شهدت منطقة الساحل الإفريقي في العقدين الأخيرين تحولات أمنية مكثفة، لا يمكن اختزالها في تمدد النشاط الإرهابي، أو هشاشة الدولة، أو تواتر الانقلابات العسكرية فقط؛ لأن كل تلك التطورات تعكس ديناميات أعمق باتت تمس طبيعة النظام الأمني الإقليمي الذي يحكم المنطقة وحدود الفاعلين المؤثرين فيه. ويمكن القول: إن الساحل انتقل خلال تلك الفترة من كونه مجرد فضاء هامشي ضمن النظام الأمني لغرب إفريقيا إلى فضاء جيوسياسي مستقل نسبيًّا، تتقاطع داخله رهانات الأمن والسيادة والنفوذ، وتتداخل فيه حسابات الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين. وقد جعل هذا التحول من الساحل أحد أكثر الأقاليم دينامية في القارة الإفريقية، ليس بسبب تنامي مصادر التهديد الداخلية والخارجية وإنما بسبب مساعي لإعادة تشكيل توازن القوى وأنماط إنتاج الأمن داخل الإقليم.
ولا خلاف أن الساحل يعاني بنيويًّا من هشاشة الدولة ومخلَّفات الاستعمار الفرنسي، إلا أن التحولات التي شهدها في العقدين الماضيين أفضت إلى أزمات مركبة؛ بدءًا من انهيار الدولة الليبية، سنة 2011، وما ترتب عليه من انتشار للسلاح وتنامي الجماعات المسلحة، مرورًا بتكثيف التدخلات العسكرية الدولية، ولاسيما الفرنسية منها، ومحاولات إنشاء ترتيبات أمنية جديدة، وصولًا إلى عودة الانقلابات العسكرية، وكذا تراجع أدوار المؤسسات الإقليمية التقليدية، مع صعود تأثير فاعلين دوليين وإقليميين جدد في المنطقة. كلها تطورات لم تقتصر على إعادة ترتيب أولويات الأمن بل امتدت إلى إعادة رسم حدود الفضاء الأمني نفسه عبر إعادة توزيع مراكز النفوذ وتغيير طبيعة العلاقات بين القوى المحلية والخارجية.
ورغم كثافة الأدبيات التي تناولت الساحل من منظور الإرهاب، أو بناء الدولة، أو التدخلات العسكرية الأجنبية، فإن معظمها انصرف إلى تفسير مظاهر الأزمة الأمنية أكثر من اهتمامه بتحليل التحولات التي استهدفت بنية النظام الأمني الإقليمي. فقد تعاملت هذه الأدبيات مع الإرهاب والانقلابات والتدخلات الخارجية بوصفها ظواهر مستقلة أو مترابطة، دون مساءلة ما إذا كانت تعكس، في مجموعها، انتقالًا من نظام أمني إلى آخر، أو تعبِّر عن إعادة تشكيل الفضاء الأمني الإقليمي في ظل تغير موازين القوة وتعدد الفاعلين المتدخلين في المنطقة.
وعليه، تنطلق هذه الدراسة من إشكالية مركزية مؤداها: إلى أي حدٍّ تعكس التحولات الأمنية التي شهدتها منطقة الساحل منذ 2011 انتقالًا من مركب أمني إقليمي يشمل منظومة غرب إفريقيا إلى نظام أمني جديد متعدد الفاعلين؟ وما حدود نجاح أو إخفاق المحاولة الفرنسية في إعادة تشكيل هذا النظام؟
وتفترض الدراسة أن التحولات التي عرفها الساحل خلال العقدين الأخيرين لا تمثل مجرد استجابة لتنامي التهديدات الإرهابية أو لتفاقم هشاشة الدولة، وإنما تعكس تحولًا بنيويًّا في النظام الأمني الإقليمي، تَمَثَّل في تراجع المركب الأمني التقليدي لمنطقة غرب إفريقيا -الذي كانت نيجيريا تشكِّل مركز الثقل الرئيسي فيه- وفشل المشروع الفرنسي في بناء ترتيبات أمنية بديلة؛ بما أفسح المجال أمام تشكل معالم نظام أمني جديد يقوم على تعدد الفاعلين، وتنافس القوى الإقليمية والدولية على إعادة تعريف الأمن، وإعادة توزيع النفوذ، وصياغة قواعد التفاعل في الساحل.
وتسعى الدراسة إلى اختبار هذه الفرضية من خلال تحليل مسار التحولات التي عرفها النظام الأمني في الساحل، انطلاقًا من تفكيك خصائص النظام الأمني لغرب إفريقيا قبل سنة 2011، ثم بحث أثر انهيار الدولة الليبية وتصاعد التهديدات العابرة للحدود في إعادة تشكيل البيئة الأمنية، قبل الوقوف عند حدود المقاربة الفرنسية في بناء ترتيبات أمنية جديدة، وصولًا إلى استشراف ملامح النظام الأمني الذي يتشكَّل اليوم في ظل صعود فاعلين جدد وتراجع أنماط القيادة الأمنية التقليدية.
أولًا: النظام الأمني لغرب إفريقيا قبل 2011
1- المركب الأمني الإقليمي: المفهوم وخصائصه
يشكِّل مفهوم المركب الأمني الإقليمي مدخلًا نظريًّا مناسبًا لفهم التحولات التي عرفتها منطقة الساحل خلال العقدين الأخيرين؛ لأنه ينقل التحليل من مستوى الدولة إلى المستوى الإقليمي، وينطلق من فرضية مفادها أن التهديدات الأمنية لا تتوزع بصورة عشوائية داخل النظام الدولي، وإنما تتمركز في أقاليم جغرافية تتسم بدرجات مرتفعة من العلاقات والتفاعلات. فالقرب الجغرافي يجعل الدول أكثر تأثرًا بالتهديدات الصادرة عن محيطها المباشر مقارنة بالتهديدات البعيدة؛ الأمر الذي يؤدي إلى تشكُّل أنماط مستقرة نسبيًّا من التفاعلات الأمنية داخل كل إقليم. وقد انطلقت نظرية المركبات الأمنية الإقليمية من هذه الفرضية لتفسير الكيفية التي تتشكل بها الأقاليم الأمنية، وكيف تنتظم داخلها علاقات التنافس والتعاون والصراع، بعيدًا عن الاقتصار على تحليل بنية النظام الدولي أو سياسات القوى الكبرى(1).
ويعرِّف بوزان ووايفر المركب الأمني الإقليمي من خلال عدسة الأمن، وليس من خلال أي معيار آخر، بوصفه "مجموعة من الوحدات التي تكون عمليات الأمننة أو نزع الأمننة، أو كلتاهما، مترابطة إلى درجة تجعل من غير الممكن تحليل مشكلاتها الأمنية أو حلُّها بصورة منفصلة عن بعضها البعض"(2). وينطوي هذا التعريف على فكرة مركزية مفادها أن جزءًا كبيرًا من عمليات الأمننة ونزع الأمننة داخل النظام الدولي يتجسد في تجمعات إقليمية. وتتميز هذه التجمعات بأنها مستقرة نسبيًّا، كما أنها تختلف عن عمليات الأمننة التي تجري على المستوى العالمي.
