مسارات حصر السلاح في العراق: التحديات والتوقعات المحتملة

تتناول هذه الورقة جهود الحكومة العراقية الجديدة رئاسة علي الزيدي لنزع سلاح الفصال المسلحة التي تضع نفسها ضمن ما يسمى (محور المقاومة)، والتحديات التي ترافقها.
فصيلان كبيران على الأقل رفضا تسليم السلاح والاندمادج مع الدولة (الوكالات)

تتناول هذه الورقة إشكالية حصر أسلحة الفصائل المسلحة بيد الدولة في العراق بوصفها أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا في المشهد السياسي والأمني الراهن. وتنبع أهمية هذا الموضوع من كونه لا يقتصر على بعده الأمني المباشر بل يمتد إلى طبيعة الدولة العراقية ذاتها، من حيث قدرتها على احتكار أدوات القوة وترسيخ سلطة القانون، وإعادة تنظيم العلاقة بين المؤسسات الرسمية والتشكيلات المسلحة التي نشأت وتوسعت في ظل ظروف استثنائية. وقد أسهم هذا المسار، منذ عام 2003 ولا سيما بعد عام 2014، في تكريس واقع تتداخل فيه البنية الرسمية مع قوى مسلحة تمتلك حضورًا ميدانيًّا ونفوذًا سياسيًّا متفاوتًا؛ الأمر الذي جعل من مسألة الحصر أو الضبط أو الدمج قضية تتصل بالسيادة وبحدود سلطة الدولة وبإمكانات إعادة بناء مؤسساتها الأمنية على أسس أكثر انضباطًا. كما أن هذا الملف لا ينفصل عن البيئة الإقليمية والدولية المحيطة؛ حيث تتقاطع فيه الحسابات الداخلية مع ضغوط ومصالح خارجية متعددة، بما يجعل أي مقاربة جادة له رهينة توازنات دقيقة وكلفة سياسية وأمنية عالية.

الإطار المفاهيمي

تمثل مسألة حصر السلاح في العراق حجر الزاوية في استعادة سيادة القانون وإعادة صياغة العقد الاجتماعي الممزق إثر موجات من الصراعات ذات الطابع السياسي أو الصبغة الطائفية. ولا يقتصر هذا المفهوم على كونه إجراء أمنيًّا بل يتجاوزه ليكون الضامن الأساسي لاستقلالية الإرادة الوطنية والقرار السياسي والأمني. إن وجود مظاهر مسلحة خارج قرار القيادة العامة للقوات المسلحة يفرض سطوة خفية على دوائر صنع القرار، ويحيل التنافس السياسي إلى سباق تسلح يجعل مجمل القرارات السياسية وحتى تشريعات مجلس النواب رهينة توازنات القوة الميدانية المسلحة ذات النفوذ.

على الصعيد الميداني، يُعد توحيد مصادر القرار العسكري خطوة لازمة لمنع الانزلاق نحو الاقتتال الداخلي بين القوات الأمنية والفصائل المسلحة. كما أن وحدة ومركزية القرار الأمني والعسكري من شأنها تقويض البيئة الحاضنة للجماعات المسلحة الموصوفة بالخارجة عن القانون أو بالجماعات المنفلتة التي طالما استظلت بالأسماء الفصائلية لتمرير نشاطات مخالفة للدستور العراقي وتتعارض مع سيادة واستقلالية القرار الأمني والعسكري العراقي. ومع حلول منتصف العام 2026 بات من الجلي أن طموحات التنمية الاقتصادية وجذب رؤوس الأموال وتأمين المسارات التجارية الكبرى (مشروع طريق التنمية)، هي أهداف غير قابلة للتحقيق ما لم تُحسم مسألة نزع الأسلحة خارج المؤسستين، الأمنية والعسكرية، وأن تتحول الدولة إلى المحتكر الوحيد لأدوات الردع والقوة. كما أن حاجة العراق للدعم الأميركي متعدد الجوانب رهن التزام حكومة الزيدي بنزع أسلحة الفصائل وإبعاد قادتها عن المناصب الوزارية.

