اتفاقية الدفاع المشترك الثلاثية: الدوافع والطموحات والمخاوف

لا يُعدّ اتفاق مكة الأول في سياق سعي دول المشرق لبناء منظومة أمنية تستند إلى قوى المنطقة نفسها، فقد تجلى هذا السعي في عدة مقترحات ومبادرات ومشاريع سابقة. ولكنه خطوة مهمّة، تعكس تحولات في تصورات قوى المشرق الرئيسة لحاجاتها وقدراتها وطموحاتها. والتقدم في هذه الخطوة يقتضي إمعان النظر في المخاوف التي أثارتها، وفي سبل حل الإشكالات التي يصعب تحقيقها في حال اقتصر الاتفاق على أطرافه الثلاثة.
(وكالة الأنباء السعودية)

نشرت مجلة الفورين أفيرز الأميركية، في 6 أغسطس/آب، مقالًا لمايكل فوكس، الذي عمل من قبل في إدارة الرئيس بايدن، حول الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران، ومستقبل الوجود الأميركي في الشرق الأوسط. قال فوكس في مقاله: إن الحرب كشفت فشل الإستراتيجية الأميركية في المنطقة، وأكدت أن الوجود العسكري الأميركي لم يعد يحقق الأمن أو الاستقرار. وانتهى إلى أن الوقت قد حان لإنهاء هذا الوجود والتحول نحو الدبلوماسية والتعاون الاقتصادي.

وصف فوكس الحرب بأنها نتيجة لسياسات ممتدة منذ أكثر من ثلاثة عقود، اعتمدت على القوة العسكرية بوصفها الأداة الأساسية للحفاظ على النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط. ولكن، وبدلًا من تحقيق الأمن، أدَّت هذه المقاربة إلى توليد مزيد من الصراعات، وتحويل الدول التي تستضيف القواعد الأميركية إلى أهداف مباشرة للخصوم. وأشار فوكس إلى أن كل خطوة للتدخل في الشرق الأوسط خلال العقود القليلة الماضية أفضت إلى مزيد من التورط، وأن كلفة التدخل الأميركي في الشرق الأوسط كانت هائلة؛ فقد أنفقت الولايات المتحدة نحو ثمانية تريليونات دولار على حروب ما بعد 11 سبتمبر/ أيلول 2001، التي شارك فيها نحو ثلاثة ملايين أميركي، قُتل منهم أكثر من 15 ألف عسكري ومتعاقد، فيما أُصيب نحو 1.8 مليون بإعاقات مختلفة. أما شعوب المنطقة، فدفعت ثمنًا أكبر؛ إذ قُتل أكثر من 940 ألف شخص بصورة مباشرة، بينهم أكثر من 430 ألف مدني، وتوفي ملايين آخرون بسبب انهيار مؤسسات الدولة، فيما نزح نحو 38 مليون إنسان.

يحمِّل فوكس الإدارات الأميركية المختلفة مسؤولية هذا النهج، ويدعو إلى انسحاب كامل للقوات الأميركية من الشرق الأوسط بمجرد انتهاء الحرب على إيران، ويدعو إلى أن تنتقل الولايات المتحدة في علاقتها بالمنطقة من نهج التدخل العسكري إلى تعاون في حالات محددة، مثل دعم الجيش اللبناني، مع ربط أي مساعدة أو صفقة سلاح بالالتزام بالقوانين الدولية وحقوق الإنسان. وبالتوازي مع التخلي عن سياسة التدخل العسكري، يدعو فوكس إلى توسيع نطاق الجهود الدبلوماسية والاقتصادية والإنسانية.

بخصوص إيران، يقول فوكس: إن الحرب أثبتت أن الوجود العسكري الأميركي لم يَحْمِ حلفاء واشنطن في الخليج، ويقترح ترتيبات أمنية إقليمية تقودها دول المنطقة نفسها، مع بقاء دور أميركي اقتصادي ودبلوماسي. أما إسرائيل، فيرى أن امتلاكها ترسانة نووية، وأقوى جيش في المنطقة، يؤهلها للدفاع عن نفسها. ويقترح ربط المساعدات لإسرائيل بإنهاء الاحتلال، والسعي إلى سلام مع الفلسطينيين، ووقف الحملات العسكرية الإسرائيلية على دول الجوار. ويؤكد، في النهاية، على أن الانسحاب العسكري الأميركي لن يُضعف موقف الولايات المتحدة أمام الصين وروسيا، بل سيتيح لواشنطن التركيز على التحديات الأخرى التي تواجهها في قارتي آسيا وأوروبا، بل يستبعد حلول بيجين أو موسكو محل واشنطن في المنطقة.

