الدولة والحزب والحرب: استعصاء لبناني مديد

بعد سلسلة من اللقاءات، توصل الوفدان اللبناني والإسرائيلي، برعاية واشطن، لاتفاق أولي في شكل إعلان مبادئ، من شأنه أن يرسم مسارًا لمزيد من المفاوضات بين الدولتين. ولكن الانقسام اللبناني حول شكل العلاقة مع إسرائيل، وعدم التزام إسرائيل بتنفيذ الاتفاقات السابقة، وتداخل ملفات المنطقة فيما بينها، تجعل من الصعب حسم أي ملف دون معالجة بقية الملفات الإقليمية.
(صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

كُشف في واشنطن، في 4 يونيو/حزيران 2026، عن إعلان مبادئ إسرائيلي-لبناني. وكان لافتًا، وبغضِّ النظر عن المضمون، أن الإعلان صدر عن وزارة الخارجية الأميركية، الجهة المضيفة والراعية للمفاوضات الإسرائيلية-اللبنانية، وليس عن طرفي التفاوض. وبالرغم من غموض نَصِّ الإعلان في صيغته الأميركية، فالمفترض أنه يمثِّل أكثر قليلًا من اتفاق حول وقف إطلاق النار، وأنه سيقود للقاءات تفاوض مقبلة تنتهي باتفاق أشمل وأدوم.

والحقيقة، أن هذا ليس اتفاق وقف إطلاق النار الأول بين لبنان وإسرائيل منذ اندلعت الحرب متعددة الأبعاد في المشرق، في أكتوبر/تشرين الأول 2023. فقد أُعلن عن بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار الأول، في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، الذي تم التوصل إليه بوساطة من مبعوثي إدارة الرئيس بايدن. وعلى الرغم من أنه كان من المقرر أن يستمر العمل بالاتفاق لستين يومًا، إلا أنه تحول بعد ذلك إلى ما يشبه وقفًا طويلًا لإطلاق النار، رغم الخروقات الإسرائيلية المتكررة.

في 17 أبريل/نيسان، دخل اتفاق وقف النار الثاني بين لبنان وإسرائيل حيز التنفيذ. ولأن هذا الاتفاق كان مشروطًا بتطورات مسار التفاوض السياسي بين الطرفين، فقد أُعلن في نهاية جلسة التفاوض الإسرائيلي-اللبناني الثالثة، في واشنطن (16 مايو/أيار)، عن تقدم ملموس في المفاوضات، وعن تمديد اتفاق وقف إطلاق النار لخمسة وأربعين يومًا، وعن جلسة تفاوض رابعة في أوائل يونيو/حزيران. وهذه الجلسة الرابعة هي التي انتهت بعد يومين من التفاوض عن الاتفاق الأولي، الذي يبدو وكأنه تضمن وقفًا جديدًا لإطلاق النار، ورسم مسارًا لمزيد من المفاوضات حول مجمل العلاقات بين الدولتين.

كانت الدولة اللبنانية هي من قرر الانخراط في مفاوضات مباشرة مع الإسرائيليين. وقد مثَّلها في لقاءات التفاوض حتى الآن وفد قادته في الجولات الثلاث الأولى السفيرة اللبنانية في واشنطن، ندى حمادة، وقاده في الجولة الرابعة السفير سيمون كرم. ولكن مشكلة هذه المفاوضات أن من يخوض الحرب مع إسرائيل هو حزب الله وليس الدولة اللبنانية. وإلى جانب أن الحزب عارض من البداية عقد مفاوضات مباشرة مع الإسرائيليين، فقد سارع إلى إعلان معارضة الاتفاق الأخير ورفض التعامل مع مقتضياته. كما أعلن رئيس البرلمان اللبناني، الذي يُعد حليفًا للحزب، عن معارضته للاتفاق، بالرغم من أنه صاغ موقفه بصورة أكثر تعقيدًا، فاشترط وقف إطلاق النار أولًا وأن يكون الانسحاب متوازيًا. في المقابل، رحَّب رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة بالاتفاق، ووجَّها انتقادات لاذعة للحزب.

فلماذا لم يكن من الممكن أن يأتي الاتفاق بغير ما جاء به؟ ولماذا تسبب بكل هذا الانقسام اللبناني الداخلي؟ وما الذي يعنيه هذا الانقسام لمستقبل لبنان السياسي وعلاقات طوائفه، ولوضع لبنان في خارطة الصراع المحتدم على مستقبل المشرق؟

 

اتفاق من طرف واحد؟!

