تقدم في حل المسألة الكردية يؤسس لحقبة جديدة في تاريخ تركيا وسوريا

تشهد المسألة الكردية في كل من تركيا وسوريا تقدما ملموسا ومتوازيا نحو التسوية. ورغم التحديات التي تواجه هذا المسار، فإن خطوات عملية قُطعت في الفترة الأخيرة، في اتجاه احتواء الأخطار التي ظلت تهدد وحدة البلدين واستقرارهما على مدى العقود الماضية. وإذا تقدم مسار التسوية نحو حل شامل، فلن تتأخر المنطقة في رؤية آثاره الإيجابية وجني ثماره على أكثر من صعيد.
(AFP)

خلف رياح حرب الأعوام الثلاثة، التي تعصف بجنبات المشرق العربي-الإسلامي، ثمة تقدم حثيث في جهود إنهاء الحراك الكردي الانقسامي في تركيا وسوريا، الذي هدَّد استقرار البلدين ووحدتهما طوال عقود. وبالرغم من التحفظات التي تحيط بجهود السلم والمصالحة في البلدين الجارين، تزداد الآمال بأن يفتح مسار الحل والتسوية الباب لمعالجة الآثار الكارثية التي تركها نظام ما بعد الحرب العالمية الأولى الإقليمي على شعوب المشرق ودوله.

في سوريا، أعلن قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، الخميس 20 أغسطس/آب 2026، اكتمال عملية انضواء المؤسسات الكردية المدنية والعسكرية في إطار مؤسسات الدولة السورية، بعد نحو ثمانية أشهر من توقيعه الاتفاق الخاص بالاندماج مع الرئيس، أحمد الشرع. وفي كلمة ألقاها خلال احتفال بمئوية تأسيس مدينة القامشلي شمال شرق البلاد، قال عبدي: إن "مرحلة اندماج المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية داخل مؤسسات الدولة الوطنية تمت وانتهت"، مضيفًا "من الآن فصاعدًا نبدأ مرحلة جديدة"، بعد سنوات شكَّل فيها الأكراد رأس حربة في قتال تنظيم الدولة الإسلامية، وتمكنوا إثر اندلاع الثورة السورية، واندلاع النزاع على مستقبل سوريا وأرضها من بناء إدارة ذاتية تتبعها مؤسسات مدنية وعسكرية.

وفي 8 سبتمبر/أيلول، ذكر رئيس البرلمان التركي، نعمان قورتولموش، الذي يلعب دورًا رئيسًا في مشروع "تركيا بلا إرهاب"، العنوان الذي يطلقه المسؤولون الأتراك على عملية السلام والتعاضد الوطني أن قوات حزب العمال الكردستاني المتمركزة في الشمال العراقي ستبدأ بالفعل إلقاء السلاح وتسليمه للدولة العراقية في أكتوبر/تشرين الأول المقبل. ولم يغفل قورتولموش، الذي كان يتحدث في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره العراقي هيبت الحلبوسي، الإشارة إلى أثر هذا التطور الإيجابي على مستقبل تركيا وسوريا والعراق. كما أشار إلى علاقة حلِّ حزب العمال وتسليمه السلاح بضرورة المضي قدمًا في مشروع طريق التنمية، المفترض أن يربط ميناء البصرة العراقي بساحل المتوسط التركي.

انطلقت التحركات الأولى لحل المسألة الكردية في تركيا، في أكتوبر/تشرين الأول 2024، بعد محاولتين سابقتين متعثرتين شهدتهما البلاد في 2013 و2015. أما في سوريا، فقد اتُّخِذت الخطوة الأولى نحو استعادة وحدة البلاد، ووضع نهاية للإدارة الذاتية وسيطرة قوات سوريا الديمقراطية على ما يناهز خمس مساحة البلاد، في مارس/آذار 2025. ولكن، نظرًا للصعوبات والعقبات المختلفة التي واجهت المسارين، التركي والسوري، وللعلاقة الوثيقة بينهما، ما كان لأشدِّ المهتمين بالمسألة الكردية تفاؤلًا قبل عام أو عامين توقع تحقق هذا المنعطف الحاسم في الدولتين معًا.