وتنشأ المركبات الأمنية الإقليمية نتيجة التفاعل بين عاملين رئيسين: البنية الفوضوية للنظام الدولي وما يترتب عليها من ديناميات توازن القوى؛ وضغوط القرب الجغرافي بين الدول. فالواقع أن التجاور الجغرافي المباشر يؤدي، في الغالب، إلى توليد مستويات أعلى من التفاعل الأمني بين الدول المتجاورة مقارنة بالدول البعيدة جغرافيًّا؛ إذ يؤكد المؤلفان أن الأمن الإقليمي يقوم على مبدأ أساسي مفاده أن التهديدات تنتقل بسهولة أكبر عبر المسافات القصيرة مقارنة بالمسافات البعيدة، ولذلك فإن العلاقات الأمنية بين الدول المتجاورة تكون أكثر كثافة من علاقاتها مع الأقاليم الأخرى. لكن هذا التحديد يتوقف على مكانة الدولة في هرم القوة الدولية؛ لأن القوى العظمى تمتلك مصالح واسعة النطاق، تمكِّنها من إدارتها على مستوى النظام الدولي بأكمله، ومن ثم تتجاوز النطاق الجغرافي والتجاور المكاني. بالمقابل، فإن الدول ذات القدرات المحدودة تقتصر تفاعلاتها وتحركاتها الأمنية على جوارها الإقليمي المباشر(3).
انطلاقًا من هذا التصور، لا يُنظر إلى المركب الأمني الإقليمي بوصفه مجرد تجمع جغرافي للدول، وإنما بوصفه بنية اجتماعية وسياسية وثقافية تتحدد من خلال أنماط الإدراك المتبادل للتهديدات، ومستويات الاعتماد الأمني، وطبيعة التفاعلات بين الفاعلين داخل الإقليم. ولذلك، فإن حدود المركب الأمني لا تتطابق بالضرورة مع الحدود الجغرافية أو التنظيمات الإقليمية القائمة، بل تتحدد بمدى كثافة الترابط والتفاعل الأمني بين وحداته، وبقدرته على إنتاج ديناميات أمنية مستقلة نسبيًّا عن تأثيرات النظام الدولي، مع بقائه قابلًا للاختراق من قبل القوى الكبرى أو التأثر بها، دون أن يفقد منطقه الداخلي في إنتاج الأمن والتهديد(4). ويمثل مفهوم الاختراق (Penetration) الآلية التي تربط بين البنية العالمية لتوزيع القوة والديناميات الإقليمية للمجمعات الأمنية.
وتقترح النظرية أربعة متغيرات رئيسة لتحليل أي مركب أمني إقليمي، تتمثل في الحدود التي تميز المركَّب الأمني عن المركَّبات الأمنية المجاورة، وتحدد نطاقه الجغرافي والأمني؛ والبنية الفوضوية، وتعني أن المركب الأمني لابد أن يتكون من وحدتين مستقلتين أو أكثر، بحيث لا توجد سلطة مركزية تعلو عليهما، انسجامًا مع الطبيعة الفوضوية للنظام الدولي؛ والقطبية، أي كيفية توزيع القوة بين الوحدات المكونة للمركب الأمني، سواء كان أحادي القطبية أو ثنائي أو متعدد الأقطاب؛ علاوة على متغير رابع يتمثل في البناء الاجتماعي، ويقصد به أنماط الصداقة والعداء التي تربط الوحدات داخل المركب الأمني، أي طبيعة العلاقات الأمنية المتبادلة بينها(5). ويكتسي المتغير الأخير أهمية خاصة؛ لأنه يفسر استمرار كثير من الديناميات الأمنية الإقليمية حتى في ظل تغير موازين القوى الدولية؛ إذ إن مصادر التهديد تنبع أساسًا من البيئة الإقليمية قبل أن تتأثر بالتفاعلات العالمية.
وبتطبيق هذا الإطار المفاهيمي على غرب إفريقيا قبل سنة 2011، يتبين أن منطقة الساحل لم تكن تشكِّل مركَّبًا أمنيًّا مستقلًّا بل كانت جزءًا من مركب أمني أوسع تمحورت دينامياته حول غرب إفريقيا. فقد كانت التهديدات الأمنية في مالي والنيجر وموريتانيا تُقرأ ضمن منظومة أمنية واحدة، ارتبطت فيها قضايا الاستقرار السياسي، والانقلابات العسكرية، والنزاعات الحدودية، والجريمة المنظمة، بالتفاعلات الأمنية داخل الإقليم ككل، في ظل وجود قوة إقليمية قائدة، وإطار مؤسسي منظَّم، وآليات جماعية لإدارة الأزمات(6). ومن ثم، فإن فهم التحولات التي عرفها الساحل بعد سنة 2011 يقتضي أولًا إدراك أن المنطقة لم تكن في الأصل فضاء أمنيًّا منفصلًا، وإنما هي جزء من بناء أمني إقليمي أوسع، قبل أن تؤدي التحولات اللاحقة إلى إعادة رسم حدوده ومراكز ثقله.
2- نيجيريا بوصفها القوة المنظِّمة للمركَّب الأمني لغرب إفريقيا
إذا كانت نظرية المركبات الأمنية الإقليمية تنطلق من أن كل مركب يتشكل حول أنماط محددة من التفاعلات الأمنية وتوازنات القوة، فإن حالة غرب إفريقيا قبل سنة 2011 تكشف عن وجود دولة اضطلعت بوظيفة تتجاوز حدود قوتها الوطنية، لتصبح الفاعل الرئيس في إنتاج الأمن الإقليمي وإدارته. وقد كانت نيجيريا، بحكم ثقلها الديمغرافي والاقتصادي والعسكري، تمثل مركز الثقل داخل المركب الأمني لغرب إفريقيا، ليس بوصفها أكبر دول الإقليم فقط وإنما لأنها تولَّت عمليًّا قيادة الاستجابات الجماعية للأزمات، وأصبحت المرجع الأساسي في إدارة النزاعات الإقليمية.
لقد سعت نيجيريا، منذ سبعينات القرن الماضي على الأقل، إلى ترسيخ تصور يقوم على أن استقرار غرب إفريقيا يمثل امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي، وهو ما انعكس في دعمها لإنشاء مؤسسات التعاون الإقليمي، وفي تحملها النصيب الأكبر من أعباء عمليات حفظ السلام داخل الإقليم. ولم يكن هذا الدور مجرد تعبير عن رغبة في ممارسة النفوذ بل ارتبط بقناعة مفادها أن انهيار الأمن في أي دولة من دول غرب إفريقيا، من شأنه أن ينعكس مباشرة على الاستقرار الداخلي لنيجيريا، بالنظر إلى الطبيعة المفتوحة للحدود وتشابك التهديدات الأمنية داخل الإقليم.
وقد برزت القيادة النيجيرية بوضوح خلال الحروب الأهلية التي شهدتها ليبيريا وسيراليون وغينيا بيساو خلال تسعينات القرن الماضي؛ حيث قادت نيجيريا قوات "مجموعة المراقبة التابعة للجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا" (ECOMOG)، وتحملت الجزء الأكبر من التمويل والقدرات العسكرية واللوجستية لهذه العمليات. ويبدو أن تلك المجموعة مثَّلت أول تجربة تتولى فيها منظمة إقليمية إفريقية إدارة عمليات عسكرية واسعة النطاق اعتمادًا على مواردها الذاتية أساسًا، وهو ما جعل غرب إفريقيا يطوِّر، لأول مرة، آلية أمنية إقليمية تتجاوز التعاون السياسي إلى التدخل العسكري الجماعي(7).