خريطة الفاعلين

تنامت ظاهرة الفصائل المسلحة استجابةً لتلافي تداعيات الانهيارات الأمنية المتتالية التي تزامنت مع أحداث الموصل، في يونيو/حزيران 2014، وسيطرة تنظيم الدولة على مناطق واسعة من غرب وشمال غربي العراق. ومع الوقت، تطورت قدراتها لتتجاوز التسليح التقليدي، وصولًا إلى امتلاك منظومات توجيه دقيقة وطائرات مسيَّرة وصواريخ متوسطة وبعيدة المدى وشبكات رصد متطورة وترسانة ضخمة من الأسلحة والمعدات القتالية والذخائر ومعامل تصنيعها، وقدرات مالية ضخمة ونفوذ واضح في معظم مؤسسات الدولة العراقية بما فيها القضاء. غير أن المعضلة الأكبر تكمن في التقاطع المعقد بين هيئة الحشد الشعبي بوصفها مؤسسة تابعة للدولة والتشكيلات الفصائلية ذات الاستقلال التنظيمي والولاءات الخارجية والمشاريع العابرة للحدود.

يفرز هذا التداخل حالة من الازدواجية الوظيفية للمنتسب، فهو من جهة يتلقى تخصيصاته المالية وتسليحه من ميزانية الدولة وتحت غطاء قانوني بتشريعات أقرَّها مجلس النواب(1)، ومن جهة أخرى يدين بالولاء العقائدي والتنظيمي لقيادة فصيله الخاص التي قد تُصدر أوامر تتعارض مع المصلحة العليا للدولة. هذا التشابك يجعل من الصعوبة بمكان على متخذ القرار الحكومي فصل موارد الدولة عن الموارد المستخدمة في نشاطات لا تقرها القيادة العامة للقوات المسلحة؛ مما يضع الحكومة العراقية في مواقف شديدة الحرج أمام المحافل الدولية، خاصة أمام الولايات المتحدة التي ألزمت حكومة الزيدي بنزع أسلحة الفصائل وعدم إسناد حقائب وزارية أو مناصب حكومية رفيعة إلى شخصيات مرتبطة بتلك الفصائل(2).

كما أن حكومة الزيدي في أولى فقرات المنهاج الوزاري في المحور الأول "محور السيادة"، ألزمت نفسها بحصر السلاح بيد الدولة وإنفاذ سلطة القانون وتعزيز قدرات الأجهزة الأمنية، وتطوير إمكانات الحشد الشعبي بما يعزز قدراته القتالية، وتوحيد القرار الأمني وربط جميع الموارد والقدرات بمنظومة الدولة الرسمية(3).  

المقاربة الحكومية ونضوج فكرة الاحتواء

لجأت المؤسسات المعنية بإدارة الملف الأمني إلى تغيير أدواتها في التعامل مع مسألة حصر السلاح بيد الدولة، متخلية عن لغة الإنذارات والإلزام المعلن لصالح مقاربة تعتمد على التفكيك التدريجي. في هذا السياق، جاء اختيار شخصية مثل رجل الأعمال "علي الزيدي" المالك لمصرف الجنوب الإسلامي للاستثمار والتمويل من خارج الإطار التنسيقي الذي يمثِّل الكتلة النيابية الأكثر عددًا المؤهَّلة لتسمية رئيس الوزراء مؤشرًا على إدراك الإطار التنسيقي جدية الولايات المتحدة في حصر السلاح بيد الدولة ورغبة منه بعدم الصدام مع واشنطن.

في الوقت الذي برز فيه ملف حصر السلاح بيد الدولة أولويةً في برنامج حكومة رئيس الوزراء، علي الزيدي، أعلنت فصائل بارزة مثل سرايا السلام (التابعة للتيار الصدري) وعصائب أهل الحق بقيادة قيس الخزعلي الممثلة بكتلة "الصادقون" في مجلس النواب العراقي، وكتائب الإمام علي بقيادة شبل الزيدي، وفصائل أخرى أقل نفوذًا، فَكَّ ارتباطها بهيئة الحشد الشعبي وبدء إجراءات جرد وتسليم السلاح والاندماج في المؤسسات الأمنية، مقابل رفض فصائل أخرى أبرزها كتائب حزب الله العراق وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء وفصائل أخرى غير معروفة على نطاق واسع مثل أنصار الله الأوفياء وسرايا أولياء الدم وغيرهما من الفصائل التي يُنظر إليها على أنها واجهات لفصائل كبيرة أو أنها جزء من فصائل محور المقاومة ومرتبطة بقيادة المحور (إيران) وتتلقى أوامرها منها فقط.

