شهدت العلاقات الروسية-الأفغانية تحولًا جذريًّا في 27 مايو/أيار 2026، حين وقَّعت روسيا وحكومة طالبان اتفاقية للتعاون العسكري-التقني على هامش المنتدى الأمني الدولي في موسكو. تُمثِّل هذه الاتفاقية الموقَّعة بين سيرغي شويغو (أمين مجلس الأمن الروسي) والملا محمد يعقوب مجاهد (وزير دفاع إمارة أفغانستان الإسلامية) تحولًا إستراتيجيًّا في موازين القوى بمنطقة جنوب آسيا وآسيا الوسطى؛ إذ تنتقل روسيا من موقع المحتل (1979-1989) إلى موقع الشريك العسكري الرسمي للنظام الإسلامي الذي يصفه بـ"المتشدد". تتناول هذه الورقة تحليل دوافع الاتفاقية من منظور الواقعية السياسية ونظرية التوازن الإستراتيجي، وتستعرض تداعياتها على الأطراف الإقليمية والدولية الرئيسية: باكستان، والولايات المتحدة، ونظام طالبان نفسه، وروسيا.
تعاون عسكري وتقني
شكَّل توقيع الاتفاقية العسكرية-التقنية بين روسيا وإمارة أفغانستان الإسلامية، في 27 مايو/أيار 2026، أحد أبرز التطورات في البيئة الأمنية والسياسية لآسيا الوسطى منذ عودة طالبان إلى السلطة عام 2021. فقد مثَّلت الاتفاقية تحولًا نوعيًّا في العلاقات بين الطرفين؛ إذ نقلت هذه العلاقات من مرحلة الاتصالات السياسية والدبلوماسية إلى مستوى التعاون العسكري-التقني الرسمي؛ الأمر الذي أثار اهتمام الباحثين في العلاقات الدولية، لما ينطوي عليه من دلالات تتجاوز البُعد العسكري المباشر إلى أبعاد إستراتيجية وجيوسياسية أوسع.
وتكتسب هذه الاتفاقية أهميتها من كونها جاءت في سياق إقليمي ودولي شديد التعقيد، يتسم بتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، واستمرار الحرب الروسية-الأوكرانية، وتزايد التوتر بين أفغانستان وباكستان، فضلًا عن سعي الإمارة الإسلامية إلى كسر عزلتها الدولية وتوسيع شبكة علاقاتها الخارجية. وفي المقابل، تنظر روسيا إلى أفغانستان بوصفها دولة مؤثرة في أمن آسيا الوسطى، ومجالًا حيويًّا للحيلولة دون تمدد التنظيمات المسلحة التي قد تهدد أمنها القومي أو أمن حلفائها في المنطقة.
ولا يمكن فهم هذه الاتفاقية بوصفها صفقة عسكرية فحسب، بل ينبغي النظر إليها في إطار التحولات التي تشهدها السياسة الخارجية الروسية تجاه أفغانستان، والتحول التدريجي في تعامل موسكو مع حكومة طالبان، بدءًا من اعتبارها حركة محظورة إلى الاعتراف بها شريكًا يمكن التعاون معه في المجالات الأمنية والسياسية والاقتصادية. ومن ثم فإن دراسة هذه الاتفاقية تتيح فهمًا أعمق لمحددات السلوك الروسي، كما تكشف عن طبيعة الإستراتيجية التي تنتهجها إمارة أفغانستان الإسلامية لإعادة التموضع في النظام الإقليمي والدولي.
وانطلاقًا من ذلك، يسعى هذا المقال إلى تحليل الاتفاقية العسكرية-التقنية بين روسيا وحكومة طالبان من خلال بيان ظروف نشأتها، وأهم مضامينها، وحدودها العملية، مع تفسير دوافع الطرفين في ضوء اعتبارات الأمن القومي والمصلحة الإستراتيجية، تمهيدًا لدراسة آثارها الإقليمية والدولية وما وُجِّه إليها من نقد.
الخلفية السياسية للاتفاقية
لم تكن الاتفاقية العسكرية-التقنية ثمرة تطور مفاجئ في اللحظة الراهنة، وإنما جاءت نتيجة مسار تدريجي من التقارب بين روسيا وإمارة أفغانستان الإسلامية امتد منذ استعادة الحركة السيطرة على أفغانستان، في أغسطس/آب 2021. فعلى الرغم من أن موسكو كانت قد أدرجت حركة طالبان لسنوات طويلة ضمن قائمة التنظيمات المحظورة، فإنها حافظت في الوقت ذاته على قنوات اتصال سياسية معها، انطلاقًا من إدراكها أن الحركة أصبحت الفاعل الأكثر تأثيرًا في المشهد الأفغاني(1).
ومع تراجع الوجود العسكري الأميركي وانسحابه الكامل من أفغانستان، بدأت روسيا في إعادة تقييم سياستها تجاه كابول، مدفوعة بجملة من الاعتبارات الأمنية والإستراتيجية، أهمها: منع انتقال التهديدات الأمنية إلى جمهوريات آسيا الوسطى، والحفاظ على توازنات المنطقة، ومنع ظهور فراغ أمني قد تستفيد منه التنظيمات المتشددة، وفي مقدمتها (ISKP) تنظيم الدولة الإسلامية-ولاية خراسان(2).
وفي هذا السياق، اتخذت موسكو سلسلة من الخطوات التي عكست تحولًا تدريجيًّا في سياستها تجاه طالبان. ففي أبريل/نيسان 2025، رفعت المحكمة العليا الروسية الحظر المفروض على نشاط الحركة داخل روسيا، وهو تطور قانوني وسياسي ممهِّد لمرحلة جديدة من العلاقات بين الجانبين. ثم أصبحت روسيا، في يوليو/تموز 2025، أول دولة تعترف رسميًّا بإمارة أفغانستان الإسلامية، واستقبلت ممثليها بصورة علنية، وهو ما منح الإمارة دفعة سياسية مهمة في سعيها إلى اكتساب الشرعية الدولية(3).
وجاءت الاتفاقية العسكرية-التقنية بعد أيام قليلة من اجتماعات أمنية إقليمية أكدت خلالها موسكو رغبتها في توسيع التعاون مع إمارة أفغانستان الإسلامية في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية، بما يشير إلى أن الاتفاق لم يكن خطوة منفصلة، وإنما جزء من إستراتيجية روسية أشمل لإعادة بناء نفوذها في أفغانستان بعد الانسحاب الأميركي(4).
توقيع الاتفاقية وأطرافها
وُقِّعت الاتفاقية في السابع والعشرين من مايو/أيار 2026 على هامش المنتدى الدولي للأمن الذي استضافته موسكو، في توقيت اتسم بحساسية إقليمية؛ إذ تزامن مع تصاعد التوترات العسكرية بين أفغانستان وباكستان، وما رافقها من غارات جوية باكستانية داخل الأراضي الأفغانية. وقد منح هذا السياق الاتفاقية بُعدًا سياسيًّا يتجاوز مضمونها الفني، وأرسل رسالة مفادها أن موسكو مستعدة للانخراط بصورة أكبر في الملف الأفغاني(5).