فكيف تقدمت الجهود على المسارين، التركي والسوري، وأية عقبات واجهتا، قبل أن تصلا إلى مرحلة الحل الفعلي لحزب العمال الكردستاني وتخليه عن العمل المسلح في تركيا، واندماج كافة المؤسسات المدنية والقوى المسلحة في شمال شرق سوريا في أجهزة الدولة السورية ومؤسساتها المركزية؟ وما الذي يتطلبه الحل النهائي للمسألة الكردية من متغيرات مقابلة في بنية وتصور الدولة لنفسها في كلٍّ من تركيا وسوريا؟ وأية آفاق يطرحها هذا الحل لمستقبل شعوب المشرق ودوله؟

المسار التركي

بدأ المسار التركي لحل المسألة الكردية بمبادرة أعلنها رئيس حزب الحركة القومية، دولت بهتشلي، أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2024، بعد عام واحد على اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة، في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والتي اتسعت لاحقًا لتشمل مناطق أخرى في إقليم المشرق. دعا بهتشلي في مبادرته إلى إطلاق سراح عبد الله أوجلان، الزعيم المؤسس لحزب العمال الكردستاني، الذي يقضي حكمًا بالسجن المؤبد في جزيرة إمرالي التركية، وإلى حل الحزب وتخليه عن العمل المسلح ضد الدولة التركية.

ليس ثمة دليل على أن اتصالات أُجريت بين بهتشلي والقيادات الكردية القومية، ولا على تفاهمات مسبقة على المبادرة بين بهتشلي وحليفه الوثيق، الرئيس أردوغان. يُعَد بهتشلي، السياسي القومي المخضرم، محرارا (تيرمومترا) موثوقًا للسياسة التركية، والأرجح أنه أطلق مبادرته لشعوره بارتفاع مستوى المخاطر التي تواجه تركيا، من جهة، ولتقديره بأن حزب العمال قد هُزم بالفعل، ولم يعد لديه من خيارات سوى الاعتراف بأن طريق العمل المسلح لن يحقق أيًّا من أهدافه، بل سيوقع المزيد من الضرر بالأكراد وبالدولة التركية على السواء.

التقط الرئيس أردوغان مبادرة حليفه، ولم يلبث أن أعلن تأييده لها، من زاوية ما يمكن أن تفضي إليه من وضع نهاية للإرهاب في البلاد، دون أن يدخل في تفاصيل ما تعنيه المبادرة من التزامات. كما التقط المبادرة حزب الديمقراطية ومساواة الشعوب، وثيق الصلة بحزب العمال الكردستاني، والذي يقبع أحد قادته، صلاح الدين دميرتاش، في السجن بعد إدانته بدعم الإرهاب. وخلال الشهور القليلة التالية، تحركت مجموعة من قيادات حزب الديمقراطية ومساواة الشعوب لعقد لقاءات مع قيادات حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية، والأحزاب التركية الرئيسة الأخرى، وللاجتماع مع عبد الله أوجلان.

ولم يستجب أوجلان لمبادرة بهتشلي إلا في أواخر فبراير/شباط 2025، ووجَّه دعوة علنية لحل حزب العمال والتخلي عن السلاح والعودة إلى أحضان الدولة التركية، مؤكدًا أن الظروف التاريخية التي أحاطت بتأسيس الحزب في ثمانينات القرن الماضي قد تغيرت. ولكن، إن كانت أوساط الحكم في أنقرة أطلقت على العملية المنشودة اسم "تركيا بلا إرهاب"، فقد سمَّاها أوجلان عملية "السلام والديمقراطية"، في إيحاء لا يخفى بتباين غايات الطرفين.

وبعد أن وجدت دعوة أوجلان استجابة متحفظة في الدوائر القيادية لحزب العمال المتمركزة في جبال قنديل في الشمال العراقي، سارع الحزب إلى عقد مؤتمر عام، في 12 مايو/أيار 2025، لاتخاذ قرار بشأن دعوة زعيمه المؤسس. انتهى المؤتمر إلى إقرار حل الحزب والتخلي عن العمل المسلح بأغلبية ملموسة. وفي أواخر يوليو/تموز، أي بعد شهرين من اختتام أعمال المؤتمر، نظَّم الحزب احتفالًا رمزيًّا في موقع بشمال العراق، شهده مسؤولون من الاستخبارات التركية، قام خلاله ثلاثون مقاتلًا كرديًّا بإحراق سلاحهم.

