العراق في لعبة صراع القوة والنفوذ بين إيران والولايات المتحدة

تحلل هذه الورقة محاولات رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي الموازنة في علاقات العراق مع كل من الولايات المتحدة وإيران، وتجنب الاستقطاب الحاد الذي تفرضه الحرب الراهنة في المنطقة، والتحديات الصعبة التي تواجه هذه المحاولات.
بعد زيارته إلى واشنطن قام الزيدي بزيارة طهران في تجسيد لتعقيدات الجغرافية والمصالح السياسية (أسوشيتدبرس)

بعد أبريل/نيسان 2003، بدأ الصراع على النفوذ في الشرق الأوسط بين أميركا وإيران يكتب فصلًا جديدًا في صراعات النفوذ على الشرق الأوسط. إذ أصبحت الترسانة العسكرية الأميركية التي أسقطت نظام صدام في مواجهة نفوذ سياسي إيراني أخذت تترسم ملامحه بوضوح على تفاصيل تشكيل المشهد السياسي في العراق.

أسهم الأميركيون كثيرًا في أن تكون الأبواب مشرعة أمام النفوذ الإيراني في العراق؛ إذ بعد 2003 لم يكن للولايات المتحدة مشروع واضح وصريح بشأن خريطة الطريق لمرحلة ما بعد إسقاط نظام صدام حسين. في حين كانت إيران تدرك تمامًا أن تغيير نظام الحكم في العراق هو فرصة حقيقية يجب استثمارها للانطلاق نحو مشروع أمنها القومي وبسط نفوذها من خلال الإبقاء على العراق دولةً هشَّة: نظامًا سياسيًّا يُحكم من قبل رؤوس متعددة يمكن السيطرة على قراراها. ولا أحد يمكن أن ينكر دور الفاعلين الرسميين وغير الرسميين في مرحلة ما بعد 2003 في إبقاء عدم حسم طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية، والتماهي مع المشروع الإيراني.

تغيير في قواعد اللعبة

تملك إيران مفاتيح كثيرة تلج من خلالها إلى مناطق النفوذ في العراق، ولعل إصرارها على تشييع جنازة المرشد الأعلى الراحل، آية الله علي خامنئي، في النجف وكربلاء محاولة لتكريس رمزية النفوذ الإيراني على الصعيد الاجتماعي والسياسي وليس الديني فقط، علمًا بأن التشييع في النجف وكربلاء كان بحدِّ ذاته انتقائيًّا بالنسبة لحالة المرشد الراحل، أي إنه لم يكن أمرًا شائعًا أو إلزاميًّا مع تشييع كل مرجع ديني يُتوفى خارج العراق، إلا أن رسائل السياسة لها مدلولاتها في توظيف الرمزيات الطقوسية الدينية.

لقد كان من بين أبرز معطيات الواقع في الشرق الأوسط، بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، "طوفان الأقصى"، أن الوضع بعد ذلك الحدث لن يكون كما كان قبله. ولعل انعكاسات ذلك على صراع النفوذ بين واشنطن وطهران باتت واضحة جدًّا في السنوات الثلاث الماضية لاسيما أن غبار الحرب لم ينجلِ تمامًا بعدُ ولكن آثارها في تقلص مساحة نفوذ "محور المقاومة" الذي قادته إيران طوال عشرين عامًا بدأت تتضح جليًّا بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا.

وقد تكون ملامح تقلص مساحة النفوذ السياسي الإيراني بدأت قبل حرب إسرائيل وأميركا ضد إيران، ويمكن تحديدها بعد حادثة المطار التي اغتيل فيها الجنرال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، مطلع العام 2020. إذ لم يعد الحرس الثوري متدخلًا بقوة في قضايا تشكيل الحكومة ومن يكون رئيس الوزراء أو حتى اختيار رئيس البرلمان. وإنما حدود التدخل بمباركة اختيار الإطار التنسيقي لرئيس الوزراء من قبل المرشد الأعلى الراحل، علي خامنئي، كما حدث في اختيار رئيس الوزراء السابق، محمد شياع السوداني، بعد انتخابات 2021، وترشيح نوري المالكي بعد انتخابات 2025 الذي رفضه ترامب.  