لأن الاتفاق وُضع في صورة بيان أميركي مقتضب، وليس في صيغة واضحة وتفصيلية لوثيقة موقَّعة من طرفي التفاوض، فليس من الممكن الجزم بأن ما أُعلن يتضمن كل ما جرى الاتفاق عليه فعلًا. ولكن، حتى في صيغته الأميركية المعلنة بدا، في عمومه، كأنه مجموعة من الإملاءات من طرف واحد، رغم ما تضمنه من إشارات مقتضبة لبعض مطالب الدولة اللبنانية في السيادة واحترام الحدود المعترف بها دوليًّا.

نَصَّ البيان الأميركي على أن الأطراف (بمعنى أميركا وإسرائيل ولبنان) اتفقت بعد يومين من المفاوضات المباشرة على تنفيذ وقفٍ لإطلاق النار، وعلى إخلاء جميع عناصر حزب الله من جنوب الليطاني، وإنشاء مناطق تجريبية (pilot zones)، يسيطر عليها الجيش اللبناني. قال البيان: إن الأطراف اتفقت على انفصال المسار اللبناني عن المسار الإيراني؛ وأشار إلى أن وفدي إسرائيل ولبنان أكَّدا أنه "ليست لديهما أية نوايا عدوانية تجاه بعضهما البعض". يعتمد وقف إطلاق النار، طبقًا للبيان الأميركي، على الوقف الكامل لنيران حزب الله، وإخلاء جميع عناصره من منطقة جنوب الليطاني. وانتهى البيان بالكشف عن أن الأطراف رأت "أن من شأن هذه الخطوات أن تمهد الطريق نحو التقدم باتجاه اتفاق شامل للسلام والأمن".

لم يتحدث البيان عن وقف متزامن للنار من الطرفين، وفُهِم أن ما يعنيه وقف النار فيما يتعلق بالطرف الإسرائيلي الامتناع عن استهداف العاصمة، بيروت. وفي حين تجنَّب البيان الإشارة إلى انسحاب كامل من المناطق التي يحتلها الجيش الإسرائيلي في الجنوب اللبناني، أو إلى عودة مئات آلاف النازحين اللبنانيين إلى بلداتهم وقراهم، أو بدء إعادة الإعمار، فقد اقتصر على الوعد بالتحرك نحو مناطق تجريبية تنتقل إلى سيطرة الجيش اللبناني، بدون أن يطرح جدولًا زمنيًّا أو تحديدًا لهذه المناطق. وبالنظر إلى أن الآلاف من عناصر حزب الله هم أصلًا من أبناء الجنوب، فمن الصعب تصور التفسير الإسرائيلي للنصِّ على إخلاء جميع عناصر الحزب من جنوب الليطاني، حتى إن أُخليت قوى الحزب المسلحة من الجنوب.

صدر رد الفعل الأول على الاتفاق عن نعيم قاسم، الأمين العام لحزب الله، وعن وزير الدفاع الإسرائيلي، كاتس. وصف قاسم المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل بـ "المهزلة والإهانة"، وأشار إلى أن الحزب لم يعط التزامات لأحد بعدم الرد على هجمات إسرائيل، ورَفَضَ وقفًا لإطلاق النار لا يشمل الجنوب. وقال قاسم: إن "إعلان واشنطن هو خارطة طريق لإبادة قسم من الشعب اللبناني واستعباد الآخر"، وختم بالإشارة إلى أن الحزب معني فقط "بوقف العدوان الشامل، بوقف إطلاق النار، وانسحاب إسرائيل". أما كاتس فقال بوضوح: إن الاتفاق لا يضع أية قيود على تحركات الجيش الإسرائيلي في الحزام الأمني، الذي يغطي في الحقيقة معظم المنطقة جنوبي الليطاني.