وتلتزم حكومة الزيدي بسقف زمني لإنهاء ملف نزع أسلحة الفصائل الخارجة عن القانون بحلول نهاية سبتمبر/أيلول 2026، وهو ذات التوقيت المعلن للإنهاء الرسمي للمهمة العسكرية للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في العراق.

وأفرزت المواقف الأخيرة من خطة نزع السلاح انقسامًا واضحًا في صفوف الجماعات المسلحة، يمكن تتبعه عبر ثلاثة مسارات رئيسية:

مسار الموافقة والاندماج

يضم هذا المسار الفصائل المرتبطة بالمرجعية الدينية (حشد العتبات)، والتي تلتزم بتوجيهات الدولة وتتبع مرجعية المرجع الشيعي، علي السيستاني، ومراجع شيعية محلية أخرى، إلى جانب فصائل كبرى أدركت أهمية التحول المدني للحفاظ على مكاسبها السياسة والاقتصادية. وتَجَسَّد هذا المسار بوضوح تام في المبادرة التي أطلقها شبل الزيدي، أمين عام كتائب الإمام علي، في يونيو/حزيران 2026، حين صرَّح بضرورة تحمُّل القوى المنبثقة عن الحشد "مسؤولية أخلاقية ووطنية لتحسين الأوضاع الأمنية والخدمية"، مشدِّدًا على ضرورة المباشرة بإجراءات حصر السلاح بيد الدولة "تماشيًا مع الرغبة الوطنية وقرار الإخوة في الإطار التنسيقي"(4). وقد حظي هذا الموقف بدعم رئاسي وحكومي مباشر، كما تزامن مع توجهات داعمة من فصيل "عصائب أهل الحق"؛ حيث أكَّد أمينه العام، قيس الخزعلي، على أهمية دعم مساعي الحكومة لفرض سيادة القانون، مشيرًا إلى أن "الاستقرار الداخلي بات أولوية قصوى لا تحتمل التأجيل"(5)، وهو ما يعكس رغبة حقيقية في حماية الوجود في المشهدين، التشريعي والتنفيذي.

مسار المناورة والازدواجية

تمثله الفصائل التي تحاول الموازنة بين ضغوط الدولة والحفاظ على مواقفها الرافضة. أبرز هذه الفصائل "كتائب سيد الشهداء" التي تتعاطى بحذر شديد مع هذا الملف. فقد أدلى متحدثون باسمها بتصريحات مرنة تفيد بأن الدعوات لحصر السلاح "تؤكد واقعًا قائمًا"، في حين يحافظ أمينها العام، أبو آلاء الولائي، على خطاب "متشدد" موجَّه لجمهوره العقائدي، مؤكدًا في تصريحات متتالية على أن "نهج المقاومة باقٍ ولا يمكن التنصل منه"، مع التلويح المستمر باستهداف المصالح الأجنبية في حال اندلاع مواجهات كبرى؛ مما يُبقي هذه الكتائب في مساحة رمادية تتيح لها التحرك وفق المتغيرات.

مسار الرفض القاطع

يتزعم هذا الاتجاه فصيلا حركة النجباء وكتائب حزب الله؛ حيث يرفضان بشدة إخضاع مقدراتهما التسليحية لأوامر حكومة الزيدي، ويَعُدَّان ذلك تفريطًا بحق الدفاع المكتسب. وعدَّت حركة النجباء موقفها ثابتًا ولن يتغير بخصوص رفض تسليم السلاح لأنه "سلاح المقاومة" وهو "خط أحمر"(6) غير خاضع للتسويات والمساومات السياسية. وبنفس الحدة، واصلت القيادات الميدانية في كتائب حزب الله إصدار المواقف المؤكِّدة على استقلالية قرارها العسكري، محذرة من أن أي محاولة للمساس بترسانتها تصب في خانة "التآمر وخدمة المصالح الأجنبية". كما أن الاتجاه العام للفصائل الرافضة يدور حول رفض التخلي عن سلاحها ما دامت القوات الأجنبية موجودة في شمال العراق، بما فيها القوات التي جاءت بدعوة من الحكومة العراقية ضمن إطار التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن لمحاربة تنظيم الدولة، والذي من المقرر أن تنتهي مهمته في سبتمبر/أيلول المقبل.