يبدو أن تعقيدات العلاقة بين طهران وبغداد تكمن في رؤية إيران للعراق بأنه ليس منطقة نفوذها فحسب وإنما هو مرتكز أساس في رؤيتها للأمن القومي الإيراني. وعلى هذا الأساس هي تريد الإبقاء على هشاشة الدولة، وتريد المحافظة على نفوذها السياسي.

صحيح أن ملامح خرائط الصراع في الشرق الأوسط بدأت تتغير وتنتقل من الصراع على النفوذ إلى الصدام المباشر وإعادة هندسة المنطقة بأكملها، ولم يعد توازن الردع الذي خططت له إيران طوال عشرين عامًا له حضور وبنفس القوة. لكن إيران بالمقابل تريد أن تحافظ على ما تبقى من مناطق نفوذها في لبنان والعراق واليمن. ولذلك هي تؤكد حضورها في تلك البلدان. وقد تكون نبرة الدبلوماسية توحي بعلاقات ومصالح مشتركة، وابتعدت عن الصوت العالي الذي كان يصدح بوحدة الساحات والقرار يُصنع في إيران، ولكنه يعلن في عواصم "محور المقاومة". لكن رسالة السيد مجتبى خامنئي، المرشد الأعلى، بعد انتهاء مراسيم تشييع والده، أعادت التأكيد على أن الانتقام "يجب أن يتحقق"، وأن "أحرارًا من أنحاء العالم سيؤدون قريبًا جزءًا من مهمة الانتقام من قَتَلَة المرشد الراحل وبقية الشهداء"(1).

رغم ذلك، قواعد اللعبة بين إيران وأميركا في العراق لم تعد كما كانت قبل بدأ الحرب وتحديدًا بعد وصول ترامب إلى رئاسة البيت الأبيض في ولايته الثانية؛ إذ كانت تؤشر إلى نفوذ السياسة الإيرانية على أعلى المستويات وعلى مستوى صنع القرار السياسي، ويوازيه نفوذ عسكري غير رسمي من خلال تواجد العناوين العسكرية المرتبطة عقائديًّا بإيران. بالمقابل، هناك تواجد عسكري رسمي للقوات الأميركية؛ لكن على مستوى التأثير السياسي تراكمت أخطاء إدارة الرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما، والرئيس جو بايدن.

في حكومة السوداني كان من يحدد ملامح السياسة الأميركية في العراق هو السفارة الأميركية في بغداد؛ إذ كانت السفيرة السابقة، إلينا رومانويسكي، نشطة في إدارة علاقات بغداد مع واشنطن، وكان حراكها يعكس توجهًا يعبِّر عن تعاطي الأميركان مع القرار الداخلي للقوى السياسية ليعكس صورة جديدة، تختلف عمَّا يجري تسويقه بفرض الأجندة الأميركية على قرار القوى السياسية، أو دعمهم لشخصيات محددة لتولِّي الحكومة. وحتى التعامل مع صعود القوى السياسية التي تعدها أميركا أذرعًا للنفوذ الإيراني في العراق، بوصفها واقع حال. وبالنتيجة كانت سياسة السفارة الأميركية تسعى إلى إحراج القوى التي ترفع راية العداء ضدَّ أميركا من خلال التعامل السياسي معها بوصفها واقعًا، والتوجه نحو التعامل مع الأطراف الفاعلة بعيدًا عن هيمنة المركز الإيراني المؤثِّر.

لكن، مع وصول الرئيس دونالد ترامب إلى سُدَّة الحكم مرة ثانية بدأ التعامل مع الملف العراقي يتغير؛ إذ أصبحت تصريحات وزير الخارجية الأميركية والقائم بأعمال السفارة الأميركية في بغداد أكثر وضوحًا في منع إقرار قانون الحشد الشعبي، ورفض مشاركة الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران في الحكومة؛ ومن ثم تعيين مبعوث خاص للرئيس الأميركي في العراق. وأخيرًا رفض تكليف الإطار التنسيقي لنوري المالكي بتشكيل الحكومة(2).

