منذ العدوان الأميركي/الإسرائيلي الأول على إيران، في يونيو/حزيران 2025، ثم التطورات المتتابعة بعد ذلك، وصولًا إلى الحرب التي اندلعت في الثامن والعشرين من فبراير/شباط 2026، ولا تزال مستمرة ما بين تصعيد وتهدئة، بدأ المشهد الخليجي يتوجه نحو إعادة التفكير في أمن المنطقة. فأمن دول الخليج العربية فعليًّا لم يعد محصورًا في مسألة دفاع جوي وصاروخي بل أصبح يتعلق بما يمكن تسميته بـ"المرونة الإستراتيجية الشاملة". لقد غيَّرت هذه الحرب مفهوم الأمن، ووسَّعت من نطاقه، ليشمل حماية فاعلة للبنى التحتية، التي جرى استهدافها مرات عديدة، مثل محطات الطاقة والتحلية والموانئ وغيرها من بنى تحتية أساسية.
إعادة التفكير في الأمن الخليجي جاءت من منطلق أن البيئة الخليجية أصبحت مترابطة أكثر من ذي قبل، عبر إمدادات الطاقة، واللوجستيات المختلفة، والممرات الجوية والبحرية، إلى جانب الأمن السيبراني. فتأمين المنطقة يقتضي اليوم بناء قدرات ذاتية لضمان الحماية ضمن أطر الأمن والدفاع في مجلس التعاون الخليجي، خاصة مع تراجع أو تردد أو انشغال الضامن الخارجي، المتمثل بشكل أساسي في الولايات المتحدة الأميركية. ولا يخفى على أي متابع، أن هذا التراجع بدأ فعليًّا، وإن بشكل متدرج، وأن التردد الأميركي في تقديم الحماية اللازمة للمنطقة أصبح ملموسًا؛ ما أثار انتقاد الكثيرين، سواء من داخل مجلس التعاون الخليجي أم من خارجه.
أبرز التهديدات الجديدة
بالإضافة إلى التهديدات التقليدية، يمكن القول بأن منطقة الخليج، خلال عام واحد فقط، بدأت تعاني من تهديدات أمنية جديدة، لم تكن قد اختبرتها فعليًّا من ذي قبل. وإنْ كانت، نظريًّا، قد جرى التنويه بها عبر وسائل الإعلام وفي تقارير مراكز الأبحاث والدراسات، ونوقشت بين المتخصصين في المؤتمرات، وبين السياسيين في القمم واللقاءات الرسمية. في هذا السياق، يمكن أن نشير إلى بعض هذه التهديدات:
العدوان بالصواريخ والمسيرات بكثافة عالية
لم يعد التهديد اليوم مقتصرًا على صاروخ باليستي يستهدف قاعدة عسكرية هنا أو هناك من دول المنطقة، بل صار يتمثل في أسراب المسيرات والصواريخ منخفضة التكلفة نسبيًّا، التي يمكنها استهداف مطارات وموانئ ومحطات الطاقة ومناطق آهلة بالسكان في آن واحد. وهذا التهديد يفرض على الدول الخليجية الانتقال من مفهوم "اعتراض الصاروخ الباليستي"، عبر أنظمة دفاع جوي معروفة، إلى إنشاء منظومة دفاع جوي وصاروخي متكاملة ومتعددة الطبقات ومتكاملة خليجيًّا. على هذه الأنظمة أن تتعامل، إلى جانب الصواريخ الباليستية، مع المسيرات والصواريخ منخفضة التكلفة، دون الاعتماد كليًّا على الضمانات الخارجية وأنظمتها التي أثبتت الوقائع أنها لم تكن بالمستوى المأمول والمتوقع؛ ما سبَّب خيبة أمل عميقة في الخليج بشكل عام، سواء على المستوى الرسمي أم الشعبي.
تهديد الممرات البحرية وتدفقات الطاقة
لم يعد هرمز وباب المندب مضيقيْن بحرييْن آمنيْن، بل تحوَّلا إلى أوراق ضغط جيوسياسية، يجري استخدامهما لفرض شروط وقواعد جديدة أثناء الأزمات. وأصبح تعطل المرور منهما يسبِّب ضررًا فادحًا للاقتصاد الخليجي بالدرجة الأولى قبل الاقتصاد العالمي المعتمد على نفط المنطقة. كما يسبِّب إرباكًا في سلاسل الإمداد وتزويد السوق العالمية بالطاقة، وارتفاعًا حادًّا في رسوم التأمين على الناقلات. وقد أثبتت التوترات العسكرية حول هرمز أن أمن الخليج البحري أصبح مرتبطًا مباشرة بالأمن الاقتصادي العالمي.
الحرب السيبرانية والمعلوماتية
في الحروب الجديدة، أصبح ممكنًا لأي هجوم عسكري أن يبدأ أولًا بهجوم سيبراني على شبكة كهرباء في مدينة ما، أو على مطار أو ميناء بحري، يصاحبه تشويش إلكتروني وحملة تضليل إعلامي واسعة قبيل وصول سرب من المسيرات أو صواريخ منخفضة التكلفة. هذه التطورات تعني أن الفصل التقليدي بين الأمن العسكري والأمن الاقتصادي والأمن الرقمي أصبح بحاجة إلى إعادة نظر. فالترابط بين هذه المجالات أصبح عضويًّا، والتهديد الأمني الذي يستهدف واحدًا منها لا يستثني بقية المجالات. لذلك، ينبغي أن تكون الحماية ممتدة والأمن شاملًا.