ويؤكد أديباجو أن نجاح هذه التجربة لم يكن ممكنًا دون الدور النيجيري؛ إذ يصف نيجيريا بأنها "الفاعل الذي لا غنى عنه"، لنجاح أي مبادرات لحفظ السلام على المستوى الإقليمي الفرعي، رغم ما أثاره هذا الدور من مخاوف لدى بعض الدول الفرنكفونية من احتمال تحول القيادة النيجيرية إلى هيمنة إقليمية. ففي معرض استخلاصه لدروس تدخلات ECOMOG، يقرر أن أي مبادرة مستقبلية لحفظ السلام في غرب إفريقيا ستظل بحاجة إلى المشاركة النيجيرية، بالنظر إلى ما تمتلكه من قدرات عسكرية وسياسية لا تتوافر لبقية دول الإقليم(8).
وفي الاتجاه نفسه، يُبرز المؤلف أن التنافس التاريخي بين نيجيريا وبعض القوى الإقليمية، ولاسيما الدول الفرنكفونية المدعومة من فرنسا، لم يمنعها من ترسيخ موقعها بوصفها القوة المنظِّمة للمركب الأمني، بل إن هذا التنافس نفسه كان جزءًا من ديناميات بناء النظام الأمني في غرب إفريقيا. فقد ظلَّت المبادرات الأمنية الكبرى، سواء تعلق الأمر بالتدخلات العسكرية، أو بآليات الوساطة، أو ببناء مؤسسات الأمن الجماعي، تدور في فلك القيادة النيجيرية، حتى وإن واجهت اعتراضات سياسية من بعض العواصم الإقليمية.
ولا يقتصر هذا الدور على البعد العسكري بل يمتد إلى البعد المؤسسي. فقد أسهمت نيجيريا بصورة حاسمة في تطوير آليات الأمن الجماعي داخل "إيكواس"، وفي الانتقال بالمنظمة من إطار اقتصادي إلى فاعل إقليمي يمتلك أدوات للتدخل في إدارة النزاعات، وهو ما منحها موقع الدولة المحورية داخل المركب الأمني لغرب إفريقيا. وبهذا المعنى، فإن القيادة النيجيرية لم تكن مجرد انعكاس لتفوق مادي بل كانت وظيفة إقليمية قائمة على إنتاج الأمن الجماعي، وصياغة قواعد الاستجابة للأزمات، وتوفير الموارد اللازمة لتنفيذها.
ويفضي ذلك إلى نتيجة أساسية بالنسبة لهذه الدراسة، وهي أن منطقة الساحل، قبل سنة 2011، لم تكن تتحرك خارج هذا الإطار الأمني بل كانت جزءًا من منظومة أوسع تتحدد فيها التفاعلات الأمنية انطلاقًا من مركز ثقل إقليمي تقوده نيجيريا، وتؤطِّره مؤسسات غرب إفريقيا. ومن ثم، فإن أي تحول لاحق في موقع نيجيريا أو في فاعلية المؤسسات الإقليمية لا يمكن اعتباره مجرد تغير في موازين القوى، وإنما يمثل مؤشرًا على تحول أعمق في بنية النظام الأمني الذي حكم غرب إفريقيا لعقود.
3- إيكواس: الإطار المؤسسي للنظام الأمني لغرب إفريقيا
لم يكن الدور القيادي الذي اضطلعت به نيجيريا داخل المركب الأمني لغرب إفريقيا قائمًا على تفوقها المادي فحسب وإنما استند أيضًا إلى إطار مؤسسي وفَّر الشرعية السياسية والقانونية للتعاون الأمني الإقليمي. فقد مثَّلت المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، منذ إنشائها سنة 1975، الإطار الجامع لدول الإقليم، غير أن التحولات التي شهدتها المنطقة خلال تسعينات القرن الماضي دفعت المنظمة إلى تجاوز وظيفتها الاقتصادية الأصلية لتصبح أحد أهم الفاعلين الأمنيين في القارة الإفريقية.
ويعكس هذا التحول إدراكًا متزايدًا لدى دول غرب إفريقيا بأن التكامل الاقتصادي لا يمكن أن يتحقق في ظل استمرار النزاعات المسلحة، والانقلابات العسكرية، والانهيار المؤسسي في عدد من دول الإقليم. ولذلك، اتجهت "إيكواس" إلى تطوير منظومة متكاملة للأمن الجماعي، تقوم على الربط بين حفظ السلم، وتعزيز الاستقرار السياسي، والدفاع عن الشرعية الدستورية، بوصفها شروطًا أساسية لاستمرار التعاون الإقليمي.
وقد شكَّل بروتوكول آلية منع النزاعات وإدارتها وتسويتها وحفظ السلام والأمن لسنة 1999 نقطة تحول مفصلية في تطور المنظمة؛ إذ منحها صلاحيات واسعة في مجالات الإنذار المبكر، والوساطة، وفرض العقوبات، ونشر قوات حفظ السلام، والتدخل في حالات انهيار النظام الدستوري أو وقوع أزمات تهدد الأمن الإقليمي. كما أحدث البروتوكول مؤسسات جديدة، من بينها مجلس الوساطة والأمن، ومجلس الحكماء، ونظام الإنذار المبكر، بما وفر لـ"إيكواس" أدوات مؤسساتية لإدارة الأزمات بصورة جماعية(9). ولم يقتصر هذا التطور على الجانب الأمني، بل تعزز باعتماد البروتوكول الإضافي بشأن الديمقراطية والحكم الرشيد لسنة 2001، الذي عَدَّ الانقلابات العسكرية والتغييرات غير الدستورية للحكم تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي، وأقرَّ مبدأ الرفض الجماعي للاستيلاء على السلطة بالقوة، وربط بين الأمن الجماعي واحترام الشرعية الدستورية والانتقال الديمقراطي(10).
وقد أضفت هذه النصوص القانونية بُعدًا معياريًّا على النظام الأمني لغرب إفريقيا؛ فلم يعد الأمن يُفهم بوصفه حماية للحدود أو مواجهة للتهديدات العسكرية فقط، وإنما أصبح يشمل حماية المؤسسات الدستورية، ومنع النزاعات الداخلية، واحتواء الأزمات السياسية قبل تحولها إلى تهديدات إقليمية. وبهذا المعنى، أصبحت "إيكواس" نموذجًا متقدمًا نسبيًّا للأمن الجماعي في إفريقيا، يقوم على الدمج بين أدوات الوساطة السياسية، وآليات الردع، والتدخل العسكري عند الضرورة.
وقد برزت فاعلية هذا الإطار المؤسسي من خلال تعاطي المنظمة مع عدد من الأزمات التي عرفها الإقليم قبل سنة 2011، سواء عبر عمليات حفظ السلام، أو الوساطات السياسية، أو فرض العقوبات على الأنظمة التي وصلت إلى السلطة بوسائل غير دستورية. وقد أسهم ذلك في ترسيخ تصور مفاده أن أمن دول غرب إفريقيا مسؤولية جماعية، وأن الحفاظ على الاستقرار الإقليمي يقتضي وجود مؤسسات قادرة على إنتاج قواعد مشتركة لإدارة الأزمات، وليس مجرد الاعتماد على موازين القوة بين الدول.
غير أن فاعلية هذا النظام ظلت مرتبطة، إلى حدٍّ كبير، باستمرار القيادة النيجيرية وتوافر الإرادة السياسية لدى الدول الأعضاء. فقد اعتمدت معظم عمليات المنظمة على القدرات العسكرية والمالية واللوجستية لنيجيريا، وهو ما جعل التوازن بين القيادة المؤسسية والقيادة الوطنية يمثل أحد أهم مرتكزات النظام الأمني لغرب إفريقيا. ومن ثم، فإن أي تراجع في قدرة نيجيريا على الاضطلاع بهذا الدور، أو أي إضعاف لمؤسسات "إيكواس"، كان من شأنه أن ينعكس مباشرة على تماسك المركب الأمني بأكمله.