الزيدي والدعم الأميركي

على خلاف موقفه الرافض لتكليف الإطار التنسيقي لنوري المالكي بتشكيل الحكومة التاسعة، كان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مبارِكًا ومهنئًا لعلي الزيدي بعد يومين من تكليفه. وتمنَّى ترامب التوفيق للزيدي في مساعيه لتشكيل حكومة جديدة "خالية من الإرهاب" وقادرة على بناء مستقبل مشرق للعراق. ووصف تكليف الزيدي بأنه "بداية فصل جديد بين العراق والولايات المتحدة يزخر بالازدهار والاستقرار والنجاح غير المسبوق"، ودعاه لزيارة واشنطن بعد تشكيل حكومته(3).

الزيدي القادم من مجال الأعمال والاقتصاد إلى عالم السياسة نجح في تمرير حكومته من خلال لعبة التوازن بين القيود الأميركية التي وضعتها على مشاركة عناوين الفصائل المسلحة التي لديها تمثيل سياسي داخل الإطار التنسيقي؛ إذ مضى مع رفض الأميركان مشاركة تلك الفصائل في الكابينة الحكومية، ونجح حتى الآن في منع تلك الفصائل من عرقلة تشكيل الحكومة من خلال تقديم الوعود لها باحتمالية المشاركة في المرحلة الثانية لاستكمال الوزارات الشاغرة.

وقد يكون تكليف الزيدي وتشكيل حكومته هو أهم رسائل انسحاب إيران من أكثر الملفات التي كانت تديرها في العراق، ألا وهو تشكيل الحكومة، لاسيما بعد مناورة بعض الفصائل المسلحة التي لديها تمثيل سياسي داخل قوى الإطار التنسيقي بالدخول في صفقة نزع السلاح مقابل البقاء ضمن دائرة النفوذ السياسي، وهذه الفصائل تحولت إلى ذراع سياسية لإيران، بعدما حصلت على حضور معتبر في البرلمان وفي حكومة شياع السوداني وانتخابات 2025. لكن إيران لم تتدخل لفرض حضورها في الحكومة وضمان حصتها من تقاسم الوزارات.

وفي أول زيارة رسمية من مسؤول أميركي رفيع المستوى تحمل رسائل الإسناد لحكومة الزيدي، كان لقاء توم باراك، مبعوث الرئيس الأميركي الخاص إلى العراق وسوريا، مع رئيس الوزراء، علي الزيدي، في منتصف يونيو/حزيران، ناقش ملف مستقبل الشراكة بين بغداد وواشنطن، وهو ما بحثه الزيدي مع الرئيس ترامب في البيت الأبيض، في منتصف يوليو/تموز. جرى التركيز على ملف حصر السلاح بيد الدولة، وتنفيذ الخطط العراقية الرامية إلى النزع الكامل للسلاح وحل جميع الجماعات والتشكيلات المسلحة العاملة خارج سلطة الدولة. وأيضًا، التأكيد على ضرورة استكمال إجراءات استثمار الشركات الأميركية في العراق بمجالي النفط والكهرباء(4).

وعشية زيارته لواشنطن، حدَّد الزيدي، في مقال كتبه لصحيفة واشنطن بوست الأميركية عنوانه: "لماذا أتوجه إلى واشنطن؟"(5)، الهدف من زيارته بقوله: "إنها تهدف إلى نقل العلاقة بين البلدين من إدارة الأزمات إلى خلق الفرص". ومن أهم دلالات هذه الزيارة قبل معرفة مخرجاتها هو أن تكون واشنطن أولى المحطات الخارجية لرئيس الوزراء، علي الزيدي، على خلاف رؤساء الحكومات السابقين، الذي تكون محطاتهم الأولى هي طهران أو الدول المجاورة.

