أعاد إعلان المفوضية الوطنية للانتخابات في جنوب السودان، في 13 يوليو/تموز 2026، اعتماد 102 دائرة جغرافية للانتخابات العامة المقررة في 22 ديسمبر/كانون الأول 2026، والتي شملت إدارية أبيي، القضيةَ إلى صدارة التفاعلات السياسية بين الخرطوم وجوبا، بعدما ظل ملف المنطقة، خلال السنوات الماضية، يتحرك ضمن أطر تفاوضية وأمنية دون التوصل إلى تسوية نهائية بشأن وضعها السياسي. وقد أعقب القرارَ مباشرةً اعتراضٌ رسمي من الحكومة السودانية، التي رأت أن إدراج أبيي ضمن العملية الانتخابية يتعارض مع المرجعيات القانونية والسياسية المنظمة للمنطقة، وفي مقدمتها بروتوكول أبيي الملحق باتفاقية السلام الشامل لعام 2005، واتفاقية الترتيبات الأمنية والإدارية المؤقتة لعام 2011.
وجاء هذا التطور في مرحلة تشهد فيها الدولتان تحولات داخلية متزامنة؛ فجنوب السودان يمضي في استكمال ترتيبات أول انتخابات عامة منذ الاستقلال، بينما يواجه السودان تحديات فرضتها الحرب المستمرة منذ عام 2023، وما ترتب عليها من إعادة ترتيب أولويات الدولة في ملفات الأمن والعلاقات مع دول الجوار. وفي هذا السياق، اكتسبت قضية أبيي أهمية متجددة؛ لارتباطها بقضايا السيادة والحدود والتمثيل السياسي، إلى جانب تأثيرها المباشر في الأمن الحدودي والمصالح الاقتصادية المشتركة بين البلدين.
وتثير هذه التطورات تساؤلات تتجاوز حدود العملية الانتخابية، لتشمل طبيعة المقاربة التي يعتمدها كل من السودان وجنوب السودان في إدارة أحد أكثر الملفات تعقيدًا منذ الانفصال.
ومن هنا، تسعى هذه الورقة إلى تحليل دلالات إدراج أبيي ضمن الدوائر الانتخابية، من خلال قراءة سياق القرار وخلفياته القانونية والسياسية، وتفسير مواقف الأطراف المعنية، وتقييم انعكاساته المحتملة على العلاقات السودانية–الجنوب سودانية، في ضوء التحولات الإقليمية التي يشهدها القرن الإفريقي، مع استشراف المسارات المرجحة لتطور القضية استنادًا إلى المؤشرات السياسية والأمنية الراهنة.
أولًا: قرار إدراج أبيي ضمن الدوائر الانتخابية: السياق والدلالات السياسية
أعلنت المفوضية الوطنية للانتخابات في جنوب السودان، في 13 يوليو/تموز 2026، القائمة النهائية للدوائر الجغرافية المعتمدة للانتخابات العامة المقررة في 22 ديسمبر 2026، والتي تضمنت إدراج إدارية أبيي ضمن الدوائر الانتخابية التابعة لولاية واراب(1). وجاء القرار في إطار استكمال الإجراءات الفنية والتنظيمية للعملية الانتخابية، بعد اعتماد التقسيم الجغرافي الذي سيشكل أساس التنافس على المقاعد التشريعية خلال المرحلة المقبلة. واكتسبت هذه الخطوة أهمية سياسية وقانونية نتيجة ارتباط أبيي بترتيبات خاصة نَصَّ عليها بروتوكول أبيي الملحق باتفاقية السلام الشامل لعام 2005، واستمرار الخلاف بين السودان وجنوب السودان حول وضعها النهائي(2).
ويأتي القرار في سياق داخلي يتسم بسعي مؤسسات جنوب السودان إلى استكمال متطلبات المرحلة الانتقالية بعد سنوات من تأجيل الانتخابات بسبب التحديات السياسية والأمنية والفنية. وتمثل الانتخابات المرتقبة محطة أساسية في مسار تنفيذ الاتفاق المنشط لتسوية النزاع في جنوب السودان لعام 2018، الذي جعل استكمال المؤسسات الدستورية وإجراء الانتخابات أحد المرتكزات الرئيسة للمرحلة الانتقالية. كما جاء إعلان موعد الانتخابات بعد تمديد الفترة الانتقالية بهدف استكمال هذه الاستحقاقات(3). ومن هذا المنطلق، جاء إدراج أبيي ضمن الخريطة الانتخابية انعكاسًا لمقاربة ترى أن توسيع نطاق التمثيل السياسي يواكب عملية بناء الدولة ومؤسساتها.
