انقلاب النيجر: نجاة السلطة العسكرية وتفاقم الهشاشة

تمكَّن رئيس النيجر، الجنرال تياني، من الحفاظ على السلطة بعد إخفاق المحاولة الانقلابية على حكمه، لكن سلطته باتت أشد هشاشة، لأن الخطر صار يأتيه من الجيش نفسه، وأخفق في استعادة الأمن الذي برَّر به انقلابه على الرئيس السابق، بازوم، واحتمى بقوات الفيلق الروسي الإفريقي لقمع للتصدي للانقلابيين.
تياني يحافظ على سلطة ملغمة (صحافة النيجر)

كشفت المحاولة الانقلابية التي شهدتها نيامي، ليلة 28-29 أغسطس/آب 2026؛ عن مفارقة عميقة في النظام الذي يقوده الجنرال عبد الرحمن تياني؛ منذ انقلاب يوليو/تموز 2023؛ على نظام الرئيس محمد بازوم: فقد تجاوز النظام أخطر تحدٍّ داخلي تعرض له خلال ثلاث سنوات، وإن لم تكن هذه المحاولة الانقلابية الوحيدة في هذه الفترة.

لقد خرج النظام من هذه الأزمة أكثر انكشافًا من الناحية الإستراتيجية؛ فالمشكلة التي كشفتها المحاولة لا تقتصر على وجود مجموعة من الضباط الساخطين، وإنما تمتد إلى علامات تصدع داخل المؤسسة العسكرية، وتراجع الثقة بقدرة السلطة المنبثقة عنها، على تحسين الوضع الأمني، وازدياد اعتماد النظام على قوى خارجية أبرزها الروس ممثَّلين في الفيلق الإفريقي لضمان بقائه.

لم تكن أحداث 29 أغسطس/آب تمردًا عسكريًّا محدودًا، كما أراد النظام توصيفه، فقد هاجم المتمردون بشكل متزامن القصر الرئاسي والقاعدة الجوية 101 داخل مطار ديوري حماني، وحاولوا الوصول إلى مقر التليفزيون الرسمي، وتمكنوا لساعات من السيطرة على المجمع العسكري في المطار، وتشير مصادر متقاطعة إلى أن المتمردين كانوا في جانب مهم منهم من مختلف رتب الوحدات الخاصة، بينهم عناصر خدمت على جبهة تيلابيري، إحدى أكثر مناطق البلاد تعرضًا لهجمات الجماعات الجهادية، وفقًا لما أوردته تقارير إعلامية.

قوات تياني لم تحسم المواجهة وحدها بل فشلت في ذلك فشلًا ذريعًا؛ فقد شارك عناصر من الفيلق الروسي، يُقدَّر عددهم بنحو 200 عنصر، حسب تقارير إعلامية، في استعادة القاعدة 101، واستخدمت القوات الروسية وسائل برية وجوية، فيما أكد السفير الروسي في نيامي مشاركة قوات بلاده في قمع التمرد وفقًا للتقارير الإعلامية.

التحول الأهم ليس فشل الانقلاب بل أن المعادلة الأمنية للنظام تغيرت، فقد تحولت روسيا عمليًّا من شريك عسكري للنيجر إلى أحد ضامني بقاء النظام، بينما دشنت الجزائر بدورها سابقة لافتة بإرسال أربع مقاتلات Su-30 إلى نيامي استجابة لطلب السلطات النيجرية، وفقًا لمعطيات إعلامية متطابقة.

وبذلك يمكن تلخيص الوضع الجديد في معادلة ثلاثية: نظام نجا، وجيش متصدع، وضمانة أمنية خارجية ازدادت أهميتها.

الخسائر المحتملة

كشفت المحاولة الانقلابية أن استيلاء الجيش على السلطة في النيجر ودول أخرى في الساحل الإفريقي بمبرر بسط الأمن والسيادة، ينقل الخلافات إلى داخل الجيش نفسه، ويصيبه بالاستنزاف الداخلي، وتلجأ السطات العسكرية الحاكمة إلى قوى خارجية للاحتماء من قواتها، فيزداد الاضطراب وقد يمتد للجوار، ويزداد التدخل الخارجي، ثم قد تنتهز الجماعات المسلحة هذه الهشاشة وتوسع سيطرتها على أقاليم جديدة، ثم قد تتقدم نحو عاصمة البلاد.

