تراجع اللوبي اليهودي: تحول في قواعد الفوز بالانتخابات الأميركية

فوز الطبيب الأميركي من أصول مصرية، عبد الرحمن السيد، بتمثيل الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ في ميتشيغان، يرسخ نمطًا جديدًا في المنافسة السياسية الأميركية، يضرب في مجمله أسس القواعد التي كانت تستند إليها جماعات المصالح الموالية لإسرائيل في التحكم بالعملية السياسية الأميركية.
6 أغسطس 2026
السيد يفوز على حساب اللوبي اليهودي (رويترز)

فاز الطبيب الأميركي من أصول مصرية، عبد الرحمن السيد، بتمثيل الحزب الديمقراطي في ولاية ميتشيغان في انتخابات مجلس الشيوخ القادمة، في نوفمبر/تشرين الثاني 2026. فقد حصل، بعد فرز نحو 99%من الأصوات، على نسبة 48.5% مقابل 47.5% لمنافسته ستيفنز. وقد أقرَّت بالهزيمة، وأعلنت اتصالها بالسيد لتهنئته ودعمه بالكامل. وقد واجه في هذه المعركة الانتخابية التمهيدية قيادة الحزب الديمقراطي التقليدية التي تعده لا يمثل مواقف الحزب التقليدية، والرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الذي وصفه بالشيوعي والكاره لليهود ولدولة إسرائيل. ويعد فوزه هزيمة للطرفين، ولرهاناتهما. وقد تمتد آثار ذلك إلى حسابات المترشحين في الانتخابات الأميركية للكونغرس حتى يتفادوا الرهانات التي أثبت السيد خسرانها.

شرع السيد بعد هذا الفوز في الاستعداد لمواجهة مايك روجرز، مرشح الحزب الجمهوري، لمقعد ميتشيغان في مجلس الشيوخ، وتتمثل مهمته في الحفاظ على المقعد بيد الديمقراطيين ليحافظوا على 47 مقعدًا في مجلس الشيوخ ويسعوا في ولايات أخرى للحصول على أربعة مقاعد ليصيروا الأغلبية في مجلس الشيوخ. يمثل مقعد ميتشيغان خط الدفاع للحفاظ على عدد مقاعد الديمقراطيين الحالي.

اتجاهات عابرة

يرسخ فوز السيد عددًا من الاتجاهات التي تكررت في عدد من الانتخابات سواء المحلية، مثل فوز زهران ممداني بعمادة نيويورك، أو فيدرالية، مثل فوز عدد من المترشحين الديمقراطيين في الانتخابات التمهيدية لسباق مجلس النواب في عدد من الولايات الأميركية. ويلتقي بعض هذ الاتجاهات مع تيار أميركا أولًا في الحزب الجمهوري. يمكن تلخيص هذه الاتجاهات في عدد من القواعد:

أولًا: المراهنة على كسب أصوات الأميركيين من خلال إبراز التعارض بين التزامات أميركا الخارجية، خاصة في دعم إسرائيل، وحاجة الأميركيين إلى تحسين أحوالهم المعيشية. وقد استعمل السيد هذا الخطاب لإقناع الناخبين بأن أوضاعهم السيئة ناتجة عن توجيه أموال ضرائبهم إلى التزامات خارجية، تدعم دولًا، من بينها إسرائيل، تستعملها في تنفيذ سياسة فصل عنصري في فلسطين. غرس السيد بذلك حاجزًا بين مصلحة إسرائيل ومصلحة الناخب الأميركي، وجعل المصلحة الإسرائيلية في الحصول المستمر على الدعم الأميركي ضارة بالأميركيين ماليًّا وأخلاقيًّا. وقد سبق أن استعمل ممداني هذا الخطاب وفاز به في نيويورك التي يتواجد بها أكبر تجمع يهودي بعد إسرائيل. وردَّ كلاهما على اتهامات معاداة الصهيونية والسامية بأن صرف أموال الأميركيين على تحسين أحوالهم يصب في صالح اليهود الأميركيين لأنهم متضررون أيضًا من سياسات صرف أموال الأميركيين في دعم دول أخرى، من بينها إسرائيل. وقد أثمر هذا المنطق في إقناع قطاعات عريضة من اليهود الأميركيين في ولاية نيويورك أو ميتشيغان في دعم ممداني والسيد.