وفي المقابل، أثار القرار اعتراضًا رسميًّا من السودان، الذي اعتبر أن أي إجراء يتعلق بأبيي ينبغي أن يستند إلى المرجعيات القانونية والسياسية المنظمة للمنطقة، وفي مقدمتها بروتوكول أبيي، وقرار محكمة التحكيم الدائمة لعام 2009، والاتفاقات الثنائية اللاحقة بين الخرطوم وجوبا. وأكدت وزارة الخارجية السودانية أن إدراج المنطقة ضمن الدوائر الانتخابية لجنوب السودان يتعارض مع الوضع القانوني المؤقت لأبيي، إلى حين التوصل إلى تسوية نهائية متوافق عليها بين الطرفين(4).
وتكشف دلالات القرار عن تباين واضح في مقاربة الطرفين للملف؛ ففي الوقت الذي تتعامل فيه جوبا مع أبيي ضمن سياق استكمال الترتيبات الانتخابية وتوسيع نطاق المشاركة السياسية، تنظر الخرطوم إلى القضية بوصفها إحدى قضايا الوضع النهائي التي تخضع لأحكام بروتوكول أبيي وقرار محكمة التحكيم الدائمة، ولا يجوز اتخاذ إجراءات أحادية بشأنها قبل التوصل إلى اتفاق مشترك(5). ويعكس هذا التباين استمرار اختلاف الرؤى بشأن العلاقة بين متطلبات بناء المؤسسات في جنوب السودان والالتزامات الثنائية المرتبطة بالقضايا العالقة منذ الانفصال.
كما يحمل القرار رسائل سياسية على أكثر من مستوى؛ فعلى الصعيد الداخلي، يعزِّز حضور أبيي في الخطاب السياسي المرتبط بالانتخابات، ويمنح القضية موقعًا متقدمًا ضمن النقاشات المتعلقة بالتمثيل والهوية والانتماء الوطني. وعلى الصعيد الثنائي، يضع الملف أمام اختبار جديد لقدرة الخرطوم وجوبا على إدارة خلافاتهما عبر القنوات السياسية والدبلوماسية، في ظل استمرار انتشار قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي (يونيسفا)، المكلفة بالحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة(6).
أما على المستوى الإقليمي والدولي، فيعيد القرار تسليط الضوء على إحدى أبرز القضايا غير المحسومة منذ توقيع اتفاقية السلام الشامل، ويؤكد استمرار الحاجة إلى مقاربة سياسية تراعي المرجعيات القانونية، ومتطلبات الاستقرار الحدودي، والمصالح المشتركة بين الدولتين؛ وهو ما تعكسه أيضًا التقارير الدورية للأمين العام للأمم المتحدة بشأن أبيي(7).
وبذلك، يمثل قرار إدراج أبيي ضمن الدوائر الانتخابية نقطة تحول في مسار التفاعل مع القضية؛ لأنه أعاد ربطها بالاستحقاقات السياسية الراهنة، بعد سنوات من تركيز النقاش على الجوانب الأمنية والإدارية؛ الأمر الذي يفرض قراءة أوسع لتداعياته على مستقبل العلاقات السودانية–الجنوب سودانية، وعلى مسار معالجة القضايا العالقة بين البلدين.
ثانيًا: أبيي بين المرجعيات القانونية والواقع السياسي
يرتبط الوضع القانوني لمنطقة أبيي بإطار تفاوضي خاص تشكَّل خلال المرحلة الأخيرة من عملية السلام السودانية؛ إذ حظيت المنطقة بترتيبات منفصلة ضمن اتفاقية السلام الشامل، بسبب موقعها الجغرافي وتركيبتها السكانية وأهميتها الاقتصادية. وقد نص بروتوكول حل النزاع حول أبيي، الموقَّع بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان، في 26 مايو/أيار 2004، على منح المنطقة وضعًا إداريًّا خاصًّا خلال المرحلة الانتقالية، وإنشاء مؤسسات انتقالية لإدارتها، إلى جانب تنظيم استفتاء يحدد مستقبلها السياسي بالتزامن مع استفتاء تقرير مصير جنوب السودان. وأصبح هذا البروتوكول المرجعية القانونية الأساسية لمعالجة وضع أبيي ضمن اتفاقية السلام الشامل الموقعة في نيروبي عام 2005(8).