المدهش في مقال فوكس كان تجاهله لإستراتيجية الأمن القومي الأميركي، التي صدرت عن إدارة ترامب، في أوائل ديسمبر/كانون الأول 2025، والتي حملت تصورات مشابهة لما يدعو إليه. تحدثت إستراتيجية الأمن القومي بوضوح عن عزم إدارة ترامب على التخلي عن سياسات وحروب بناء الأمم، وتجنب الانغماس في حروب الشرق الأوسط الأبدية. كما أشارت إلى أن إدارة ترامب، وإن كانت ستعمل على منع القوى المنافسة والمعادية من الهيمنة على مصادر الطاقة والممرات الإستراتيجية، إلا أنها تتبنى مقاربة تقوم على "تحمُّل العبء وبناء السلم" في الشرق الأوسط. وذكرت الوثيقة في هذا الصدد بصورة خاصة إسرائيل وتركيا، في إيحاء لما يمكن أن تقوم به هذه الدول الحليفة للولايات المتحدة من دور في حمل أعباء حفظ أمن المنطقة وحماية المصالح الأميركية في الوقت نفسه.

تمثل الفورين أفيرز ما يُعرف بالمعسكر الليبرالي في مؤسسة السياسة الخارجية الأميركية. وقد يستبطن تجاهل فوكس لوثيقة إستراتيجية الأمن القومي نوعًا من الاستخفاف، أو عدم الاكتراث، بما يصدر عن إدارة ترامب. ولكن المهم، من جانب آخر، أن مقال فوكس يستبطن بروز إجماع أميركي على ضرورة الانسحاب من الشرق الأوسط، أو على الأقل تخفيف وطأة الوجود العسكري الأميركي في المنطقة.

في اليوم التالي لنشر مقال فوكس، وقَّع ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، ورئيس الحكومة الباكستانية، شهباز شريف، في مكة المكرَّمة، على اتفاقية دفاع مشترك ثلاثية. لم يصدر عن لقاء القادة الثلاثة ميثاق يفصِّل آلية عمل التحالف الدفاعي، وليس من الواضح ما إن كان هذا الميثاق قد وُضِع بعد. ولكن اللقاء انتهى إلى إصدار بيان مشترك نصَّ على أن "أي هجوم مسلح على أيٍّ من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع"، في إشارة إلى وضع التعاون الأمني بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد في إطار مؤسسي. وأكد البيان أن الاتفاقية تستند إلى "الروابط التاريخية الراسخة والأخوَّة والتضامن الإسلامي"، وإلى المصالح الإستراتيجية المشتركة، وأنها تهدف إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم.

في توضيح أولي، قال الرئيس التركي إن اتفاقية الدفاع المشترك تعتمد مبدأ "الردع الجماعي"، بينما قال وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، إن الاتفاقية تمثل محطة مهمة في مسيرة التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث، وتجسد الإرادة المشتركة لتوحيد الجهود في مواجهة التحديات الأمنية. أما رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية، برهان الدين دوران، فوصف الاتفاقية بالخطوة التاريخية، وأكد أنها تستهدف تعزيز الأمن المشترك والردع الجماعي، ورفع مستوى التعاون في الصناعات الدفاعية والتكامل العسكري، مع الحفاظ على السلام والاستقرار الإقليمي.