استلم البرلمان التركي زمام المبادرة، في أغسطس/آب من العام الماضي، بتشكيل مجموعة برلمانية متخصصة، باسم "لجنة التعاضد الوطني والأخوة والديمقراطية"، من 51 عضوًا، مُثِّلت فيها كافة الأحزاب المتواجدة في البرلمان بنسبة تمثيلها البرلماني، وترأَّسها نعمان قورتولموش، رئيس البرلمان. ولأن الحزب الجيد، قومي التوجه، قرر عدم الالتحاق باللجنة، فقد استقرت على 48 عضوًا. بعد ذلك، قامت اللجنة بعقد جلسات استماع مع كافة فئات المجتمع التركي، وكان يفترض أن تُنهي عملها برسم خريطة طريق ووضع إطار قانوني لعملية السلام، بما في ذلك حل حزب العمال واندماج القطاع الأكبر من أعضائه ومسلحيه في المجتمع، ومعالجة إرث عقود الصراع الدامية بين الحزب والدولة.

ولكن اللجنة تثاقلت في إنجاز مهمتها، وإلى حدود أوائل 2026، لم تكن نتائج عملها قد تبلورت في أي مقترح لخريطة طريق، أو مشروع قانون. وبدا أن عددًا من نواب حزب العدالة والتنمية وبعض الوزراء لا يُبدون حماسًا كافيًا للمضي قدمًا في المشروع. وأبدى البعض خشية من تجاهل آلام أسر ضحايا سنوات الإرهاب، بينما أعرب آخرون عن عدم الثقة في جدية حزب العمال، وأشاروا إلى أن أنقرة لا تستطيع اتخاذ خطوات مصالحة ملموسة دون أن ترى الحزب يتخلص من سلاحه، ليس في تركيا وحسب، بل وفي سوريا أيضًا.

في أوائل مايو/أيار 2026، قال مراد قرة يلان، أحد قادة العمال الكردستاني الكبار: إن العملية السياسية قد توقفت فعليًّا. أما قورتولموش، فقد اشتكى من بطء عملية تخلي الحزب عن سلاحه. وفي 18 مايو/أيار، دعا بهتشلي، الذي أخذت تصريحاته تصبح أكثر حدة، إلى وضع خريطة طريق محددة لمواصلة عملية السلام، وإلى منح أوجلان وضعًا اجتماعيًّا خاصًّا، يؤهله للمساعدة في التقدم نحو حل حزب العمال، وإلى تشكيل لجنتين رسميتين، برلمانية وأمنية، لمراقبة عملية السلام الوطني، والإشراف على الخطوات الضرورية لحل تنظيمات حزب العمال والتخلي عن السلاح. ولكن، بعد تدخل الرئيس أردوغان بصورة أكثر فاعلية، عادت اللجنة البرلمانية إلى التحرك بفاعلية ملموسة.

في منتصف يوليو/تموز، أُعلن رسميًّا أن حزب العدالة والتنمية، بالتعاون مع حزب الديمقراطية ومساواة الشعوب، بصدد طرح مشروع قانون على البرلمان، يشكِّل إطارًا لعملية السلام والمصالحة الوطنية. وفي 10 أغسطس/آب، وبعد مناقشة استمرت 17 ساعة في اللجنة التشريعية، أقرَّ البرلمان في جلسة تاريخية، وبأغلبية 468 صوتًا، مقابل معارضة 88 فقط، مشروع قانون "تعزيز التضامن الوطني والاندماج الاجتماعي". وكانت تقارير في أنقرة أشارت إلى أن مشروع القانون عُرض مسبقًا على أوجلان، الذي لم يعترض على أيٍّ من بنوده الاثني عشر. يوفر القانون عودة آمنة لكافة أعضاء الحزب ومسلحيه، الذين لم تُوجَّه لهم اتهامات بالقتل، إلى الحياة الطبيعية في البلاد، كما يوفر مسارًا قانونيًّا مؤجلًا لمن وُجِّهت إليهم اتهامات غير سفك الدماء.

لم يتضمن القانون مخرجًا لقيادات حزب العمال في جبال قنديل، ولكن تقارير أشارت إلى وجود اتصالات تجري مع الحكومة العراقية لمنحهم حق الإقامة والحياة في منطقة الحكم الذاتي الكردي من العراق. كما أن القانون لم يطرح تصورًا لتغيير وضع عبد الله أوجلان، ولكن هناك من يقول في أنقرة: إن خطوات ستؤخذ لإعداد مسكن له في جزيرة إمرالي، ينتقل للمعيشة فيه تحت ما يشبه الإقامة المحددة، بحيث تُتاح له حياة اجتماعية أوسع، وحرية اتصال بمن يرغب، وربما حتى انتقال عدد ممن يرغب من أقاربه للسكن معه.