وقَّع الاتفاقية عن الجانب الأفغاني الملا محمد يعقوب مجاهد، وزير الدفاع في إمارة أفغانستان الإسلامية ونجل مؤسس الحركة الملا محمد عمر، وهو من أبرز الشخصيات العسكرية داخل النظام. وقد صرَّح يعقوب بعد توقيع الاتفاقية بأن باكستان "لن تجرؤ قريبًا على مهاجمة الأراضي الأفغانية" بفضل هذا الاتفاق؛ مما يُشير إلى أنه ينظر إليه بوصفه أداة ردع إقليمي(6).
أما عن الجانب الروسي، فقد وقَّعها سيرغي شويغو، أمين مجلس الأمن الروسي ووزير الدفاع السابق، الذي يُعد أحد أبرز مهندسي السياسة الروسية الجديدة تجاه أفغانستان، وأحد المدافعين عن انتهاج سياسة براغماتية في التعامل مع إمارة أفغانستان الإسلامية. وقد عكس مستوى الموقِّعين والأجواء الرسمية المحيطة بالاتفاق أن موسكو تنظر إلى هذا التعاون بوصفه جزءًا من سياستها الأمنية بعيدة المدى، وليس مجرد تفاهم فني محدود(7).
وتكشف تصريحات المسؤولين عقب التوقيع عن اختلاف نسبي في أولويات الطرفين؛ إذ ركزت طالبان على ما يمكن أن يحققه الاتفاق من تعزيز لقدراتها الدفاعية في مواجهة الضغوط الإقليمية، بينما شدَّدت موسكو على أن الاتفاق يمثل إطارًا قانونيًّا ينظم التعاون العسكري-التقني وفق التشريعات الروسية، دون أن يعني قيام تحالف عسكري بالمعنى التقليدي(8).
مضمون الاتفاقية وحدودها
تشير المعلومات المعلنة إلى أن الاتفاقية تركز في مرحلتها الأولى على التعاون العسكري-التقني، ولاسيما إصلاح وصيانة المعدات العسكرية السوفيتية والروسية الموجودة لدى القوات الأفغانية، وتوفير الخبرات الفنية وقطع الغيار والتدريب اللازم لإعادة تشغيلها. وقد أوضح المبعوث الرئاسي الروسي الخاص بشأن أفغانستان، ضمير كابولوف، أن الاتفاقية تُعد "إطارًا عمليًّا"، وأن القوانين الروسية تستلزم توقيع مثل هذه الاتفاقيات لأي شكل من أشكال التعاون العسكري-التقني(9).
وتشمل هذه المعدات دبابات T-62M وT-55، ومركبات قتال المشاة BMP-1/2، ومروحيات النقل Mi-17 ومروحيات الهجوم Mi-25/35، وطائرات النقل An-26 وAn-32، ومدفعية D-30 عيار 122 مم، وقاذفات الصواريخ BM-21 Grad، وهاونات 2B14 عيار 82 مم، بالإضافة إلى مئات الآلاف من قطع الأسلحة الخفيفة والصغيرة التي تملكها وزارة الدفاع الأفغانية(10).
وفي المقابل، لا تتضمن الاتفاقية -وفق ما أعلنته المصادر الروسية والتحليلات المتخصصة- التزامًا روسيًّا بتزويد طالبان بأسلحة إستراتيجية متطورة أو بإقامة اتفاقية دفاع مشترك، كما لا تفرض على موسكو أي التزام بالتدخل العسكري للدفاع عن أفغانستان في حال تعرضها لهجوم خارجي. وإنما تقتصر على إطار للتعاون الفني واللوجستي والتدريب، مع ترك الباب مفتوحًا أمام تطوير التعاون مستقبلًا إذا توافرت الظروف السياسية والاقتصادية المناسبة(11).
كما أن النص الكامل للاتفاقية لم يُنشر حتى الآن؛ الأمر الذي جعل كثيرًا من الباحثين يتعاملون معها بحذر، ويرون أنها تحمل في الوقت الراهن قيمة سياسية ورمزية لا تقل عن قيمتها العسكرية. فقد أوضح المحلِّل الروسي، رسلان سليمانوف، أن الاتفاقية "رمزية" وأن "تحالفًا عسكريًّا مماثلًا لما حدث بين روسيا وكوريا الشمالية لن يحدث بالتأكيد". فهي تمثل إعلانًا عن مرحلة جديدة في العلاقات بين موسكو وكابول أكثر مما تمثل تحولًا جذريًّا في موازين القوى العسكرية في المنطقة(12).
دوافع الاتفاقية بين الاعتبارات الروسية وأهداف الإمارة الإسلامية
لم تكن الاتفاقية العسكرية-التقنية بين روسيا وإمارة أفغانستان الإسلامية نتاج تقارب أيديولوجي أو تحالف سياسي بالمعنى التقليدي، وإنما جاءت نتيجة التقاء مصالح الطرفين في لحظة إقليمية ودولية معقدة. فلكل منهما دوافعه الخاصة التي تفسر الإقدام على هذه الخطوة، وإن كانت تلك الدوافع تلتقي عند هدف مشترك يتمثل في إعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بأفغانستان بصورة تخدم مصالح الطرفين.
أولًا: الدوافع الروسية
يمكن تفسير السلوك الروسي من خلال مجموعة من الاعتبارات الأمنية والإستراتيجية التي تشكِّل الإطار العام لسياستها تجاه أفغانستان.
- أول هذه الاعتبارات هو الأمن القومي الروسي؛ إذ تنظر موسكو إلى أفغانستان بوصفها الامتداد الجنوبي المباشر للمجال الأمني الروسي عبر جمهوريات آسيا الوسطى. ومن ثم فإن استقرار الأوضاع الأمنية داخل أفغانستان يعد شرطًا أساسيًّا للحيلولة دون انتقال التهديدات إلى الحدود الجنوبية لروسيا، ولاسيما في ظل النشاط المتزايد لتنظيم الدولة الإسلامية-ولاية خراسان (ISKP)، الذي تنظر إليه موسكو بوصفه أخطر التنظيمات المسلحة القادرة على تهديد مصالحها ومصالح حلفائها في آسيا الوسطى، لأن تنظيم الدولة يحمِّل روسيا وزر هزيمته في سوريا. وقد قدَّر شويغو عدد المقاتلين المنتمين لأكثر من 20 مجموعة مسلحة في أفغانستان بـ 18.000 إلى 23.000 عنصر، منهم 3000 عنصر من داعش-خراسان(13). ولهذا، فإن التعاون الأمني مع إمارة أفغانستان الإسلامية يمثل، من المنظور الروسي، وسيلة عملية لاحتواء هذه التهديدات داخل الأراضي الأفغانية قبل انتقالها إلى منطقة النفوذ الروسي في آسيا الوسطى.
- ويرتبط بذلك هدف آخر يتمثل في منع عودة النفوذ العسكري الغربي إلى أفغانستان. فمنذ الانسحاب الأميركي، عام 2021، تسعى روسيا إلى الحيلولة دون استخدام الأراضي الأفغانية قاعدةً لأي وجود عسكري غربي جديد، سواء بصورة مباشرة أو من خلال ترتيبات أمنية مع طرف ثالث. ومن ثم فإن تعزيز التعاون مع الإمارة يحقق لموسكو درجة من الاطمئنان إلى أن أفغانستان لن تتحول مرة أخرى إلى منصة يمكن أن تستغلها القوى الغربية للضغط على روسيا أو مراقبة فضائها الجنوبي(14).