فلماذا اختارت الدول الثلاث الانتقال بعلاقاتها إلى مستوى اتفاقية دفاع مشترك؟ ولماذا لم يكن توقيع هذه الاتفاقية ممكنًا إلا في هذا الوقت؟ وهل كانت محاولات إقامة منظومة أمنية في المشرق مقتصرة أصلًا على تصور ثلاثي الأطراف؟ وأية آمال تحملها الاتفاقية لمستقبل أمن واستقرار المشرق؟ وأية مخاوف أثارتها لدى من استُبعدوا عنها، ولدى الخصوم المحتملين لشركاء الاتفاقية الثلاثة؟

البحث عن منظومة أمنية مشرقية

لم يكن تبلور اتفاقية الدفاع المشترك في صورتها الثلاثية التي تجسَّدت في اتفاق مكة في هذا التوقيت بالذات حتميًّا، لأن بحث دول المشرق عن منظومة أمنية تستند إلى قوى المنطقة نفسها كان قد تجلَّى سابقًا في عدة مقترحات وفي أكثر من مشروع. كما أن الربط بين السعي لبناء هذه المنظومة وتفاقم تداعيات الحرب على إيران، ليس ضروريًّا لأن الجهود المبذولة في هذا السياق سابقة على الحرب.

وكان مبعوثو الرئيس ترامب قد بدؤوا يجوبون عواصم دول الشرق الأوسط الصديقة للولايات المتحدة ويعقدون مباحثات غير رسمية مع مسؤولي تلك الدول حتى قبل أن يتسلم هو مقاليد البيت الأبيض، في يناير/كانون الثاني 2025. انطلقت تلك الجولات بعد أسابيع قليلة من فوزه في الانتخابات الرئاسية، في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وحملت رسائل مبكرة، سرعان ما أكدتها إستراتيجية إدارة ترامب للأمن القومي، حول عزم الرئيس التخلي عن سياسة التدخل العسكري في شؤون المنطقة، والابتعاد عن التورط في حروبها، وإعطاء الأولوية لنصف العالم الغربي. من أبرز تلك الرسائل أن على دول المنطقة الرئيسة، والصديقة للولايات المتحدة، لعب دور أكبر في جهود حراسة أمن المنطقة، تمامًا كما يجب على الحلفاء الأوروبيين في الناتو تحمل أعباء الأمن الأوروبي.

الواضح أن تورط واشنطن في الحرب على إيران يمثل تناقضًا صريحًا مع وعود ترامب خلال حملته الانتخابية، ومع الرسائل التي حملها مبعوثوه إلى عواصم الشرق الأوسط، والمبادئ العامة لإستراتيجية الأمن القومي. والمؤكد أن مؤرخي السياسة الخارجية الأميركية سينشغلون لعقود طويلة قادمة في البحث عن الدوافع الحقيقية خلف انخراط إدارة ترامب في هذه الحرب، وما إن كانت في جوهرها حربًا إسرائيلية غير ذات صلة بمتطلبات الأمن القومي الأميركي. ولكن المهم أن حرب الاثني عشر يومًا على إيران، في يوليو/تموز من العام الماضي، والحرب الأميركية-الإسرائيلية، المستمرة منذ نهاية فبراير/شباط على إيران، كشفتا حجم الأعباء التي بات الوجود العسكري الأميركي في المنطقة يشكِّله على دولها، وأكدتا أن ثمة حدودًا لما يمكن أن يوفره هذا الوجود من حماية لهذه الدول. بهذا المعنى، صادفت رغبة الولايات المتحدة في الانسحاب من الشرق الأوسط أو تخفيف أعباء وجودها العسكري فيه، رغبة موازية لدى عدد من دول المنطقة في البحث عن طرق للتحلل من عواقب هذا الوجود.

أول مشاريع المنظومة الأمنية الإقليمية وُلِد في أجواء الجدل في دول الخليج نفسها، وطُرح في إطار تعزيز مجلس التعاون الخليجي بذراع أمنية-دفاعية فعَّالة تستند إلى مقدرات دول المجلس ذاتها. وما إن اندلعت نيران الحرب الأخيرة، وأخذت إيران بالرد على الهجمات الأميركية/الإسرائيلية باستهداف دول الخليج، وأصبح واضحًا أن الحرب تدفع نحو قطيعة بين إيران وجوارها، وأن بعضًا من دول الخليج توشك، أو أُجبرت فعلًا على المشاركة في الحرب، حتى أخذ مسؤولون إيرانيون يروِّجون لمقترح منظومة أمنية خليجية شاملة، عربية-إيرانية. ولتسويق هذا المتقرح، يقول الإيرانيون إنهم لا يستهدفون دول الخليج ذاتها بل القواعد والمصالح الأميركية في هذه الدول، ويدعون إلى إخراج الأميركيين من المنطقة، وبناء نظام أمني يرتكز إلى تفاهم بين كافة الدول المطلَّة على الخليج.