الشكوك حول الضامن الخارجي
أثبتت مسارات الحرب الدائرة في المنطقة منذ أكثر من ستة أشهر لدول الخليج أن وضعها كل البيض في السلة الأميركية كان من قبيل المقامرة والمخاطرة بأمنها. لذلك، بات من الضروري مراجعة هذا الخيار، وعدم الاستمرار في التعويل على الولايات المتحدة وحدها في تأمين الحماية. وقد أصبح الكثيرون في المنطقة يطرحون أسئلة تتعلق بطبيعة وجود الولايات المتحدة في الخليج، وبالهدف من وجودها إن لم تحم قواعدها فضلًا عن مصالح المنطقة، وبمستوى استعدادها للتدخل والحد من الأضرار التي أصابت المنطقة، إن كانت بالفعل معنية بذلك. وهذه الأسئلة، لابد أن تدفع دول الخليج للسعي إلى بناء قدرات أمنية ودفاعية ذاتية أكبر، في ظل شراكات متعددة، بدلًا من الاعتماد على مظلة واحدة. ولعل حلف مكة الثلاثي أحد نتائج إعادة التفكير في الأمن الخليجي.
تعدد مصادر التهديد
قامت منظومة مجلس التعاون الخليجي، في 1981، على أساس مواجهة إيران الثورية واعتبارها تهديدًا وجوديًّا. ومع مرور الوقت، تغيرت البيئة الأمنية، وبدأت مصادر التهديد تتنوع وتتعدد. فلم يعد التهديد فقط من إيران كدولة بل أصبح التهديد ممكنًا من جماعة مسلحة، أو شبكة وكلاء، أو هجوم سيبراني، أو أزمة بحرية، أو غيرها من مصادر التهديد المتنوعة. لذلك، فإن بناء إستراتيجية موجَّهة ضد خصم واحد لم يعد كافيًا، ولا يلبي حاجة منطقة الخليج إلى الأمن الشامل والاستقرار المستدام. لقد بات ضروريًّا بناء إستراتيجية أمنية متعددة الطبقات، تتعامل مع خصوم عديدين، متنوعي الوسائل والأساليب، يمتلكون قدرات متفاوتة لتهديد الأمن وخلق الأزمات وإحداث التوترات الإقليمية.
الخيارات الإستراتيجية أمام الخليج
رغم التحديات التي خلقتها الحرب لمنطقة الخليج، فقد وضعتها أيضًا أمام خيارات إستراتيجية يمكن لدول مجلس التعاون الأخذ بها وتجسيدها على أرض الواقع، بعد انتقالها من موقع الضعف والانفعال بالأحداث إلى ساحة الفعل والمبادرة الإستراتيجية. من تلك الخيارات:
- التكامل الدفاعي الخليجي، عبر ربط أنظمة الرادارات والإنذار المبكر، والدفاع الجوي والصاروخي ومراكز القيادة بعضها ببعض، وألا يقتصر التكامل على شراء منظومات دفاعية متطورة بصورة منفردة، كما هي الحال في الوقت الراهن.
- تنويع الشراكات الأمنية والدفاعية مع دول آسيوية وأوروبية وقوى إقليمية، مع الحفاظ على الشراكة الأميركية إن أبدت الولايات المتحدة رغبتها في الاستمرار، لأن التقديرات ترجح مغادرتها المتدرجة للمنطقة. وربما تحدث هذه المغادرة بأسرع مما يمكن توقعه، على غرار سيناريو خروجها من أفغانستان عام 2021. في هذه الحال، يُعد حلف مكة أحد الخيارات الإستراتيجية التي يمكن أن تملأ الفراغ الأمني المتوقع.
- الردع مع خفض التصعيد، أي ضرورة امتلاك قوة ردع ذاتية موثوقة وفاعلة، مع إبقاء قنوات الاتصال والحوار مفتوحة مع إيران، التي هي قَدَر تاريخي وجغرافي لدول المنطقة، لا يمكن تغييره، لكن يمكن التوافق معه لتحقيق مصالح ومشاريع تنموية مشتركة، تجعل من استقرار المنطقة هدفًا أسمى للجانبين، العربي والإيراني.
- بناء صناعات عسكرية وتقنية خليجية يمكنها إنتاج ذخائر اعتراضية، ومسيرات مضادة، إلى جانب القدرة على إدارة حرب إلكترونية متقدمة ضد الخصوم، وتوظيف أكثر فاعلية للذكاء الاصطناعي، مع ضرورة الاستثمار في الأقمار الاصطناعية لتوفير المعلومات اللازمة، والحضور الفاعل في مجال الأمن السيبراني.
- تحويل أمن الطاقة والموانئ إلى جزء من إستراتيجية الدفاع الوطني، عبر تنويع خطوط التصدير والموانئ، وإنشاء مصادر للطاقة البديلة والاحتياطية، تمكِّنها من الصمود في أي حرب قادمة.
خلاصة
في مواجهة التهديدات الأمنية المتنوعة والمتجددة، يجد الخليج نفسه مطالبًا، قبل فوات الأوان، بضمان أمنه ضد احتمال رفع مظلة الحماية الأميركية، خاصة بعد تعمق أزمات الولايات المتحدة الداخلية والخارجية، واحتمالات أن تنغمس في أزمة عالمية أخرى، سواء مع روسيا أو الصين، تدفعها للانسحاب من المنطقة. لذلك، على دول الخليج العربية ألا تستمر في وضع رهانها كله على الولايات المتحدة حاميًا وحيدًا لأمنها، كما كانت الحال لعقود أربعة مضت. فالاستمرار في هذه السياسة مخاطرة كبيرة، أكدتها وقائع الحرب الحالية. وقد آن الأوان لتغيير آليات تأمين المنطقة، وحماية مصالح دولها وشعوبها، عبر تنويع خياراتها الإستراتيجية، واعتبار أمن المنطقة مسؤولية مشتركة مع قوى عالمية وأخرى إقليمية.