وعليه، يمكن القول: إن النظام الأمني لغرب إفريقيا قبل سنة 2011 كان يقوم على ثلاثة مرتكزات متكاملة: قيادة إقليمية تمارسها نيجيريا؛ وإطار مؤسسي توفره "إيكواس"؛ وتوافق سياسي يَعُدُّ الأمن مسؤولية جماعية لدول الإقليم. وقد أتاح هذا البناء احتواء عدد من الأزمات الإقليمية، ورسَّخ تصورًا مفاده أن الساحل يشكِّل جزءًا من المجال الأمني لغرب إفريقيا، وليس إقليمًا أمنيًّا مستقلًّا. غير أن هذه المرتكزات ستتعرض، بعد سنة 2011، لاختبارات غير مسبوقة، مع تغير طبيعة التهديدات، وتصاعد التدخلات الخارجية، وتراجع قدرة المؤسسات الإقليمية على الحفاظ على قواعد النظام الأمني الذي تشكَّل خلال العقود السابقة، وهو ما سيمهِّد لتحول بنيوي في طبيعة النظام الأمني داخل الساحل.
ثانيًا: تفكك المركَّب الأمني لغرب إفريقيا ومحاولات إعادة تشكيله
1- سقوط الدولة الليبية وإعادة توزيع التهديدات في الساحل
شكَّل سقوط النظام الليبي، في عام 2011، نقطة تحول مفصلية في البيئة الأمنية لشمال وغرب إفريقيا، ليس فقط لأنه أدَّى إلى انهيار إحدى الدول الأساسية في المجال المغاربي، وإنما لأنه أطلق سلسلة من التفاعلات الأمنية التي تجاوزت الحدود الوطنية، وأعادت توزيع مصادر التهديد داخل الإقليم بأكمله. فمنذ الأشهر الأولى لانهيار مؤسسات الدولة الليبية، شهدت المنطقة تدفقًا غير مسبوق للأسلحة الخفيفة والثقيلة، وعودة آلاف المقاتلين، ولاسيما من الطوارق الذين كانوا قد انخرطوا في القوات الليبية إلى بلدانهم الأصلية؛ الأمر الذي أسهم في تغيير موازين القوة داخل شمال مالي، وخلق بيئة مواتية لتمدد الجماعات المسلحة والتنظيمات الجهادية.
ولم يقتصر تأثير هذه التطورات على مالي، وإنما امتدت إلى مجمل المجال الأمني لغرب إفريقيا؛ حيث أصبحت التهديدات عابرة للحدود، وأكثر قدرة على الانتشار بين الدول المتجاورة. كما تداخلت شبكات التهريب مع الجماعات المسلحة، وتقاطعت النزاعات المحلية مع التنظيمات الجهادية، وتزايدت حركة المقاتلين والأسلحة عبر فضاء صحراوي واسع تعجز الدول منفردة عن مراقبته. ونتيجة لذلك، تحولت الأزمات الأمنية من مشكلات داخلية إلى تهديدات إقليمية تتجاوز قدرة الحكومات الوطنية على احتوائها.
وفي هذا السياق، شهدت مالي سنة 2012 انهيارًا سريعًا لمنظومتها الأمنية، بعدما تمكنت الحركات المسلحة من السيطرة على أجزاء واسعة في شمال البلاد، مستفيدة من ضعف مؤسسات الدولة، ومن التدفقات البشرية والعسكرية القادمة من ليبيا. وقد أدَّى ذلك إلى بروز واقع أمني جديد، انتقلت فيه الجماعات المسلحة من العمل داخل نطاقات محلية محدودة إلى السيطرة على مجالات جغرافية واسعة، بما منحها موارد إضافية، وحرية أكبر في الحركة، وقدرة متزايدة على بناء شبكات عابرة للحدود.
ومن منظور النظام الأمني الإقليمي، تكمن أهمية هذه التطورات في أنها غيَّرت طبيعة التفاعلات الأمنية داخل غرب إفريقيا. فقبل سنة 2011، كانت مصادر التهديد الرئيسة تتمثل في النزاعات الأهلية، والانقلابات العسكرية، وبعض التمردات المحلية، وهي أزمات اعتادت مؤسسات الإقليم على التعامل معها عبر الوساطة السياسية أو التدخل الجماعي المحدود. أما بعد انهيار الدولة الليبية، فقد برز نمط جديد من التهديدات، اتسم بارتفاع درجة الحركية، وبتجاوز الحدود الوطنية، وبتداخل الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين، وهو ما فرض تحديات لم تكن الآليات التقليدية للنظام الأمني لغرب إفريقيا مهيأة للتعامل معها.
كما أسهمت هذه التحولات في إضعاف قدرة نيجيريا على الاضطلاع بوظيفتها التقليدية بوصفها القوة المنظمة للمركب الأمني لغرب إفريقيا. فبالتوازي مع تصاعد الأزمة في مالي، كانت نيجيريا تواجه تحديات أمنية داخلية متزايدة، وفي مقدمتها توسع نشاط جماعة "بوكو حرام"؛ الأمر الذي استنزف جزءًا مهمًّا من قدراتها العسكرية والسياسية، وحَدَّ من قدرتها على قيادة استجابة إقليمية فعَّالة للأزمة الجديدة. وهكذا، بدأ ميزان القيادة الأمنية داخل غرب إفريقيا يعرف اختلالًا تدريجيًّا، تزامن مع اتساع الفجوة بين حجم التهديدات المتصاعدة وبين الإمكانات المتاحة للمؤسسات الإقليمية.
ومن ثم، فإن الأهمية الحقيقية لسقوط الدولة الليبية لا تكمن فقط في كونه أدى إلى تصاعد الإرهاب أو انتشار السلاح، وإنما في كونه أعاد تشكيل البيئة الأمنية التي كان يقوم عليها المركب الأمني لغرب إفريقيا. فقد تغيرت مصادر التهديد، واتسعت رقعة انتشارها، وتراجعت قدرة الفاعلين التقليديين على إدارتها، بما أدى إلى اهتزاز القواعد التي استند إليها النظام الأمني الإقليمي طوال العقود السابقة. ولم يكن ذلك يعني انهيار المركب الأمني بصورة فورية، وإنما كان يمثل بداية مرحلة انتقالية، أخذت خلالها ديناميات أمنية جديدة تتجاوز الإطار التقليدي لغرب إفريقيا، وتمهد لإعادة تعريف المجال الأمني في الساحل بوصفه فضاء أمنيًّا قائمًا بذاته، وهو ما سيفتح المجال أمام تدخلات خارجية ومبادرات مؤسساتية جديدة ستسعى إلى إعادة تنظيم الإقليم وفق تصورات أمنية مختلفة.
2- المقاربة الفرنسية وإعادة تشكيل المجال الأمني في الساحل
مثَّل التدخل العسكري الفرنسي في مالي، سنة 2013، نقطة تحول في طبيعة الاستجابة الدولية للأزمة الأمنية في الساحل. فمن الناحية الرسمية، قُدمت عملية "سيرفال Serval" بوصفها تدخلًا عاجلًا يهدف إلى وقف تقدم الجماعات المسلحة نحو العاصمة، باماكو، والحفاظ على وحدة الدولة المالية، واستعادة سيطرتها على شمال البلاد. وقد حققت العملية، خلال أشهرها الأولى، أهدافًا عسكرية مباشرة تمثلت في استعادة المدن الكبرى وتفكيك عدد من معاقل الجماعات المسلحة، غير أن نجاحها الميداني سرعان ما كشف محدودية المقاربة القائمة على التدخل الظرفي، في ظل استمرار العوامل البنيوية المنتجة للعنف وعدم قدرة الدولة المالية على بسط سلطتها خارج المراكز الحضرية. وقد دفع ذلك فرنسا إلى الانتقال من منطق التدخل العسكري المحدود إلى بناء إستراتيجية إقليمية طويلة الأمد، تتجاوز الحدود الوطنية لمالي بهد إعادة التموقع في الساحل(11).