- كما أن روسيا تسعى إلى إعادة بناء نفوذها في آسيا الوسطى في ظل التحولات التي أفرزتها الحرب الأوكرانية. فقد أدَّت تلك الحرب إلى انشغال موسكو بجبهتها الغربية، لكنها دفعتها في الوقت نفسه إلى تعزيز حضورها في محيطها الإقليمي، للحفاظ على مكانتها بوصفها القوة الأمنية الأكثر تأثيرًا في الفضاء الأوراسي. ومن هذا المنطلق، لا تمثل الاتفاقية مجرد تعاون ثنائي مع الإمارة، بل تدخل ضمن إستراتيجية روسية أوسع للحفاظ على التوازنات الإقليمية ومنع أي قوة منافسة من ملء الفراغ في أفغانستان(15).
- ومن الناحية الاقتصادية، تراهن روسيا على أن الاستقرار النسبي في أفغانستان قد يفتح المجال مستقبلًا أمام مشاريع النقل والطاقة والربط التجاري بين آسيا الوسطى وجنوب آسيا. وهو ما ينسجم مع رؤيتها لتعزيز التكامل الاقتصادي الأوراسي؛ فقد تجاوز حجم التجارة الثنائية بين روسيا وأفغانستان 530 مليون دولار في 2025، وسجَّل زيادة (2.6) ضعف في الشهرين الأولين من 2026، كما تُعد روسيا شركاتها لدخول قطاع التعدين في أفغانستان (الليثيوم والنحاس وغيرهما من المعادن النادرة)(16).
ثانيًا: دوافع إمارة أفغانستان الإسلامية
- في المقابل، تنظر إمارة أفغانستان الإسلامية إلى الاتفاقية بوصفها خطوة مهمة في مسار إنهاء العزلة الدولية التي تواجهها منذ عودتها إلى السلطة. فعلى الرغم من سيطرتها الكاملة على مؤسسات الدولة، ظلت الإمارة تعاني من محدودية الاعتراف الدولي؛ الأمر الذي جعل أي اتفاق رسمي مع قوة كبرى يحمل قيمة سياسية تتجاوز قيمته العسكرية.
- ولهذا، يمكن القول: إن البعد السياسي والرمزي يمثل أحد أهم دوافع حكومة طالبان. فإبرام اتفاقية عسكرية مع روسيا يمنح الإمارة صورة الفاعل السياسي الذي يستطيع إبرام اتفاقيات رسمية مع الدول الكبرى، وهو ما يعزِّز مطالبتها بالحصول على اعتراف أوسع من المجتمع الدولي. وقد أشار الخبير في الشؤون الأفغانية، حميد حكيمي، إلى أن "رمزية الاتفاقية مع روسيا ستسمح لطالبان بالادعاء بامتلاك شرعية دولية"(17).
- أما الدافع الثاني فيتمثل في إعادة بناء القدرات العسكرية؛ فالقوات المسلحة الأفغانية تمتلك أعدادًا كبيرة من المعدات السوفيتية والروسية التي أصبحت بحاجة إلى الصيانة وقطع الغيار بعد سنوات طويلة من الحرب والإهمال. وتضم الترسانة الأفغانية نحو 100 مروحية من طرازMi-17، وأكثر من 30 ألف شاحنة KamAZ، ونحو 2000 آلية ثقيلة أخرى تحتاج لصيانة وقطع غيار (18). ومن ثم فإن التعاون مع روسيا يوفر لطالبان إمكانية إعادة تشغيل جزء مهم من هذه المنظومات بتكاليف أقل من شراء معدات جديدة، فضلًا عن الاستفادة من الخبرة الفنية الروسية في التدريب والصيانة.
- وترتبط بذلك الرغبة في تنويع العلاقات الخارجية؛ فقد سعت طالبان منذ عام 2021 إلى تجنب الاعتماد الكامل على دولة واحدة، سواء كانت باكستان أو الصين أو غيرهما، وعملت على توسيع شبكة علاقاتها مع عدد من القوى الإقليمية والدولية. ومن هذا المنظور، تمنحها الاتفاقية مع روسيا هامشًا أوسع للمناورة السياسية، وتحد من ارتهانها لشريك خارجي واحد.
- كذلك لا يمكن إغفال البُعد الردعي للاتفاقية في ظل التوترات المتصاعدة مع باكستان. فقد جاءت تصريحات الملا محمد يعقوب عقب توقيع الاتفاق لتؤكد أن الحركة تنظر إلى التقارب مع موسكو بوصفه عاملًا يعزز مكانتها الإقليمية ويبعث برسالة سياسية إلى إسلام آباد، حتى وإن لم يتضمن الاتفاق أي التزام روسي بالدفاع عن أفغانستان(19).
تفسير الاتفاقية في ضوء نظريات العلاقات الدولية
توفر الواقعية السياسية الإطار النظري الأكثر قدرة على تفسير هذا التقارب؛ فالواقعيون يرون أن الدول لا تبني تحالفاتها على أساس التقارب الأيديولوجي أو القيمي، وإنما وفقًا لمعيار المصلحة الوطنية وتوازن القوى. وكما أكد هانز مورغنتاو في كتابه "السياسة بين الأمم"، فإن "السياسة الدولية هي صراع على السلطة، بصرف النظر عن الأهداف المعلنة"، وإن المبدأ المركزي هو "المصالح الوطنية المحددة بقوة"(20). ومن هذا المنطلق، لا تبدو العلاقات التاريخية المتوترة بين روسيا وطالبان عائقًا أمام إقامة تعاون جديد، ما دامت المصالح الأمنية والإستراتيجية للطرفين تقتضي ذلك.
فروسيا لا تتعامل مع طالبان بوصفها حركة ذات مرجعية فكرية معينة بل بوصفها السلطة المسيطرة فعليًّا على أفغانستان والقادرة على التأثير في أمن آسيا الوسطى. كما أن طالبان بدورها لا تنظر إلى روسيا بوصفها حليفًا عقائديًّا، وإنما بوصفها قوة دولية قادرة على منحها مكاسب سياسية وعسكرية لا تستطيع الحصول عليها من أطراف أخرى. وكما يُشير المحلل الروسي، رسلان سليمانوف، فإن الاتفاقية "رسالة سياسية" بأن روسيا قادرة على التعامل مع قوى الأمر الواقع حتى حين يرفضها الغرب(21).
وتنسجم الاتفاقية كذلك مع مفهوم التوازن الإستراتيجي (Strategic Hedging)، الذي يشير إلى سعي الفاعلين السياسيين إلى تنويع شراكاتهم الخارجية لتجنب الارتهان لطرف واحد. فمن الواضح أن طالبان تتبنى سياسة تقوم على توزيع علاقاتها بين روسيا والصين ودول آسيا الوسطى وبعض القوى الإقليمية، بهدف توسيع خياراتها وتقليل الضغوط التي قد تتعرض لها من أي شريك منفرد. وقد طوَّر ستيفن والت هذا المفهوم في كتابه "أصول التحالفات"؛ حيث قرر أن الدول لا تتحالف دائمًا ضد الأقوى بل ضد الأكثر تهديدًا(22).