غير أن الخلافات السياسية حول آليات تنفيذ الاستفتاء، خاصة ما يتعلق بتحديد الهيئة الناخبة وترتيبات المشاركة أدَّت إلى استمرار الوضع الانتقالي للمنطقة. ومع اقتراب استقلال جنوب السودان في يوليو/تموز 2011، تحولت أبيي إلى إحدى أبرز القضايا العالقة بين الخرطوم وجوبا، إلى جانب ملفات الحدود، وتقاسم الموارد، والترتيبات الأمنية. وقد عكست هذه التطورات صعوبة الانتقال من المرجعية القانونية التي وضعتها اتفاقية السلام الشامل إلى تسوية سياسية تحظى بتوافق الطرفين(9).
وفي محاولة لمعالجة الجانب القانوني المتعلق بحدود المنطقة، وقَّعت حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان/الجيش الشعبي لتحرير السودان اتفاق التحكيم في لاهاي، عام 2008، وأحيل النزاع إلى محكمة التحكيم الدائمة. وفي 22 يوليو/تموز 2009، أصدرت المحكمة حكمها النهائي بشأن ترسيم منطقة أبيي؛ حيث أعادت تحديد الحدود وفق تفسيرها لبروتوكول أبيي لعام 2004، وأسهم الحكم في معالجة الخلاف المتعلق بالنطاق الجغرافي للمنطقة. ومع ذلك، بقيت القضايا المرتبطة بالوضع السياسي النهائي والإدارة والتمثيل المحلي مرتبطة بالتوافق السياسي بين الطرفين(10).
بعد استقلال جنوب السودان، تصاعدت أهمية البعد الأمني في ملف أبيي نتيجة التوترات التي شهدتها المنطقة عام 2011، وهو ما دفع مجلس الأمن الدولي إلى إنشاء قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي (يونيسفا)، بموجب القرار 1990 الصادر في 27 يونيو/حزيران 2011. وتولَّت البعثة مهام دعم الأمن والاستقرار، ومراقبة الترتيبات الأمنية، والمساعدة في توفير بيئة مناسبة للحوار بين السودان وجنوب السودان بشأن مستقبل المنطقة(11).
كما أكد مجلس الأمن الدولي، من خلال القرار 2046 (2012)، ضرورة استمرار الحوار بين الخرطوم وجوبا لمعالجة القضايا العالقة، ودعا الطرفين إلى الالتزام بالاتفاقات السابقة، والعمل على تسوية الملفات المرتبطة بالعلاقات الثنائية، ومنها قضية أبيي(12).
ويستند السودان إلى أن الوضع القانوني لأبيي يخضع للترتيبات الواردة في بروتوكول أبيي والاتفاقات اللاحقة، وأن أي تغيير في وضعها السياسي يحتاج إلى تفاهم مشترك بين الدولتين. وفي المقابل، تنظر حكومة جنوب السودان إلى المنطقة ضمن سياق الارتباطات التاريخية والاجتماعية والسياسية مع الجنوب، وترى أن تعزيز مشاركة سكانها في المؤسسات السياسية يمثل جزءًا من مسار بناء الدولة خلال المرحلة الانتقالية. ويعكس هذا التباين اختلافًا في تفسير المرجعيات القانونية، وفي كيفية تحويلها إلى ترتيبات سياسية عملية.
وتشير تقارير الأمين العام للأمم المتحدة بشأن أبيي إلى استمرار التحديات الأمنية والسياسية والإنسانية التي تواجه المنطقة، مع استمرار دور بعثة يونيسفا عاملًا رئيسًا في المحافظة على الاستقرار المحلي، ودعم الجهود الرامية إلى الوصول إلى تسوية سياسية(13).
وبذلك، تكشف قضية أبيي عن تداخل مستمر بين القانون والسياسة؛ إذ وفرت الاتفاقيات الدولية والأحكام القضائية إطارًا قانونيًّا للنزاع، فيما بقيت التسوية النهائية مرتبطة بقدرة السودان وجنوب السودان على بناء توافق سياسي يراعي مصالح السكان المحليين ومتطلبات الاستقرار بين الدولتين.