تأخر تعليق السيد نبيه بري، رئيس البرلمان اللبناني، حليف الحزب، ومَنْ مَثَّلَه في المباحثات غير المباشرة قبل التوصل إلى اتفاق نوفمبر/تشرين الثاني 2024، على الاتفاق قليلًا، مما أطلق سلسلة من التكهنات حول تباعد بين بري وحزب الله. ولكن بيان بري حول الاتفاق جاء في جوهره مماثلًا لتصريحات نعيم قاسم. وصف بري الاتفاق بأنه اتفاق "هجين"، معتبرًا أن بدايته كانت تسمح بقراءة إيجابية لو أنه نَصَّ بصورة واضحة على وقف إطلاق نار متزامن. كما رأى بري أن بند الانسحاب كان يمكن التعامل معه بإيجابية لو أنه نصَّ على الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة. وانتهى بري إلى الإشارة إلى أنه يوافق على أمرين فقط: أولهما: أن يكون وقف إطلاق النار كاملًا وشاملًا ومن دون قيد أو شرط؛ وثانيهما: انسحاب حزب الله من جنوب الليطاني بالتوازي مع انسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي احتلتها.

في البداية، لم يتناول رأسا الدولة اللبنانية، جوزاف عون ونواف سلام، بنود الاتفاق بصورة مباشرة، ولكنهما حدَّدا موقفيهما في لغة واضحة، كاشفين بذلك عن خيارهما لمستقبل الدولة ومستقبل البلاد. وفي مقابلة مع سي أن أن، قال عون: إن الشعب اللبناني سئم الحرب، ووجَّه انتقادات مباشرة لإيران، التي حمَّلها مسؤولية إلقاء أعباء الصراع في المنطقة على كاهل اللبنانيين، الذين لم يكن من المفترض أصلًا أن يكونوا طرفًا في هذا الصراع. وأشار إلى أن الإيرانيين لا يحاولون مساعدة لبنان، وأن المفاوضات التي أفضت إلى اتفاق 4 يونيو/حزيران كانت صعبة ومعقدة، إلا أنها انتهت إلى تحقيق "اختراق إيجابي كبير". وقال: إن "إيران تستغل لبنان ورقة ضغط في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة". وفي إشارة إلى رفض حزب الله للاتفاق، أكد عون أن "الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم لا يمثل الشعب اللبناني". ولكن، مع اتساع الجدل بشأن الاتفاق، عاد الرئيس عون ليؤكد، في تصريح يوم الثلاثاء، 9 يونيو/حزيران، بعد لقائه مع السفير الأميركي، أن هدف المفاوضات الجارية وقف إطلاق النار وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، أما السلام فلا يكون إلا ضمن المبادرة العربية.

أما رئيس الحكومة، نواف سلام، فكان أكثر مباشرة وصراحة. قال سلام، خلال مؤتمر النداء الإنساني الذي عُقِد في السراي الحكومي: إن الحكومة اللبنانية اختارت مسار التفاوض باعتباره الأقل كلفة على لبنان وشعبه. وفي محاولة للتمييز بين حزب الله وأهالي الجنوب اللبناني، أشار سلام إلى أن سكان الجنوب يدفعون ثمن قرار لم يتخذوه، وحرب ليست حربهم. وأوضح سلام، في تنويه إلى الاتفاق، أن الحكومة اللبنانية تمكنت بمساعدة الدول العربية والتفهم الأميركي من التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، مشيرًا إلى أن اللبنانيين فوجئوا برفض الحرس الثوري الإيراني لهذا الاتفاق، أي قبل أن يعلن الحزب رفضه. وانتهى سلام إلى التأكيد على أن "لبنان ليس طرفًا في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران"، وعلى فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني.

لا يبدو أن الاتفاق يحظى بتأييد واسع في أوساط الرأي العام اللبناني، وحتى الأصوات الإعلامية والشخصيات السياسية، التي عُرفت بمعارضة حزب الله، والمناداة بسيادة الدولة اللبنانية، وجدت صعوبة في تقبل الاتفاق، وبدت خجلة من ضعف الموقف اللبناني الرسمي. وبالرغم من تأكيدات المسؤولين اللبنانيين على الدعم الذي قدمته الدول العربية، سيما الخليجية منها، وضغطها على إدارة ترامب لمصلحة لبنان، لم يجد الاتفاق ترحيبًا خليجيًّا ملموسًا. فلماذا جاء الاتفاق بهذه الصورة؟

 