من واشنطن إلى طهران

قد يختصر البعض علاقة بغداد المعقدة مع واشنطن وطهران، بمشهد درامي يجسد العلاقة بين القاتل والمقتول؛ إذ حضر رئيس وزراء العراق، علي الزيدي، مراسيم تشييع جنازة قائد الثورة الإيرانية، السيد علي خامنئي، الذي لقي مصرعه في القصف الذي تعرض له مقرُّه في أولى لحظات الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران، في 28 فبراير/شباط 2026، وبعد أيام ذهب إلى البيت الأبيض والتقى الرئيس ترامب وتصافحا بحرارة. وبعد العودة إلى بغداد قام الزيدي بزيارة طهران. وربما ذلك أفضل تجسيد لتعقيدات الجغرافية والمصالح السياسية في علاقة العراق مع كل من إيران والولايات المتحدة الأميركية.

وما بعد هذه الزيارات، لا أحد يعرف حتى الآن ما هي رؤية حكومة الزيدي لإدارة تعقيدات التعامل مع طهران وواشنطن، ورؤيتها لإدارة منظومة أمنية هجينة تتجاذبها الخلافات الداخلية وتعد بوابة للتدخلات الخارجية. رغم أن التوجه الأميركي بإعادة رسم علاقة الشراكة واضح، إلا أن الإيرانيين بعد الحرب أصبح التعامل معهم أكثر تعقيدًا في ظل الانقسام الواضح في إدارة سياستها الخارجية بين الحرس الثوري والممثلين الرسميين للنظام.

تبدو المهمة الصعبة لحكومة الزيدي في إقناع كلٍّ من واشنطن وطهران بأنَّ العراق يجب أن يكون نقطة التقاء للمصالح، لكن ذلك يبدو صعبًا مع تعدد الجهات والأحزاب التي تصادر قرار الدولة الخارجي، وذلك من أهم معالم الدول الفاشلة التي يرفض الزيدي أن يتحول العراق إليها(6).

الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وصف العلاقة مع العراق بأنها "انتقلت من كونها ليست جيدة إلى أن أصبحت ممتازة للغاية"، مبشرًا بعلاقة "طويلة الأمد مع العراق". في مقابل ذلك، تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي رسالة منسوبة إلى علي أكبر ولايتي، مستشار قائد الثورة الإسلامية في إيران، ينتقد فيها زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى الولايات المتحدة، بدأها بعبارة "إنا لله وإنا إليه راجعون". واصفًا الزيارة بالمؤسفة و"جاءت في غير وقتها وألحقت الضرر بجهاد الشعب العراقي". ولم يجر تأكيد دقة هذه الرسالة، لكن ما نُقل عن مضمونها يعبِّر عن توجه سياسي إيراني تجاه العراق وعلاقته مع واشنطن، لاسيما أن أولى زيارات الزيدي الخارجية كانت واشنطن وليست طهران.

الحياد الموهوم

حتى الآن، لم تنجح حكومات بغداد المتعاقبة في تفكيك العلاقة المعقدة بين العراق وكلٍّ من أميركا وإيران، وأن تبعد العراق عن شعارات الاستقطابات الأيديولوجية في الصراعات الإقليمية. وهذا ما يفرض تحديًا جديدًا أمام رئيس الوزراء، الزيدي، الذي يحتاج أن تكون رسالته الأولى لصنَّاع القرار في أميركا ضرورة أن يكون التعامل مع العراق بعيدًا عن التفكير التقليدي الذي يريد من العراق أن يكون في خطِّ المواجهة الأميركية مع إيران. ويجب الابتعاد عن الادعاء الكاذب بأنَّ حكومة مقربة أو مدعومة من أميركا يمكن لها أن تقوم بتلك الوظيفة، وإّما المساعدة على تحقيق الاستقرار في العراق ودعم اقتصاده تحقق مصالح البلدين وتعطي دافعًا مهمًّا لحكومة الزيدي في خطواتها التي تحتاجها لإعادة هندسة علاقات بغداد مع طهران في مرحلة ما بعد الحرب بين أميركا وإيران. والتي يمكن أن تبدأ بحصر التعامل مع إيران من خلال القنوات الدبلوماسية الرسمية قبل التفكير بحصر سلاح أذرعها داخل العراق.

