، يتحول فيها موقع إريتريا الإستراتيجي إلى ورقة رابحة يسعى الطرفان لتحقيق أقصى المكاسب منها؛ فواشنطن تشتد حاجتها إلى إريتريا في مواجهة الصين وروسيا والحوثيين وإيران، وأسمرة تدرك ذلك وتسعى للتطبيع بأقل الكلف على سياستها الداخلية والخارجية. وفي غياب إستراتيجية أميركية متسقة وواضحة للبحر الأحمر، وغياب رغبة إريترية جادة للتغيير، تظل الجهود الحالية فاتحة قد تتحول إلى علاقة براغماتية جديدة بين الطرفين، أو إلى "فرصة ضائعة" جديدة، وفق تعبير أفورقي.
1- كان من اللافت أن الإشارات نحو تغيير إيجابي في عهد بايدن قوبلت بصمت إريتري مطبق، في حين بادرت أسمرة بالتواصل مع ترامب فور فوزه بالانتخابات التي وصفتها رسالة تهنئة بعثها الرئيس الإريتري، أسياس أفورقي، بأنها "عودة تاريخية". انظر حساب وزير الإعلام الإريتري، يماني غبريمسكل، على منصة إكس:
https://n9.cl/v6iadu
2- هي وثيقة إستراتيجية مدتها 4 سنوات، تُصاغ بتعاون بين السفارة الأميركية في البلد المعني ووزارة الخارجية في واشنطن، وتهدف إلى تحديد الأولويات السياسية والأمنية والاقتصادية التي تسعى أميركا لتحقيقها في هذا البلد، بجانب ضمان التنسيق بين المؤسسات الأميركية كالخارجية، والدفاع، والإغاثة، وعملها جميعًا وفق خطة موحدة.
3- مما يؤكد دور تداعيات الحرب على غزة في التوجهات الأميركية الجديدة أن وثيقة الإستراتيجية الخاصة بالقطر الأمريكي تضع خطة مدتها 4 سنوات يتم تجديدها عقب ذلك، في حين أن وثيقة عام 2023 صدرت بعد قرابة عام ونصف العام من سابقتها وشملت تغييرات لافتة جدًّا كما هو موضح في الأعلى.
4- United State Department of State, Integrated Country Strategy Eritrea, 17 November 2023, p. 3.
5- United State Department of State, Integrated Country Strategy Eritrea, 5 May 2022, p. 3.
6- المصدر السابق.
7- عبد القادر محمد علي، ما تخفيه الرسائل المتبادلة بين ترامب وأفورقي، الجزيرة نت، 10 أغسطس/آب 2025، (تاريخ الدخول: 30 أبريل/نيسان 2026)، https://n9.cl/bvfb9
8- في تقديرنا، إن العامل الشخصي مهم جدًّا لفهم العلاقة بين الطرفين ولاسيما عند النظر إلى أن ترامب سياسي من خارج المؤسسة السياسية التقليدية وبالتالي وفق المنظور الإريتري هو متحرر من إرث السياسة الأميركية في التعاطي مع إريتريا من جهة، كما أن النزعة الشخصية الطاغية على سياساته من جهة أخرى تجعل القدرة على التفاهم معه على "صفقةٍ" ما أيسرَ من غيره من السياسيين الأميركيين التقليديين.
9- Roylance, Tyler, As Global Democracy Declines, Trump Embraces Dictators, Freedom House, 18 January 2018, (Accessed: 4 May 4, 2026), https://n9.cl/xa72o
10- BBC, Trump threatens to pull US out of World Trade Organization, 31 August 2018, (Accessed: 4 May 2026), https://n9.cl/sl3mq
11- Ministry of Information Eritrea, President Donald Trump sends message to President Isaias Afwerki, 1 August 2025, (Accessed: 4 May 2026), https://n9.cl/15hfu
12- Sharma, Madhur, Explained: Why Have US And UK Struck Houthis In Yemen, How Iran's Proxies Pushed Middle East To Brink Of War?, 3 Outlook, 18 January 2024, (Accessed: 30 April 2026), https://n9.cl/ydld0
13- المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الضربات الجوية الأميركية على الحوثيين: الخلفيات والحسابات والهواجس، 27 مارس/آذار 2025 (تاريخ الدخول: 30 أبريل/نيسان 2026)، https://n9.cl/g6zvc
14- SEAL of the President of the United States, National Security Strategy of the United States of America , November 2025, p. 28.