المواقف السياسية للقوى الداخلية

لا يمكن فصل الموقف الأمني عن الإجماع السياسي الداخلي الضاغط. فالقوى الممثلة للمحافظات المحرَّرة والمتمثلة بالقيادات السُّنِّية، تشترط دومًا إنهاء المظاهر المسلحة(7) وتطبيق بنود الاتفاق السياسي مدخلًا لعودة النازحين ومنع التغييرات في التركيبة السكانية، وترى في السلاح عائقًا أمام التنمية الحقيقية لمدنها. كذلك، تتطابق رؤية القوى الكردية خاصة الحزب الديمقراطي الكردستاني مع هذا التوجه؛ إذ عبَّرت حكومة الإقليم مرارًا، لاسيما بعد حوادث استهداف مقارِّها بصواريخ وطائرات مسيَّرة، عن استحالة التعايش مع قوى موازية لا تخضع لسلطة القانون المركزي وتتخذ من القوة وسيلة للابتزاز المالي والسياسي(8).  

ولا يغيب عن هذا الإجماع تيار واسع من القوى المدنية والشعبية التي تجد في نزع أسلحة هذه الفصائل مطلبًا أساسيًّا لتأمين بيئة آمنة تضمن حرية التعبير والممارسة الديمقراطية. وبغضِّ النظر عن مواقف القبول أو الرفض لقرارات حصر السلاح بيد الدول، فإن الحكومة العراقية لم تعلن بعد عن أية إجراءات تنفيذية لجمع أسلحة الفصائل التي وافقت على تسليمها، كما أن بغداد لم تقدم أي إطار زمني للانتهاء من هذه المهمة مع اقتراب الموعد النهائي في نهاية سبتمبر/أيلول المقبل.

الموقف الإقليمي والدولي

لا يمكن فهم مسار حصر السلاح بيد الدولة في العراق بمعزل عن تأثير العاملين الإقليمي والدولي، وفي مقدمتهما الولايات المتحدة وإيران. فواشنطن تنظر إلى هذا الملف بوصفه جزءًا من إعادة تنظيم البيئة الأمنية العراقية، وتقليص نفوذ التشكيلات المسلحة الخارجة عن السيطرة المؤسسية، بما فيها المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، بما ينسجم مع مقاربتها الأوسع تجاه الاستقرار وحماية مصالحها في العراق. وفي المقابل، تمثل إيران طرفًا مؤثرًا في هذا المشهد، بالنظر إلى علاقاتها الممتدة مع عدد من الفصائل العراقية، وقدرتها على التأثير في توازنات القوة داخل البلاد. ويجعل هذا التداخل بين الضغوط الأميركية والاعتبارات الإيرانية أي خطوة نحو حصر السلاح بيد الدولة كليًّا عملية معقدة تخضع لحسابات سياسية وأمنية. لذلك، فإن مستقبل هذا الملف سيظل مرهونًا بمدى قدرة الحكومة العراقية على إدارة التوازن بين هذين العاملين، من دون دفع المشهد نحو تصعيد أو انقسام أوسع.