وأمام تفاعلات الأحداث في الشرق الأوسط بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، يقف الفاعلون السياسيون في العراق وهم لا يملكون خريطة طريق بشأن رسم سياسة واقعية وبخطوات واضحة. قد يراهن بعض الساسة على احتضار "محور المقاومة" الذي تقوده إيران؛ الأمر الذي ستكون نتيجته انكفاء إيران داخل حدودها والتخلي عن إستراتيجياتها السابقة لفرض نفوذها في المنطقة. ومن ثم، يمكن استغلال هذه التحولات لفكِّ الارتباط عن إيران وبدء رسم إستراتيجية جديدة للتفاعل مع ترتيبات الشرق الأوسط الجديد.

لكن، لا يمكن لإيران أن تتقبل بكل سهولة خسارة نفوذها وسطوتها على العراق، وهي لا تقبل أن تتقلص تحت أي تهديد. ولذلك ربما يقبل الإيرانيون بالتضحية بالفصائل المسلحة في المواجهة القادمة بوصفها أمرًا واقعًا، كما حدث في خسارتهم سوريا. ولكن هذه الخسارة لا تكون على حساب إنهاء نفوذها وإنما القبول بتقليصه، على ألا يكون على حساب منافذها الاقتصادية في العراق.

وبالمقابل، العلاقة مع أميركا تحتاج أن تكون أكثر وضوحًا، فبقاء العلاقة ضمن توصيف الأصدقاء-الأعداء لم يعد مقبولًا لدى إدارة ترامب. والانتقال نحو تعزيز الشراكة الإستراتيجية يحتاج خطوات عملية تعتقد فيها الولايات المتحدة أنها من الأولويات التي يجب أن تقوم بها الحكومة القادمة سواء على مستوى مواجهة السلاح الذي يهدد التواجد والمصالح الأميركية في العراق، وكيفية التعامل مع النفوذ الإيراني وأذرعه وأدواته في العراق؛ إذ من الممكن أن تكون صديقًا لطهران وشريكًا إستراتيجيًّا مع واشنطن، ولكن لا يقبل الأميركان أن تكون شريكًا إستراتيجيًّا مع طهران وواشنطن في ذات الوقت.

ولكن تبقى المشكلة الأكبر في مواقف بعض الفاعلين السياسيين، الذين لا يريدون أن يقدموا موقفًا سياسيًّا يبتعد عن دائرة الاشتباك بين طهران وواشنطن. ولذلك لا يمكن لتلك القوى السياسية في العراق الخروج من تلك الدائرة؛ لأن مواقفها من الأميركان لا ترتبط بالشأن العراقي فحسب، وإنما تتماهى تمامًا مع التوتر أو الهدوء في العلاقات الإيرانية-الأميركية، أو حتى التطورات الساخنة في المنطقة. والأكثر تعقيدًا من رغبات الأطراف السياسية في العراق، هو تماهي بعض العناوين السياسية وغير السياسية في العراق مع صانع القرار السياسي في طهران الذي يعتقد أن العراق هو الساحة الأكثر تأثيرًا لإرسال الرسائل سواء بالتهدئة أو بالتصعيد ضد المصالح والتواجد الأميركي فيه.

عقدة السلاح

يدرك الزيدي أن إدارة النفوذ بين وأميركا وإيران في العراق لا تتعلق بقرارات حكومته فحسب وإنما هو ملف معقد يدخل فيه النفوذ الإيراني على فاعلين سياسيين وجماعات السلاح. ولكن مساحة النفوذ الأميركي هي الضغط على حكومة بغداد والتأثير على قراراتها وخياراتها.