وفي المقابل، تمارس روسيا هي الأخرى نوعًا من التوازن الإستراتيجي؛ فهي توسع تعاونها مع طالبان دون أن تقطع علاقاتها مع باكستان، وتحاول المحافظة على شبكة متوازنة من العلاقات مع مختلف الفاعلين الإقليميين، بما يضمن لها أكبر قدر من النفوذ مع أقل قدر من الالتزامات العسكرية المباشرة(23).
ومن ثم، فإن الاتفاقية العسكرية-التقنية لا تعكس نشوء تحالف إستراتيجي مكتمل الأركان بين الطرفين، بقدر ما تعكس تقاطعًا مؤقتًا للمصالح في بيئة إقليمية تتسم بسرعة التحول، وهو ما يفسر حرص موسكو على إبقاء الاتفاق في إطاره الفني، مع تجنب الالتزامات الدفاعية الواسعة التي قد تقيد حركتها في المستقبل.
التداعيات المحلية والإقليمية والدولية للاتفاقية
لا تقتصر أهمية الاتفاقية العسكرية-التقنية بين روسيا وإمارة أفغانستان الإسلامية على مضمونها الفني بل تمتد آثارها إلى مجمل التوازنات الإقليمية والدولية المحيطة بأفغانستان. فالتعاون العسكري بين موسكو وكابول يمثل متغيرًا جديدًا في معادلة الأمن الإقليمي، ويؤثر بدرجات متفاوتة في حسابات الدول المجاورة والقوى الدولية المنخرطة في الشأن الأفغاني.
أولًا: الانعكاسات على باكستان
تُعد باكستان الطرف الإقليمي الأكثر تأثرًا بهذه الاتفاقية، بحكم تشابك علاقاتها التاريخية مع طالبان، وامتداد التحديات الأمنية عبر الحدود المشتركة بين البلدين. فمنذ عودة طالبان إلى السلطة شهدت العلاقات بين كابول وإسلام آباد تراجعًا ملحوظًا بسبب تصاعد نشاط حركة طالبان باكستان (TTP)، واتهام الحكومة الباكستانية لإمارة أفغانستان الإسلامية بعدم اتخاذ إجراءات فعَّالة ضد عناصر الحركة(24).
وجاء توقيع الاتفاقية في وقت نفَّذت فيه القوات الجوية الباكستانية عمليات عسكرية مستمرة داخل الأراضي الأفغانية؛ الأمر الذي دفع إمارة أفغانستان الإسلامية إلى البحث عن وسائل لتعزيز قدرتها على الردع. وفي هذا السياق، حملت الاتفاقية رسالة سياسية مفادها أن كابول لم تعد معزولة، وأنها قادرة على إقامة شراكات أمنية مع قوى دولية كبرى. كما عزَّزت تصريحات وزير الدفاع، الملا محمد يعقوب، هذا الانطباع عندما ربط بين الاتفاقية وتراجع احتمالات تنفيذ باكستان عمليات عسكرية جوية جديدة داخل أفغانستان.
ومع ذلك، فإن التأثير العسكري المباشر للاتفاقية على ميزان القوى بين البلدين يبقى محدودًا في المدى القريب، لأن الاتفاق لا يتضمن ضمانات دفاعية أو تزويد طالبان بمنظومات تسليح متطورة. ولذلك تعاملت الدوائر الأمنية الباكستانية مع الاتفاق بحذر معتبرة أنه لا يغيِّر بصورة جوهرية قدرتها على حماية مصالحها الأمنية داخل الأراضي الأفغانية إذا رأت ضرورة لذلك(25).
ومن جهة أخرى، فإن توقيع الاتفاقية المذكورة قد يدفع باكستان إلى إعادة تقييم سياستها تجاه روسيا. فمنذ سنوات عملت موسكو وإسلام آباد على تطوير علاقاتهما الاقتصادية والأمنية(26)، ولا ترغب روسيا في خسارة هذا التعاون بسبب تقاربها مع طالبان. ومن ثم يُتوقَّع أن تواصل موسكو انتهاج سياسة توازن دقيقة بين الطرفين بما يحفظ مصالحها مع كل منهما دون الانحياز الكامل لأي طرف.
ثانيًا: الانعكاسات على الولايات المتحدة
تنظر الولايات المتحدة إلى الاتفاقية بوصفها مؤشرًا إضافيًّا على تقلص النفوذ الغربي في أفغانستان بعد الانسحاب العسكري عام 2021. فمن الناحية السياسية، يمنح التقارب الروسي إمارة أفغانستان الإسلامية قدرًا من الشرعية الدولية، وهو ما يضعف فاعلية سياسة العزلة والضغوط التي تبنَّتها الدول الغربية تجاه الإمارة منذ عودتها إلى السلطة.
كما أن الاتفاقية تعكس نجاح روسيا في استثمار الفراغ الذي خلَّفه الانسحاب الأميركي بما يسمح لها بالعودة إلى الساحة الأفغانية من بوابة التعاون الأمني والعسكري، بعد أن كانت هذه الساحة لعقدين كاملين تحت النفوذ الأميركي المباشر. ومن هذا المنظور، تمثل الاتفاقية أحد مظاهر التنافس الجيوسياسي بين موسكو وواشنطن في مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي.
وتوجد مخاوف جدية لدى المحلِّلين الأميركيين من أن الاتفاقية قد تكون "نقطة انطلاق" لتعاون عسكري أعمق بين موسكو وكابول، قد يمتد في المستقبل إلى توريد مقاتلين أفغان للقتال إلى جانب روسيا في أوكرانيا أو غيرها. فقد سبق لموسكو أن اعتمدت على مقاتلين أجانب في حربها على أوكرانيا (كوريا الشمالية، كوبا، الهند، نيبال)، ولا يُستبعد أن تسعى إلى استخدام أفغانستان مصدرًا إضافيًّا للقوة البشرية في حال تطور العلاقة إلى ذلك الحدِّ(27).
غير أن حجم هذا التحول ينبغي ألا يُبالغ فيه؛ إذ إن روسيا تواجه هي الأخرى قيودًا كبيرة، سواء بسبب انشغالها بالحرب في أوكرانيا أو بسبب العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها؛ الأمر الذي يحد من قدرتها على تقديم دعم عسكري واسع النطاق لحكومة طالبان. كما أن اختلاف بيئة القتال في أوكرانيا يحد من تأثير المقاتل الأفغاني، فإن المقاتل الأفغاني معتاد على حرب العصابات والبيئة القتالية في أوكرانيا تتطلب التعامل مع الوسائل الإلكترونية الحربية الحديثة، ومثل هذه الخبرة غير متوافرة لديه. ولذلك فإن الاتفاقية، في وضعها الحالي، تعكس توسيع النفوذ السياسي أكثر مما تعكس انتقالًا إلى شراكة عسكرية شاملة.