ثالثًا: الموقف السوداني: بين التمسك بالمرجعيات القانونية وحسابات المرحلة الراهنة
جاء الموقف السوداني الرافض لإدراج أبيي ضمن الدوائر الانتخابية في جنوب السودان امتدادًا لرؤية الخرطوم القائمة على أن وضع المنطقة يخضع لترتيبات سياسية وقانونية مشتركة بين الطرفين، وأن أي تغيير يتعلق بالإدارة أو التمثيل السياسي يحتاج إلى توافق بين السودان وجنوب السودان. وعقب إعلان إدراج أبيي ضمن الدوائر الانتخابية في جنوب السودان، أعربت الحكومة السودانية عن رفضها للخطوة، معتبرة أنها تتعارض مع طبيعة الوضع الخاص للمنطقة، والترتيبات التي حكمت إدارتها منذ توقيع اتفاقية السلام الشامل(14).
ويرتكز الموقف السوداني على أن أبيي ظلت خاضعة لترتيبات انتقالية خاصة بعد اتفاق الترتيبات المؤقتة للإدارة والأمن في أبيي لعام 2011، الذي نص على إنشاء مؤسسات إدارية وأمنية مؤقتة، وتوفير ترتيبات تحفظ الاستقرار إلى حين التوصل إلى تسوية سياسية نهائية بين الطرفين. ومن هذا المنطلق، ترى الخرطوم أن أي إجراءات تتعلق بالتمثيل السياسي للمنطقة تحتاج إلى معالجة مشتركة تراعي طبيعة الوضع الانتقالي الذي لا يزال قائمًا(15).
ويأتي هذا الموقف في ظل ظروف داخلية معقدة يعيشها السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023؛ حيث أصبحت قضايا الأمن الوطني، وإدارة الحدود، والعلاقات مع دول الجوار ضمن أولويات الدولة. وفي هذا الإطار، تحظى أبيي بأهمية خاصة بسبب موقعها الحدودي، والتداخلات الاجتماعية والاقتصادية التي تربط المجتمعات المحلية على جانبي الحدود، إضافة إلى ارتباطها بملفات الأمن الإقليمي في منطقة تشهد تحولات واسعة نتيجة الحرب السودانية وتداعياتها(16).
كما يرتبط موقف الخرطوم بحسابات المصالح المشتركة مع جوبا، خاصة في المجال الاقتصادي؛ فجنوب السودان يعتمد على البنية التحتية السودانية لتصدير النفط عبر خطوط الأنابيب الممتدة إلى موانئ البحر الأحمر، وهو ما يجعل استقرار العلاقات الثنائية عاملًا مهمًّا لاقتصاد البلدين. وتشمل المصالح المشتركة كذلك التجارة الحدودية، وحركة السكان، والتنسيق في الملفات الإنسانية والأمنية المرتبطة بالمناطق الحدودية(17).
وفي المقابل، تدرك الخرطوم أن قضية أبيي أصبحت مرتبطة بدرجة أكبر بالتحولات السياسية الداخلية في جنوب السودان، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات العامة المقررة في ديسمبر/كانون الأول 2026. فقد أصبحت قضايا التمثيل السياسي وتحديد الدوائر الانتخابية وترتيبات الشرعية الانتخابية جزءًا من النقاش العام في جوبا، وهو ما يمنح ملف أبيي أهمية إضافية ضمن المشهد السياسي الانتقالي(18).
وتشير المعطيات الحالية إلى أن السودان يسعى إلى إدارة الخلاف عبر القنوات السياسية والدبلوماسية، مع الحفاظ على موقفه الرافض لإدراج أبيي ضمن العملية الانتخابية في جنوب السودان. ويعكس هذا النهج محاولة للجمع بين الدفاع عن رؤيته القانونية والسياسية تجاه المنطقة، والحفاظ على المصالح المشتركة مع جوبا، في ظل الظروف الأمنية والاقتصادية الصعبة التي تواجه البلدين.
ومن ثم، فإن مستقبل الخلاف حول أبيي سيظل مرتبطًا بقدرة السودان وجنوب السودان على منع تحول القضية إلى مصدر توتر جديد، والعمل على تطوير آليات للحوار تراعي الواقع السياسي الراهن، وتحافظ على الاستقرار الحدودي، وتفتح المجال أمام معالجة القضايا العالقة ضمن إطار تفاوضي أكثر شمولًا.