كلا المشروعين لم يُكتب له التحقق، أولًا: لأن دول الخليج العربية تدرك أنها، حتى إن نجحت في تجاوز خلافاتها ووحَّدت قواها الدفاعية، من الصعب عليها إقامة منظومة قادرة على ردع المخاطر التي تحيطها من كافة الجهات. وثانيًا: لأن تحول إيران إلى مصدر تهديد فعلي وملموس جعل من مقترح الاتفاق مع إيران على بناء نظام أمني موحَّد أقرب إلى خداع الذات، منه إلى الطرح العقلاني. في الوقت نفسه، كانت السعودية وباكستان قد وقَّعتا اتفاقية دفاع مشترك ثنائية، في سبتمبر/أيلول من العام الماضي، دلَّت بوضوح على أن السعودية باتت الطرف المبادر في ساحة البحث عن نظام أمني إقليمي. وربما كان الموقف السعودي في الشهور القليلة الماضية هو ما أدَّى إلى إفشال مقترحين آخرين:

الأول: جرى تداوله في دوائر الدراسات الإستراتيجية غير الرسمية في المنطقة، سيما في تركيا وإيران، وطرح فكرة نظام أمني يضم الخمسة الكبار في المشرق: تركيا والسعودية ومصر وباكستان وإيران. استبعد هذا التصور أي مستوى من التعاون مع إسرائيل، واستبطن محاولة تحويل إيران من مصدر تهديد للجوار إلى شريك ضروري لحفظ أمن واستقرار الإقليم. ولابد أن الفرضية التي استند إليها مقترح النظام الخماسي أن إيران ما دامت ستقف في مواجهة أربع دول إقليمية كبيرة، ومتفاهمة إلى حدٍّ كبير، فإنها ستجد من الصعوبة في المستقبل الخروج على هذا النظام واستعداء الشركاء الأربعة الآخرين.

والثاني: كان مقترحًا تبنَّته الحكومة التركية، وجرى تداوله طوال عدة شهور، إلى أن طرحه وزير الخارجية التركي، حقان فيدان، علنًا، في أوائل يوليو/تموز الماضي. تضمَّن المقترح التركي مشروعًا لبناء نظام أمني من الأربعة الكبار، مصر وتركيا والسعودية وباكستان، للعمل على "تحقيق أهداف مشتركة، وحل مشكلات الإقليم، ودفع المنطقة إلى مزيد من الاستقرار". وُلِد المقترح التركي من إدراك أنقرة أن لا السعودية، ولا الولايات المتحدة، تؤيد انضواء إيران في أية منظومة أمنية إقليمية، ليس فقط لأن التهديد الإيراني لدول الجوار يبرز بوصفه دافعا رئيسا للبحث عن نظام أمني إقليمي، ولكن أيضًا لأن إيران هي بالفعل في حالة حرب مع الولايات المتحدة، وأن إحدى أولى مهام النظام الأمني المنشود ستكون مواجهة النفوذ الإيراني في العراق ولبنان واليمن، بصورة أو أخرى.

وليس من المتيقن لماذا لم تنضم مصر لهذه الخطوة التأسيسية للنظام الأمني. ثمة رأي يقول إن الرياض أظهرت بعضًا من الفتور تجاه انضمام مصر للنظام الإقليمي محل البحث. وربما يكون ذلك لتراجع مصر عن دعم السعودية في الحرب على الحوثيين، أو إلى تقدير الرياض لأن وجود مصر في النظام الإقليمي المقترح سيمثل عبئًا ماليًّا يفوق مساهمتها الدفاعية المتوقعة، أو لأن السعودية أرادت من البداية أن تكون المتحدث باسم المحيط العربي برمته، وصاحبة القرار فيما يتطلبه الأمن العربي المشرقي وما يتهدده من مخاطر.