ثالثًا: الانعكاسات على الصين ودول آسيا الوسطى
ترحب دول آسيا الوسطى عمومًا بكل خطوة يمكن أن تسهم في الحد من التهديدات الأمنية القادمة من أفغانستان، خصوصًا ما يتعلق بالحركات المتشددة العابرة للحدود وتهريب السلاح والمخدرات. ومن هذا المنطلق، قد يُنظر إلى التعاون الروسي مع طالبان بوصفه وسيلة لتعزيز الاستقرار الإقليمي إذا أسهم في رفع قدرة الحكومة الأفغانية على ضبط حدودها ومواجهة التنظيمات المسلحة المتعاطفة مع تنظيم الدولة(28).
أما الصين، فرغم أنها لم تكن طرفًا في الاتفاقية فإنها تتابعها باهتمام لعدة أسباب. فبيجين تشترك مع موسكو في الرغبة في استقرار أفغانستان، كما تسعى إلى حماية مشاريعها الاقتصادية في إطار مبادرة الحزام والطريق، فضلًا عن حرصها على منع انتقال النشاط المسلح إلى إقليم شينجيانغ. ومن ثم فإن التقارب الروسي مع طالبان لا يتعارض في جوهره مع المصالح الصينية بل يمكن أن يُكملها في إطار تنسيق أوسع بين القوتين داخل الفضاء الأوراسي. غير أن المحللين يحذرون من أن التوسع الأمني الروسي في أفغانستان قد يُقرأ في بيجين بوصفه "تعدِّيًا على مصالحها"؛ مما قد يؤدي إلى تصعيد التنافس بين موسكو وبيجين في أفغانستان(29).
رابعًا: حدود التأثير الإستراتيجي للاتفاقية
على الرغم من الأهمية السياسية للاتفاقية، فإن هناك مجموعة من القيود تحد من قدرتها على إحداث تحول جذري في موازين القوى الإقليمية.
أول هذه القيود أن الاتفاقية ذات طبيعة تقنية في الأساس؛ إذ تركز على الصيانة والتدريب وإعادة تأهيل المعدات العسكرية الموجودة تحت تصرف إمارة أفغانستان الإسلامية، ولا تتضمن إنشاء قواعد عسكرية روسية أو نشر قوات قتالية أو التزامات دفاعية متبادلة. وقد أكدت مصادر روسية وخبراء متخصصون أن الحديث عن إرسال قوات طالبان للمشاركة في الحرب الأوكرانية أو عن قيام تحالف عسكري مماثل للتحالف الروسي مع كوريا الشمالية لا يستند إلى أسس واقعية.
وثانيها: أن روسيا نفسها تواجه تحديات اقتصادية وعسكرية كبيرة نتيجة استمرار الحرب في أوكرانيا والعقوبات الغربية، وهو ما يجعلها أقل قدرة على تمويل برامج تسليح واسعة أو تقديم مساعدات عسكرية مكلفة لحكومة طالبان. كما أن الإمكانات المالية المحدودة للحكومة الأفغانية تمثل عاملًا إضافيًّا يحد من إمكانية تطوير التعاون العسكري إلى مستويات أعلى في المستقبل القريب.
وثالثها: استمرار الغموض الذي يحيط بالنص الكامل للاتفاقية؛ إذ لم يُنشر مضمونها القانوني بصورة رسمية؛ الأمر الذي يجعل تقدير آثارها المستقبلية رهينًا بما سيظهر لاحقًا من خطوات عملية، وليس بما أُعلن عنه حتى الآن(30).
وبناءً على ذلك، يمكن القول: إن القيمة الأساسية للاتفاقية في المرحلة الراهنة تكمن في بُعدها السياسي والإستراتيجي، أكثر من بعدها العسكري. فهي تؤشر إلى تحول في طبيعة العلاقات الروسية-الأفغانية، لكنها لا تمثل حتى الآن تحالفًا عسكريًّا مكتمل الأركان بل إطارًا للتعاون قد يتطور أو يبقى محدودًا تبعًا للمتغيرات الإقليمية والدولية.
خامسًا: الانعكاسات على إمارة أفغانستان الإسلامية وخاصة في علاقاتها مع الغرب
على الرغم من مكاسب الإمارة الإسلامية في أفغانستان من الاتفاقية وتحقيق أهدافها التي أشرنا إليها سابقًا، فقد تنعكس سلبيًّا على علاقاتها مع الغرب؛ أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، على النحو التالي:
- تعزيز النظرة الغربية إلى طالبان بوصفها جزءًا من محور منافس للغرب: من المرجح أن تنظر الولايات المتحدة والدول الأوروبية إلى التقارب العسكري مع روسيا بوصفه مؤشرًا على اصطفاف تدريجي لطالبان مع إحدى القوى الرئيسة المناوئة للغرب، خاصة في ظل استمرار الحرب الروسية-الأوكرانية وما ترتب عليها من استقطاب دولي حاد.
- إضعاف فرص الانفتاح السياسي على الولايات المتحدة وأوروبا: قد يؤدي التعاون العسكري مع موسكو إلى تقليل استعداد العواصم الغربية للانخراط في مسار تطبيع تدريجي مع حكومة طالبان، لأن الغرب قد يرى أن الحركة أصبحت تمتلك بدائل إستراتيجية تقلِّل من حاجتها إلى تحسين علاقاتها مع الدول الغربية.
- تعزيز الشكوك الغربية بشأن التوجهات الإستراتيجية للإمارة: ستثير الاتفاقية تساؤلات لدى صنَّاع القرار الغربيين حول الوجهة المستقبلية للسياسة الخارجية لطالبان، وما إذا كانت تسعى إلى الاندماج في النظام الدولي القائم أم إلى بناء شراكات أمنية مع القوى المناهضة للغرب؛ الأمر الذي قد يزيد من حالة عدم الثقة المتبادل.
- إبطاء مسار الاعتراف الدولي الغربي بالإمارة: رغم أن الاتفاقية تمنح طالبان قدرًا من الشرعية السياسية عبر التعاون مع قوة كبرى، فإنها قد تؤدي في المقابل إلى إبطاء أي نقاش داخل الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي بشأن الاعتراف الرسمي بالحكومة الأفغانية؛ إذ قد يُنظر إليها بوصفها تتجه نحو المعسكر الروسي.
- إضعاف فرص تخفيف العقوبات أو الإفراج عن الأصول الأفغانية المجمدة: قد يصبح من الصعب سياسيًّا على الحكومات الغربية اتخاذ خطوات لتخفيف العقوبات أو الإفراج عن الأصول الأفغانية المجمدة، إذا فُسِّر التقارب العسكري مع روسيا على أنه يمنح موسكو موطئ قدم إضافيًّا في أفغانستان.
- تعزيز الرقابة الغربية على التعاون العسكري الروسي-الأفغاني: من المتوقع أن تزيد الولايات المتحدة والدول الأوروبية من مراقبة طبيعة التعاون بين موسكو وكابول، خشية أن يتطور مستقبلًا من أعمال الصيانة والتدريب إلى نقل تقنيات عسكرية أو تبادل معلومات استخباراتية أو أشكال أخرى من التعاون الأمني.
- تراجع فرص التعاون الأمني المحدود بين طالبان والغرب: خلال السنوات الماضية احتفظت بعض الدول الغربية بقنوات اتصال محدودة مع طالبان في ملفات مكافحة تنظيم داعش-ولاية خراسان والمساعدات الإنسانية. وقد يؤدي التقارب العسكري مع روسيا إلى تقليص مستوى هذا التعاون أو زيادة القيود المفروضة عليه نتيجة تنامي انعدام الثقة.