وفي 23 أغسطس/آب، دعا نائب الرئيس، جودت يلماز، كردي الأصل، هيئة المراقبة والتقدير، المكلفة بالإشراف على عملية السلام وإطلاع البرلمان على التقدم في العملية، للاجتماع. وكما هي تقاليد البيروقراطية التركية، انتهى لقاء الهيئة الأول إلى تشكيل هيئات فرعية، أمنية وعسكرية واجتماعية، للإشراف على، ومراقبة إجراءات حل حزب العمال وتخليه عن السلاح، وعودة عناصره ومقاتليه للبلاد، ومساعدتهم على الاندماج في المجتمع التركي. جدير بالذكر أن الهيئة تضم وزراء الخارجية والداخلية والدفاع والعدل، إلى جانب سكرتير رئاسة الجمهورية ورئيس المخابرات وأمين عام مجلس الأمن الوطني.

وكان هذا التقدم في العملية هو ما دفع نعمان قورتولموش إلى الإدلاء بتصريحه الذي توقَّع فيه اكتمال خطوات حل حزب العمال وتسليم سلاحه للسلطات العراقية في أكتوبر/تشرين الأول المقبل. ولكن ليس من الواضح ما إن كان تصريح قورتولموش بُني على معلومات حول اتفاق على مسار عملية السلام بين السلطات التركية المعنية وقيادة حزب العمال في جبال قنديل أو على مجرد قراءة عامة للموقف.

المسار السوري

جاء انطلاق المسار السوري لحل المسألة الكردية لاحقًا للتطورات في تركيا. والمؤكد أن المسار السوري ما كان له التقدم دون انطلاق المسار التركي، من جهة، ودون التغيير في الموقف الأميركي من الحكم السوري الجديد، ومن العلاقة مع قوات سوريا الديمقراطية وما عُرف باسم الإدارة الذاتية في شرق وشمال شرق سوريا، من جهة أخرى. فقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي شُكِّلت بتشجيعٍ ودعمٍ أميركييْن في 2015، في ذروة الصراع مع تنظيم الدولة الإسلامية في شرق سوريا، تقودها في الحقيقة قوات حماية الشعب الكردية، التي هي ليست أكثر من امتداد لحزب العمال الكردستاني، بالرغم من أن قسد ضمَّت إلى صفوفها عشرات آلاف المسلحين العرب من عشائر منطقة الجزيرة السورية. كما أن عددًا من كوادر حزب العمال انتقل في السنوات القليلة الماضية من جبال قنديل إلى سوريا، وأسهم في تنظيم وتدريب وقيادة قوات قسد.

وفي مارس/آذار 2025، أي بعد شهرين فقط من تولي إدارة الرئيس ترامب مقاليد البيت الأبيض، وعلى خلفية اتخاذ الرئيس ترامب قراره بدعم سوريا الجديدة والمساعدة على استقرارها، أبلغ الأميركيون القيادات الكردية السورية أن واشنطن بصدد إنهاء التواجد العسكري الأميركي في سوريا، وأن على قسد التفاهم مع دمشق لوضع نهاية مرضية للإدارة الذاتية، ولاندماج قوات قسد في أجهزة الدولة. وفي العاشر من الشهر نفسه، وقَّع مظلوم عبدي، القائد العام لقسد، والرئيس الشرع، اتفاق إطار لعودة الدولة السورية إلى منطقة الإدارة الذاتية، بما في ذلك حقول النفط والغاز والمعابر الحدودية، والعمل على دمج قوات قسد والمدنيين في الإدارة الذاتية في أجهزة الدولة السورية ومؤسساتها. كما اتفق الطرفان على أن تكتمل العملية برمتها في نهاية العام.

ولكن قسد، خلال الشهور التالية، سيما بعد تأزم الوضع في السويداء، والانتقادات الغربية التي وُجِّهت لدمشق على خلفية أحداث منطقة الساحل السوري، والتوغل الإسرائيلي خلف خط فصل القوات في جنوب غربي البلاد، مالت إلى محاولة الالتفاف على اتفاق مارس/آذار، والسعي لإيجاد مظلة غربية، أو حتى إسرائيلية، لطموحات الحفاظ على نوع من الحكم الذاتي.