رابعًا: أبيي ضمن التحولات الإقليمية والدولية
لا يمكن فصل تطورات قضية أبيي عن التحولات الإقليمية التي يشهدها القرن الإفريقي ومنطقة حوض النيل؛ حيث تتداخل قضايا الحدود، والأمن الإنساني، وحركة المجتمعات المحلية، وإدارة الموارد، ضمن بيئة إقليمية تتسم بتعدد الأزمات. وقد حافظت أبيي على حضورها في أجندة المؤسسات الإقليمية والدولية بسبب موقعها الجغرافي بين السودان وجنوب السودان، وارتباطها بمسار الاستقرار بين الدولتين بعد الانفصال، إضافة إلى تأثير أي تطورات فيها على الأمن الحدودي والتعاون الثنائي(19).
ويعكس استمرار وجود قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي أهمية الدور الدولي في إدارة التوترات المحلية ودعم الاستقرار. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن البعثة تواصل تنفيذ مهامها في مراقبة الوضع الأمني، ودعم حماية المدنيين، وتعزيز آليات التواصل بين المجتمعات المحلية، في ظل استمرار التحديات المرتبطة بالأوضاع الأمنية والإنسانية في المنطقة. كما أن استمرار الحاجة إلى وجود البعثة يعكس صعوبة الوصول إلى تسوية سياسية نهائية بشأن مستقبل أبيي(20).
وعلى المستوى الإفريقي، يظل الاتحاد الإفريقي طرفًا مؤثرًا في دعم الاستقرار بين السودان وجنوب السودان، انطلاقًا من دوره التاريخي في متابعة قضايا السلام والحدود في القارة. ويركز النهج الإفريقي على أهمية الحوار السياسي، ومعالجة الخلافات عبر الوسائل السلمية، والحفاظ على التفاهمات التي تنظم العلاقة بين الدولتين؛ باعتبار أن استقرار المناطق الحدودية يمثل عنصرًا أساسيًّا في تعزيز الأمن الإقليمي(21).
وتأتي التطورات المرتبطة بإدراج أبيي ضمن الدوائر الانتخابية في جنوب السودان في ظل ظروف إقليمية معقدة، خاصة مع استمرار الحرب السودانية منذ أبريل/نيسان 2023. فقد أدَّت الحرب إلى زيادة الضغوط على المناطق الحدودية نتيجة حركة النزوح وتغير أنماط التجارة والتنقل؛ الأمر الذي دفع المؤسسات الدولية إلى التأكيد على أهمية منع امتداد آثار النزاع إلى الدول والمجتمعات المجاورة(22).
كما ترتبط أهمية أبيي بالبعد الاقتصادي؛ حيث تقع المنطقة ضمن المجال الجغرافي الذي يجمع بين المصالح التجارية وحركة السكان بين السودان وجنوب السودان. ويكتسب التعاون الاقتصادي بين البلدين أهمية خاصة بسبب ارتباط جنوب السودان بالبنية التحتية السودانية في مجال تصدير النفط، إضافة إلى أهمية الحدود المشتركة في تنشيط التجارة وتوفير مصادر الدخل للمجتمعات المحلية(23).
وتكشف قضية أبيي عن تداخل الأبعاد المحلية والوطنية والإقليمية؛ إذ تتجاوز آثارها حدود الخلاف السياسي بين الخرطوم وجوبا، لتصبح جزءًا من معادلات الأمن والاستقرار في القرن الإفريقي. ويعتمد مستقبل الملف على قدرة الأطراف المعنية على تحقيق توازن بين الاعتبارات القانونية والسياسية، وعلى دور المؤسسات الإقليمية والدولية في دعم مسار تفاوضي يحافظ على الاستقرار ويعزز فرص التسوية.
خامسًا: مستقبل أزمة أبيي: مسارات محتملة في ضوء المؤشرات الحالية
تدخل قضية أبيي مرحلة جديدة في ظل تداخل التطورات المرتبطة بالانتخابات في جنوب السودان مع استمرار غياب التسوية النهائية لوضع المنطقة. ويعتمد اتجاه الأزمة خلال الفترة المقبلة على طبيعة تعامل الخرطوم وجوبا مع الخلاف القائم، ومدى قدرة الطرفين على الفصل بين الاستحقاقات السياسية الداخلية ومتطلبات الحفاظ على العلاقات الثنائية. كما ستؤثر مواقف المؤسسات الإقليمية والدولية في تحديد مسار القضية، خاصة مع استمرار دور الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي في متابعة الأوضاع الأمنية والسياسية في أبيي.