المراهنة على كسب أصوات الأميركيين، من خلال إبراز التعارض بين مصالحهم والتزامات الإدارات الأميركية الخارجية، يشكِّل أرضية مشتركة بين الحزبين، الجمهوري والديمقراطي، فلقد تشكَّلت قاعدة "نجعل أميركا عظيمة مجددًا" في الحزب الجمهوري على هذا الأساس، وتمرد عدد كبير من دعاتها على ترامب، مثل تاكر كارلسون، لأنه في رأيهم خان هذا الالتزام، وأعطى الأولوية لخدمة الأجندة الإسرائيلية حتى وإن أضرَّت بمعيشة الأميركيين وكبَّدتهم خسائر في الأرواح والمال. قد يشير هذا التوافق بين الجمهوريين والديمقراطيين على هذه القاعدة إلى أنها تحوُّل عميق وبنيوي في خيارات الناخب الأميركي، وقد تمتد تأثيراتها في حسابات مختلف المتطلعين لكسب أصوات الناخبين الأميركيين سواء في الانتخابات المحلية بالولايات أو الانتخابات التمثيلية الفيدرالية في الكونغرس أو البيت الأبيض.

ثانيًا: هناك أيضًا اتجاه يتشكل من الربط بين السياسة الخارجية الأميركية والمشاغل الداخلية، وقد كان السائد من قبل الفصل بينهما، فلم يكن الأميركيون يهتمون كثيرًا بالتزامات بلدهم الخارجية، لأنها لم تضر أحوالهم المعيشية، لكن تردي أوضاعهم الاقتصادية أنشأ حاجة إلى مراجعة أولوياتهم؛ فالتقط المترشِّحون هذه الفرصة ووظَّفوها لكسب أصوات الناخبين، وقد كان من هؤلاء دونالد ترامب الذي بنى خطابه على إقناع الأميركيين بأن أحد أسباب بؤسهم هو صرف الإدارات المتتالية لأموالهم على حروب خارجية بدل صرفها على تحسين أحوالهم المعيشية، وقد ساعده هذا الخطاب على الفوز مرتين بالانتخابات الأميركية. نبَّه ذلك الأميركيين إلى الترابط بين الداخل والخارج، فصاروا مهتمين بالدول التي تنشط لأخذ أموالهم والجهات الأميركية التي تدعمها في ذلك. وقد جاءت إسرائيل على رأس القائمة لأنها الأكثر نصيبًا من دعم الولايات المتحدة وتتولى الأيباك في أميركا العمل على دعم المترشحين للانتخابات الأميركية الذي يعطون الأولوية لمواصلة دعم إسرائيل وليس تحسين أحوال الأميركيين.

ثالثًا: لم يكن السيد مرشح القيادة التقليدية للحزب الديمقراطي أو المؤسسة بل كان في الطرف الهامشي للحزب، وحصل على دعم قيادات جانبية في الحزب، مثل بيرني ساندرز، وقد خاض حملته بإبراز التعارض بين الإدارة القائمة للحزب والمرشحين المناهضين لها، وهو خطاب يستمد قوته من إقناع الناخبين بأن قيادة المؤسسة التقليدية باتت تحافظ على مصالحها ولم تعد تهتم بقواعد الحزب، وينبغي التصدي لها لإعادة الحزب إلى قواعده. وبذلك، يكون ابتعاد المترشِّح عنها دليلًا على نزاهته وشجاعته. يُطلَق على هذا التوجه عمومًا: الشعبوية، وهو الخطاب الذي يقيم تعارضًا بين النخبة أو المؤسسة القائمة وقواعدها. وقد وظَّف هذا الخطاب ترامب الذي لم يكن المرشح المفضَّل للحزب الجمهوري في انتخابات 2016، لكن هجومه على النخبة في واشنطن بشكل عام واتهامها باستغلال الأميركيين والكذب عليهم والتفريط في مصالحهم أكسبه شعبية كبيرة، فرضت على قيادة الحزب الجمهوري اعتباره مرشحهم للانتخابات الرئاسية. هذا النمط يتكرر في الحزبين، الجمهوري والديمقراطي، في مختلف مستويات الترشح المحلي والفيدرالي. فمثلًا أطلق بعض المحللين وصف ترامب الديمقراطي على ممداني لأنه لم يكن المرشح المفضل للديمقراطيين في انتخابات عمدة نيويورك. وتكررت الحال مع السيد في انتخابات الترشح باسم الديمقراطيين للمنافسة على منصب ميتشيغان في مجلس الشيوخ. قد يستمر هذا الاتجاه إلى أن تحل هذه القيادات الجديدة محل النخب التقليدية فتصير هي نفسها نخبًا تقليدية.