وفي هذا السياق، أُطلقت عملية "برخان Barkhan"، في أغسطس/آب 2014، بوصفها امتدادًا إستراتيجيًّا لعملية "سيرفال"، لكنها اختلفت عنها من حيث النطاق الجغرافي، وطبيعة التهديد، وأدوات التدخل. فلم تعد العملية موجهة لحماية دولة مالي وحدها، وإنما انطلقت من تصور يعتبر أن التهديدات الأمنية في الساحل ذات طبيعة عابرة للحدود، وأن مواجهتها تقتضي فضاء عملياتيًّا موحدًا يمتد من موريتانيا غربًا إلى تشاد شرقًا. ولذلك، اعتمدت برخان على شبكة من القواعد العسكرية، وآليات استخباراتية مشتركة، وقدرات تدخل سريعة، مع تركيز واضح على التنسيق بين جيوش خمس دول ساحلية، بما حوَّل الساحل إلى وحدة عملياتية واحدة في التخطيط العسكري الفرنسي.
ولم يقتصر هذا التحول على البعد العسكري، بل تزامن مع إنشاء مجموعة دول الساحل الخمس (G5 Sahel)، سنة 2014، ثم إطلاق القوة المشتركة للمجموعة، سنة 2017. ومن الناحية المعلنة، استهدفت هذه المبادرة تعزيز التعاون بين موريتانيا ومالي والنيجر وتشاد وبوركينافاسو في مجالات الأمن والتنمية، غير أن أهميتها الإستراتيجية تكمن في أنها أوجدت إطارًا مؤسساتيًّا جديدًا للتنسيق الأمني، يختلف في بنيته ووظائفه عن الإطار التقليدي الذي كانت توفره المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس). فبينما تأسس نظام إيكواس على منطق الأمن الجماعي داخل غرب إفريقيا، انطلقت مجموعة الساحل من منطق إدارة التهديدات العابرة للحدود داخل فضاء جغرافي جديد، رُسمت حدوده انطلاقًا من طبيعة المخاطر الأمنية أكثر من انطلاقها من الانتماء إلى الإقليم الغرب إفريقي.
وتسمح هذه التطورات بالانتقال من قراءة التدخل الفرنسي بوصفه مجرد سياسة لمكافحة الإرهاب إلى فهمه بوصفه مشروعًا لإعادة تنظيم المجال الأمني في الساحل. وفي هذا السياق، يجادل برونو شاربونو بأن التدخلات الدولية منذ سنة 2013 تجاوزت ملاحقة الجماعات المسلحة إلى محاولة إنتاج نمط جديد للأمن أسماه "حكامة مكافحة التمرد" (Counter-insurgency Governance)، يقوم على إعادة تعريف أدوار الدولة، وحدود السلطة، وأنماط الحكم، والفاعلين الشرعيين في إدارة الأمن. ويؤكد أن هذه الحكامة "تسعى إلى فرض حدود ومعايير وتصورات لما ينبغي أن تكون عليه الدولة والحكم في الساحل"(12).
وانطلاقًا من هذا التصور، يمكن القول: إن المقاربة الفرنسية لم تكتف بإعادة تنظيم وسائل مكافحة الإرهاب، بل أسهمت، بصورة غير مباشرة، في إعادة إنتاج المجال الأمني نفسه. فقد أصبحت قضايا الأمن في الساحل تُدار من خلال مؤسسات جديدة، وشبكات تعاون مختلفة، وأولويات إستراتيجية متميزة عن تلك التي حكمت النظام الأمني لغرب إفريقيا قبل سنة 2011. ونتيجة لذلك، أخذت منطقة الساحل تكتسب تدريجيًّا استقلالًا أمنيًّا نسبيًّا، سواء في الخطاب الدولي، أو في طبيعة المؤسسات التي أُنشئت لإدارة الأزمات، أو في أنماط التمويل والتدخل الخارجي.
ومع ذلك، فإن إعادة تشكيل المجال الأمني لم تؤدِّ إلى النتائج التي استهدفتها الإستراتيجية الفرنسية. فعلى الرغم من اتساع الحضور العسكري، وتعدد المبادرات الإقليمية، استمرت الجماعات المسلحة في توسيع نطاق عملياتها، وتصاعدت أعمال العنف، وازدادت هشاشة الدول، وتكررت الانقلابات العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر. وبذلك، أفضت المقاربة الفرنسية إلى مفارقة لافتة؛ فكلما توسعت ترتيبات الأمن الإقليمي، تراجعت قدرة النظام الأمني الجديد على إنتاج الاستقرار، وهو ما أدَّى، في النهاية، إلى تآكل شرعيته، وفتح المجال أمام صعود فاعلين دوليين وإقليميين جدد، وإعادة توزيع مراكز النفوذ داخل الساحل.
3- تراجع القيادة النيجيرية وتآكل النظام الأمني الإقليمي
لم يكن التحول الذي عرفه النظام الأمني في الساحل نتيجة مباشرة للتدخلات الخارجية فقط، بل ارتبط كذلك بتراجع قدرة الفاعل الإقليمي التقليدي على الاستمرار في أداء وظيفة القيادة الأمنية داخل غرب إفريقيا. فقد قامت بنية النظام الأمني الإقليمي، قبل سنة 2011، كما سبقت الإشارة، على التوازن بين قيادة نيجيريا من جهة، والإطار المؤسسي الذي وفرته المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) من جهة أخرى. غير أن هذا التوازن تعرض لضغوط متزايدة خلال العقدين الماضيين مع اتساع نطاق التهديدات الأمنية، وتزايد الأعباء الداخلية التي واجهتها نيجيريا، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على قدرتها على إدارة الأزمات الإقليمية.
ففي الوقت الذي كانت فيه الأزمة المالية تتفاقم، كانت نيجيريا تواجه واحدة من أخطر الأزمات الأمنية في تاريخها المعاصر، تمثلت في تصاعد نشاط جماعة "بوكو حرام" في شمال شرق البلاد، واتساع رقعة العمليات المسلحة، وتزايد الضغوط على القوات المسلحة النيجيرية. وقد أدَّى هذا الوضع إلى إعادة توجيه جانب مهم من الموارد العسكرية والسياسية نحو الداخل؛ الأمر الذي قلَّص من قدرة نيجيريا على الاضطلاع بالدور الذي مارسته خلال تسعينات القرن الماضي في ليبيريا وسيراليون وغينيا بيساو، حين كانت تقود عمليات التدخل الجماعي داخل الإقليم(13).
بالموازاة مع ذلك، واجهت "إيكواس"، بدورها، تحديات متزايدة في الحفاظ على موقعها بوصفها الإطار المؤسسي الرئيس لإدارة الأمن الإقليمي. فمع انتقال مركز الثقل الأمني نحو الساحل، أخذت المبادرات الدولية والإقليمية تتجه، بصورة متزايدة، إلى التعامل مع مجموعة دول الساحل الخمس بوصفها الشريك الأمني الأول في المنطقة، سواء من حيث التمويل، أو التدريب، أو التنسيق العملياتي. ونتيجة لذلك، لم تعد "إيكواس" تحتكر إدارة الملفات الأمنية الكبرى كما كانت عليه الحال خلال العقدين السابقين، بل أصبحت تعمل في بيئة مؤسسية تتعدد فيها آليات التنسيق والقيادة، وتتنافس فيها أطر إقليمية مختلفة على إدارة المجال الأمني.