مفاوضات دون أوراق قوة

ليس ثمة شك في أن حزب الله اتخذ قرار الانخراط في حرب مساندة قطاع غزة، في أكتوبر/تشرين الأول 2023، والعودة إلى الحرب من جديد بعد اغتيال المرشد الإيراني، في 28 فبراير/شباط 2026، بصورة فردية، وبمعزل عن موقف الدولة اللبنانية وحكومتها، بالرغم من وجود ممثلين للحزب في كافة الحكومات اللبنانية منذ أكثر من عقدين. نظر الحزب إلى أن الصراع مع دولة إسرائيل لا سبيل لتجنُّبه، لأن إسرائيل لم تتخلَّ مطلقًا عن طموحات التوسع في لبنان، سيما جنوب لبنان ذو الأغلبية الشيعية، وأن إسرائيل لن تعدم مبررًا ما للاعتداء على لبنان وعلى أرضه وشعبه. ولكن المؤكد، أيضًا، أن هذه الرؤية للخطر الذي تمثله إسرائيل على لبنان، والتحرك من ثم بمعزل عن قرار الدولة اللبنانية، جرى تفعيلها أحيانًا بدوافع دعم الموقف الإيراني، أو مقتضيات التحالف مع نظام الأسد في سوريا، أو مساندة القوى الفلسطينية الحليفة.

كرَّرت قيادات حزب الله منذ سنوات، سيما بعد تحرير الجنوب في ربيع 2000، القول: إن الحزب لن يتردد في الانضواء في جسم الدولة اللبنانية إن أفضى حوار وطني لبناني إلى تبني سياسة دفاع وطنية مجمع عليها. ولكن الحقيقة أن الحزب لم يثق أبدًا في الدولة اللبنانية، ولا في حكوماتها المتتالية، ليس فقط لأن النظام اللبناني الطائفي احتضن منذ ما قبل الاستقلال انقسامًا سياسيًّا عميقًا بين اللبنانيين، ولكن أيضًا لأن الحزب أُسِّس على الاعتقاد بولاية الفقيه، الولاية المطلقة للفقيه، وأن هذا الفقيه كان منذ ما قبل نشأة الحزب هو المرشد الأعلى لإيران الإسلامية.

وليس ثمة شك في أن بعض الحكومات اللبنانية، تعاملت مع الحزب بوصفه حالة طارئة، وأنه أقرب إلى ظاهرة استثنائية في تقاليد عمل القوى السياسية اللبنانية. وحتى حركة أمل، التي وُلِدت أصلًا للدفاع عن حقوق شيعة لبنان وأصبحت الحليف الأوثق لحزب الله، خاضت صراعًا مريرًا ضد الحزب خلال ما عُرف بحرب الإخوة، بين مارس/آذار 1989 ونوفمبر/تشرين الثاني 1990. ولم تنته الحرب، التي استهدفت تقريبًا كافة مناطق الوجود الشيعي، إلا بعد اتفاق رعته سوريا وإيران.

ولكن الرئاسات والحكومات اللبنانية، على اختلاف توجهاتها، وجدت طوال الأربعين عاما الماضية، طريقة مناسبة (modus operandi)، مهما شابها من قلق وتوتر، للتعامل مع الحزب، وضمِّه إلى أوراق قوة الحكم، سيما في المواجهات المتكررة مع العدوان الإسرائيلي. فقد حسبت الرئاسات اللبنانية أن ولاء الحزب لإيران، لا يعد شذوذًا عن تاريخ ارتباطات القوى اللبنانية الطائفية المتعددة مع جهات خارجية، مثل فرنسا، أو مصر الناصرية، أو السعودية، أو سوريا الأسد، أو حتى إسرائيل. وما دامت المقاومة هي مبرر وجود الحزب، فلماذا لا يجري غضُّ النظر عمَّا يمكن اعتباره تجاوزات في هذا الملف أو ذاك مقابل توظيفه لتعزيز وضع لبنان في المواجهات مع إسرائيل؟!

هكذا جرت صياغة العلاقة بين الدولة اللبنانية وحكومات الحريري الأب، مع الحزب طوال سنوات الاحتلال الإسرائيلي للجنوب اللبناني، 1982–2000. وهكذا اشتغل الرئيس فؤاد السنيورة، الذي لم يكن بالضرورة صديقًا لحزب الله، للتوصل إلى القرار الأممي الذي وضع حدًّا للعدوان الإسرائيلي، في 2006. وهكذا تصرف الرئيس ميشال عون وحكومة نجيب ميقاتي، في 2022، للتوصل إلى اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع دولة إسرائيل، رغم اختلاف السياقات والظروف التي حفَّت بذلك الاتفاق وبموقف الحزب الذي رأت فيه بعض القوى الوطنية تنازلًا من أجل البقاء في السلطة.