المسار الأول: احتواء الخلاف عبر الحوار السياسي
يقوم هذا المسار على استمرار التواصل بين السودان وجنوب السودان، مع التعامل مع قرار إدراج أبيي ضمن الدوائر الانتخابية بوصفه قضية تحتاج إلى نقاش سياسي وقانوني بين الطرفين. ويستند هذا الاتجاه إلى إدراك مشترك لأن استمرار التوتر قد يؤثر في ملفات التعاون الأخرى، خصوصًا الأمن الحدودي والنفط وحركة التجارة والسكان.
وتعزز فرص هذا المسار حاجة البلدين إلى الحفاظ على المصالح المتبادلة، إضافة إلى دور الوسطاء الإقليميين والدوليين في تشجيع الحوار، وتقديم ضمانات تساعد على إدارة الخلاف ضمن الأطر السياسية القائمة.
المسار الثاني: تصاعد التوتر السياسي بين الخرطوم وجوبا
يرتبط هذا الاحتمال باستمرار الخلاف حول تفسير الوضع القانوني لأبيي، وتحول القضية إلى عنصر حاضر في الخطاب السياسي الداخلي لدى الطرفين. وقد يؤدي ذلك إلى زيادة التوتر الدبلوماسي، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات في جنوب السودان؛ حيث يمكن أن تزداد أهمية القضايا المرتبطة بالهوية والانتماء والتمثيل السياسي.
ويحمل هذا المسار تداعيات محتملة على التعاون الثنائي، خاصة إذا انتقل الخلاف من المستوى السياسي إلى الملفات الأمنية والاقتصادية المرتبطة بالحدود والموارد.
المسار الثالث: تعزيز الدور الإقليمي والدولي
يفترض هذا المسار زيادة تدخل المؤسسات الإقليمية والدولية في حال استمرار تعثر التفاهمات الثنائية. وقد يشمل ذلك تنشيط جهود الاتحاد الإفريقي، وتوسيع دور الأمم المتحدة في دعم الحوار، وإعادة طرح خيارات سياسية تساعد على معالجة الوضع الانتقالي للمنطقة.
ويبدو هذا المسار مرتبطًا بمدى قدرة الخرطوم وجوبا على تجاوز الخلافات الحالية، والحفاظ على قنوات الاتصال المفتوحة؛ فاستمرار الوضع القائم دون معالجة سياسية قد يؤدي إلى بقاء أبيي ضمن دائرة الأزمات المؤجلة، في حين أن تطوير مقاربة تفاوضية جديدة يمكن أن يفتح المجال أمام ترتيبات أكثر استقرارًا.
وبناءً على المؤشرات الحالية، يظل مسار الاحتواء السياسي الأكثر ارتباطًا بمصالح الطرفين، مع بقاء احتمالات التصعيد قائمة في حال غياب التفاهمات، واستمرار استخدام الملف ضمن الحسابات السياسية الداخلية.
خاتمة
يكشف التطور المرتبط بإدراج منطقة أبيي ضمن الدوائر الانتخابية في جنوب السودان عن استمرار تعقيد القضية وتداخلها مع ملفات السيادة والهوية والتمثيل السياسي، في مرحلة تشهد فيها العلاقات بين الخرطوم وجوبا تحديات متزايدة بفعل التحولات الداخلية والإقليمية. فقد أعاد القرار النقاش حول مستقبل المنطقة إلى الواجهة، بعد سنوات ظل خلالها ملف أبيي محكومًا بترتيبات انتقالية لم تؤدِّ إلى تسوية نهائية بين الطرفين.
وتوضح قراءة التطورات الأخيرة أن الخلاف حول أبيي يرتبط باختلاف في مقاربات إدارة الملف؛ حيث تركز جوبا على متطلبات بناء المؤسسات السياسية والاستعداد للانتخابات، بينما تتمسك الخرطوم بالمرجعيات القانونية التي نظمت وضع المنطقة منذ اتفاقية السلام الشامل. ويعكس هذا التباين الحاجة إلى مسار سياسي يوازن بين الاعتبارات القانونية والمصالح المشتركة للسودان وجنوب السودان.