وفي أغسطس/آب 2025، نظَّمت الإدارة الذاتية الكردية مؤتمرًا عاصفًا في مدينة الحسكة، ضمَّ عددًا من الشخصيات المسيحية والسريانية والمسلمة والعربية العشائرية، إلى جانب أغلبية من ممثلي القوى الكردية المختلفة. كما شارك في المؤتمر الشيخ غزال غزال، رجل الدين العلوي المناهض لدمشق، والشيخ مرشد معشوق الخزنوي، أحد أكثر رجال الدين الأكراد المسلمين تعصبًا في توجهاته القومية، إضافة إلى المرجع الدرزي، حكمت الهجري، الذي يقود الحركة الانفصالية في السويداء، والذي دُعي لمخاطبة المؤتمِرِين عن بعد. وشهد المؤتمر، الذي أشرف على إدارته سيبان حمو، قائد قوات حماية الشعب، كلمات طالبت بدولة فيدرالية سورية، وتنديدًا بسياسات الحكم الجديد في دمشق. ولم يكن خافيًا أن المؤتمر أُريد به توفير مخرج من اتفاق مارس/آذار، وطرح الحكم الذاتي الكردي في إطار أوسع، يجمع الأقليات الإثنية والطائفية السورية الأخرى.

طوال الشهور التالية، عادت وفود قسد في اجتماعاتها مع المسؤولين السوريين إلى تكرار مطالبها بالحكم الذاتي، ونظام الإدارة اللامركزية، والتخلي عن "العربية" في اسم الجمهورية العربية السورية الرسمي. وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، شهد لقاء وزير الدفاع السوري، مرهف أبو قصرة، ومظلوم عبدي، خلافات متعددة الأوجه حول عدد الفرق من قوات قسد التي يمكن أن تلتحق بالجيش السوري، وحول رغبة قسد في المحافظة على بنية هذه الفرق على ما هي عليه، وحول مصير قوات الأمن الداخلي الكردية (الأشايس) وقوات حماية المرأة، وحول عدد الضباط الأكراد الذين يمكن ضمهم لقيادة أركان الجيش السوري.

مع استمرار الخلاف، أصبح من الواضح في دمشق أن الطريق إلى تطبيق اتفاق مارس/آذار لم يعد متاحًا. ولم يكن من المفاجئ، في السادس من يناير/كانون الثاني 2026، أن تندلع اشتباكات بالغة الحدة بين قوات الجيش والأمن السورييْن، من جهة، ومسلحي قسد المتمركزين في حيي الأشرفية والشيخ مقصود، من جهة أخرى، بعد أن تكررت محاولات الأخيرين لقطع طريق حلب الشمالي وتهديد أمن الأهالي والمسافرين. الفارق هذه المرة عن أحداث مشابهة شهدتها خطوط التَّماس بين الطرفين من قبل، أن القوات السورية كانت على استعداد للمواجهة. فخلال أيام قليلة، نجحت قوات الجيش والأمن السوريين في السيطرة على الوضع في حلب، وتقدمت لتطهير ريف حلب الشرقي من المسلحين الأكراد. وبعد أن أحكمت قبضتها على الطبقة وسد الفرات، عبرت النهر إلى الرقة ودير الزور. في الوقت نفسه، كانت الوحدات العشائرية العربية، التي تمثل ما لا يقل عن 70 بالمئة من بنية قسد، تعلن انحيازها للجيش السوري. وما إن أطلت القوات السورية على مشارف الحسكة وعين العرب، لم تجد قيادة قسد مناصًا من العودة إلى التفاوض.

وكما فوجئت قيادة قسد بالكفاءة التي أظهرتها قوات الجيش السوري الجديد، فوجئت أيضًا بالمرسوم 13، الذي أصدره الرئيس الشرع، في 16 يناير/كانون الأول، وتضمن إلغاء عواقب إحصاء 1962، وإعادة الجنسية السورية لمن يرغب من الأكراد الذين حُرموا منها، وإقرار الحقوق اللغوية والثقافية للأكراد السوريين، وإعلان يوم النيروز عيدًا وطنيًّا. وبعد يومين من إعلان المرسوم الرئاسي، وإثر تدخل حاسم من السفير الأميركي والمبعوث الرئاسي لسوريا، توم باراك، جرى التوصل إلى ملحق لاتفاق مارس/آذار 2025، يرسم طريقًا محددة لنهاية الإدارة الذاتية ودمج قوات قسد في الجيش السوري.