ولكن الرئيس جوزاف عون ورئيس حكومته، نواف سلام، جاءا، ومنذ مطلع عهدهما، بمقاربة مختلفة، سيما أن كليهما وصل إلى السلطة في سياق الحرب على لبنان. وسواء لضغوط أجنبية قاهرة، أو لتوافق سياسي، انطلق الرئيسان من الاعتقاد بأن حزب الله بات يمثل حجر عثرة في طريق استقرار لبنان وسيادته، ولم يعد ورقة قوة بأي حال من الأحوال. لذلك، اتخذت حكومة سلام، في أغسطس/آب 2025، قرارًا بحصر السلاح بيد الدولة وبسط سيادة الدولة على كافة أراضي البلاد. وكان واضحًا أن القرار موجه لحزب الله، بالرغم من أن القوات الإسرائيلية كانت لا تزال تحتل عدة مواقع في الجانب اللبناني للحدود. وفي 9 سبتمبر/أيلول، تبنَّت حكومة سلام خطة من خمس مراحل، تقدم بها الجيش اللبناني، لنزع سلاح حزب الله، تبدأ بالمنطقة جنوب الليطاني. وفي 2 مارس/آذار 2026، مع اندلاع جولة الحرب الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل، أعلن رئيس الحكومة، نواف سلام، حظر أنشطة الحزب العسكرية وحصر مجال عمله في الشق السياسي.

ما تعنيه جملة هذه القرارات أن الدولة اللبنانية ذهبت إلى التفاوض مع إسرائيل بعد أن تخلَّت كلية عن ورقة حزب الله. ولم تكن هذه الخطوة الوحيدة التي تركت لبنان في الموقع الأضعف. النظر إلى النفوذ الإيراني في لبنان بوصفه تعديًا على سيادة الدولة اللبنانية هو أمر مسوَّغ بلا شك. ولكن، وطالما كان هذا هو ما انتهى إليه الوضع اللبناني، كان لابد أن يجري التعامل مع هذا النفوذ بمقاربة إستراتيجية، تأخذ في الحسبان الانحسار الملموس في مشروع التوسع الإيراني منذ انهيار نظام الأسد في سوريا، من ناحية، والفشل الأميركي/الإسرائيلي الواضح في تحقيق أهداف الحرب المديدة في المنطقة، من ناحية أخرى.

كان التفاوض من منطلق ضمني بوجود ارتباط بين ملفي إيران ولبنان يصب في صالح لبنان. ولكن الدولة اللبنانية ذهبت إلى المفاوضات من افتراض بأن هذا الارتباط يخصم من رصيد لبنان، رغم أن فصل الملفين كان من البداية مطلبًا أميركيًّا وإسرائيليًّا. وظل هذا الافتراض قائمًا حتى عندما بادرت إيران إلى قصف الشمال الإسرائيلي، ردًّا على مهاجمة إسرائيل ضاحية بيروت الجنوبية، واندلعت من ثم جولة جديدة من القصف المتبادل بين إيران وإسرائيل يومي 7 و8 يونيو/حزيران.

خلف ذلك كله، انخرط لبنان في المسار التفاوضي مع إسرائيل، بوساطة ورعاية الولايات المتحدة، حليف إسرائيل الأبرز والأهم، رغم تاريخ إسرائيل الطويل من عدم الالتزام باتفاقات وقف النار. فهي لم تلتزم بمقتضيات اتفاق نوفمبر/تشرين الثاني 2024، ولا بمقتضيات اتفاق أبريل/نيسان 2026. والواضح، بعد استمرار توغلات الجيش الإسرائيلي في جنوب الليطاني وشماله، وبعد قصف ضاحية بيروت الجنوبية، أنها ليست في وارد الالتزام بمقتضيات اتفاق 4 يونيو/حزيران 2026. فما الذي يعنيه الاتفاق لمستقبل لبنان السياسي، في المدى المنظور على الأقل؟

 

استعصاء لبناني

على المستوى الإجرائي المباشر، وعلى الجانب اللبناني تحديدًا، لا يبدو أن ثمة قوة يمكنها تنفيذ أي اتفاق يقضي بنزع سلاح حزب الله. ودون التوصل إلى تسوية تاريخية، تضم كافة بلدان المشرق، وأخرى في الساحة اللبنانية ذاتها، ليس ثمة ما يشير إلى أن حزب الله بصدد التخلي عن سلاحه.