تشعر دول الجوار بالخطر من الجماعات المسلحة، فتخشى على استقرار حدودها وسلامتها الإقليمية، فتقع بين خيارين: أولًا: رفض إسناد السلطة العسكرية مع قبول خطر استيلاء الجماعات الجهادية المسلحة على السلطة، أو مساندة السلطات العسكرية الحاكمة لمساعدتها في التصدي للجماعات الجهادية المسلحة رغم مخالفة ذلك لمبدأ القبول بالأنظمة السياسية العسكرية.

السؤال الرئيسي الناتج عن إخفاق الانقلاب هو: هل تبقى السلطة العسكرية النيجرية الحالية في الحكم أم أنها ستفقده بالقوة؟

الانقلاب: الفاعلون والمجريات

بدأت الأحداث في الساعات الأولى من يوم 29 أغسطس/آب، عندما تحركت مجموعة من العسكريين، يتقدمها ضباط شباب من القوات الخاصة، وسيطرت على أجزاء من القاعدة الجوية 101 في مطار نيامي، وهاجمت بالتزامن مواقع حساسة في العاصمة. وأكد وزير الدفاع، الجنرال ساليفو مودي، احتجاز جنود وضباط داخل القاعدة، وإطلاق نار على مواقع حساسة، وإن حاول الخطاب الرسمي في البداية خفض مستوى الحدث بوصفه تحركًا محدودًا وفقًا للصحافتين، المحلية والدولية.

لكن تطور الأحداث يشير إلى مشروع أوسع من مجرد احتجاج مهني؛ إذ تعرَّض القصر الرئاسي لإطلاق نار، وجرت محاولة للسيطرة على التليفزيون، بينما بقي المتمردون ممسكين بالقاعدة الجوية لساعات طويلة، وحاولوا استقطاب قادة ووحدات أخرى إلى صفهم. الأهم من كل ذلك؛ أن مصادر عسكرية أفادت بأن بعض الوحدات ترددت في الاشتباك معهم، وأن كتيبة واحدة على الأقل رفضت المشاركة في اقتحام القاعدة 101، وفقًا لتقارير إعلامية.

هذه الواقعة مهمة لأنها تنقل المسألة من مجموعة متمردة ضد النظام؛ إلى سؤال أعمق بشأن درجة تماسك الجيش نفسه. لقد ظل الحرس الرئاسي، الذي قاده تياني من 2011 حتى انقلابه عام 2023، الوحدة الأكثر ثباتًا في ولائه له، بينما ظهر موقف أجزاء أخرى من المؤسسة العسكرية أكثر التباسًا، حسب التقارير الإعلامية.

استعادت القوات الحكومية القاعدة، مساء 29 أغسطس/آب، بعد قتال أوقع قتلى وجرحى، دون صدور حصيلة رسمية نهائية حتى الآن، وتحدثت مصادر صحفية عن مقتل أو اعتقال عشرات المتمردين وفقًا لمصادر إعلامية إقليمية.

أزمتا الأمن والسياسة

يمكن قراءة المحاولة بوصفها أول ارتداد داخلي كبير لأزمة الشرعية الأمنية التي تواجه النظام، فعندما أطاح الجيش بالرئيس محمد بازوم، في يوليو/تموز 2023، كان أحد مبررات الانقلاب الأساسية: فشل السلطة المدنية في معالجة التهديد الجهادي وتردي الوضع الأمني. وبعد ثلاث سنوات، أخفق النظام العسكري نفسه في تحقيق الاستقرار الأمني الذي استند إليه في تسويغ تعليل انقلابه؛ فقد تعرضت القوات النيجرية، خلال 2026، لخسائر ثقيلة، وخصوصًا في منطقة تيلابيري؛ حيث تشير تقارير إعلامية إلى مقتل 67 شخصًا، بينهم مدنيون، في هجوم على غاربونغا، في 14 مايو/أيار، ثم مقتل 51 جنديًّا في إناتيس، في 17 يونيو/حزيران. وكان بعض قادة محاولة أغسطس/آب من القوات الخاصة المنتشرة ضمن العملية العسكرية المسماة "ألماهاو" في منطقة تيلابيري الحاسمة.