لم تكن الطريق خلال الشهور التالية على المواجهة العسكرية في يناير/كانون الأول والاتفاق الملحق سلسة أو ممهَّدة، ولكن قيادة قسد كانت قد أدركت أنها لم تعد تملك خيارات أخرى، وأن ليس ثمة جدوى من التعويل على الدعم الدولي. دمشق، هي الأخرى، لم تتردد في اتخاذ القرارات التي يتطلبها التقدم في مسار التسوية السلمية. ففي مارس/آذار، أُعلن في دمشق عن تعيين سيبان حمو، قائد قوات حماية الشعب، معاونًا لوزير الدفاع السوري للمنطقة الشرقية. وبدأت وزارة الدفاع بخطوات حثيثة تشكيل ثلاثة ألوية من عناصر قسد، على أن تنضوي تلك الألوية في الفرقة 60، المتمركزة في شمال شرقي البلاد. كما سارعت الحكومة السورية إلى افتتاح عدة مكاتب في مختلف أنحاء البلاد لتسوية أوضاع الأكراد الذين حُرموا من جنسيتهم السورية. ومع أوائل يونيو/حزيران، كان ما يزيد عن 12 ألف كردي قد تقدموا بأوراقهم للحصول على الجنسية.

في منتصف أغسطس/آب، عندما أعلن مظلوم عبدي عن اكتمال عملية حل قسد والإدارة الذاتية، والاندماج في أجهزة ومؤسسات الدولة، كانت قسد قد سلَّمت كافة المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز لممثلي الدولة السورية، وكانت إدارات الدولة المدنية وقوات الأمن والجيش السوري، قد قطعت شوطًا واسعًا في السيطرة على حدود البلاد، وفي الدخول إلى مدن وبلدات الشمال الشرقي، التي خضعت من قبل لسيطرة قسد. وكما كان متوقعًا، أُعلن في دمشق عن تعيين مظلوم عبدي مستشارًا في رئاسة الجمهورية، وإلهام أحمد، المسؤولة السابقة للعلاقات الخارجية في قسد، نائبة في مجلس الشعب السوري، في مقعد أخلاه نائب سابق نالته شبهات حول علاقات ما مع النظام السابق.

تحفظات وآمال كبرى

لا يعني التقدم الذي أُحرز حتى الآن في المسارين، التركي والسوري، أن الأمور كافة تمضي على ما يرام، وأن ملفي الحراك الانفصالي الكردي في الدولتين باتا تاريخًا وحسب. الحقيقة، أن مخاوف عدة، وتحفظات أكثر، لم تزل تحف بالمسارين.

في تركيا، ليس ثمة ما يؤكد توقعات نعمان قورتولموش بأن قوات حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل ستقوم فعلًا بتسليم سلاحها للدولة العراقية، في أكتوبر/تشرين الأول، سيما أن مصادر العمال الكردستاني تفيد بأن قرار حل تنظيمات الحزب لم يُقبل بإجماع قيادات الحزب. كما أنه ليس هناك من يعرف على وجه اليقين عدد عناصر الحزب الذين سيُسمح لهم بالعودة إلى البلاد، سواء من بين أولئك المتمركزين في الجانب العراقي من الحدود، أو أولئك المنتشرين في المنافي الأوروبية، أو الذين يُمضون عقوبة في السجن بعد إدانتهم بهذه التهمة أو تلك. فما الذي سيحدث لأولئك الذين لن يُسمح لهم بالعودة، أو الذين لا يرغبون أصلًا في العودة؟ وكيف ستعمل أجهزة الدولة التركية على مساعدة العائدين في بناء حياتهم من جديد، اجتماعيًّا وتعليميًّا ومهنيًّا؟

أما في سوريا، وبالرغم من أن إدماج آلاف من مسلحي قسد وموظفي الإدارة الذاتية كان في حدِّ ذاته خطوة كبيرة في سبيل حل المسألة الكردية، فإن هذه الخطوة ستُبقي آلافًا آخرين بلا عمل، في وقت لم يعد خافيًا أن الدولة السورية لا تملك من المقدرات ما يؤهلها لمساعدة كل هؤلاء الشباب والشابات على بناء حياة كريمة. وإن كانت قيادات قسد وقوات حماية الشعب قد أُجبرت في النهاية على الاتفاق مع دمشق، فإن العديد من قواعد قوات حماية الشعب، أو حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني، التعبير السياسي لقوات حماية الشعب في سوريا، لم تستوعب بعدُ فكرة الانضواء في حضن الدولة السورية. هؤلاء الغاضبون، سيما في صفوف ما يُعرف بالشبيبة الثورية، هم من واجهوا عودة أجهزة الدولة السورية ومؤسساتها بالشغب في الشهور القليلة الماضية.