- تعقيد سياسة التوازن التي تتبنَّاها طالبان خارجيًّا: سعت الإمارة، منذ عام 2021، إلى تنويع علاقاتها الخارجية وعدم الارتهان لطرف واحد، إلا أن تعميق التعاون العسكري مع روسيا قد يجعل الحفاظ على هذا التوازن أكثر صعوبة، لأن الغرب قد يفسر هذا التقارب بوصفه انحيازًا إستراتيجيًّا وليس مجرد تعاون تقني.
- زيادة استخدام ملف حقوق الإنسان ورقةَ ضغط سياسية: قد تستغل الولايات المتحدة والدول الأوروبية هذا التقارب لتشديد خطابها بشأن حقوق الإنسان وحقوق المرأة والاعتراف الدولي، بوصفه وسيلة إضافية للضغط على حكومة طالبان ومنعها من تحقيق مكاسب سياسية من خلال انفتاحها على روسيا.
- احتمال تحول أفغانستان إلى ساحة جديدة للتنافس بين القوى الكبرى: إذا تطورت العلاقات الروسية-الأفغانية مستقبلًا إلى مستويات أوسع، فقد تصبح أفغانستان إحدى ساحات التنافس غير المباشر بين روسيا والغرب، وهو ما قد يحد من قدرة طالبان على انتهاج سياسة خارجية متوازنة، ويجعلها أكثر عرضة لضغوط الاستقطاب الدولي.
ومع ذلك، ينبغي عدم المبالغة في هذه الانعكاسات؛ وخاصة إذ استطاعت الإمارة الإسلامية بدبلوماسيتها أن تقنع الدول الغربية والولايات المتحدة الأميركية بأن الاتفاقية الحالية اتفاقية عسكرية-تقنية محدودة، ولا ترقى إلى مستوى التحالف العسكري أو الدفاع المشترك. وأنها موجهة بالدرجة الأولى للاستخدام الإقليمي، وأن إمارة أفغانستان الإسلامية لا تزال حريصة على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية، إدراكًا منها أن معالجة ملفات الاعتراف الدولي والعقوبات والأصول المجمدة والمساعدات الإنسانية لا تزال مرتبطة بدرجة كبيرة بمواقف الغرب. ولذلك فمن المرجح أن تحاول الإمارة تقديم الاتفاقية على أنها جزء من سياسة تنويع الشراكات الخارجية، وليس إعلانًا للانضمام إلى محور دولي مناهض للغرب. وهذا الطرح يتسق مع الإطار النظري الذي اعتمدته الدراسة، ولاسيما مفهوم التوازن الإستراتيجي (Strategic Hedging).
مستقبل العلاقات الروسية-الأفغانية
تشير المعطيات الراهنة إلى أن الاتفاقية العسكرية-التقنية تمثل بداية مرحلة جديدة في العلاقات بين روسيا وإمارة أفغانستان الإسلامية، إلا أن مستقبل هذه العلاقات سيظل مرهونًا بجملة من العوامل الداخلية والإقليمية والدولية. فالتقارب الحالي لا يعني بالضرورة انتقال الطرفين إلى تحالف إستراتيجي شامل، وإنما يعكس تقاطعًا مرحليًّا للمصالح قد يتوسع أو يتراجع تبعًا لتغير الظروف المحيطة.
فعلى الصعيد الروسي، ستظل أولويات موسكو مرتبطة بالحرب في أوكرانيا وما تفرضه من أعباء مالية وعسكرية، وهو ما قد يحد من قدرتها على تطوير التعاون العسكري مع طالبان إلى مستويات أعلى، كإبرام صفقات تسليح كبيرة أو تقديم مساعدات دفاعية واسعة. كما أن روسيا ستواصل مراعاة علاقاتها مع باكستان ودول آسيا الوسطى والصين؛ الأمر الذي يجعلها حريصة على عدم اتخاذ خطوات قد تختل معها التوازنات الإقليمية القائمة.
أما بالنسبة إلى إمارة أفغانستان الإسلامية، فمن المرجح أن تستمر في توظيف الاتفاقية ضمن سياسة تنويع الشراكات الخارجية، وعدم الارتهان لدولة واحدة، وإرسال رسائل إلى جيرانها أن تلتزم حدودها، وأنها ستحاول أن تستثمر الاتفاقية لإقناع الداخل؛ فالحركة تدرك أن الاعتراف الدولي لا يزال محدودًا، وأن تحسين موقعها الإقليمي يتطلب بناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية والإقليمية، بما فيها روسيا والصين ودول الخليج وبعض الدول الآسيوية.
وفي ضوء هذه الاعتبارات، يبدو أن مستقبل التعاون بين الطرفين سيتجه نحو التدرج؛ إذ قد يبدأ بتوسيع برامج الصيانة والتدريب وتبادل الخبرات، ثم ينتقل -إذا توافرت الظروف- إلى مجالات أوسع تشمل التعاون الاستخباراتي، وتطوير الصناعات الدفاعية الخفيفة، وربما تزويد أفغانستان ببعض المنظومات العسكرية ذات الطبيعة الدفاعية الجوية التي تضع الحكومة الأفغانية الحالية الحصولَ عليها على رأس سُلَّم أولوياتها. غير أن الوصول إلى مرحلة التحالف العسكري الكامل سيظل احتمالًا بعيدًا في المدى المنظور نظرًا للقيود السياسية والاقتصادية والإستراتيجية التي تواجه الطرفين.
ومن جانب آخر، ستبقى العلاقة الروسية مع حكومة طالبان عرضة لتأثير عدد من المتغيرات الخارجية، مثل تطور العلاقات بين طالبان وباكستان، ومستقبل العقوبات الدولية المفروضة على روسيا، ومدى قدرة إمارة أفغانستان الإسلامية على تحقيق قدر من الاستقرار الداخلي، فضلًا عن مواقف القوى الغربية من أي انفتاح دولي على الحكومة الأفغانية.
النقد الموجَّه للاتفاقية في ضوء نظرية "أمن النظام مقابل أمن الأفراد"
تُعد الثنائية بين أمن النظام (Regime Security) وأمن الأفراد (Human Security) من المداخل المهمة لتحليل العلاقات بين الدول والسياسات الأمنية المعاصرة؛ إذ ينطلق الاتجاه التقليدي في الدراسات الأمنية من أولوية الدولة، ويرى أن حماية سيادتها واستقرار نظامها السياسي يمثلان جوهر الأمن، بينما ينقل الاتجاه النقدي مركز الاهتمام من الدولة إلى الإنسان، مؤكدًا أن الأمن الحقيقي يتمثل في حماية الأفراد من مختلف أشكال التهديد، بما فيها القمع السياسي والفقر وانتهاكات الحقوق الأساسية(31).