15- United States Department of State, Integrated Country Strategy Eritrea, 5 May .2022
16- شينخوا، (منتدى الحزام والطريق 2023) مقابلة: خبير: تعاون إريتريا في إطار مبادرة الحزام والطريق مع الصين أمر بالغ الأهمية للتنمية المستقبلية، 22 أكتوبر/تشرين الأول 2023، (تاريخ الدخول: 30 أبريل/نيسان 2026)، https://n9.cl/t7l1g
17- محمد علي، عبد القادر، خلفيات رفض إريتريا إدانة الغزو الروسي لأوكرانيا، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 30 مارس/آذار 2022، 2021 (تاريخ الدخول: 30 أبريل/نيسان 2026)، https://n9.cl/ijze6i
18- محمد علي، عبد القادر، تأثير العقوبات الأميركية على إريتريا في مسارات الصراع في إثيوبيا، مركز دراسات الشرق الأوسط (أورسام)، 30 ديسمبر/كانون الأول 2021 (تاريخ الدخول: 30 أبريل/نيسان 2026)، https://n9.cl/8wjnw
19- محمد علي، عبد القادر، الولايات المتحدة وإريتريا.. من صناعة الدولة المنبوذة إلى سياسة الاحتواء، الجزيرة نت، 27 يناير/كانون الثاني 2024 (تاريخ الدخول: 30 أبريل/نيسان 2026)، https://n9.cl/egsc7s
20- قناة الجزيرة، مقابلة خاصة مع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية، يوتيوب، 19 سبتمبر/أيلول 2025 (تاريخ الدخول: 6 مايو/أيار 2026)، https://n9.cl/i3ib9
21- BBC, Trump says he deserves Nobel Peace Prize not Abiy Ahmed, 10 January 2020, (Accessed: 6 May 2026), https://n9.cl/sg0jt
22- SEAL of the President of the United States, National Security Strategy of the United States of America , November 2025, p. 28.
23- Todman, Will, The Houthi Threat: Is Trump Underestimating One of Iran’s Key Remaining Cards?, Center For Strategic International Studies, 2 April 2026, (Accessed: 3 May 2026), https://n9.cl/tc1to
24- محمد علي، عبد القادر، عسكرة القوى الكبرى لمصالحها في القرن الإفريقي في فجر الحرب الباردة الثانية، مركز الجزيرة للدراسات، 24 أغسطس/آب 2022 (تاريخ الدخول: 3 مايو/أيار 2026)، https://n9.cl/jfyfpg
25- The White House, Remarks by National Security Advisor Ambassador John R. Bolton on The Trump Administration’s New Africa Strategy, 13 December 2018, (Accessed: 5 May 3, 2026), https://n9.cl/tm7ehw
26- مصدر سابق.
27- محمد علي، عبد القادر، بين الأمهرا والتيغراي: إريتريا وإدارة تحالفاتها مع خصمين متصارعين في إثيوبيا، مركز الجزيرة للدراسات، 10 سبتمبر/أيلول 2025 (تاريخ الدخول: 5 مايو/أيار 2026)، https://n9.cl/vr8unz
28- United State Department of State, Integrated Country Strategy Eritrea, 5 May 2022, p. 13.
29- Ministry of Information Eritrea, Mischaracterizations Surrounding Prospects for Eritrea–United States Rapprochement, 29 April 2026, (Accessed: 4 May 2026), https://n9.cl/yur66z