وهنا تتضح إحدى أهم خلفيات التمرد: فجوة متزايدة بين الخطاب السيادي الانتصاري في العاصمة الذي استند في شرعية توليه للسلطة على رفض التعاون العسكري مع فرنسا، وبين خبرة الوحدات العسكرية التي تقاتل فعليًّا في الأطراف، فجنود وضباط الجبهة يواجهون تصاعدًا في هجمات جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وتنظيم الدولة الإسلامية بينما تبني السلطة شرعيتها على سردية تقول: إن طرد فرنسا وإعادة بناء الشراكات الأمنية مع روسيا ودول الساحل جعلا البلاد أكثر قدرة على حماية نفسها من خطر الجهاديين.

لهذا يمكن النظر إلى محاولة أغسطس/آب، جزئيًّا على الأقل، بحسبانها تمردًا على السياسة الأمنية التي جاء انقلاب 2023 لإصلاحها.

سيتآكل خطاب السيادة بمرور الوقت لأن الراجح أن سلطة تياني ستعتمد أكثر على قوات الفيلق الروسي الإفريقي وعلى الدعم العسكري والسياسي الجزائري للبقاء في السلطة، فتكسب عسكريًّا لكنها تخسر في الشرعية السياسية. وفي الموازنة بين الكسب والخسارة، ترجح كفة الخسارة لأن الشرعية أهم من القدرة العسكرية.

غليان داخل الجيش

الأمن وحده لا يفسر المحاولة، والوقوف عنده اختزال قاصر، فمنذ 2023 تشكَّلَ داخل القوات المسلحة نظام جديد لتوزيع القوة والامتيازات، يتمحور بدرجة كبيرة حول الحرس الرئاسي، والشبكات المرتبطة بالجنرال الحاكم.

وهذه مشكلة مألوفة ومعروفة في الأنظمة العسكرية، فكلما اعتمد القائد على قوة نخبوية محددة لحماية النظام، هي الحرس الرئاسي الذي كان الرئيس تياني قائدًا له، ازدادت مخاوف بقية المؤسسة العسكرية من اختلال التوازن بينها وبين هذه القوة، وظهر التنافس والتحاسد على الحظوة والنفوذ. وتكشف أحداث 29 أغسطس/آب أن الحرس الرئاسي ظل قاعدة النظام الصلبة فيما لم تكن بقية الوحدات على الدرجة نفسها من الالتزام.

إن إحجام بعض العسكريين عن مواجهة المتمردين؛ ربما كان سببه رفض الاقتتال الداخلي، وليس بالضرورة تأييد الانقلاب؛ لكنه يظل مؤشرًا شديد الأهمية، فالانقلابات لا تنجح عادة بقوة المجموعة المبادِرة وحدها، وإنما عندما تتخذ الكتلة الكبرى داخل الجيش موقف الانتظار ثم تتحرك مع الطرف الذي يبدو أنه المنتصر.

ولهذا كان عامل الزمن بالغ الأهمية بالنسبة إلى الجنرال الحاكم، تياني، وكل ساعة كان المتمردون يحتفظون فيها بقاعدة 101؛ كانت تفتح إمكانية توسع دائرة المترددين، أو المنضمين إليهم، وهذا يفسر أهمية التدخل الروسي في الحسم السريع.

هذا التصدع في المؤسسة العسكرية هو العامل الحاسم الذي سيقرر مستقبل سلطة تياني، لأن تياني سيسعى إلى تحصين نفسه بدائرة ضيقة من القوات للاحتماء من بقية قواته، لكنه سيواجه معضلة، فهو مضطر إلى إضعاف هذه القوات التي يشك في ولائها، لكنه في نفس الوقت يحتاج إلى تقوية قدراتها للتصدي لخطر الجماعات الجهادية المسلحة.

