القراءة الإيرانية لـ"ميثاق مكة الدفاعي": لا يُختزل في "تحالف ضد إيران" ولا يكفي لبناء نظام أمني مستقر

تحاول إيران تفكيك القراءة الصفرية لاتفاق مكة الدفاعي فيما يتعلق بالموقف منها؛ فهي من جهة تعترف بأن إيران تدخل في الحسابات الأمنية السعودية، لكنها ترفض جعلها التفسير الوحيد للخطوة. ولهذا تستدعي تجربة حرب اليمن، والهجمات الصاروخية والمسيَّرات، واضطراب البيئة الإقليمية، وتنامي الحاجة السعودية إلى تنويع الشركاء الأمنيين. وبذلك فالاتفاق هو نتيجة لتحول إستراتيجي في التفكير الأمني السعودي، أكثر من كونه مجرد استجابة مباشرة لنفوذ إيران.
9 أغسطس 2026
توقيع اتفاق مكة للدفاع المشترك في مكة المكرمة بالمملكة العربية السعودية (أ.ف.ب).

تتلخص المعطيات القادمة من طهران في أنها تقدم قراءة سياسية فيها قدر من الوضوح لاتفاق مكة الدفاعي، وتنطلق من رفض اختزاله في كونه تحالفًا موجَّهًا ضد إيران، وتضعه بدلًا من ذلك ضمن تحوُّل أوسع في بنية الأمن الإقليمي. والمسألة وفق التصريحات القليلة والحذرة التي صدرت عن مسؤولين إيرانيين لا تتعلق فقط بطبيعة الاتفاق بين السعودية وباكستان وتركيا بل بالسؤال الأكبر المتصل بمن يملك حق صياغة النظام الأمني الجديد في غرب آسيا، وما إذا كان هذا النظام سيقوم على تحالفات محدودة وارتباطات خارجية، أم على ترتيبات إقليمية أكثر استقلالًا وشمولًا.

يمثل ميثاق مكة الدفاعي تتويجًا لمسار متنامٍ من إعادة تشكيل الشراكات الأمنية في المنطقة، ولاسيما بعد اتفاق الدفاع المتبادل السعودي-الباكستاني، في سبتمبر/أيلول 2025، ثم توجُّه تركيا نحو الانضمام إليه. وينص الإطار المعلن للميثاق على اعتبار أي هجوم مسلح على أحد الأطراف هجومًا على الأطراف الثلاثة، مع التأكيد على الردع الجماعي وتعزيز التعاون الدفاعي. ومع ذلك، لا يزال من المبكر اعتباره تحالفًا عسكريًّا متكاملًا في ظل عدم نشر نص الاتفاق وغياب معلومات واضحة عن آليات القيادة والتدخل العسكري والقوات المشتركة.

من الواضح أن إيران تسعى إلى تفكيك القراءة الصفرية للاتفاق؛ فهي من جهة تعترف بأن إيران تدخل في الحسابات الأمنية السعودية، لكنها ترفض جعلها التفسير الوحيد للخطوة. ولهذا تستدعي تجربة حرب اليمن، والهجمات الصاروخية والمسيَّرة، واضطراب البيئة الإقليمية، وتنامي الحاجة السعودية إلى تنويع الشركاء الأمنيين. وبذلك فالاتفاق هو نتيجة لتحول إستراتيجي في التفكير الأمني السعودي، أكثر من كونه مجرد استجابة مباشرة للقوة الإيرانية.

وفي الوقت نفسه، لا تتجاهل القراءة الإيرانية -ومن ذلك تحليل مطول نشره موقع نور نيوز المقرب من مجلس الأمن القومي- البُعد الإيراني في الاتفاق بل تعيد وضعه ضمن إطار أكثر تعقيدًا. فالجمع بين القدرات المالية والجيوسياسية السعودية، والقوة العسكرية والنووية الباكستانية، والخبرة العسكرية والصناعات الدفاعية التركية، يمنح الاتفاق وزنًا ردعيًّا واضحًا. ومن هنا يقر المقال ضمنيًّا بأن الاتفاق يمكن أن يؤثر في حسابات القوة تجاه إيران، لكنه يرفض القفز من هذا الاستنتاج إلى القول بوجود "ناتو إسلامي" أو كتلة عسكرية مكتملة موجهة ضد طهران.