الولايات المتحدة وإيران

وسط هذا الجدل الداخلي، يبرز موقفا كلٍّ من الولايات المتحدة وإيران متغيريْن مؤثريْن في العملية التي أعلنتها الحكومة. من جانبها، تمارس الولايات المتحدة ضغطًا واضحًا وتستخدم أوراق الدعم الاقتصادي، وإعفاءات شراء الطاقة، وحماية النظام المالي، أدواتٍ لدفع صانع القرار العراقي نحو تحجيم الجماعات المهدِّدة للبعثات ولحلفاء واشنطن. وهي لا ترتضي بالحلول الشكلية بل تسعى لتفكيك المنظومات الهجومية للفصائل التي تُدرجها ضمن القوائم المحظورة؛ حيث ترى أن "حصر السلاح بيد الدولة ونزع سلاح الميليشيات يمثلان أساس أي مرحلة جديدة في العلاقات بين بغداد وواشنطن"(9)، وتفرض على حكومة الزيدي القبول بمعادلة الدعم مقابل نزع سلاح الفصائل ومكافحة الفساد الذي يصب معظمه لتعزيز قدرات هذه الفصائل والحرس الثوري الإيراني.

أما إيران، فهي تنكر خضوع ما يسمى (الفصائل الولائية) لقراراتها، لكنها تَعُدُّها جزءًا من (محور المقاومة) في المنطقة، وفي الوقت ذاته تعلن عن دعمها للدولة العراقية، وترى أنها بدورها حليف إقليمي لإيران، لاسيما أن قوى سياسية أساسية في الحكومة العراقية على علاقة تاريخية مع إيران، وبعضها نشأ هناك، ومن بين أبرزها: منظمة بدر وعصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي وكتائب حزب الله وغيرها، وهذه وسواها من الفصائل والقوى السياسية لها روابط عقائدية مع إيران.

وترى طهران -عبر سفيرها في بغداد ومسؤوليها- أن ملف حصر السلاح هو "شأن داخلي عراقي"، وأنها تحترم أي قرار تتخذه الحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي. لكن تقارير تشير إلى أن الحرس الثوري الإيراني يعمل على أن تقوم طهران "بكل ما في وسعها" لمنع تسليم السلاح إلى الدولة العراقية؛ إذ إن هذا السلاح -وفق رؤية الحرس الثوري- "ليس سلاح الفصائل، وليس من حقها تسليمه"(10). كما أن إيران تعمل على تشكيل "خلايا سرية" جديدة في العراق ضمن ما يُعرف بـ"المقاومة الإسلامية في العراق" لتنفيذ هجمات على دول خليجية تستضيف قوات أميركية، متجاوزةً شبكاتِ الجماعات المسلحة القائمة لتجنُّب كشفها(11).

إن نجاح مساعي الاستيعاب للفصائل الموافقة، وتحول شخصيات قيادية مثل شبل الزيدي نحو دعم مؤسسات الدولة، قد تسهم في نزع بعض الغطاء الشرعي والشعبي عن الفصائل الرافضة؛ مما يسهِّل على الأجهزة الحكومية تجفيف مصادر تمويلها المباشرة وغير المباشرة. كما أن هذا الاصطفاف إلى جانب مؤسسات الدولة يتيح الوصول إلى مخازن الأسلحة وتقييد حركة الثقيلة منها.

في المقابل، تكمن خطورة الفصائل الرافضة مهما صَغُرَ حجمها قياسًا بتأثيرها، فهي لا تحتاج للمئات أو الآلاف، بل يكفيها اللجوء لتنفيذ عمليات مثل إطلاق طائرات مسيرة مجهولة الهوية لزعزعة الثقة بالبيئة الاستثمارية التي يطمح لها العراق وخلق حالة من عدم الاستقرار الأمني. كما أن بقاء هذه المجموعات المسلحة يشكِّل إحراجًا للفصائل التي وافقت على الاندماج؛ إذ قد تبدو الأخيرة وكأنها تنازلت عن مصادر قوتها لصالح خصوم لا يزالون يمتلكون قدرة الردع وفرض الإرادات، إلى جانب التخلي عن الشعارات التي تتمحور حول "طرد" القوات الأجنبية من العراق بالكامل، ودعم محور المقاومة في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.