انتقال الروس من شريك إلى ضامن

هذا تحولٌ جيوسياسي ترتب على المحاولة الانقلابية، فمنذ القطيعة مع فرنسا اتجهت نيامي تدريجيًّا إلى موسكو، واستقر عناصر من الفيلق الروسي في النيجر منذ 2024، لكن أحداث أغسطس/آب 2026 نقلت العلاقة إلى مستوى مختلف؛ إذ أصبح الوجود الروسي جزءًا مباشرًا من منظومة حماية السلطة السياسية نفسها من قوات الجيش التابعة لها، ولم يعد دورها يقتصر على تدريب الجيش أو دعم مكافحة الجماعات المسلحة فقط، كما كان يقدمها الخطاب الرسمي الشعبوي من قبل.

وقد أكدت مصادر روسية وغربية مشاركة الفيلق الروسي في استعادة القاعدة 101، فيما وصفت تقارير الدور الروسي بأنه كان حاسمًا في منع سقوط النظام، وتنطوي هذه النتيجة على مفارقة سياسية بالنسبة إلى الخطاب السيادي للسلطة؛ فالسلطة العسكرية الحاكمة التي برَّرت الإطاحة بحكم بازوم بخطاب مناهَضَة مقاومة النفوذ العسكري الفرتسي الخارجي، أصبحت أكثر اعتمادًا على قوة عسكرية روسية أجنبية لضمان أمنها.

هذا الاعتماد لا يعني بالضرورة إضعاف التحالف مع روسيا داخليًّا؛ فمن منظور تياني والأنظمة العسكرية المشابهة، أثبتت موسكو أمرًا بالغ القيمة؛ هو أنها تقف مع النظام ساعة الخطر، وستكون لهذه السابقة آثار مهمة في مالي وبوركينا فاسو أيضًا، حلفاء النيجر الأقربين المعتمِدِين على الفيلق الروسي.

أسهم الفيلق الروسي الإفريقي إسهامًا رئيسيًّا في الحفاظ على السلطة العسكرية للجنرال تياني، لكنها قوة خارجية، يمكن سحبها في أي لحظة، وسيؤدي تنامي دورها إلى تذمر داخل قطاعات واسعة في الجيش، وتآكل خطاب السيادة الذي يروجه نظام تياني لإضفاء شرعية على حكمه.

التحول الجزائري

برزت الجزائر ثاني أبرز فاعل خارجي في الأزمة. ففي 30 أغسطس/آب، وبناءً على طلب نيامي، أمرت الجزائر بإرسال أربع مقاتلات ( Su-30)، مصحوبة بطائرة للتزود بالوقود، إلى النيجر، وأعلنت وزارة الدفاع الجزائرية صراحة أن المهمة تهدف إلى دعم الجيش النيجري في مواجهة محاولة زعزعة الاستقرار.

وتتجاوز أهمية الخطوة أثرها العملياتي، لأن وصول الطائرات جاء بعد انحسار التمرد عمليًّا، فالدلالة الأساسية كانت سياسية وإستراتيجية؛ إذ أعلنت الجزائر استعدادها لاستخدام قدراتها العسكرية خارج الحدود لحماية الاستقرار في دولة ساحلية مجاورة.

وقد بدت الخطوة بأنها تدشين لتحول في العقيدة الجزائرية بشأن الانتشار العسكري الخارجي، ويمكن تفسير ذلك بعدة حيثيات:

  • الخشية الجزائرية من تفكك إضافي في فضاء الساحل المطوِّق لحدودها من الجنوب والجنوب الشرقي.
  •  أهمية استقرار النيجر بالنسبة إلى أمن الحدود الجنوبية مع الرغبة في عدم ترك روسيا تنفرد بالمشهد الأمني.
  • حرص الجزائر على استعادة موقعها لاعبًا مركزيًّا في منطقة كانت حديقتها الخلفية، بعد توتر علاقتها مع مالي والنيجر خلال الأعوام الأخيرة.