لم يكن من الصعب على الدولة السورية إعادة السيطرة على المعابر الحدودية مع العراق وتركيا، وعلى حقول النفط والغاز، أو تسلم إدارة القطاع الصحي في شمال شرق البلاد، ولكن تحديات كثيرة ستواجهها دمشق على طريق إدماج القطاع التعليمي في المنطقة، الذي تحكمت قسد طوال سنوات ليس في كادره وحسب بل وفي مناهجه أيضًا. وحتى على مستوى التعبير السياسي، إن كان نظام التعددية الحزبية في تركيا، ووجود حزب الديمقراطية ومساواة الشعوب، يفسحان مجالًا لاستقبال من يرغب من النشطين الأكراد في ممارسة العمل السياسي، فليس من الواضح في سوريا بعدُ ما إن كان النظام الجديد يمضي نحو تشريع التعددية الحزبية السياسية.

خلف ذلك كله، يصعب تصور حلٍّ كامل ونهائي للمسألة الكردية في المشرق، إن نُظر إليها بوصفها مسألة سورية-تركية وحسب. فالأكراد يتواجدون منذ آلاف السنين في كافة بلاد المشرق العربي-الإسلامي، والحركة القومية الكردية لا تقتصر على العراق وتركيا وسوريا، بل هي قوة فاعلة في إيران أيضًا. وكما تتحمل الدولة الحديثة في تركيا والعراق وسوريا قسطًا من المسؤولية تجاه تفاقم المسألة الكردية، كذلك هي مسؤولية الدولة في إيران. وما لم يُقْدِم نظام الحكم في طهران على تبني مقاربة تصالحية للتعامل مع الحركة القومية الكردية لا يمكن توقع حلٍّ نهائي للمسألة الكردية في بلاد المشرق الأخرى.

ففي بريطانيا، عندما جرى، في أبريل/نيسان 1998، التوصل إلى اتفاقية الجمعة العظيمة، التي وضعت نهاية للصراع في أيرلندا الشمالية، لم تقبل كافة أجنحة الجيش الجمهوري الأيرلندي بالاتفاقية، وإلقاء السلاح. وسرعان ما أعلنت مجموعة منشقة عن الجيش الجمهوري تصميمها على مواصلة الكفاح المسلح إلى أن تتحقق وحدة أيرلندا. وليس من المستبعد أن يشهد حزب العمال الكردستاني في تركيا، أو امتداده في سوريا، انقسامًا شبيهًا بما شهدته الحركة القومية في أيرلندا الشمالية. فقد نشر حزب العمال الكردستاني، بكافة فروعه وتجلياته التنظيمية، خلال العقود الماضية، ثقافة قومية انفصالية، أعلت من الدعوة للنضال من أجل بناء "كردستان الكبرى". وصنع الحزب مناخًا من التعبئة الثورية ترك أثره على مئات الآلاف، وربما ملايين الكرد السوريين والأتراك والإيرانيين. وليس هناك مفر من الاعتراف بأن الدولة في تركيا وسوريا وإيران لا تزال تنظر إلى نفسها بوصفها دولة قومية مركزية ذات هوية محددة، تسعى إلى بسط سيادتها على شعبها وأرضها، وتطلب من شعبها الولاء والإقرار بهذه السيادة. فأين سيجد مئات الألوف من الأكراد الذين تشبعوا بالفكرة القومية الانفصالية مكانًا لهم في ظل الدولة القومية سواء في تركيا أو سوريا أو إيران؟

إزاء هذه الأسئلة، ليس ثمة مؤشرات جادة على انطلاق نقاش في أنقرة ودمشق وطهران، حول إعادة النظر في بنية الدولة وهويتها، وعلاقتها بكافة فئات شعبها. وإن كان ثمة فرصة في سوريا لإعادة الاعتبار للتعددية السورية في دستور البلاد، الذي لم يبدأ العمل عليه بعد، فلا أحد في دوائر الحكم في تركيا تطرق حتى الآن إلى ضرورة إجراء تعديل دستوري، يعيد النظر في مفهوم المواطنة، ويعترف بالتعددية الثقافية للشعب التركي. أما في إيران، فليس هناك مسار للمصالحة والسلم قد أُطلق أصلًا.