وتبرز أهمية هذا المدخل في تحليل الاتفاقية العسكرية-التقنية بين روسيا وطالبان؛ إذ يرى منتقدوها أنها تعكس أولوية أمن النظام على حساب أمن الأفراد. فمن منظور أمن النظام، يمكن تفسير التعاون الروسي-الأفغاني بوصفه محاولة لتعزيز قدرة حكومة طالبان على مواجهة التحديات الأمنية التي تهدد بقاءها، مثل نشاط الجماعات المسلحة المعارضة، وتهديد تنظيم الدولة الإسلامية-خراسان، وضعف القدرات العسكرية والتقنية للقوات الأمنية، فضلًا عن حاجة النظام إلى دعم خارجي يخفف من عزلته الدولية.
وفي هذا السياق، يمكن فهم الاتفاقية بوصفها وسيلة لتوفير التدريب والخبرة الفنية وصيانة المعدات العسكرية، إضافة إلى منح النظام دعمًا سياسيًّا غير مباشر من خلال تطوير علاقاته مع قوة دولية كبرى. كما أن روسيا نفسها تنظر إلى استقرار أفغانستان من زاوية أمنها القومي، لما قد يترتب على انهيار الدولة الأفغانية من تداعيات أمنية، مثل انتشار الجماعات المتطرفة وتجارة المخدرات وتدفقات اللاجئين.
غير أن مقاربة أمن الأفراد تطرح نقدًا مختلفًا؛ إذ لا تنظر إلى استقرار النظام بوصفه غاية بحدِّ ذاته بل تقيس الأمن بمدى قدرة النظام على حماية حقوق المواطنين وحرياتهم. ومن هذا المنظور، يُخشى أن يؤدي التعاون الأمني مع طالبان إلى تعزيز قدرات نظام سياسي متهم من قبل الدول الغربية بانتهاكات حقوق الإنسان وتقييد الحريات العامة، بما يجعل الدعم العسكري والتقني أداة لتعزيز سلطة النظام بدلًا من حماية المجتمع.
وهنا يظهر التوتر بين المنظورين: فبينما قد يسهم تعزيز أمن النظام في تحقيق قدر من الاستقرار ومنع الفوضى، فإن هذا الاستقرار يفقد قيمته الأمنية إذا تحقق على حساب حقوق الأفراد. ولذلك يطرح منتقدو الاتفاقية سؤالًا جوهريًّا: هل يمكن بناء أمن حقيقي للمجتمع الأفغاني من خلال دعم نظام قد يُنظر إليه من البعض بوصفه مصدرًا لبعض المخاوف الأمنية للأفراد؟
ويحاول بعض الباحثين تجاوز هذا التعارض بالقول: إن أمن الدولة وأمن الأفراد ليسا بالضرورة متناقضين بل إن الدولة المستقرة والقادرة قد تكون شرطًا ضروريًّا لحماية المواطنين، بشرط أن تُستخدم قوتها في خدمة المجتمع لا في قمعه.
وعليه، فإن تقييم الاتفاقية الروسية-الأفغانية لا ينبغي أن يقتصر على آثارها العسكرية والسياسية بل يجب أن يشمل طبيعة الأمن الذي تنتجه: هل هو أمن يهدف إلى تثبيت النظام السياسي فقط أم إنه يسهم في بناء أمن إنساني يجعل حماية الإنسان وحقوقه محورًا أساسيًّا؟
خاتمة
توصلت هذه الدراسة إلى أن الاتفاقية العسكرية-التقنية الموقَّعة بين روسيا وإمارة أفغانستان الإسلامية، في مايو/أيار 2026، لا يمكن النظر إليها بوصفها مجرد اتفاق فني يتعلق بصيانة المعدات العسكرية بل تمثل تطورًا سياسيًّا وإستراتيجيًّا يعكس التحولات الجارية في البيئة الأمنية لآسيا الوسطى وفي طبيعة العلاقات بين موسكو وكابول.
وقد أظهرت الدراسة أن الاتفاقية جاءت نتيجة تقاطع مصالح الطرفين أكثر من كونها تعبيرًا عن تحالف أيديولوجي أو تقارب سياسي شامل. فروسيا تسعى إلى حماية أمنها القومي، وتعزيز نفوذها في آسيا الوسطى، ومنع عودة النفوذ العسكري الغربي إلى أفغانستان، في حين تسعى إمارة أفغانستان الإسلامية إلى كسر العزلة الدولية، وإعادة تأهيل قدراتها العسكرية، وتنويع علاقاتها الخارجية بما يعزز شرعيتها المحلية والإقليمية والدولية.
كما بيَّنت الدراسة أن الاتفاقية، في صورتها الحالية، تظل محدودة من حيث مضمونها العسكري؛ إذ تركز على التعاون التقني والصيانة والتدريب ولا تتضمن التزامات دفاعية متبادلة أو إنشاء تحالف عسكري رسمي. ولهذا فإن قيمتها السياسية والرمزية تبدو أكبر من آثارها العسكرية المباشرة، لأنها تعكس استعداد روسيا للتعامل مع إمارة أفغانستان الإسلامية بوصفها شريكًا رسميًّا في الملفات الأمنية.
ومن الناحية النظرية، أكدت الدراسة أن الواقعية السياسية توفر الإطار الأكثر ملاءمة لتفسير هذا التقارب؛ إذ إن الطرفين تحركهما اعتبارات المصلحة الوطنية وتوازن القوى لا الاعتبارات الأيديولوجية. كما يفسر مفهوم التوازن الإستراتيجي سعي طالبان إلى تنويع شراكاتها الخارجية وسعي روسيا إلى توسيع نفوذها الإقليمي مع تجنب الالتزامات العسكرية المكلفة.
أما على المستوى الإقليمي، فقد أظهرت الاتفاقية تغيرًا تدريجيًّا في التوازنات المحيطة بأفغانستان، ولاسيما فيما يتعلق بعلاقاتها مع باكستان، وبالنفوذ الأميركي في المنطقة، مع بقاء تأثيرها الفعلي مقيدًا بعوامل اقتصادية وسياسية وعسكرية عديدة.
وفي ضوء ذلك، يمكن القول: إن الاتفاقية تمثل بداية مسار جديد في العلاقات الروسية-الأفغانية أكثر من كونها نهاية لهذا المسار، وإن مستقبلها سيعتمد على قدرة الطرفين على تحويل التعاون التقني الحالي إلى شراكة أكثر عمقًا، وعلى طبيعة التحولات التي ستشهدها البيئة الإقليمية والدولية خلال السنوات المقبلة.