كما يظل مستقبل أبيي مرتبطًا بقدرة الطرفين على إدارة الخلاف ضمن إطار الحوار، خاصة مع استمرار أهمية التعاون الأمني والاقتصادي بين البلدين. وفي ظل التحولات التي يشهدها القرن الإفريقي، يمثل الحفاظ على الاستقرار في المنطقة مصلحة مشتركة تتطلب دورًا فاعلًا من الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة لدعم الحلول السياسية.
وعليه، فإن قضية أبيي ستبقى اختبارًا لقدرة الخرطوم وجوبا على الانتقال من إدارة الخلافات التاريخية إلى بناء ترتيبات أكثر استدامة تحقق الأمن والاستقرار للسكان والمنطقة.
1. Eye Radio, “Sudan rejects inclusion of Abyei in South Sudan’s electoral constituencies”, Eye Radio, 14 July 2026. (Accessed on 10 August 2026)
[https://www.eyeradio.org/sudan-rejects-inclusion-of-abyei-in-south-suda…)
2. Government of Sudan and Sudan People’s Liberation Movement (SPLM), “The Protocol between the Government of Sudan and the Sudan People’s Liberation Movement on the Resolution of the Abyei Conflict”, Nairobi, 26 May 2004.(Accessed on 11 August 2026)
[https://www.peaceagreements.org/agreements/583/?utm_source=chatgpt.com]…)
3. Intergovernmental Authority on Development (IGAD), “Revitalized Agreement on the Resolution of the Conflict in the Republic of South Sudan (R-ARCSS)”, Addis Ababa, Ethiopia, 12 September 2018. (Accessed on 12 August 2026)
[https://www.ecoi.net/en/document/2131119.html?utm_source=chatgpt.com](h…)
4. Permanent Court of Arbitration (PCA), “Arbitration Agreement between the Government of Sudan and the Sudan People’s Liberation Movement/Army concerning the Delimitation of the Abyei Area”, The Hague, 11 July 2008.
(Accessed on 10 August 2026)
[https://pca.int/ar/cases/92/?utm_source=chatgpt.com](https://pca.int/ar…)
5. United Nations Security Council, “Resolution 1990 (2011): Establishment of the United Nations Interim Security Force for Abyei (UNISFA). S/RES/1990 (2011)”, United Nations Security Council, 27 June 2011.
(Accessed on 11 August 2026) [https://documents.un.org/doc/undoc/gen/n11/389/50/pdf/n1138950.pdf](https://documents.un.org/doc/undoc/gen/n11/389/50/pdf/n1138950.pdf)
6. United Nations Security Council, “Resolution 2046 (2012). Adopted by the Security Council at its 6764th meeting, on 2 May 2012”, United Nations Security Council Document S/RES/2046 (2012), 2 May 2012.
(Accessed on 12 August 2026) [https://documents.un.org/doc/undoc/gen/n12/327/77/pdf/n1232777.pdf](https://documents.un.org/doc/undoc/gen/n12/327/77/pdf/n1232777.pdf)
7. United Nations Secretary-General, “Situation in Abyei: Report of the Secretary-General”, United Nations Security Council, New York, 2025.
(Accessed on 10 August 2026) [https://digitallibrary.un.org/record/4091551?ln=en&utm_source=chatgpt.c…)
8. Government of Sudan and Sudan People’s Liberation Movement (SPLM), “Protocol on the Resolution of the Abyei Conflict”, Naivasha, Kenya, 26 May 2004.
(Accessed on 11 August 2026) [https://peacemaker.un.org/es/node/9165?utm_source=chatgpt.com](https://…)
9. Government of the Republic of Sudan and Sudan People's Liberation Movement/Sudan People's Liberation Army (SPLM/SPLA), “Comprehensive Peace Agreement between the Government of Sudan and the SPLM/SPLA (with Annexes)”, Nairobi, Kenya, 9 January 2005.
(Accessed on 12 August 2026) [https://peacemaker.un.org/en/node/9106?utm_source=chatgpt.com](https://…)
10. Permanent Court of Arbitration (PCA), “Final Award in the Matter of an Arbitration before a Tribunal Constituted in Accordance with Article 5 of the Arbitration Agreement between the Government of Sudan and the Sudan People’s Liberation Movement/Army on Delimiting Abyei Area”, The Hague: Permanent Court of Arbitration, 22 July 2009.