والتوجه الأميركي في العراق قائم على أساس الضغط المباشر بخصوص الملفات التي تعدها إدارة ترامب أولوية لفكِّ ارتباط مناطق نفوذها عن نفوذ طهران. لكن هذا الموضوع بالذات لا يمكن حسمه بمرسوم جمهوري أو قرار تنفيذي تتخذه الحكومة ويدخل حيز التنفيذ، فهو يستند إلى شبكة معقدة من العلاقات والمصالح ومواقع النفوذ تتجاوز التعامل بمنطق العلاقات الثنائية بين بلدين من خلال الأطر الرسمية والدبلوماسية. وأذرع النفوذ الإيراني قد تكون واضحة على مستوى السلاح والسياسة في العراق ولكن القنوات الخلفية المعقدة التي تعمل على شكل مافيات اقتصادية ترتبط بتهريب الدولار والنفط تحتاج إلى مواجهة حقيقية وخطوات فعلية لإنهاء وجودها حتى يعاد رسم العلاقة بين البلدين.

إن إيران ما بعد الحرب ستكون أمام مرحلة جديدة لرسم علاقتها مع محيطها الإقليمي. ولكن مع العراق لا يمكنها أن تقبل بفك ارتباط نهائي بين العراق ومنظورها للأمن القومي الإيراني، فلا التاريخ ولا الجغرافيا يسمحان بذلك، لكنها قد تقبل بتقليل النفوذ السياسي مقابل الإبقاء على الارتباط الاقتصادي فهو المنقذ الوحيد من الانهيار. بيد أن العقدة الأكبر تبقى في نفوذها الذي تمثله قوى السلاح في العراق. في المقابل، تعتقد أميركا أن تقليص النفوذ السياسي الإيراني في العراق بداية لا بأس بها والباقي قد يأتي تباعًا.

ولكن المشكلة أن التعامل مع إيران أصبح أكثر تعقيدًا بعد الحرب، وتحديدًا بعد اغتيال المرشد الأعلى، السيد على خامنئي، وعدم وضوح الحضور السياسي لخليفته، السيد مجتبى، وتأثيره في القرار السياسي الإيراني. ومع التأثير المتوقع للحرس الثوري على القرار في إيران فمن المنتظر أيضًا أن يُنظر إلى العراق بوصفه (ساحة) ضمن إستراتيجيات إيران في "محور المقاومة" و"وحدة الساحات"، ومن هذه الزاوية ينبغي تصور مستقبل نفوذ الحرس الثوري في العراق الذي يتجسد بالفصائل المسلحة، التي تريد حكومة الزيدي نزع سلاحها.

أيضًا، لا أحد يعرف حتى الآن ماهية رؤية الحكومة الجديدة في العراق لإدارة ملف العلاقات الخارجية وتحديد سبل التعامل مع طهران وواشنطن، بعد أن أصبحت علاقتهما توصف بحالة اللاسلم واللاحرب، ورؤيتها لإدارة منظومة أمنية هجينة تتجاذبها الخلافات الداخلية، وتُعد بوابةً للتدخلات الخارجية. فحكومة الزيدي أمام تحدي إقناع الأميركان والإيرانيين برؤيته بأنَّ العراق يجب أن يكون نقطة تقاطع لا صراعًا للملفات، وهذا يحتاج ترتيب البيت السياسي العراقي من الداخل أولًا، وفيما بعد تفعيل الاقتصاد ليكون محورًا يقوم على الشراكة وليس على الهيمنة بين الأطراف المتنافسة. ولكن كيف يتم تطبيق ذلك على أرض الواقع، ونحن نعيش في بلد فيه أكثر من جهة وحزب وزعيم يصادر قرار الدولة الخارجي، وسلاح الفصائل لا يزال هو من يملك زمام المبادرة في فتح جبهة إسناد لطهران في حربها مع أميركا، واستهدافها لدول الخليج، ورسائلها بتحدي الحكومة ومصادر قرار الدولة بالحرب والسلم واضحة من خلال الصواريخ والمسيرات التي تنطلق بين فترة وأخرى مستهدفة القنصلية الأميركية في أربيل، وحتى دول الخليج.