أما النقطة الأكثر أهمية فتتعلق بتفسير ما صدر عن وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بهذا الخصوص، مع عدم الجزم بأنه يُعد ردًّا مباشرًا على الاتفاق؛ إذ لا يمكن التعامل معه بوصفه ردًّا دبلوماسيًّا عابرًا، وإنما يمكن النظر إليه بوصفه إعلانًا عن تصور إيراني بديل للأمن الإقليمي؛ فقد كتب عراقجي عبر حسابه على منصة "إكس": "لقد أثبتت القوات المسلحة الإيرانية القوية جاهزيتها وقدراتها واقتدارها في مواجهة أكثر قوة عسكرية تطورًا في العالم". وأضاف: "عندما يقف المسلمون متحدين ومتماسكين إلى جانب بعضهم بعضًا فإنهم يستطيعون مواجهة أي تحدٍّ يفرضه الأجانب ذوو النوايا السيئة بقوة وحزم". وختم: "لقد حان الوقت لكي نعتمد على أنفسنا وحدنا، وأن نسلك طريق الأخوة الحقيقية". وفق هذه القراءة، تقوم الرسالة الإيرانية على ثلاث ركائز مترابطة: امتلاك قوة وطنية قادرة على الردع، وتشجيع التعاون بين دول المنطقة، ورفض أن يكون الأمن الإقليمي قائمًا على الاعتماد على القوى الخارجية. وبهذا يمكن أن ينتقل النقاش من سؤال "هل الاتفاق ضد إيران؟" إلى سؤال "أي نموذج أمني ينبغي أن يحكم المنطقة أو يصلح لأمن المنطقة؟".

هذا التحول في زاوية النظر يخدم الموقف الإيراني سياسيًّا. فإذا تعاملت طهران مع الاتفاق بوصفه تهديدًا مباشرًا فإنها تضع نفسها في موقع الطرف المحاصَر أو المستهدَف. أما إذا قدمته بوصفه جزءًا من نقاش أوسع بشأن هندسة الأمن الإقليمي، فإنها تستطيع إعادة تعريف نفسها بوصفها فاعلًا لا يمكن تجاوزه في بناء هذا النظام. ولهذا يصر الساسة في إيران على أن بلدهم ليس "موضوعًا" لأمن الآخرين بل أحد مكونات إنتاج الأمن الإقليمي ذاته.

وبناء عليه، فإننا نكون أمام منافسة بين نموذجين للأمن: النموذج الأول يقوم على شبكات تحالف وانتقائية بين دول بعينها، وربما يستمر بالتوازي مع علاقات أمنية مع الولايات المتحدة والقوى الخارجية. أما النموذج الثاني، الذي تتبنَّاه طهران، فيقوم على "الأمن من داخل المنطقة" و"الاعتماد على الذات" شرطًا لـ"حُسن الجوار". وبذلك تصبح الخلافات حول اتفاق مكة جزءًا من صراع أوسع على مفهوم الأمن، وليس مجرد صراع عسكري تقليدي على موازين القوة.

ركائز الأمن الإقليمي

وبهذا الإطار، تسعى إيران لمنح قراءتها قدرًا كبيرًا من المشروعية في السعي للدفاع عن فكرة أن إيران تمثل ركيزة ضرورية للأمن الإقليمي، وفيها تكون القوة العسكرية الإيرانية حقيقة مختبرة وحاسمة، في حين تتعامل بحذر أكبر مع الدوافع الأمنية السعودية. كما أن الربط بين رسالة عراقجي واتفاق مكة يبقى في جانب منه استنتاجًا سياسيًّا.

وبصورة أعمق، يمكن القول: إن القراءة الإيرانية تحاول نزع الطابع التهديدي عن الاتفاق من دون التقليل من أهميته. فهي لا تنفي أن الاتفاق يعيد توزيع عناصر القوة، لكنها تحاول احتواء معناه سياسيًّا عبر إدخاله في إطار "إعادة تشكيل النظام الأمني". وهذه صياغة تسمح لطهران بتجنب التصعيد مع السعودية وتركيا وباكستان، وفي الوقت نفسه بتثبيت موقف مفاده أن أي ترتيبات أمنية إقليمية لا تشمل إيران ستظل ناقصة ومحدودة الفاعلية.

يستمد الميثاق أهميته من تكامل نسبي بين قدرات أطرافه؛ فتركيا تمتلك جيشًا ذا خبرة عملياتية وصناعة دفاعية متطورة، فيما توفر باكستان قوة عسكرية بشرية وقدرات نووية، وتضيف السعودية إمكاناتها المالية وموقعها الجيوسياسي في الخليج والبحر الأحمر. ويبدو أن لكل طرف حساباته الخاصة؛ إذ ترتبط الأولويات الأمنية الباكستانية أساسًا بالهند، بينما تحتل إسرائيل موقعًا متزايدًا في الحسابات التركية، في حين تتركز المخاوف السعودية بصورة أكبر على إيران والجماعات المتحالفة معها.