وهناك من يقول إن مصر هي التي ترددت في الانضمام إلى النظام المقترح، واختارت أن تأخذ وقتًا أطول للنظر فيما يمكن أن يتبلور من اتفاق الدول الثلاث، ربما لأن القاهرة تخوفت من بروز تعارض ما بين ضرورات مصر وتعهداتها الإستراتيجية وما يمكن أن يفرضه النظام الأمني الجديد من التزامات. ولكن، ونظرًا لردود الفعل المصرية الغاضبة على غياب مصر عن اللقاء الثلاثي، التي عبَّرت عنها أصوات غير رسمية مقربة من النظام، يمكن ترجيح الرأي الأول.

المهم أن المشروع طُرح في النهاية، وبعد التوافق على مقتضياته الأولية، في صورة اتفاقية دفاع مشترك بين الدول الثلاث: تركيا والسعودية وباكستان. ولكن تركيا تبدو وكأنها لا تزال تحاول استدعاء مصر إلى الاتفاقية. من هنا جاء تصريح وزير الخارجية التركي في اليوم التالي على اللقاء الثلاثي بأن "مصر قد تنضم إلى اتفاق مكة الدفاعي بمجرد تسوية مسائل فنية". لم يتطرق الوزير إلى طبيعة هذه "المسائل الفنية"، ولكن الواضح أن تحسن العلاقات التركية-المصرية في السنوات القليلة الماضية، والتقدم المطَّرد في مجالات التعاون العسكري بينهما، وآمال أنقرة في التوصل إلى اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين البلدين في شرق المتوسط، يجعل تركيا أكثر حرصًا على التحاق مصر باتفاقية الدفاع المشترك.

مهما كان الأمر، لابد أن قدرًا مستفيضًا من المباحثات بين الدول الثلاث قد سبق إقرار اتفاقية الدفاع المشترك. وكان مصدر سعودي قد أشار، على هامش اللقاء الثلاثي، إلى أن التوقيع على الاتفاقية جاء بعد مفاوضات استمرت نحو عام، وأن التطورات العسكرية الأخيرة في المنطقة، التي نجمت عن الحرب على إيران، دفعت إلى تسريع الخطوات نحو إنجاز الاتفاق. هذا يعني أن المفاوضات حول الاتفاقية بين الدول الثلاث بدأت قبل قليل من توقيع اتفاقية الدفاع المشترك الثنائية بين باكستان والسعودية، في سبتمبر/أيلول 2025، ولأسباب ليست واضحة، لم تنضم تركيا آنذاك إلى الاتفاقية. ولكن، قد يكون الاستهداف الحوثي للسعودية والملاحة في البحر الأحمر في الآونة الأخيرة، وما قيل عن إحجام الولايات المتحدة عن المشاركة في عمليات ردع الحوثيين، هو ما سرَّع خطوات الدول الثلاث نحو مأسسة العلاقات بينها وإلى توقيع الاتفاقية.

دلالات الاتفاقية الثلاثية وأصداؤها

أطلق توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك أصداء ترحيبية في الدول الثلاث الموقِّعة عليها، وفي أوساط عربية وإسلامية أخرى، وحتى أميركية. في الولايات المتحدة، على وجه الخصوص، جاء التعليق الأول من مايك والتز، المندوب الأميركي في الأمم المتحدة، الذي رحب بالاتفاقية، مشيرًا إلى أن السعودية وتركيا وباكستان، وربما مصر، "تعمل على تشكيل حلف دفاعي لمواجهة إيران". كما رحب بالاتفاقية جو ويلسون، النائب الجمهوري في الكونغرس، والمعروف باهتمامه بشؤون الشرق الأوسط. وعَدَّ ويلسون اتفاقية الدفاع المشترك الثلاثية "إنجازًا" يُحسب للرئيس ترامب، على حدِّ تعبيره، وقال في تدوينة على منصة إكس، في التاسع من أغسطس/آب: "تُعد اتفاقية الدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان إنجازًا آخر يُحسب للرئيس الأميركي في سبيل تعزيز الاستقرار والسلام والازدهار في الشرق الأوسط".