الخيارات المتاحة لتنفيذ القرار

يطرح المشهد العام بديلين أساسيين للتعامل مع الفصائل التي ترفض تنفيذ قرارات الحكومة العراقية، وهما:

  • المواجهة المفتوحة

يُعد خيار اللجوء إلى القوة لنزع سلاح الرافضين خيارًا غير محسوب العواقب، فالاشتباك المسلح داخل أحياء سكنية وفي الشوارع مع مجموعات تمتلك دراية دقيقة بحرب المدن، سيؤدي بلا شك إلى دمار واسع وانهيار للخدمات، واحتمالية تفكك المؤسسات العسكرية النظامية بسبب الروابط المجتمعية بين المقاتلين وتباين الولاء لديهم بين الولاء للمؤسسة العسكرية أو الولاء للفصيل. كما أنه قد لا توجد قوة عسكرية مؤهلة نفسيًّا وعسكريًّا للدخول في قتال بيني ضمن نفس المنظومة الاجتماعية والعقائدية للمقاتلين سواء من مقاتلي المؤسسات الأمنية والعسكرية أو من مقاتلي الفصائل.

  • مسار التفكيك

وهو المسار الذي يمكن أن تعمل عليه حكومة الزيدي؛ حيث يعتمد على إحكام السيطرة على المنافذ وتقييد التحويلات، وحرمان الفصائل الرافضة من الوصول إلى مقدرات العقود والمشاريع. لكن هذا ليس واضحًا حتى الآن باستثناء ما يمكن أن يتعرض له بعض المتنفذين من الفصائل أو الداعمين لها من مصادرة أموال أو اعتقال ضمن حملة مكافحة الفساد المالي التي تعمل عليها حكومة الزيدي بمباركة الولايات المتحدة. ومقابل ذلك، يمكن فتح أبواب مؤسسات الدولة لاستيعاب المقاتلين الأفراد، ودمجهم في أجهزة الشرطة وحرس الحدود وتشكيلات وزارة الدفاع أو الدوائر الحكومية المدنية أو إحالة آخرين منهم على التقاعد؛ مما يؤدي بالتالي إلى تآكل تدريجي في القدرات البشرية للفصائل.

استنتاجات وتوقعات

يبدو أن المسار الواقعي الأقرب في المرحلة المقبلة هو الاستيعاب التدريجي لا الحسم السريع، أي العمل على تقليص قدرات بعض الفصائل وإدماجها أو تنظيم ارتباطها ضمن إطار مؤسساتي أمني أو عسكري مع الإبقاء على هامش تفاهمات سياسية يجنِّب البلاد اقتتالًا محتملًا. كما يُرجَّح أن تستمر حالة التباين بين الفصائل نفسها، بين من يقبل بخطوات تنظيمية أو سياسية، ومن يفضِّل الإبقاء على وضعه الحالي أو ربط سلاحه باعتبارات مواجهة ما تبقَّى من قوات أجنبية في العراق أو الانخراط في عمليات ضمن إطار ما يُعرف باسم محور المقاومة. وفي المقابل، قد يدفع استمرار الضغوط الخارجية والداخلية نحو مزيد من الإجراءات التدريجية التي تركز على ضبط التمويل وتقييد الحركة وتوحيد المرجعية الأمنية بدلًا من تفكيك شامل. أما السيناريو الأقل احتمالًا فيتمثل في بقاء الملف معلقًا لمرحلةٍ ما بعد انتهاء مهام قوات التحالف الدولي، بما يكرِّس ازدواجية القرار والسلاح ويؤخر أي إصلاح فعلي في بنية الدولة. وعليه، فإن التوقع الأرجح هو أن يشهد العراق مسارًا تدريجيًّا وطويل الأمد لإعادة تنظيم هذه الفصائل لا حلًّا نهائيًّا.

وبناء على المعطيات الميدانية والسياسية القائمة حتى منتصف 2026، تتجه البوصلة العراقية نحو احتمالات الاحتواء التدريجي وانحسار اللادولة. من المستبعد تحقيق نجاح حقيقي بجمع كل قطعة سلاح، إلا أن مسار تحويل الفصائل الميدانية إلى كيانات مدنية أو مؤسسات خاضعة للضبط قد يمضي قدمًا بمسار لا رجعة فيه. لكن ستبقى هناك تهديدات محدودة لا ترقى لمستوى إسقاط النظام أو إحداث فوضى أمنية أو الدخول في اقتتال داخلي.