قد تكون إحدى النتائج غير المقصودة للمحاولة الانقلابية تقاربًا أمنيًّا أسرع بين الجزائر والنيجر.

الدعم الجزائري يقوِّي سلطة تياني لكنه قد يبقى في حدود العتاد، وقد يتوقف في أي لحظة لأنه دعم خارجي، وقد تتفادى الجزائر الانخراط أكثر في القتال الداخلي بين القوات العسكرية النيجرية، علاوة على أن التدخل الجزائري يضعف خطاب السيادة الذي يستعمله تياني لإضفاء الشرعية على حكمه العسكري.

دعم تحالف دول الساحل

كان رَدُّ تحالف دول الساحل (AES) سريعًا وقاطعًا -كما كان متوقعًا- فقد وصف بيان صادر عن التحالف، في 29 أغسطس/آب، العملية بأنها "خيانة ومحاولة لزعزعة الاستقرار"، وأعلن الدعم الكامل لمؤسسات النيجر، وطالب سكان مالي وبوركينا فاسو والنيجر باليقظة إزاء حملات التضليل ومحاولات التقسيم والانقسام.

وتكشف لغة البيان أن الأنظمة الثلاثة؛ أصبحت تتعامل مع أمن كل نظام بوصفه جزءًا من أمن الكتلة نفسها، ومن ثم، فإن تهديد نظام تياني لا يُقرأ في باماكو وواغادوغو بوصفه أزمة نيجرية داخلية فقط بل سابقة قد تنتقل عدواها إلى بقية أنظمة الساحل المتحالفة.

ومع ذلك، فهناك فرق شاسع بين التضامن السياسي، والقدرة العسكرية الفعلية، فقد كان الحضور الروسي والجزائري أكثر وضوحًا من أي مساهمة عسكرية مباشرة من مالي أو بوركينا فاسو في الساعات الحرجة، وهذه نقطة ينبغي مراقبتها عند تقييم مدى تحول تحالف الساحل؛ من تحالف سياسي إلى منظومة أمن جماعي حقيقية.

ازدواجية الاتحاد الإفريقي

اتخذ الاتحاد الإفريقي موقفًا لافتًا في توازنه؛ فقد دان رئيس مفوضيته، محمود علي يوسف، أي محاولة للاستيلاء على السلطة بالقوة، ودعا إلى ضبط النفس، والحفاظ على استقرار البلاد، لكنه في الوقت نفسه أعاد التأكيد على ضرورة العودة إلى النظام الدستوري.

وهو موقف يكشف المفارقة القانونية التي تواجه الاتحاد؛ إذ عليه أن يدين محاولة إسقاط سلطة تياني بالقوة، لكنه لا يستطيع أن يمنح السلطة التي جاءت أصلًا بانقلاب 2023 شرعية دستورية كاملة، وبذلك حافظ الاتحاد الإفريقي على الفصل بين مبدأين: رفض الانقلاب على الانقلاب، وعدم التسليم في الوقت نفسه بشرعية النظام الانقلابي القائم.

ساوى موقف الاتحاد الإفريقي بين رفض انقلاب المتمردين على سلطة تياني ورفض سلطة تياني نفسها لأنها ناتجة عن انقلاب على الرئيس السابق، بازوم، فتمسك الاتحاد برفض شرعية تياني، لإبقائه في عزلة إقليمية، تجعله هشًّا أمام محاولات انقلابية أخرى.

الغطاء الفرنسي

من أهم التطورات التي أعقبت المحاولة انتقال السلطة من تفسيرها بالتمرد العسكري المحدود إلى الحديث عن مؤامرة دولية؛ ففي الأيام التالية بث التليفزيون الرسمي النيجري -وفقًا لشبكة بي بي سي- اتهامات تربط المحاولة بفرنسا وأشخاص من محيط الرئيس المنقَلَب عليه، محمد بازوم، وبأطراف إقليمية في تشاد وبنين وكوت ديفوار. وقد امتنعت السلطات الفرنسية عن مناقشة هذه المزاعم، مؤكدة أنها لن تعلِّق على تصريحات الضابط الذي أطلقها أو على صدقية مصادره.