على الأغلب، لن يُنظر إلى تنويه ويلسون إلى الاتفاقية بوصفها إنجازًا لترامب بعين الرضا في أنقرة وإسلام أباد والرياض. ولكن دول الاتفاقية الثلاث لا تسعى إلى الاصطدام مع الإدارة الأميركية بأي صورة من الصور. وستكون أحرص على تأكيد سعيها لتحمل مسؤولية الحفاظ على الأمن الإقليمي من الظهور بمظهر الخصم للولايات المتحدة. من جهتها، لم تَرَ الصين في الاتفاقية الثلاثية ما يهدد مصالحها في المشرق، أو ما يمكن أن يترك أثرًا سلبيًّا على علاقاتها الوثيقة بباكستان، وعلاقاتها الجيدة بتركيا والسعودية. وهذا ما دفع وزير الخارجية الصيني إلى الإشادة بالاتفاقية، ودعوة البلدان الإسلامية إلى إقامة نظام أمني مشترك مع الصين.

أغلب المرحبين في الدول الثلاث وفي دوائر عربية وإسلامية انطلق من مفهوم ما أسماه الرئيس التركي "الردع الجماعي" للاتفاقية. فالدول الثلاث تواجه تحديات إستراتيجية في محيطها الجيوسياسي اللصيق: تركيا في مواجهة اليونان في بحر إيجة وقبرص وشرق المتوسط، وفي مواجهة إسرائيل في سوريا وفلسطين، وفي مواجهة إيران في العراق. والسعودية في مواجهة إيران في العراق ولبنان واليمن، وفي مواجهة إسرائيل في سوريا وفلسطين. وباكستان في مواجهة الهند. ولابد أن المرحبين بالاتفاقية وجدوا في الدلالة الردعية للاتفاقية، وتعهد الدول الثلاث بالمشاركة في الدفاع عن بعضها البعض، في حال تعرض أيٍّ منها للتهديد، تعزيزًا لوضع الشركاء الثلاثة في التعامل مع التهديدات والمخاطر التي يواجهها كل منهم.

ولكن الاتفاقية وضعت حدودًا لما يعنيه الدفاع المشترك، وما يعنيه اعتبار "الهجوم المسلح على أيٍّ من الدول الثلاث هجومًا على الجميع". وهذا، ربما، ما قصده وزير الخارجية التركي عندما قال، في الثامن من أغسطس/آب، أن اتفاقية الدفاع المشترك ترتكز إلى بند مشابه للبند الخامس في ميثاق حلف شمال الأطلسي (ناتو). فميثاق الناتو يترك للدول الأعضاء حق تقدير الكيفية التي يشارك بها كل منها في الدفاع عن الدولة التي تتعرض للتهديد. وهذا يعني أن لكل من دول اتفاقية مكة تقدير طبيعة دورها في الدفاع عن أيٍّ من دولها الثلاث، إن واجهت هذه الدولة أو تلك عدوانًا أو تهديدًا ما.

لم يتحدث المسؤولون الباكستانيون أو السعوديون بوضوح عما ينتظرونه من الاتفاقية، ولكن الرئيس أردوغان ومسؤولين أتراكًا آخرين تحدثوا بتفصيل نسبي. قال أردوغان: إن الاتفاقية "ستسهم في تعزيز تعاوننا الأمني والدفاعي وتطوير مشاريع مشتركة في الصناعات الدفاعية ومكافحة الإرهاب". وأضاف: "إن الاتفاقية تؤكد حق الدفاع عن النفس المنصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة". وقال مسؤولون أتراك شاركوا في لقاء مكة: إن الاتفاقية ستدفع نحو تطوير الصناعات الدفاعية، ورفع مستوى الجاهزية العسكرية، وتبادل الخبرات، وتحسين قابلية العمل المشترك بين قوات الدول الثلاث المسلحة. وأوضحوا، ربما في رسالة للمعارضة التركية الداخلية، إن الاتفاقية لا تعني بالضرورة مشاركة قوات تركية في أي أزمة إقليمية، وإن قرارات استخدام القوة ستظل خاضعة للآليات الدستورية الوطنية لكل دولة.