هذا لا يعني، على أية حال، تجاهل القدر الكبير من التفاؤل الذي أشاعته الخطوات التي قُطعت حتى الآن على طريق حل المسألة الكردية في كلٍّ من تركيا وسوريا. ويرى كثيرون، كردًا كانوا أو عربًا أو أتراكًا، أنه بالرغم من أن المسارين، التركي والسوري، انطلقا قبل نحو العامين، فإن هذا الملف لم يزل في بدايته. وعندما يتعلق الأمر بمسألة ذات ثقل تاريخي بعيد الجذور، أو مسألة صراع مديد باهظ التكاليف، يجب أن يؤخذ في الاعتبار دائمًا أن الحل والتسوية لن يمضيا في طريق مستقيم. والصحيح أيضًا أنه حتى في حالات شبيهة، مثل أيرلندا الشمالية، لم يستطع من رفضوا اتفاقية الجمعة العظيمة، في النهاية، تعطيل عملية السلام. وأيرلندا الشمالية اليوم، بعد مرور ما يقارب ثلاثة عقود على توقيع الاتفاقية، تعيش سلمًا وازدهارًا واستقرارًا سياسيًّا لم تعرفه منذ عشرينات القرن الماضي.  

ما لا يمكن تجاهله أن قطار الحل والتسوية قد انطلق بالفعل، وأن كافة أطرافه، حتى إن برز في صفوفها من يجد صعوبة في الالتحاق بعربات القطار، تدرك أن ليس ثمة جدوى من محاولة التعطيل. ولا يقتصر هذا التصور على الفاعلين المباشرين في عملية الحل والتسوية، ولكنه يشمل أيضًا عموم الرأي العام في تركيا وسوريا. وقد أظهر أغلب السوريين ترحيبًا عارمًا بالإعلان عن حلِّ الإدارة الذاتية، وعودة الدولة السورية إلى الجزيرة وشمال شرق البلاد. كما أن مشروع القانون المتعلق بحل حزب العمال الكردستاني، أُقِرَّ بأغلبية غير مسبوقة في البرلمان التركي. وسيكون من الصعب على أي طرف، سواء في تركيا أو سوريا، تجاهل قوة الرأي العام وضغوطه لأجل المضي قدمًا في المسارين.

وكان سيبان حمو، أكثر قادة قسد معارضة للتسوية مع دمشق، قد تحدث، في 26 مارس/آذار، بعد أيام قليلة من تعيينه معاونًا لوزير الدفاع السوري، في مقابلة صحفية، بقدر من المرارة تجاه إخفاق مشروع قسد والمراهنة على الدعم الأميركي والإسرائيلي، وبقدر من الفتور تجاه منصبه الجديد والصلاحيات الموكلة له. بعد ذلك بشهور، في 22 أغسطس/آب، تحدث حمو مرة أخرى، ولكن بلغة أكثر تفاؤلًا وثقة في المستقبل هذه المرة، محذرًا من محاولات تدعمها إسرائيل وقوى أخرى لعرقلة مسار الاندماج، ومؤكدًا أن "دمشق أصبحت الآن عاصمتنا المشتركة جميعًا". وفي لقاء صحفي آخر في 16 أغسطس/آب، أشاد محمود برخدان، المسؤول عن لواء قسد في عين العرب، بالرئيس أردوغان وبدولت بهتشلي، ووصفهما برجال دولة عظماء، أنتجوا حلولًا عبقرية. وقال برخدان بشأن المسار السوري: "إن الصيغة التي سنبني عليها المرحلة المقبلة: جيش واحد، دولة واحدة، علم واحد، ووطن مشترك، وسنعمل معًا لبناء سوريا الجديدة".

شيئًا فشيئًا، سيبدأ الكرد والعرب والترك، وربما الإيرانيون كذلك، في رؤية الآثار الإيجابية لعملية السلام في تركيا وسوريا، وفي جني ثمارها، سواء على صعيد التنمية واستغلال الثروات، أو على صعيد بناء خطوط الاتصال والنقل الآمنة، وازدهار حركة التجارة والبشر عبر الحدود. وسيفتح حل المسألة الكردية، وإن ظل محدودًا، في تركيا وسوريا والعراق، الباب لوضع نهاية لعقود القطيعة التي أحدثها نظام ما بعد الحرب العالمية الأولى في المشرق. وعندها، سيصبح من المستحيل عودة الأمور إلى ما كانت عليه.