- Farangis Najibullah, “In Sign Of Deepening Ties, Russia And Afghan Taliban Sign Military Deal”. Radio Free Europe/Radio Liberty, May 28, 2026 (Accessed: 28, June, 2026) https://www.rferl.org/a/russia-taliban-afghanistan-military-agreement-shoigu-yaqub/33767652.html
- Silvia Boltuc, “Assessing Russia–Afghanistan Military-Technical Cooperation”. SpecialEurasia, June 1, 2026 (accessed:June 28, 2026) Retrieved from https://www.specialeurasia.com/2026/06/01/russia-afghanistan-military/
- Katherina Popilnichenko, “Russia and Taliban Forge New Military Cooperation Agreement”. UNITED24 Media. 2026, May 27 (accessed: on June 28, 2026) Retrieved from https://united24media.com/world/russia-and-taliban-forge-new-military-cooperation-agreement-19245
- A News story, “Moscow Signs Military Partnership With the Taliban”. The Moscow Times, May 28, 2026 (accessed: on June 28) Retrieved from https://www.themoscowtimes.com/2026/05/28/moscow-signs-military-partnership-with-the-taliban-a92875
- “Taliban, Russia Sign Deal Expanding Military and Technical Cooperation.” Kabul Now. (2026, May 28) (accessed: on June 29, 2026) Retrieved from https://kabulnow.com/2026/05/taliban-russia-sign-deal-expanding-military-and-technical-cooperation/
- Waslat Hasrat-Nazimi, “Taliban, Russia are cozying up to each other — why?” DW News. 2026, June 3 (accessed: on June 29, 2026), Retrieved from https://www.dw.com/en/taliban-russia-are-cozying-up-to-each-other-why/a-77409479
- المرجع السابق: A News story, “Moscow Signs Military Partnership With the Taliban”. The Moscow Times, May 28, 2026.
- Sudha Ramachandran, “Strategic Affairs Expert Aleksei Zakharov on the Russia-Taliban Defense Deal.” The Diplomat. (2026, June 22) (accessed: on June 29, 2026) Retrieved from https://thediplomat.com/2026/06/strategic-affairs-expert-aleksei-zakharov-on-the-russia-taliban-defense-deal/
- A news story, “Military-Technical Agreement with Afghanistan Focuses on Repair of Russian-Made Equipment, Zamir Kabulov.” The Kabul Times, June 2, 2026 (accessed: on June 25, 2026) Retrieved from https://short-url.cc/1sIke+
- Katherina Popilnichenko, “Russia Offers to Repair Soviet-Era Military Hardware for Taliban.” United24 Media. (2026, June 1) (accessed: on June 29, 2026) Retrieved from https://united24media.com/world/russia-offers-to-repair-soviet-era-military-hardware-for-taliban-19400
- المرجع السابق: Silvia Boltuc, “Assessing Russia–Afghanistan Military-Technical Cooperation”. SpecialEurasia, June 1, 2026.
- المرجع السابق: Farangis Najibullah, “In Sign Of Deepening Ties, Russia And Afghan Taliban Sign Military Deal”. Radio Free Europe/Radio Liberty, May 28, 2026.
- المرجع السابق: Silvia Boltuc, “Assessing Russia–Afghanistan Military-Technical Cooperation”. SpecialEurasia, June 1, 2026.
- Luke Coffey, “Russia-Taliban Relations Are Growing: Implications for US Policy.” Hudson Institute. (2026, June 26) (accessed: on June 29, 2026) Retrieved from https://www.hudson.org/terrorism/russia-taliban-relations-are-growing-implications-us-policy-luke-coffey
- المرجع السابق: Sudha Ramachandran, “Strategic Affairs Expert Aleksei Zakharov on the Russia-Taliban Defense Deal.” The Diplomat. (2026, June 22).
- المرجع السابق: Silvia Boltuc, “Assessing Russia–Afghanistan Military-Technical Cooperation”. SpecialEurasia, June 1, 2026.
- المرجع السابق: Farangis Najibullah, “In Sign Of Deepening Ties, Russia And Afghan Taliban Sign Military Deal”. Radio Free Europe/Radio Liberty, May 28, 2026.
- المرجع السابق: Waslat Hasrat-Nazimi, “Taliban, Russia are cozying up to each other — why?” DW News. 2026, June 3.
- خبر بعنوان: (بازگشت وزیر دفاع از مسکو؛ توافق با روسیه تخنیکی ـ نظامی است، نه پیمان دفاعی) "عودة وزير الدفاع من موسكو: الاتفاقية مع روسيا، اتفاقية عسكرية-تقنية وليست تحالفًا دفاعيًّا"، وكالة الأنباء (AVA) صوت الأفغان (Afghan Voice Agency)، 30 مايو/أيار 2026، (تاريخ الدخول: 25 يونيو/حزيران 2026)، https://h1.nu/1sD6W
- محمدخانی، علیرضا. (1388). تبیین رویکرد نو واقع گرایی در روابط بین الملل. مطالعات سیاسی، 1(3)، 83–100. SID. https://sid.ir/paper/161446/fa
- المرجع السابق: Farangis Najibullah, “In Sign Of Deepening Ties, Russia And Afghan Taliban Sign Military Deal”. Radio Free Europe/Radio Liberty, May 28, 2026.
- Walt, S. M. (1987). The Origins of Alliances. Ithaca: Cornell University Press, 1987, p. 21.
- المرجع السابق: Silvia Boltuc, “Assessing Russia–Afghanistan Military-Technical Cooperation”. SpecialEurasia, June 1, 2026.
- علی حسینی، مامون درانی، ضیا شهریار، مقال بعنوان: (ریشه تنش میان حکومت طالبان و پاکستان چیست؟) "ما جذور التوتر بين حكومة طالبان وباكستان؟"، إذاعة بي بي سي بالفارسية، 27 فبراير/شباط 2026، (تاريخ الدخول: 26 يونيو/حزيران 2026)، http://www.bbc.com/articles/c1e93dpq2g4o
- خبر بعنوان: (مقام پاکستانی: توافق نظامی روسیه و طالبان مانع حملات هوایی ما نمیشود) "مسؤول باكستاني: الاتفاقية العسكرية بين روسيا وطالبان لن تمنع غاراتنا الجوية"، وكالة تسنيم للأنباء، 4 يونيو/حزيران 2026، (تاريخ الدخول: 25 يونيو/حزيران 2026)، http://www.tasnimnews.ir/fa/news/1405/03/14/3608383/
- Zaigham Naqvi, “Pakistan, Russia agree to sign Economic Cooperation Programme extending through 2030: Awais Leghari.” The Express Tribune, June 9, 2026 (accessed: on June 29, 2026) Retrieved from https://short-url.cc/1sEcD+
- المصدر السابق: Luke Coffey, “Russia-Taliban Relations Are Growing: Implications for US Policy.” Hudson Institute. (2026, June 26).
- المصدر السابق: Silvia Boltuc, “Assessing Russia–Afghanistan Military-Technical Cooperation”. SpecialEurasia, June 1, 2026.
- المصدر السابق: Sudha Ramachandran, “Strategic Affairs Expert Aleksei Zakharov on the Russia-Taliban Defense Deal.” The Diplomat. (2026, June 22).
- نفس المصدر المذكور: Sudha Ramachandran, “Strategic Affairs Expert Aleksei Zakharov on the Russia-Taliban Defense Deal.” The Diplomat. (2026, June 22).
- بدیعی ازنداهی، مرجان؛ کامران دستجردی، حسن؛ زارعی، بهادر؛ ونقیبزاده، سید محمد. (1404). «چالشهای امنیتی پیش روی آسیا – پاسیفیک با تکیه بر شاخصهای نظریه امنیتی منطقهای بری بوزان». مطالعات دفاعی استراتژیک، بهمن 1404 ش، العدد (102)، صص 225-256
- وراجع كذلك: Buzan, B. (1991). People, States and Fear: An Agenda for International Security Studies in the Post-Cold War Era, 2nd ed. London: Harvester Wheatsheaf, 1991, pp. 18–35.