أما الأصوات المعارضة للاتفاقية فجاءت من عدة اتجاهات. فعضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، إبراهيم رضائي، عارض الاتفاقية، وقال إنها "لن تحقق الأمن للسعودية"، ودعا الرياض إلى تغيير سياساتها الأمنية. ولكن، ليس ثمة ما يدل على أن موقف رضائي يعبِّر عن موقف عموم الطبقة السياسية الإيرانية الحاكمة. ففي المقابل، نشر محمد جواد ظريف، وزير الخارجية الإيراني الأسبق، رسالة على منصة إكس، أرفقها بصورة لمقال سابق له نُشر في صحيفة الأخبار اللبنانية، أشار فيها إلى ضرورة إبرام تحالفات دفاعية جماعية بين الدول الإسلامية. وقال ظريف في رسالته: "إن السياسة العنصرية والعدوانية لإسرائيل الكبرى، التي يتبعها قادة النظام الإسرائيلي، تُظهر ضرورة إبرام تحالفات دفاعية جماعية بين الدول الإسلامية، أكثر من أي وقت مضى".

والواضح أن جدلًا في أوساط النظام الإيراني قد أطلقه توقيع الاتفاقية، بين من يراها تجليًا لتحالف مناهض لإيران، ومن يراها مؤشرًا على رغبة دول الجوار في التحرر من مظلة الحماية الأميركية. ويبدو أن الغلبة كانت لأصحاب الرأي الثاني. وهذا ما يُفهم من تصريحات الناطق بوزارة الخارجية الإيرانية، في 11 أغسطس/آب، حين قال: "لسنا قلقين من اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، وإن أواصر دينية وتاريخية عميقة تربط إيران بالبلدان الثلاثة".

في المجال العربي، جاءت بعض الانتقادات على لسان شخصيات إماراتية غير رسمية، رأى بعضها في الاتفاقية بداية تخلي السعودية عن التزاماتها في مجلس التعاون الخليجي، بينها عدَّها آخرون تجليًا لخلافات إستراتيجية داخل المجلس. وعلَّقت شخصيات مصرية، غير رسمية أيضًا، بغضب واضح على نظام أمني يتعلق بأمن الشرق الأوسط والبحر الأحمر دون أن تكون مصر طرفًا فيه. وأشار بعضها إلى أن الاتفاقية الثلاثية تمثل محطة النهاية للاتفاقية العربية للدفاع المشترك. معارضون آخرون توقعوا أن تسرِّع الهند والإمارات وإسرائيل واليونان من خطواتها نحو بناء محور تحالفي في مواجهة المحور الذي تجسده اتفاقية مكة للدفاع المشترك.

في إسرائيل، لم تصدر أية تعليقات على الاتفاقية من نتنياهو أو وزير خارجيته. أما المسؤول الحكومي الذي سارع إلى إعلان موقف من الاتفاقية فكان وزير الشتات، أميتشاي تشيكلي، أحد أكثر أعضاء حكومة نتنياهو يمينية، الذي وصف الاتفاقية بالتحالف بالغ الخطورة والتطور المثير للمتاعب. كما دعت أوساط إعلامية إسرائيلية إلى الحذر من تداعيات الاتفاقية على الأمن الإسرائيلي، سيما من جهة التوغل التركي الأعمق في جوار إسرائيل العربي. أما في اليونان، فقد ذكرت وسائل إعلام يونانية أن أثينا نظرت إلى مشاركة السعودية في الاتفاقية بشيء من المرارة وخيبة الأمل، بعد أن استثمرت الكثير في العلاقة مع الرياض، وحرصت على إرسال بطاريات دفاع جوي للمشاركة في الدفاع عن السعودية.

لا شك أن دول الاتفاقية الثلاث لم تكن غافلة عمَّا يمكن أن تثيره الاتفاقية من ردود فعل سلبية ومخاوف في بعض من دول الإقليم. وهذا ما دعا الرئيس التركي إلى التأكيد على "أن اتفاقية الدفاع المشترك لا تستهدف أية دولة، وأنها ستكون مفتوحة لانضمام الدول الشقيقة التي تسعى إلى تحقيق السلام والازدهار والاستقرار في منطقتنا". في الوقت نفسه، وصف وكيل وزارة الخارجية السعودية للدبلوماسية العامة، رائد قرملي، الاتفاقية بأنها "لا تمثل أي توجه لبناء محور عسكري أو تكتل طائفي أو مذهبي". كما أكد قرملي على أن الاتفاقية "ليست مرتبطة بمساعٍ نووية أو سباق تسلح"، وإنما تهدف إلى بناء قدرات دفاعية ذاتية ومستدامة، مشيرًا إلى أنها لن تشكِّل "تهديدًا لأمن أية دولة في المنطقة، ولا تصعيدًا في التوتر بين أي دولتين، ولا تأتي على حساب علاقات المملكة الإستراتيجية مع دول الخليج أو شركائها الدوليين".