وفي 4 سبتمبر/أيلول -وفقًا لوكالة أنباء رويترز- صعَّدت الحكومة النيجرية الاتهامات، واتهمت فرنسا رسميًّا بالتحريض على التمرد، معلنة امتلاك "وثائق مهمة" واحتفاظها بحق اتخاذ إجراءات أمام القضاء الدولي، لكنها لم تعرض حتى الآن أدلة علنية مستقلة تسمح بالتحقق من هذه الاتهامات. رفضت السلطات الفرنسية هذه التهم. هناك اتهام رسمي نيجري لفرنسا، أما ثبوت تورط فرنسي فعلي، فيحتاج إلى أدلة مستقلة لم تظهر بعد.

سياسيًّا؛ تخدم رواية التدخل الخارجي النظام في تحويل أزمة كشفت انقسامات داخل الجيش إلى تدبير خارجي بما يسمح بإعادة توحيد القاعدة الشعبية والعسكرية حول السلطة.

النفي الفرنسي للمشاركة في المحاولة الانقلابية يحرم سلطة تياني من تحويل أسباب التمرد من تذمر على الوضع المتردي الداخلي لفئات من القوات المسلحة التي تقاتل الجماعات الجهادية إلى سبب خارجي وهو التدبير الفرنسي المناوئ لسلطة تياني، لكن هذا التحويل قد يجعل تياني يعد المتمردين خونة ويبالغ في القمع والقبضة الأمنية ويرفض معالجة الأسباب الرئيسية للتمرد، بل إن القمع قد يفاقم أسباب التمرد، ويمهد الطريق لمحاولات انقلاب أخرى.

تركيا واتساع دائرة الدعم الخارجي

وفقًا للإعلام النيجري، أعلنت تركيا تضامنها مع النيجر، ودعت إلى ضبط النفس والحفاظ على الأمن والاستقرار، وتشير خريطة المواقف عمومًا إلى أن محاولة الانقلاب لم تؤدِّ إلى عزل نظام تياني بل على العكس حصل على موجة دعم من شركائه المقرَّبين، خصوصًا روسيا والجزائر ودول الساحل الحليفة وتركيا، وهذا من شأنه أن يعزز لدى السلطة الاعتقاد بأن خيارها الجيوسياسي منذ 2023، قد وفَّر لها شبكة حماية خارجية فعَّالة مقابل انقسام قاعدتها الصلبة داخليًّا المتمثلة في الجيش.

هذه المواقف لا تساعد على المدى المتوسط أو البعيد سلطة تياني لأن سببها الرئيس داخلي وهو التذمر داخل صفوف القوات المسلحة، والصدع الذي أحدثته المحاولة الانقلابية في صفوفها.

الآثار الداخلية

  • أول أثر متوقع هو إعادة هيكلة واسعة للأجهزة العسكرية والأمنية، وهذا أثر متوقع أو نتيجة حتمية؛ فالسُّلطة ستسعى إلى معرفة دوائر التعاطف مع المتمردين، ومن المرجح أن تشهد القوات الخاصة والوحدات الموجودة في نيامي والقيادات الميدانية مراجعات، وإقالات، ونقلًا، وتوقيفات.

لكن الإفراط في التطهير يحمل مخاطره الخاصة؛ إذ قد يحول التذمر الكامن إلى شبكات معارضة أكثر تماسكًا وأقوى فاعلية، وخصوصًا إذا شملت الإجراءات ضباطًا لم يشاركوا في التمرد، ولكنهم اتخذوا موقفًا محايدًا أثناءه.

  • وأما الأثر الثاني فهو تعزيز الحرس الرئاسي، والأجهزة المرتبطة مباشرة بالجنرال الحاكم، وهو ما قد يزيد الطابع الشخصاني للنظام على حساب التوازن التقليدي داخل المؤسستين، العسكرية والأمنية.
  • وثالث الآثار هو تضخم البُعد الأمني في الحكم، فبعد محاولة كهذه؛ يصبح الحفاظ على النظام نفسه أولوية قصوى، مقدمة على الحرب ضد الجماعات الجهادية. وهنا تظهر دائرة خطرة، فسحب الوحدات والموارد من الجبهات لحماية العاصمة مركز الحكم قد يزيد ضعف الأطراف فيؤدي إلى هجمات جديدة فتتجدد نقمة الجيش على السياسة الأمنية المبررة بتداعيات الانقلاب وأساس شرعية الحكم المنبثق عنه.