إن تنامي رغبة معظم الفصائل في العيش ضمن دولة مستقرة بعد تسليمها أسلحتها سيكون من منطلق الحفاظ على النفوذ السياسي والاستثمار في الثروات المالية الهائلة المتحصلة من المكاتب الاقتصادية والسيطرة طويلًا على مصافي نفط ومنافذ حدودية وغيرها من مصادر الثروة.

تدرك قيادات الفصائل، بوجود الضغط الأميركي والمتابعة الحثيثة لملف نزع الأسلحة، أنَّ رفض تسليم الأسلحة سيكون له كُلَف باهظة قد تؤدي إلى تفكيك بعضها باستخدام القوة العسكرية وإضعاف البعض الآخر.

نبذة عن الكاتب

مراجع
  1.  برلمان العراق يقر قانون الحشد الشعبي بغياب السنَّة، الجزيرة نت، 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2016 (تاريخ الدخول: 26 يونيو/حزيران 2026)،

https://tinyurl.com/237rhqbg

  1. واشنطن للزيدي: لا مكان للميليشيات في الحكومة ولو تخلت عن السلاح، ميدل إيست أونلاين، 31 مايو/أيار 2026 (تاريخ الدخول: 26 يونيو/حزيران 2026)،

https://tinyurl.com/28uo4yx8

  1. بغداد اليوم تنشر المنهاج الحكومي لرئيس الوزراء المكلف علي الزيدي، موقع بغداد اليوم، 7 مايو/أيار 2026 (تاريخ الدخول: 27 يونيو/حزيران 2026)،

https://tinyurl.com/29dqkure

  1.  كتائب الإمام علي (ع) تقرر فكَّ الارتباط بتشكيلات الحشد الشعبي والمباشرة بإجراءات حصر السلاح بيد الدولة، وكالة الأنباء العراقية، 2 يونيو/حزيران 2026 (تاريخ الدخول: 27 يونيو/حزيران 2026)،

https://tinyurl.com/29vcwkkn

https://ina.iq/ar/political/264766-.html

  1.  العراق.. فصيل ثانٍ يعلن تسليم السلاح للدولة وفك الارتباط بالحشد الشعبي، العربية، 2 يونيو/حزيران 2026 (تاريخ الدخول: 27 يونيو/حزيران 2026)،

https://tinyurl.com/2bh9yx2b

  1.  النجباء تجدد موقفها الرافض لـ"نزع السلاح": لن يتغير، شفق نيوز، 3 يونيو/حزيران 2026 (تاريخ الدخول: 29 يونيو/حزيران 2026)،

https://tinyurl.com/2xqum6bc

  1. المجلس السياسي الوطني يدعو لإجراءات عاجلة ضد السلاح المنفلت ويطالب بتمثيل متوازن في المؤسسات الأمنية، المكتب الإعلامي للشيخ خميس الخنجر، 23 مارس/آذار 2026 (تاريخ الدخول: 29 يونيو/حزيران 2026)،

https://tinyurl.com/27wpt7v8

  1. ما وضع البشمركة في حراك دمج الفصائل المسلحة في الدولة العراقية؟، الجزيرة نت، 1 يونيو/حزيران 2026 (تاريخ الدخول: 29 يونيو/حزيران 2026)،

https://tinyurl.com/29pf8egk

  1. واشنطن: نزع سلاح الفصائل شرط للشراكة مع بغداد، الحل نت، 23 يونيو/حزيران 2026 (تاريخ الدخول: 29 يونيو/حزيران 2026)،

https://tinyurl.com/23fszvhr

  1.  خاص.. رسالة إيرانية للفصائل العراقية: لا تسلموا السلاح!، موقع قناة الحرة، 10 يونيو/حزيران 2026 (تاريخ الدخول: 29 يونيو/حزيران 2026)،

 https://tinyurl.com/23nc4rsa

  1. الحرس الثوري الإيراني شكَّل خلايا سرية بالعراق لمهاجمة دول بالخليج، رويترز، 19 يونيو/حزيران 2026 (تاريخ الدخول: 29 يونيو/حزيران 2026)،

https://tinyurl.com/23kwnevg