التصعيد السعودي-الحوثي وإعادة تشكيل معادلات الردع في الخليج والبحر الأحمر

(الجزيرة)

مقدمة

شهدت الأيام الماضية تصعيدًا عسكريًّا متبادلًا بين المملكة العربية السعودية وجماعة أنصار الله (الحوثيين)، أنهى عمليًّا مرحلة خفض التصعيد التي استمرت منذ هدنة أبريل/نيسان 2022، وأعاد الساحة اليمنية إلى قلب التفاعلات الأمنية والعسكرية في الخليج والبحر الأحمر. ولا تقتصر أهمية هذه الجولة على العمليات العسكرية المتبادلة، بل تمتد إلى ما تكشفه من تحولات في البيئة الأمنية الإقليمية في ظل تزايد الترابط بين الساحة اليمنية وأمن الخليج والبحر الأحمر، وما يترتب على ذلك من انعكاسات على أمن الطاقة وحركة الملاحة الدولية.

السرديات المتنافسة

وفقًا للرواية الحوثية، بدأت الأزمة على خلفية ما عدَّته الجماعة قيودًا مفروضة على تشغيل مطار صنعاء، ثم تصاعدت مع توجيه تهديدات باستهداف المطارات والمنشآت الاقتصادية السعودية إذا استمرت تلك القيود. وأعلنت الجماعة لاحقًا تنفيذ هجمات استهدفت منشآت نفطية تابعة لشركة أرامكو في جيزان وينبع، إلى جانب استهداف سفن مرتبطة بالمملكة في البحر الأحمر، مؤكدة نجاح عملياتها وتحقيق أهدافها العسكرية. كما تقدم وسائل إعلامها الضربات السعودية اللاحقة بوصفها استهدافًا لميناء الحديدة ومنشآت مدنية في الحديدة وجزيرة كمران، وتُدرجها ضمن ما تصفه بـ"العدوان" والتصعيد العسكري الجديد، مؤكدة أن سياسة "التصعيد بالتصعيد" تمثل وسيلة لفرض معادلات ردع جديدة وإجبار الخصوم على إعادة حساباتهم.

أما الرواية السعودية، فتبدأ من استهداف المصالح السعودية وخطوط الملاحة في البحر الأحمر، وما أعقبه من محاولات لاستهداف منشآت نفطية في جيزان وينبع، وتهديدات حوثية بفرض حصار بحري على المملكة واستهداف منشآتها الحيوية. وتؤكد أن القوات المشتركة نفذت عمليات عسكرية استهدفت منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيَّرة ومراكز القيادة والسيطرة التابعة للحوثيين، مع التشديد على أن العمليات جاءت لحماية أمن المملكة وأمن الملاحة الدولية، ومنع تحول البحر الأحمر إلى منصة لتهديد الاقتصاد العالمي وإمدادات الطاقة.

وتكشف المقارنة بين السرديتين أن الخلاف يتجاوز تفسير الوقائع الميدانية إلى اختلاف في تعريف طبيعة الصراع وأهدافه. فالسردية الحوثية، المتقاطعة بدرجة كبيرة مع الخطاب الإيراني، تقدم التصعيد بوصفه جزءًا من محور إقليمي يمتد من اليمن إلى البحر الأحمر والخليج، وتسعى إلى ترسيخ صورة الجماعة بوصفها فاعلًا قادرًا على التأثير في أسواق الطاقة وخطوط الملاحة وفرض معادلات ردع جديدة عبر رفع كلفة الصراع على السعودية، بما يعزز موقعها في أي ترتيبات سياسية أو أمنية مقبلة. وفي المقابل، تنظر السعودية إلى التطورات بوصفها تصعيدًا تقوده جماعة مسلحة مدعومة من إيران، يستهدف الأمن الوطني السعودي وأمن الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة العالمية، ومن ثم تقدم عملياتها العسكرية بوصفها إجراءات دفاعية تهدف إلى تحييد مصادر التهديد ومنع انتقال تداعيات المواجهة الإقليمية إلى المجال الخليجي، والحفاظ على أمن البحر الأحمر وباب المندب بوصفهما من أهم الممرات الإستراتيجية للتجارة والطاقة.

القراءة الأوسع

تشير التطورات الأخيرة إلى أن التصعيد الحالي يتجاوز حدود المواجهة الثنائية بين السعودية والحوثيين، ليعكس تحولًا في طبيعة البيئة الأمنية الإقليمية، في ظل تشابكه مع الحرب الأميركية-الإسرائيلية-الإيرانية. ومن ثم، لم تعد الساحة اليمنية مسرحًا مستقلًّا للصراع بل أصبحت إحدى ساحات إدارة التوازنات الإقليمية، تنتقل عبرها الضغوط العسكرية والسياسية بين مختلف أطراف المواجهة.