ولكن هذا كله لا يعني بالضرورة أن الدول الثلاث ستستطيع طمأنة كل المتخوفين أو استيعاب المنتقدين. فهذه في النهاية اتفاقية دفاع مشترك، تفترض من حيث المبدأ وجود، أو احتمال بروز، مهددات ومخاطر على أمن دولها. ولا شك أن التهديد المحتمل لأمن الدول الثلاث يتعلق في المرتبة الأولى بإسرائيل، ثم بعد ذلك إيران. أما دول التهديد المحتمل الأخرى في المحيط الجيوسياسي، مثل الهند واليونان، فتقع في المرتبة الثانية وبمسافة بعيدة نسبيًّا.

الواضح، أن ليس ثمة من يتحدث في هذه المرحلة عن حرب عربية-إسلامية على إسرائيل. ويبدو أن عزل إسرائيل وإعادتها إلى حجمها الحقيقي في الإقليم هو أكبر ما يمكن تحقيقه في ظل توازنات القوى الحالية. ولكن مثل هذا الهدف غير قابل للتحقق دون توسيع نطاق اتفاقية الدفاع المشترك لتضم المزيد من دول المشرق، وبروز إجماع في المنظومة الأمنية الموسعة على التزام كافة الدول العربية والإسلامية بقطع العلاقات مع هذه الدولة، ووقف مسار التطبيع الذي سلكته بعض الدول العربية والإسلامية معها. وكلا هذين الهدفين، توسيع نطاق الاتفاقية وعزل إسرائيل كليًّا عن محيطها العربي-الإسلامي، لا يبدو وشيك التحقق. أما إيران، فقد بات جوارها الإقليمي يرى فيها تهديدا لأمنه، بغضِّ النظر عن الأسباب التي تستخدمها طهران لتسويغ هذا التهديد. فقد استهدفت دول الخليج العربية والأردن طوال الشهور الماضية، وحاولت قصف أهداف في تركيا، وسبق أن قصفت أهدافًا في باكستان، في أوائل 2024.

ثمة طريقان للتعامل مع إيران من زاوية الأمن إقليمي؛ الأول: يتمثل في دعوتها للمشاركة مع الأربعة الكبار في منظومة أمنية واحدة، تضع حدًّا للمشاريع التوسعية، وتتعامل بقدر عالٍ من العقلانية مع المخاوف المتبادلة بين أعضائها. والثاني: يتمثل في عزلها إقليميًّا واستبعادها من مشاريع الأمن المشتركة. ولكن هذا الخيار سيثير المخاوف والشكوك في صفوف قادتها وسيدفعها إلى اتخاذ مواقف أكثر عدائية.

في الأخير، تمثل اتفاقية مكة للدفاع المشترك خطوة كبرى على طريق بناء نظام أمني مشرقي، يرتكز إلى قوى الإقليم ذاته. وتقدم تصورًا مختلفًا عن التحالفات التي شهدتها المنطقة في حقبة الحرب الباردة، مثل حلف بغداد والحلف المركزي، التي أُطلقت بمبادرة ومشاركة من القوى الغربية. فاتفاقية مكة، حتى إن وجدت ترحيبًا من الولايات المتحدة، التي يبدو أنها بدأت بالفعل تفكر في الانسحاب من المنطقة، هي في جوهرها تجلٍّ لتحولات في تصورات قوى المشرق الرئيسة ذاتها لحاجاتها وقدراتها وطموحاتها. ولكن هذا كله يجب ألا يدفعنا إلى المبالغة فيما يمكن أن تحققه الاتفاقية على صعيد إعادة بناء علاقات دول المشرق، وحراسة أمن الإقليم، وفتح الأبواب لمستقبل من الاستقرار والتعاون. في النهاية، هذه مجرد خطوة أولى يتطلب التقدم بها إمعان نظر موقِّعيها في المخاوف التي أثارتها، وفي سبل حل الإشكالات التي يصعب تحقيقها في حال اقتصرت على أطرافها الثلاثة.