رابعًا: أظهر فوز السيد، وقبله فوز عدد من المترشحين الديمقراطيين، أن أيباك الداعمة لإسرائيل لم تعد قادرة من خلال الدعم المالي وشبكات التأييد والإعلام على هزيمة خصومها أو إنجاح مؤيديها؛ فقد صرفت مثلًا مبلغًا إجماليًّا بنحو 30 مليون دولار لهزيمة السيد وإنجاح منافسته، ستيفنز، ويعد هذا المبلغ استثنائيًّا في انتخابات تمهيدية بل إن إنفاق هذا المبلغ الكبير قد يأتي بأثر مضاد لأنه قد يوحي للناخبين بأن أصحاب المال والمؤسسات المرتبطة بدول أجنبية يريدون شراء مقاعد الكونغرس لاستغلالها في خدمة أصحاب المال والمصالح الخارجية. وقد تكرر هذا الربط بين أصحاب المال والداعمين لإسرائيل في خطابات ممداني والسيد وعدد آخر من المترشحين المشابهين لهم، وأكسبهم أصوات الناخبين الأميركيين. لذلك، قد يحرص المترشحون مستقبلًا على الابتعاد عن تمويل أصحاب الشركات الكبرى أو اللوبي الإسرائيلي؛ لأن المرشحين المرتبطين بهما توالت هزائمهم مؤخرًا. 

خامسًا: أظهر فوز السيد وفوز عدد من المرشحين المماثلين له أنهم بَنَوا شعبيتهم بعيدًا عن وسائل الإعلام التقليدية المهيمنة، فوظَّفوا وسائل التواصل الاجتماعي. استعمل ممداني تيك توك لترويج أفكاره، واستعمل السيد بودكاست يشرح سياسته، وقد تمكَّن كلاهما من الحصول على مساهمات مالية لحملاتهم الانتخابية من المتابعين لهم، كأنها تصويت مالي على برامجهم وشخصياتهم، بخلاف المسار التقليدي للمرشحين الذي ينالون شعبيتهم من خلال الترقي في مراتب الحزب والحصول على دعمه، والحديث باسمه في المؤسسات الاعلامية التقليدية، والحصول بعد ذلك على تمويله في الحملات الانتخابية. كانت العملية عمودية من الأعلى في إدارة الحزب إلى الأسفل بالتحكم في المرشحين المقدمين للناخبين الأميركيين لكن انقلبت العملية، فالمرشح يبدأ في التواصل المباشر مع الأميركيين فيصير معروفًا لهم ويحصل على تمويلهم وتأييدهم، ثم يفرض نفسه على إدارة الحزب التي تضطر إلى اعتماده حتى لا تفقد أصوات الداعمين له. هذا النمط عابر للحزبين، الديمقراطي والجمهوري، وقد أسهم في تشكيله وترسيخه وسائل التواصل الاجتماعي التي أزاحت عقبات كثيرة كانت تحول دون التواصل المباشر بين القيادات السياسية الناشئة والجمهور.

خريف الأيباك

هذه الاتجاهات تُضعف تأثير اللوبي اليهودي في السياسة الأميركية؛ لأن نفوذه في إدارة الحزبين لم يعد كافيًا في اختيار مرشحي الحزبين للانتخابات الذين باتوا حاليًّا يأتون من أطراف الحزبين، ثم يوظفون شعبيتهم لإرغام حزبهم على اعتمادهم لتمثيله في المنافسة الانتخابية. ولم يعد التمويل عاملًا حاسمًا في الفوز في الانتخابات، فلقد فاز مرشحون مثل ممداني والسيد في مواجهة منافسين حصلوا على تمويل كبير من جماعات المصالح بل قد يكون هذا التمويل أحد أسباب خسارتهم لأنه يعطي انطباعًا بأن هؤلاء مرشحو أصحاب المصالح وليسوا مرشحي عامة الأميركيين.

قد نشهد، بناء على ذلك، حرص المترشحين مستقبلًا على الابتعاد عن تأييد إسرائيل أو الدفاع عنها أو الحصول على الدعم المالي للجماعات الداعمة لها، لأن عددًا كبيرًا من نتائج الانتخابات الأخيرة، منها انتخاب السيد، يشير إلى أن الذين اتخذوا هذه المواقف فازوا بالانتخابات، وأن المرشحين الذين خالفوهم وظلُّوا حريصين على دعم إسرائيل والحصول على تمويل الجماعات الموالية لها خسروا غالبية الانتخابات الأخيرة.

نبذة عن الكاتب