وقد كشفت الانقلابات العسكرية التي شهدتها مالي في 2020 و2021، ثم بوركينا فاسو في 2022، فالنيجر في 2023، عن حدود فاعلية النظام الأمني الذي تشكَّل خلال العقد السابق. فعلى الرغم من لجوء "إيكواس" إلى العقوبات الاقتصادية، والضغوط الدبلوماسية، والتلويح باستخدام القوة في بعض الحالات، فإن المنظمة لم تتمكن من إعادة الأنظمة الدستورية أو الحفاظ على تماسك المنظومة الإقليمية. كما أظهرت هذه الأزمات تراجع قدرة نيجيريا على حشد توافق إقليمي حول خيارات المنظمة، وهو ما انعكس في اتساع هوة الخلاف بين عدد من الدول الأعضاء، وفي تصاعد الانتقادات الموجهة إلى الدور الذي اضطلعت به القوى الخارجية في إدارة الأزمات الأمنية.
وقد تزامن ذلك مع تراجع متسارع للحضور الفرنسي في المنطقة، سواء نتيجة إنهاء عملية برخان، أو انسحاب القوات الفرنسية من مالي ثم من بوركينا فاسو والنيجر؛ مما أفضى إلى فراغ أمني في بنية القيادة الأمنية التي تشكَّلت بعد سنة 2013. ولم يكن هذا الفراغ نتيجة للانسحاب العسكري فقط؛ لأنه عبَّر عن أزمة أعمق مسَّت شرعية الترتيبات الأمنية التي تأسست خلال العقد السابق، بعدما أخفقت في تحقيق الاستقرار، والحد من توسع الجماعات المسلحة، وكذا منع تكرار الانقلابات العسكرية.
ومن منظور تحولات النظام الأمني الإقليمي، تكشف هذه التطورات أن الأزمة لم تعد تتعلق بفاعلية أدوات مكافحة الإرهاب أو بقدرات الدول منفردة؛ لأنها باتت تتعلق بالبنية التي قامت عليها القيادة الأمنية داخل الإقليم. إذ تراجعت قدرة نيجيريا على أداء دور القوة المنظمة للمركب الأمني، كما تراجعت فاعلية "إيكواس" بوصفها المؤسسة المركزية لإدارة الأمن الجماعي، في الوقت الذي فقدت فيه المقاربة الفرنسية بعضًا من شرعيتها ونفوذها. وبناء عليه، دخل النظام الأمني في الساحل مرحلة انتقالية اتسمت بغياب مركز قيادة واضح، وبتعدد المبادرات الأمنية، وتزايد تدخل الفاعلين الخارجيين؛ وهي مرحلة مهدت لظهور ترتيبات أمنية جديدة ستسعى إلى إعادة تعريف توازنات القوة داخل الإقليم.
وعليه، فإن التحولات التي شهدها الساحل منذ سنة 2011 لا تكشف عن انتقال في طبيعة التهديدات الأمنية، وإنما عن تآكل تدريجي للنظام الأمني الذي حكم غرب إفريقيا منذ نهاية الحرب الباردة. فقد أدَّى تراجع القيادة النيجيرية، وتراجع فاعلية "إيكواس"، ومحدودية المقاربة الفرنسية في إنتاج الأمن والاستقرار، إلى إنهاء مرحلة كان الأمن الإقليمي خلالها يدار من خلال مركز قيادة واضح، والدخول في مرحلة جديدة تتسم بتعدد مراكز القوة، وتنافس الفاعلين على إنتاج ترتيبات أمنية بديلة. ومن هنا، يصبح فهم التحولات اللاحقة، المتمثلة في صعود روسيا، وتوسع الحضور التركي والصيني، وظهور تحالف دول الساحل، رهينًا بإدراك أن هذه الظواهر لم تنشأ في فراغ وإنما جاءت استجابة لانهيار قواعد النظام الأمني السابق، ومحاولة لإعادة بناء نظام جديد لا تزال معالمه قيد التشكل.
ثالثًا: نحو نظام أمني جديد في الساحل: تعدد الفاعلين وإعادة توزيع النفوذ
1. تحالف دول الساحل وإعادة تعريف الأمن الإقليمي
أفضى فشل المقاربة الأمنية التي قادتها فرنسا بعد 2013، وتراجع فاعلية "إيكواس" في إدارة الأزمات الإقليمية، إلى بروز ترتيبات سياسية وأمنية جديدة سعت إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن الإقليمي في الساحل. ويأتي تحالف دول الساحل، الذي أُعلن عنه في سبتمبر/أيلول 2023 بموجب ميثاق ليبتاكو-غورما، بوصفه أبرز تعبير عن هذا التحول؛ إذ لم يقدم نفسه بوصفه مجرد إطار للتعاون العسكري، وإنما بوصفه مشروعًا لإعادة صياغة العلاقات الأمنية والسياسية بين الدول الأعضاء، على أسس تختلف عن تلك التي حكمت المنظومة الإقليمية خلال العقود السابقة.
ويلاحظ أن التحالف تأسس في سياق اتسم بتراجع الثقة في المؤسسات الإقليمية التقليدية، ولاسيما "إيكواس"، بعد الخلافات التي أعقبت الانقلابات العسكرية في مالي وبوركينافاسو والنيجر. فقد اعتبرت السلطات الجديدة في هذه الدول أن العقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية التي فرضتها المنظمة لا تستجيب لأولويات الأمن الوطني، بل تعكس استمرار مقاربة إقليمية لم تعد قادرة على التعامل مع التحولات التي يعرفها الساحل. وفي المقابل، طرح التحالف تصورًا يقوم على أولوية السيادة الوطنية، والتضامن العسكري بين الدول الأعضاء، ورفض أي تدخل خارجي يُنظر إليه بوصفه موجَّهًا لإعادة تشكيل خياراتها السياسية أو الأمنية(14).
ومن هذه الزاوية، لا يمثل تحالف دول الساحل مجرد آلية دفاع مشترك بل يعكس تحولًا في فلسفة الأمن الإقليمي. فبينما تأسس النظام الأمني الذي قادته "إيكواس" على الربط بين الأمن الجماعي والديمقراطية والحكم الدستوري، يقوم التحالف الجديد على ربط الأمن بسيادة الدولة، واستقلال القرار السياسي، وحق الحكومات في اختيار شركائها الأمنيين بعيدًا عن الضغوط الإقليمية أو الدولية. ويكشف هذا التحول عن انتقال مركز الاهتمام من حماية النظام الإقليمي إلى حماية الدولة الوطنية، وهو ما يعيد تعريف مصادر الشرعية الأمنية داخل الإقليم.
كما يعكس التحالف تحولًا في مفهوم الشراكة الأمنية. فقد اعتمدت الترتيبات السابقة على تعاون وثيق مع فرنسا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، في حين اتجهت الدول الأعضاء في التحالف إلى تنويع شراكاتها العسكرية، والانفتاح على فاعلين جدد، وفي مقدمتهم روسيا وتركيا، مع السعي إلى بناء قدرات دفاعية أكثر استقلالية. وقد أسهم ذلك في إعادة توزيع شبكات التعاون الأمني داخل الساحل، بحيث لم تعد ترتبط حصرًا بالمؤسسات الغربية أو بالأطر التقليدية للتعاون الإقليمي(15).