(Accessed on 10 August 2026) [https://www.pcacases.com/web/sendAttach/18820?utm_source=chatgpt.com](h…)
11. United Nations Security Council, “Resolution 1990 (2011), Adopted by the Security Council at its 6567th Meeting on 27 June 2011. S/RES/1990 (2011)”, New York: United Nations, 27 June 2011.
(Accessed on 11 August 2026) [https://documents.un.org/doc/undoc/gen/n11/389/50/pdf/n1138950.pdf](https://documents.un.org/doc/undoc/gen/n11/389/50/pdf/n1138950.pdf)
12. United Nations Security Council. Resolution 2046 (2012), “Adopted by the Security Council at its 6764th Meeting on 2 May 2012”, S/RES/2046 (2012). New York: United Nations, 2 May 2012.
(Accessed on 12 August 2026) [https://documents.un.org/doc/undoc/gen/n12/327/77/pdf/n1232777.pdf](https://documents.un.org/doc/undoc/gen/n12/327/77/pdf/n1232777.pdf)
13. United Nations Secretary-General, “Situation in Abyei: Report of the Secretary-General. Report submitted to the Security Council, S/2025/649”, United Nations, New York, 15 October 2025.
(Accessed on 10 August 2026) [https://documents.un.org/doc/undoc/gen/n25/256/88/pdf/n2525688.pdf](https://documents.un.org/doc/undoc/gen/n25/256/88/pdf/n2525688.pdf)
14. Eye Radio, “Sudan Rejects Inclusion of Abyei in South Sudan’s Electoral Constituencies”, Eye Radio, 14 July 2026.
(Accessed on 11 August 2026) [https://www.eyeradio.org/sudan-rejects-inclusion-of-abyei-in-south-suda…)
15. United Nations Security Council, “Letter dated 23 June 2011 from the Secretary-General addressed to the President of the Security Council. S/2011/384”, United Nations Security Council, 24 June 2011.
(Accessed on 12 August 2026) [https://digitallibrary.un.org/record/705959/files/S_2011_384-EN.pdf?utm…)
16. International Crisis Group, “Sudan’s Calamitous War: Finding a Path toward Peace. Africa Briefing N°204”, International Crisis Group, 21 January 2025.
(Accessed on 10 August 2026) [https://www.ecoi.net/en/document/2121253.html?utm_source=chatgpt.com](h…)
17. World Bank. “World Bank’s South Sudan Economic Monitor Urges Swift and Sustained Reforms to Accelerate Economic Recovery and Inclusive Growth”, World Bank, 13 March 2025.
(Accessed on 11 August 2026) [https://www.worldbank.org/en/news/press-release/2025/03/13/world-banks-…)
18. Binto Bali, “South Sudan’s Electoral Dilemma: What Lies Ahead?”, International Institute for Democracy and Electoral Assistance (International IDEA), 11 November 2024.
(Accessed on 12 August 2026) [https://www.idea.int/blog/south-sudans-electoral-dilemma-what-lies-ahea…)
19. African Union. “The Chairperson of the African Union Commission Appoints High-Level Panel on the Resolution of the Conflict in Sudan”, African Union, 17 January 2024.
(Accessed on 10 August 2026) [https://au.int/en/pressreleases/20240117/auc-chairperson-appoints-high-…)
20. United Nations Secretary-General, “Situation in Abyei: Report of the Secretary-General. United Nations Security Council, S/2024/354”, United Nations Secretary-General, 1 May 2024.
(Accessed on 11 August 2026) [https://documents.un.org/doc/undoc/gen/n24/112/81/pdf/n2411281.pdf](https://documents.un.org/doc/undoc/gen/n24/112/81/pdf/n2411281.pdf)
21. African Union Commission. “African Union High Level Panel on Sudan Commences its Work”, African Union, 3 February 2024.
(Accessed on 12 August 2026) [https://au.int/en/pressreleases/20240203/african-union-high-level-panel…)
22. United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA), “Sudan Humanitarian Needs and Response Plan 2025”, United Nations, 2024.
(Accessed on 10 August 2026) [https://resourcecentre.savethechildren.net/document/sudan-humanitarian-…)
23. United Nations Development Programme (UNDP), “2024 Horn of Africa Human Development Report: Enhancing Prospects for Human Development Through Regional Integration”, United Nations Development Programme, 12 December 2024.
(Accessed on 11 August 2026) [https://www.undp.org/africa/publications/2024-horn-africa-human-develop…)