ومن المنظور السعودي، يعكس الميثاق توجهًا نحو تنويع مصادر الأمن والردع، وليس بالضرورة بديلًا عن الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة. فالاعتماد السعودي على واشنطن في التسليح والاستخبارات والدفاع الجوي يجعل الانفصال عن المظلة الأميركية أمرًا غير مرجح، فيما يمكن أن يوفر التعاون مع تركيا وباكستان طبقة دفاعية إضافية، ولاسيما في مجال القوات البرية والقدرات العسكرية المباشرة. ومن ثم، يمكن قراءة الاتفاق بوصفه إضافة إلى البنية الأمنية القائمة أكثر من كونه انتقالًا كاملًا إلى بنية بديلة عنها.

إيران متغيرًا

وتبرز إيران بوصفها أحد أهم المتغيرات في تفسير الاتفاق، ووفق مقال لكوروش أحمدي، فرغم التأكيد الرسمي على طابعه الدفاعي وعدم توجيهه ضد دولة محددة. فتوقيت تشكيل الميثاق، والتوترات العسكرية السابقة، والمخاوف السعودية من إيران والجماعات المرتبطة بها، تجعل طهران معنية بصورة مباشرة بتقييم انعكاساته على أمنها القومي. ومع ذلك، فإن اختلاف أولويات الدول الثلاث يثير تساؤلات بشأن مدى إمكانية تطوير تصور موحد للتهديد وتحويل مبدأ الدفاع الجماعي إلى التزامات عسكرية فعلية.

وقد تتجاوز أهمية الميثاق أطرافه الثلاثة إذا فتح المجال أمام انضمام دول أخرى، مثل مصر والأردن ودول الخليج، بما قد يجعله نواة لترتيبات أمنية إقليمية أوسع. وفي المقابل، قد تحتفظ الولايات المتحدة بدور مؤثر من خارج العضوية الرسمية، بما يشبه بعض نماذج الأحلاف السابقة التي جمعت بين ترتيبات إقليمية ودعم أميركي غير مباشر.

ومع ذلك، تبقي أسئلة جوهرية في مكانها، وبعضها يمس جوهر الاتفاق أكثر مما يمس تفسيره الإيراني، وأبرزها:

  • ما طبيعة الالتزامات العسكرية الفعلية بين الدول الثلاث؟ فمبدأ اعتبار الاعتداء على دولة اعتداءً على الدول الثلاث، يبقى دون توضيح آليات تفعيله: هل يترتب عليه تدخل عسكري تلقائي؟ ومن يقرر أن واقعةً ما تشكِّل "اعتداءً" يستوجب الدفاع المشترك؟
  • هل الاتفاق تحالف دفاع جماعي أم إطار للتعاون الدفاعي؟ هذه مسألة أساسية، لأن الفارق كبير بين التزام شبيه بالدفاع الجماعي والتعاون في التدريب والتسليح والاستخبارات والدفاع الجوي. فالتفاصيل العملياتية غير معروفة، ولذلك فإن كثيرًا من الاستنتاجات بشأن أثر الاتفاق في هندسة الأمن الإقليمي تبدو متسرعة.
  • ما المقصود عمليًّا بالدور النووي الباكستاني؟ يعد امتلاك باكستان للسلاح النووي أحد عناصر قوة التحالف، لكن السؤال الأهم: هل للمظلة النووية الباكستانية أي صلة بالاتفاق؟ وهل توجد ضمانات ردع نووية للسعودية أو تركيا، أم أن الحديث عن القوة النووية الباكستانية يأتي في سياق توصيف قدرات أحد الأطراف لا أكثر؟
  • ما الذي تريده السعودية تحديدًا من الاتفاق؟ يمكن الحديث عن مجموعة دوافع محتملة، من حرب اليمن إلى تنويع الشركاء والردع في مواجهة إيران، لكنه لا يمكن ترتيب هذه الدوافع ضمن قائمة أولويات واضحة: هل الهدف الأساسي إيران أم تراجع الثقة بالمظلة الأميركية أم بناء استقلالية إستراتيجية سعودية أم تطوير محور أمني إسلامي؟
  • لماذا تركيا وباكستان تحديدًا؟ لكل دولة نقاط قوتها الجيوسياسية، لكنه لا يمكن غضُّ الطرف عن الحسابات السياسية لكل منهما: ماذا تريد أنقرة من الاتفاق؟ وماذا تريد إسلام آباد؟ وهل تتطابق رؤيتهما للتهديدات مع الرؤية السعودية أصلًا؟
  • أين تقف الولايات المتحدة من الاتفاق؟ هذه فجوة مهمة جدًّا. فإذا كان الاتفاق في أحد وجوهه جزءًا من تنويع الشراكات الأمنية السعودية، فإن السؤال: هل يمثل تكاملًا مع المنظومة الأمنية الأميركية أم استقلالًا نسبيًّا عنها؟ وهل يمكن أصلًا فصل القدرات العسكرية التركية والسعودية عن ارتباطاتهما العسكرية والتسليحية الغربية؟
  • هل الدول الثلاث متفقة أصلًا في تعريف مصادر التهديد؟ فما تعده الرياض تهديدًا لا يلزم أن تعده أنقرة أو إسلام آباد كذلك. وبالتالي لا توجد معطيات تمكِّن بصورة كافية من تحديد مدى قابلية المصالح المتباينة للتحول إلى عقيدة دفاعية مشتركة.
  • ما حدود البعد الإيراني في الاتفاق؟ لا تقول أي من الدول الموقِّعة أنه تحالف ضد إيران، كما ترفض إيران نفسها قراءته على هذا المنوال، لكن المسألة تتضح إذا ما وجدنا مؤشرات واضحة تحدد الوزن الحقيقي لإيران في حسابات الدول الثلاث. والقول: إن الاتفاق "ليس ضد إيران فقط"، لا يُسقط أن إيران ليست أحد دوافعه المركزية.
  • ما المقصود إيرانيًّا بـ"الأمن الإقليمي القائم على الذات"؟ هذا "البديل الإيراني" لا يمكن إلى اليوم شرح بنيته المؤسسية: من يشارك فيه؟ هل يشمل دول الخليج وإيران وتركيا والعراق وباكستان؟ ما آليات تسوية النزاعات؟ وما الضمانات التي تجعل الدول الأخرى تثق بهذا النموذج؟
  • وهل يمكن أن تقبل دول المنطقة بالرؤية الإيرانية للأمن الجماعي وأنه لا يمكن تجاوزها؟ فعدم إمكانية تجاوز إيران لا يعني تلقائيًّا قبول الدول الأخرى بها شريكًا أو ضامنًا للأمن؛ إذ إن الوصول إلى هذا المستوى يقتضي حوارًا مباشرًا وطويلًا لبناء الثقة بين إيران وجيرانها، ورغم أن إيران تخوض حاليًّا محادثات مع السعودية بهذا الخصوص إلا أن مؤشرات نجاح هذه المساعي لا تبدو واضحة.

خلاصة

لا يحاول موقف إيران من الاتفاق تقديم تحليل وتفسير لاتفاق دفاعي بقدر ما هو دفاع عن موقع إيران في هندسة الأمن الإقليمي المقبلة؛ في رسالة أساسية مفادها أن ميثاق مكة قد يكون خطوة مهمة في إعادة تشكيل موازين القوى، لكنه لا يستطيع وحده تأسيس نظام أمني مستقر أو عزل إيران. فالمنافسة المقبلة، لن تكون فقط بين جيوش وتحالفات بل بين رؤيتين: أمن قائم على الأحلاف والشركاء الخارجيين، وأمن إقليمي تقول إيران إنها أحد أعمدته الأساسية.

تجيب إيران جيدًا عن سؤال: "كيف تريد طهران أن يُقرأ اتفاق مكة؟"، لكن الإجابة لا تتوافر في الطروحات الإيرانية عن أسئلة أكثر أهمية، منها: "لماذا أُنشئ الاتفاق فعلًا؟" و"ماذا تريد كل دولة موقِّعة منه؟"، والإجابة عن ذلك تمكِّن من القول ما إذا كانت المنطقة تشهد منافسة بين نموذجين لهندسة الأمن أم لا.

وعليه، لا تكمن أهمية ميثاق مكة في موازين القوة العسكرية وحدها بل في قدرته المحتملة على التأثير في شكل البنية الأمنية الإقليمية. وتبقى أسئلة أساسية مفتوحة بشأن حدود الالتزام العسكري بين أعضائه، وإمكانية توسعه، وموقع الولايات المتحدة منه، وانعكاساته على إيران. كما يطرح الميثاق مفارقة مهمة تتمثل في ما إذا كان تعزيز الردع الجماعي سيحد من احتمالات الحرب ويدفع نحو الدبلوماسية أم أنه سيؤدي إلى تشكل كتل أمنية متنافسة تزيد من مخاطر الاستقطاب والتصعيد في المنطقة.

نبذة عن الكاتب