ومن منظور تحولات النظام الأمني، تكشف تجربة تحالف دول الساحل عن انتقال نوعي في طبيعة المجال الأمني. فإذا كانت مجموعة دول الساحل الخمس قد نشأت في إطار دعم دولي لمكافحة الإرهاب، فإن تحالف دول الساحل جاء نتيجة إرادة سياسية داخلية لإعادة بناء ترتيبات الأمن الإقليمي وفق تصور جديد للسيادة والشراكة الأمنية. ومن ثم، فإن التحالف لا يمثل مجرد بديل مؤسسي عن مجموعة دول الساحل الخمس بل يعكس اتجاهًا نحو إعادة تعريف قواعد النظام الأمني في الساحل، وإعادة رسم العلاقات بين الفاعلين الإقليميين والدوليين.
غير أن هذا التحول لا يعني أن النظام الأمني الجديد قد استقر بصورة نهائية؛ إذ لا تزال ترتيباته المؤسسية في طور التشكل، كما تواجه تحديات مرتبطة باستمرار النشاط المسلح، وضعف القدرات الاقتصادية، والحاجة إلى تنسيق سياسات الدفاع والأمن بين الدول الأعضاء. ومع ذلك، فإن الأهمية الإستراتيجية لتحالف دول الساحل تكمن في كونه يمثل أول محاولة تنطلق من داخل الإقليم لإعادة بناء ترتيبات الأمن بعد انهيار النموذج الذي تشكل عقب سنة 2013، وهو ما يجعله مؤشرًا على بداية مرحلة جديدة في تاريخ النظام الأمني بالساحل أكثر من كونه مجرد تحالف عسكري عابر.
2. صعود الفاعلين الدوليين وإعادة توزيع النفوذ في الساحل
لم يؤدِّ تراجع الحضور الفرنسي إلى فراغ أمني بالمعنى التقليدي، وإنما أفسح المجال لإعادة توزيع النفوذ بين مجموعة من الفاعلين الدوليين والإقليميين الذين تبنَّوا مقاربات مختلفة لإدارة الأمن في الساحل. وقد تزامن هذا التحول مع تراجع قدرة القوى الغربية على احتكار الشراكات الأمنية في المنطقة، لتصبح دول الساحل أكثر ميلًا نحو تنويع شركائها، والانتقال من منطق الارتباط بمحور واحد إلى منطق تنويع البدائل الأمنية والعسكرية.
ويبرز الحضور الروسي بوصفه أبرز مظاهر هذا التحول. فمنذ سنة 2021، عززت موسكو حضورها في مالي، ثم توسع تعاونها مع بوركينا فاسو والنيجر في مجالات التدريب العسكري، وتوريد المعدات، والدعم الاستخباراتي. وقد استند هذا الحضور إلى خطاب يقوم على احترام السيادة الوطنية، ورفض التدخل في الخيارات السياسية للدول، وهو خطاب وجد صدى لدى السلطات العسكرية الجديدة في المنطقة، التي رأت فيه بديلًا عن الشروط السياسية التي اقترنت بالتعاون مع القوى الغربية(16).
إلا أن أهمية الدور الروسي لا تكمن في حجمه العسكري فقط وإنما في كونه أسهم في إعادة تعريف مفهوم الشراكة الأمنية. ففي حين ارتبطت المقاربة الغربية بالإصلاح المؤسسي، وبناء القدرات، وربط الدعم الأمني بقضايا الحكم والديمقراطية، اتجهت المقاربة الروسية إلى التركيز على الاستجابة السريعة للاحتياجات العسكرية المباشرة، وتعزيز قدرات الجيوش الوطنية في مواجهة الجماعات المسلحة، مع تقليص الشروط السياسية المصاحبة للتعاون. ونتيجة لذلك، لم يعد اختيار الشريك الأمني يرتبط بالانتماء إلى منظومة سياسية معينة بل بمدى قدرته على توفير الدعم الذي تراه الحكومات يستجيب لأولوياتها الأمنية.
بالمقابل، اتخذ الحضور التركي مسارًا مختلفًا عن الحضور الروسي، فلم تنطلق تركيا من التدخل العسكري المباشر، وإنما من الجمع بين التعاون الدفاعي، والصناعات العسكرية، والدبلوماسية الاقتصادية. فقد توسع التعاون مع عدد من دول الساحل في مجالات التدريب العسكري، وتوريد الطائرات المسيَّرة، وبناء القدرات التقنية، إلى جانب تنمية العلاقات التجارية والاستثمارية. وقد منح هذا التنوع في أدوات النفوذ تركيا موقعًا ذا أهمية في البيئة الأمنية الجديدة؛ مما أتاح لها توسيع نفوذها السياسي عبر الاستجابة لحاجة دول المنطقة إلى تنويع مصادر التسليح وتقليص الاعتماد على الشركاء الغربيين التقليديين، لكن دون أن تسعى إلى الحلول محل القوى التقليدية أو إنشاء ترتيبات أمنية موازية(17).
أما الصين، فقد حافظت على خصوصية مقاربتها؛ إذ ظل حضورها يرتكز على الاستثمار في البنية التحتية، وتمويل المشروعات التنموية، وتطوير التعاون الاقتصادي، مع تعزيز التعاون الأمني في حدود حماية المصالح الاقتصادية ودعم قدرات الدول الشريكة. وتعكس هذه المقاربة رؤية تعتبر أن معالجة الهشاشة الأمنية تقتضي الحد من الاختلالات التنموية التي تغذِّي النزاعات وعدم الاستقرار، وهو ما منح الوجود الصيني بُعدًا مختلفًا عن المقاربات العسكرية الصرفة.
وتكشف هذه التحولات أن النظام الأمني في الساحل لم يعد قائمًا على هيمنة فاعل خارجي واحد، كما كانت عليه الحال منذ التدخل العسكري الفرنسي في 2013، وإنما أصبح يقوم على تعدد الشركاء، وتداخل الأدوار، وتنافس نماذج مختلفة لإنتاج الأمن. ولم يعد النفوذ يقاس فقط بحجم الوجود العسكري بل بالقدرة على توفير التدريب، والتسليح، والتمويل، والدعم السياسي، والاستثمارات الاقتصادية؛ وهو ما أدَّى إلى إعادة توزيع مصادر القوة داخل الإقليم.
ومن ثم، فإن صعود الفاعلين الجدد لا يمكن تفسيره بوصفه مجرد انتقال للنفوذ من فرنسا إلى روسيا أو من الغرب إلى الشرق بل يعكس تحولًا أعمق في بنية النظام الأمني الإقليمي. فقد انتقل الساحل من نموذج ارتبط فيه الأمن بوجود شريك دولي مهيمن، إلى نموذج أكثر تعقيدًا، تتعدد فيه مراكز التأثير، وتتداخل فيه المصالح، وتتنافس فيه القوى المختلفة على تقديم تصورات متباينة لإدارة الأمن والاستقرار. وهذا التحول يمثل إحدى السمات الرئيسة للنظام الأمني الذي أخذ يتشكل في الساحل خلال السنوات الأخيرة.
3. ملامح النظام الأمني الجديد في الساحل: نحو نظام أمني متعدد المراكز
في ضوء ما سبق، يمكن القول: إن التحولات التي شهدتها منطقة الساحل منذ سنة 2011 تكشف أن المنطقة لم تعد خاضعة للمنطق الذي حكم النظام الأمني لغرب إفريقيا منذ نهاية الحرب الباردة، كما أنها لم تستقر بعد على أساس نظام أمني بديل يتمتع بقواعد مؤسساتية واضحة. فالأحداث التي أعقبت انهيار الدولة الليبية، وانتشار الجماعات المسلحة، والتدخل العسكري الفرنسي، ثم تراجع نفوذ "إيكواس"، في مقابل صعود تحالف دول الساحل، ودخول قوى دولية وإقليمية جديدة، كلها أحداث لا تمثل تطورات منفصلة بل تعبِّر في مجموعها عن مرحلة انتقالية تعاد خلالها صياغة قواعد جديدة للأمن الإقليمي، وإعادة توزيع مراكز القوة، وإعادة تعريف الفاعلين المنتجين للأمن داخل الإقليم.