اتجاهات ومؤشرات

قبل تحديد الاتجاهات يجدر التنبيه إلى جملة مؤشرات ناظمة للحالة العامة في البلد بعد هذه المحاولة الانقلابية الخطيرة؛ ذلك أن الحكم على نجاح تياني في تجاوز الأزمة لا يستند إلى هدوء العاصمة وحسب، بل إن المؤشرات الحاسمة خلال الأشهر المقبلة يحددها بدقة حجم التوقيفات والتغييرات في قيادة الجيش؛ ومصير ضباط القوات الخاصة؛ وما إذا كان تياني سيعيد توزيع القيادة العسكرية لمصلحة الحرس الرئاسي.

هذا فضلًا عن النظر إلى الدعمين، الروسي والجزائري، فحجم القوة الروسية الجديدة وانتشارها؛ وطبيعة الاتفاق الأمني الذي قد يتطور مع الجزائر؛ مؤشران أساسيان، كما أن معدلات هجمات الجماعات الجهادية في تيلابيري وتاهوا وديفا؛ خاصة إن تزامن مع ظهور حالات عصيان أو فرار أو إقالات داخل الجيش؛ سيكون حاسمًا في اتجاه ضعضعة النظام.

أما المؤشر الأخير الذي تجب مراقبته بدقة فهو قدرة السلطات على تقديم أدلة مستقلة يمكن التحقق من خلالها من اتهاماتها لفرنسا، فسيكون هذا حاسمًا في زيادة التعبئة الشعبية حول النظام والعكس إن ظلت الرواية في إطار التعبئة السياسية دون أدلة تثبت تورط السلطات الفرنسية.

وعمومًا، يمكننا توقع الاتجاهات التالية:

  1. الاحتواء المتشدد: على المدى القريب، الأرجح أن ينجح عبد الرحمن تياني في تطهير المؤسسة العسكرية ويعزز قبضة الحرس الرئاسي على المؤسستين، العسكرية والأمنية، ويطور العلاقات في جميع الاتجاهات مع روسيا والجزائر؛ ونتيجة لذلك تتراجع التوترات داخل الجيش أو تتخفى مؤقتًا. وقد تنجح القوات العسكرية في استعادة المبادرة عبر نجاح أمني ضد الجماعات الجهادية، فتستعيد السلطة جزءًا من شرعيتها داخل الجيش والمجتمع، وهذا الاتجاه عمومًا مرتبط بالواقع الميداني.

هذه السياسة القمعية قد تفاقم التصدع العسكري، وهذا احتمال مرتفع على المدى المتوسط. وبمقتضى هذا الاتجاه، تتفاقم عوامل التذمر بين مكونات الجيش نتيجة الخسائر في الجبهات العسكرية الأمامية، والتفاوت الحاد في المعدات والاهتمام بين الوحدات المقاتلة، ويتعمق الإحباط بين قياداتها، ويتصدع الجيش مجددًا فيبرز انقلاب جديد بروح انتقامية وجهد أصلب وأقوى.

  1. اتساع سيطرة الجماعات الجهادية: الدخول في دوامة الانقلابات؛ إذ يؤدي التطهير الأمني إلى إضعاف الجبهات فتزداد الهجمات الجهادية وتتعاظم الخسائر الميدانية، فتتوالد محاولات الانقلاب وتتجدد. وقد يؤدي ذلك إلى تركيز القوات والموارد على حماية السلطة في العاصمة، نيامي، وإهمال القوات المتواجدة في جبهات القتال مع الجماعات الجهادية، فتستغل هذه الجماعات الفرصة وتتحكم في الطرق والمسالك المؤدية للعاصمة، نيامي، فتحيط بها، وتشدِّد الخناق عليها، كما حدث مع السلطة في مالي التي فقدت سيطرتها على مناطق شاسعة من البلاد وباتت تركز على حماية العاصمة، باماكو.