لا يستطيع الجيش اللبناني، الذي يشكِّل الشيعة نسبة مهمة من عديده قد تصل إلى الثلث، تحمُّل عواقب التحرك لنزع سلاح الحزب بالقوة. وليس ثمة جهة لبنانية طائفية، تملك مقدرات عسكرية تسمح لها بخوض صراع أهلي مع الحزب، شبيه بالصراع الذي خاضته ميليشيات القوات اللبنانية ضد المقاومة الفلسطينية وحلفائها في سنوات الحرب الأهلية الأولى. وفوق ذلك كله، وعلى الرغم من بروز بعض مظاهر السخط والخسارة والفقدان لدى قطاعات من المواطنين الشيعة، ليس ثمة، حتى الآن، دليل على أن الحزب في طريقه لخسارة حاضنته الشعبية.

ودون أن تكون إسرائيل على استعداد لتحمل أعباء اجتياح لبنان كله، وخوض حرب طويلة مع الحزب، ومع الجماعات المقاومة الأخرى للاحتلال، لن تستطيع إسرائيل القيام بنزع سلاح الحزب. وربما كان توصل الإدارة الأميركية إلى هذه الخلاصة ما دفع الرئيس ترامب إلى محاولة دفع سوريا إلى القيام بهذه المهمة، حتى لو كان الثمن عودة سوريا إلى الهيمنة على الشأن اللبناني. والواضح، ولأسباب تتعلق بإسرائيل وبالمصالح المباشرة للدولة السورية الجديدة، أن دمشق ليست بصدد الاستجابة لدعوات الرئيس ترامب.

ولكن الإشارة في البيان الأميركي للاتفاق إلى تأكيد الوفدين، اللبناني والإسرائيلي، أن "ليست لديهما أية نوايا عدوانية تجاه بعضهما البعض"، وتصريحات الرئيس اللبناني، جوزاف عون، في 8 يونيو/حزيران، التي قال فيها: إن هدف المفاوضات مع الإسرائيليين هو التوصل إلى معاهدة "عدم اعتداء"، تستبطن توجه الدولة اللبنانية إلى نزع الشرعية الوطنية عن سلاح حزب الله. فإن كانت الدولة اللبنانية لا تحمل "نوايا عدوانية" تجاه إسرائيل، التي يحتل جيشها الآن ما لا يقل عن خُمس أراضي لبنان، وأنها ستعمل على تجسيد هذا الموقف في معاهدة "عدم اعتداء" مع الإسرائيليين، فهي على الأغلب عقدت العزم على عزل حزب الله عن الكُلِّ اللبناني، وترك الحزب لشأنه في الصراع مع إسرائيل.

وهذه ليست سوى طريقة أخرى لدفع لبنان نحو حالة من التدافع الأهلي. فإن تعثرت المفاوضات الأميركية-الإيرانية، أو فشلت إيران في التوصل إلى اتفاق يشمل الجبهة اللبنانية، فالأرجح أن المواجهة بين إسرائيل وحزب الله ستستمر، ويستمر معها الاستهداف الإسرائيلي للحزب ومناطق وجوده وحاضنته الشعبية، بتعاون أو بدون تعاون مع الدولة اللبنانية.

ليس ثمة جديد بالطبع في الانقسام اللبناني الداخلي، ولا تخرج هذه الجولة من الحرب مع إسرائيل عن سياق رؤية إسرائيل العدوانية للبنان منذ 1948. فقد حرصت فرنسا منذ البداية على أن يكون لبنان كيانًا استثنائيًّا في نظام حكمه وفي اجتماعه السياسي. ولم يكن الحفاظ على خصوصية نظام الحكم اللبناني ممكنًا دون أن يكون طائفيًّا. وخلال جولات صراعها مع لبنان، كانت إسرائيل دائما تجد حليفًا في الداخل، يجمعها به هدف التخلص من طرف ثالث. ويبدو أن إسرائيل تعوِّل هذه المرة على أن يكون الحليف هو الدولة اللبنانية ذاتها. فإن كانت هذه هي الوجهة التي يمضي إليها لبنان، فلا أحد يمكنه تصور العواقب التي سيتركها مثل هذا التطور على مستقبل الكيان اللبناني.