خاتمة

تبدو الفرصة اليوم سانحة أكثر من أي وقت مضى أمام العراق لتحويل الكثير من الشعارات السياسية التي ترفع في اللقاءات والمحافل الإقليمية والدولية، وتنادي بضرورة تطبيق مبدأ مصلحة العراق، وتدعو إلى أن يكون التعامل مع البيئة السياسية والخارجية وفق شعار (العراق أولًا). لكن ذلك يبقى مرتهنًا برؤية وسياسات الحكومة في استثمار فكر التعايش الإيجابي مع واقع العراق مهما كان شكل الحكومات أو القوى السياسية التي تقف خلفها، وإدراك القوى الإقليمية أن إقصاء العراق أو بقاءه دولةً فاشلةً يؤدي إلى احتمالات معاكسة لما يريده محيطه الإقليمي، ويتم تحويله إلى ساحة لتهديد مصالحه.

وعلى العراق ألا يبقى يتعامل مع محيطه الإقليمي بمنطق ردود الأفعال التي تعبِّر عن عدم وضوح في خطواته للتفاعل الخالي من أي أبعاد إستراتيجية أو أفق لشراكة ممتدة. إذ لدى العراق الكثير من المقومات التي يمكن أن تشكِّل أساسًا للتكامل والشراكة الاقتصادية، وفي الوقت ذاته لديه الكثير من المشاكل في علاقاته الخارجية لا يمكن أن تُحل من دون تحديد بوصلة التعاون التي يمكن أن تكون ورقة ضغط لحلحلة مشاكل المياه والأمن مع دول الجوار العراقي.

القوى الإقليمية العربية تريد أن ترى عراقًا مختلفًا عن الماضي القريب، ولكن حتى الآن لا نعرف ماذا تريد القوى الحاكمة في العراق: هل تريده عراقًا فاعلًا ومتفاعلًا مع محيطه الدولي والإقليمي، أم أن يبقى ساحة لاستعراض هيمنة نفوذ القوى الإقليمية؟ وإجابة هذا السؤال يجب أن تكون هي البوصلة التي تحدد آفاق سياسة حكومة الزيدي الخارجية نحو البيئة الإقليمية والدولية.

نبذة عن الكاتب

مراجع
  1. مجتبى خامنئي: أحرار من العالم سيؤدون قريبًا جزءًا من مهمة الانتقام للمرشد الراحل، الجزيرة نت، 11 يونيو/حزيران 2026، (تاريخ الدخول: 12 يوليو/تموز 2016)، https://l1nq.com/r2zpkoq

2- يُنظر: مكالمة الوزير روبيو مع رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، 22 تموز/يوليو، 2025، موقع السفارة الأميركية والقنصليات في العراق، (تاريخ الدخول: 12 يوليو/تموز 2016)،

 https://iq.usembassy.gov/ar/secretary-rubios-call-with-iraqi-prime-minister-mohammed-shiaa-al-sudani-ar/

كذلك، - واشنطن: لا شراكة مع حكومة عراقية تضم فصائل "إرهابية"، موقع الحرة MBN، 22 يونيو/حزيران 2026، (تاريخ الدخول: 11 يوليو/تموز 2016)، https://alhurra.com/23447

3- ترمب يهنئ الزيدي بتكليفه تشكيل الحكومة العراقية ويدعوه لزيارة واشنطن، الجزيرة نت، 30 أبريل/نيسان 2026، (تاريخ الدخول: 12 يوليو/تموز 2016)، https://l1nq.com/g7ef50b

4- بيان مشترك: رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي والمبعوث الرئاسي الخاص توم باراك، 16 يونيو/حزيران 2026، موقع السفارة الأميركية والقنصليات في العراق، (تاريخ الدخول: 11 يوليو/تموز 2016)، https://iq.usembassy.gov/ar/joint-statement-prime-minister-ali-al-zaidi-and-special-presidential-envoy-tom-barrack-ar/

5- Ali al-Zaidi, Iraq’s prime minister: Why I’m coming to Washington, The Washington Post, July 13,2026. (viewed at 13-7-2026): https://www.washingtonpost.com/opinions/2026/07/13/prime-minister-al-zaidi-iraq-is-ready-new-us-partnership/

6- Iraq’s Man in the Middle, The Atlantic, July 21, 2026 (viewed at 22-7-2026): (https://www.theatlantic.com/national-security/2026/07/iraq-ali-alzaidi-iran-war-trump/688009/