وقد استغلت الأطراف سنوات الهدنة، التي بدأت منذ أبريل/نيسان 2022، لإعادة بناء قدراتها العسكرية، وتطوير منظوماتها الصاروخية والجوية والطائرات المسيَّرة؛ الأمر الذي جعل الجولة الحالية تمثل اختبارًا لموازين القوى الجديدة أكثر من كونها محاولة لحسم الصراع عسكريًّا. كما عادت الجبهات الداخلية في محافظات الجوف ومأرب وتعز إلى النشاط، بالتزامن مع استمرار تطوير الحوثيين لقدراتهم الصاروخية والبحرية، وامتلاك القوات الحكومية وسائل قتالية أكثر تطورًا، بما يعكس ارتفاع مستوى التنافس العسكري مع بقاء توازن الردع قائمًا.

وفي الوقت نفسه، برز البحر الأحمر وباب المندب بوصفهما أحد أهم ميادين المنافسة الإستراتيجية في المنطقة. فلم يعد استهداف السفن التجارية أو المنشآت النفطية والموانئ يقتصر أثره على أطراف الصراع داخل اليمن بل امتد إلى أسواق الطاقة العالمية، وحركة التجارة الدولية، وسلاسل الإمداد، وهو ما يفسر تصاعد الاهتمام الدولي بأمن هذا الممر البحري الحيوي.

وفي هذا السياق، غدا اليمن إحدى أدوات إدارة الصراع غير المباشر بين إيران وخصومها الإقليميين والدوليين، بينما أصبح البحر الأحمر وباب المندب ساحة لإعادة رسم قواعد الردع الإقليمي. ولم تعد العمليات العسكرية تستهدف تحقيق مكاسب ميدانية فحسب بل أصبحت تؤدي وظيفة سياسية وردعية عبر توجيه الرسائل الإستراتيجية ورفع كلفة الخيارات العسكرية أمام الخصوم. كما تبدو التطورات الراهنة جزءًا من معادلة إقليمية أوسع ترتبط بمسار المواجهة الأميركية/الإسرائيلية-الإيرانية، التي تمنح الساحات غير المباشرة، وفي مقدمتها اليمن، دورًا متزايدًا في إدارة الضغوط وإعادة موازنة الردع.

الانعكاسات الإستراتيجية للتصعيد

تنعكس هذه التحولات على مستويات أمنية وسياسية واقتصادية مترابطة. فمن الناحية الأمنية، يتسع نطاق التصعيد المحسوب ليشمل المنشآت النفطية والموانئ وخطوط الملاحة والبنية التحتية الحيوية، بما يعيد صياغة معادلات الردع في الخليج. وأصبحت إدارة مستويات استخدام القوة، وضبط سقف التصعيد، عنصرًا رئيسًا في المحافظة على التوازن الإقليمي، في ظل ارتفاع كلفة الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

ومن الناحية السياسية، تزداد ارتباطات الأزمة اليمنية بالتوازنات الإقليمية، بحيث يغدو مستقبل أي تسوية داخل اليمن مرتبطًا بمسار التفاهمات والصراعات الأوسع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، أكثر من ارتباطه بالتفاعلات الداخلية وحدها.

أما اقتصاديًّا، فإن عودة التهديدات المتبادلة ضد المنشآت النفطية والممرات البحرية ترفع مستوى القلق في أسواق الطاقة العالمية، وتزيد تكاليف التأمين والشحن، بالنظر إلى اعتماد جانب مهم من صادرات النفط الخليجية على موانئ البحر الأحمر. كما اتسع مفهوم الأمن الخليجي ليشمل، إلى جانب حماية الحدود، أمن الطاقة، والموانئ، والكابلات البحرية، وشبكات النقل وسلاسل الإمداد، بوصفها جميعًا أهدافًا محتملة في أي موجة تصعيد مقبلة.

وتكشف هذه التحولات أن البيئة الأمنية في الخليج تشهد انتقالًا من التركيز على السيطرة الميدانية إلى التنافس على القدرة على التأثير في حسابات الخصوم ورفع كلفة خياراتهم الإستراتيجية. ومن ثم، باتت معادلات الردع الحديثة تقوم على حماية شبكات الاقتصاد والطاقة والملاحة بقدر اعتمادها على القوة العسكرية التقليدية، وهو ما يمنح البحر الأحمر وباب المندب مكانة متقدمة في منظومة الأمن الإقليمي.