قد لا تمتلك الجماعات الجهادية المسلحة القدرة على الاستيلاء على السلطة لكنها قد تستغل انحسار القوات النيجرية وانكفائها إلى العاصمة، فتسيطر على عدد من المناطق داخل النيجر للإقامة والتدريب والحشد والعيش ثم شَنِّ غارات على مناطق الجوار، وقد تغتنم هذه الفرصة للاتجاه جنوبًا نحو دول أخرى، خاصة إذا أدَّت الإجراءات العقابية للسلطات النيجرية إلى إضعاف القوات المتواجدة في تيلابيري، علاوة على أن اتهام السلطات النيجرية لدول بجوارها الجنوبي مثل بنين يحرمها من التعاون الاستخباراتي مع هذه الدول للتصدي للخطر الجهادي المشترك.

  1. التوافق السياسي: يبدو الاحتمال الأضعف إعادة تياني إطلاق مسار سياسي أكثر شمولًا فيخفف احتكار السلطة ويعيد التواصل مع قطاعات شعبية مقصاة وينفتح إقليميًّا.

نجاة النظام مع زيادة اضطرابه

فشل انقلاب أغسطس/آب ليس مؤشرًا على قوة السلطة النيجرية؛ لأن المحاولة في ذاتها دليل على هشاشة لم تكن ظاهرة بهذا الوضوح منذ 2023، سبقتها محاولات مكتومة وأخرى مزعومة.

إن السلطة التي استولت على الحكم باسم معالجة الفشل الأمني أصبحت بعد ثلاث سنوات تواجه حركة تمرد، خرج جزء مهم منها من القوات التي تقاتل الجهاديين. وقد ظهر الجيش -الذي يفترض أن يكون قاعدة النظام- منقسمًا إلى موالين ومترددين ومتمردين، بينما احتاجت السلطة إلى تدخل قوة روسية للمساعدة في استعادة منشأة عسكرية مركزية.

وفي المقابل، أظهرت الأزمة أن نظام تياني لم يعد نظامًا منفردًا يسهل إسقاطه؛ فقد أصبح جزءًا من شبكة أمنية تتداخل فيها روسيا وتحالف الساحل والجزائر، مع شراكات إضافية كتركيا، ولذلك فإن أية محاولة انقلابية لاحقة لن تكون شأنًا نيجريًّا خالصًا بل قد تستدعي استجابة إقليمية ودولية أكثر مباشرة.

أحداث 29 أغسطس/آب دشَّنت مرحلة جديدة في تاريخ النظام النيجري؛ إذ انتقل الخطر الرئيسي من سؤال بقاء السلطة في مواجهة خصوم سياسيين مدنيين؛ إلى سؤال تماسك القوة العسكرية التي قامت عليها السلطة نفسها.

والمفارقة أن السيادة التي شكَّلت السردية المؤسِّسة لنظام تياني باتت مرتبطة على نحو متزايد بضمانات عسكرية خارجية، فإذا استمرت الخسائر أمام الجماعات المسلحة، فإن روسيا والجزائر تستطيعان مساعدة النظام على النجاة من انقلاب آخر لكنهما لا تستطيعان وحدهما معالجة السبب الذي يُنتج قابلية الانقلاب، وهو تراجع الفاعلية الأمنية، وتصدع المؤسسة العسكرية.

المرجح أن المرحلة التالية لن تكون مرحلة استقرار وإنما مرحلة هدوء قسري وهش، جوهرها سلطة أقوى في نيامي من حيث أدوات السيطرة لكنها أكثر اعتمادًا على الخارج، وجيش بلا ثقة داخلية ومشغول بالرقابة الذاتية والاستنزاف الداخلي، وصدام مفتوح مع الجماعات الجهادية، وهي ستحدد في نهاية المطاف مستقبل النظام أكثر مما تحدده نتائج محاولة أغسطس/آب نفسها.