استشراف المستقبل

تشير المعطيات الراهنة إلى أن التصعيد السعودي-الحوثي مرشح للاستمرار ضمن نمط من المنافسة الردعية المنضبطة، تتخلَّله موجات من التصعيد والاحتواء بهدف إعادة رسم خطوط الردع وتحسين المواقع التفاوضية، مع بقاء جميع الأطراف حريصة على تجنب الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة.

وفي هذا الإطار، تبدو السعودية حريصة على منع تحول المواجهة إلى حرب تستنزف مواردها وتؤثر في برامجها التنموية، مع الحفاظ على خطوط حمراء تتصل بأمن أراضيها ومنشآتها الحيوية ومصالحها الاقتصادية. ومن المرجح أن تواصل الاعتماد على ضربات عسكرية انتقائية تستهدف القدرات الصاروخية ومراكز القيادة والسيطرة والبنية العملياتية للحوثيين، بالتوازي مع الإبقاء على هامش سياسي يسمح باحتواء التصعيد متى توافرت ظروف إقليمية مناسبة.

أما الحوثيون، فمن المرجح أن يسعوا إلى الحفاظ على أوراق الضغط التي راكموها خلال السنوات الماضية، وتوظيف ما يمتلكونه من قدرات عسكرية وبحرية ضمن حساباتهم الردعية والتفاوضية، بما يعزز موقع الجماعة في أي ترتيبات سياسية أو أمنية مقبلة. غير أن طبيعة استخدام هذه الأدوات ومستوى التصعيد سيظلان مرتبطين بتطورات البيئة الإقليمية وبحسابات الكلفة والعائد لدى مختلف الأطراف.

وفي المقابل، ستواصل إيران توظيف الساحة اليمنية ضمن إستراتيجية إدارة الصراع مع خصومها الإقليميين والدوليين، بما يتيح توزيع الضغوط على أكثر من مسرح عمليات، وتعزيز أدوات الردع غير المباشر مع المحافظة على هامش من الإنكار السياسي. كما ستظل الولايات المتحدة وإسرائيل تنظران إلى اليمن بوصفه أحد المكونات المؤثرة في معادلة الردع الإقليمية بما يجعل تطوراته جزءًا من الحسابات الإستراتيجية المرتبطة بأمن الخليج والبحر الأحمر.

وعلى المدى المتوسط، سيبقى مسار التصعيد مرتبطًا باتجاهات المواجهة الأميركية/الإسرائيلية–الإيرانية. فكلما اتجهت البيئة الإقليمية نحو التهدئة، زادت فرص احتواء التصعيد داخل اليمن. أما إذا تصاعدت الضغوط على إيران، فقد تزداد أهمية الساحة اليمنية في حسابات الردع الإقليمي، بما يرفع احتمالات استخدام أدوات الضغط المرتبطة بأمن الملاحة والمنشآت الحيوية مع بقاء حجم هذا التصعيد ومداه رهنًا بقرارات الأطراف المعنية وتطورات البيئة الإقليمية.

خاتمة

تكشف التطورات الأخيرة أن البيئة الأمنية في الخليج والبحر الأحمر دخلت مرحلة جديدة تتسم بتعدد الفاعلين، وتشابك مسارح العمليات، واتساع مفهوم الردع ليشمل الاقتصاد والطاقة والممرات البحرية، إلى جانب القدرات العسكرية التقليدية.

كما تؤكد أن الساحة اليمنية أصبحت جزءًا من منظومة إقليمية مترابطة، لم يعد من الممكن فصل تطوراتها عن الصراع الدائر في الخليج والبحر الأحمر أو عن المواجهة الأميركية/الإسرائيلية-الإيرانية، وهو ما يزيد ارتباط مستقبلها بالتوازنات الإقليمية والدولية، ومن ثم، يغدو أمن الطاقة وحرية الملاحة واستقرار سلاسل الإمداد عناصر رئيسة في معادلة الأمن الإقليمي، بما يفسر تزايد اهتمام القوى الدولية بالبحر الأحمر وباب المندب.

وبناءً على ذلك، فإن التصعيد السعودي-الحوثي ليس مجرد جولة جديدة من المواجهة داخل اليمن بل يعكس تحولًا في طبيعة الصراع الإقليمي نحو نمط طويل الأمد من المنافسة الإستراتيجية، تتكامل فيه الأدوات العسكرية والاقتصادية والبحرية لإعادة تشكيل توازنات القوة، بما يجعل إدارة هذه المنافسة، أكثر من حسمها، السمة الغالبة للبيئة الأمنية في الخليج والبحر الأحمر خلال المرحلة المقبلة.

نبذة عن الكاتب