ولعل التحولات الجارية في الساحل تكشف أن إعادة تشكيل النظام الأمني لا ترتبط بتبدل موازين النفوذ بين القوى الخارجية فقط، وإنما بتغير أنماط الحكامة والعلاقات والمؤسسات التي توظَّف في إنتاج الأمن. ومن ثم، يصعب اختزال ما يجري في مجرد انتقال للنفوذ من فرنسا إلى روسيا، أو في تراجع الدور الغربي لصالح قوى دولية أخرى؛ إذ يتمثل التحول الأعمق في تعدد الإستراتيجيات والتدخلات والفاعلين المنخرطين في إنتاج الأمن، وما أفرزه ذلك من إعادة تشكيل للعلاقات بين المستويات المحلية والوطنية والإقليمية والدولية(18). وفي هذا السياق، لم يعد فاعل إقليمي أو دولي واحد قادرًا على احتكار إدارة الأمن أو فرض قواعده بصورة منفردة على بقية الفاعلين.
وإذا كان النظام الأمني لغرب إفريقيا قبل سنة 2011 قد قام على ثلاثة مرتكزات رئيسة، هي: القيادة النيجيرية، والإطار المؤسسي المتمثل في "إيكواس"، والشراكة الأمنية مع القوى الغربية، فإن فاعلية هذه المرتكزات تعرضت جميعها للاهتزاز والضعف. إذ تراجعت قدرة نيجيريا على ممارسة دورها القيادي، وفقدت "إيكواس" جزءًا من قدراتها على إدارة الأزمات، بينما انتهى النموذج الفرنسي، الذي تأسس على إثر عمليتي "سيرفال" ثم "برخان"، وكان وراء استحداث مجموعة دول الساحل الخمس (G5)، إلى أزمة شرعية وضعف الفاعلية؛ مما أفضى إلى انسحاب تدريجي للقوات الفرنسية، وإعادة توزيع الشراكات الأمنية داخل الإقليم.
في المقابل، أخذت تتبلور بنية أمنية جديدة تتسم بخمس خصائص رئيسية على الأقل: أولها: تعدد مراكز إنتاج الأمن، بحيث لم يعد الأمن نتاجًا لمؤسسة إقليمية واحدة بل عبر شبكة من الدول والتحالفات والشركاء الدوليين. وثانيها: تنوع أنماط الشراكة الأمنية؛ حيث أصبحت الدول تجمع بين التعاون العسكري، والتعاون الاستخباراتي، والدعم التقني، والشراكات الاقتصادية مع أطراف متعددة، دون الارتباط بمحور إستراتيجي واحد. أما الخاصية الثالثة فتتمثل في صعود مفهوم السيادة الأمنية، الذي أصبح يشكِّل المرجعية الأساسية للسلطات الحاكمة في إعادة تعريف علاقاتها مع الشركاء الخارجيين، وفي تحديد أولوياتها الدفاعية. وتتمثل الخاصية الرابعة في تراجع الطابع المؤسسي للنظام الأمني، مقابل تنامي التحالفات المرنة والترتيبات الثنائية ومتعددة الأطراف التي تتشكل استجابة لاعتبارات أمنية وسياسية متغيرة. أما الخاصية الخامسة فتتمثل في اتساع التداخل بين الأمن والجغرافيا السياسية، بحيث أصبح التنافس على النفوذ والممرات الإستراتيجية والموارد الطبيعية، جزءًا من معادلة الأمن الإقليمي.
ومن هذا المنطلق، يبدو أن مفهوم المركب الأمني الإقليمي، على أهميته في تفسير بنية النظام الأمني قبل سنة 2011، لم يعد كافيًا وحده لتفسير الواقع الراهن في الساحل. فالنظرية تفترض وجود درجة مرتفعة من الترابط الأمني داخل إقليم محدد، مع قدر من الاستقرار في توزيع الأدوار بين الفاعلين، بينما تكشف الحالة الراهنة عن فضاء أمني يتسم بسيولة التحالفات، وتعدد مراكز القرار، والتداخل المستمر بين المستويات المحلية والإقليمية والدولية. ومن ثم، فإن تحليل هذه المرحلة يقتضي الانتقال من التركيز على مفهوم المركب الأمني إلى مفهوم النظام الأمني الإقليمي، بوصفه إطارًا يسمح بدراسة التفاعلات بين المؤسسات والتحالفات والقوى الخارجية والقواعد التي تحكم إنتاج الأمن داخل إقليم معين.
وانطلاقًا من ذلك، يمكن تفسير التحولات الجارية في الساحل بوصفها انتقالًا من نظام أمني إقليمي قائم على قيادة إقليمية واضحة ومؤسسات جماعية مستقرة، إلى نظام أمني متعدد المراكز، تتنافس داخله قوى إقليمية ودولية مختلفة على إنتاج ترتيبات أمنية جديدة، دون أن تنجح أي منها، حتى الآن، في بناء منظومة مستقرة أو فرض قواعد جامعة تحظى بقبول جميع الفاعلين. ولذلك، فإن المرحلة الراهنة لا تعبِّر عن استقرار نظام أمني جديد، بقدر ما تعكس مخاضًا لم يسفر بعد عن قواعد واضحة الأمن الإقليمي، مثلما لا تزال حدود النفوذ وأدوار الفاعلين موضوعًا للتفاوض وإعادة التشكيل بصورة مستمرة.
وبذلك، فإن فهم التحولات الأمنية في الساحل لا يقتضي التركيز على الإرهاب، أو الانقلابات العسكرية، أو التدخلات الخارجية بوصفها ظواهر منفصلة، وإنما يقتضي النظر إليها بوصفها مؤشرات على تحول بنيوي في النظام الأمني الإقليمي. وهذا التحول هو الذي يفسر، في الوقت نفسه، تراجع النظم الأمنية التقليدية، وصعود تحالفات جديدة، وتعدد الشركاء الأمنيين، واستمرار حالة عدم الاستقرار التي تميز المنطقة، رغم تعاقب المبادرات العسكرية والسياسية منذ أكثر منذ 2011.
خاتمة
نخلص في هذه الدراسة إلى أن التحولات التي شهدتها منطقة الساحل منذ سنة 2011 لا يمكن اختزالها في تصاعد النشاط الإرهابي، أو عودة الانقلابات العسكرية، أو توسع التدخلات الخارجية، رغم أهمية هذه العوامل في تفسير جانب من المشهد الأمني. فهذه الظواهر تمثل، في جوهرها، تجليات لتحول أعمق يعيد هيكلة بنية النظام الأمني الإقليمي، ويعيد توزيع مراكز القوة، ويغيِّر في طبيعة الفاعلين المنتجين للأمن داخل الإقليم.
وقد أظهر التحليل أن النظام الأمني الذي حكم غرب إفريقيا طوال العقود التي أعقبت نهاية الحرب الباردة، كان يقوم على توازن نسبي بين القيادة النيجيرية، والإطار المؤسسي الذي وفرته المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، والشراكات الأمنية مع القوى الغربية. وقد أتاح هذا البناء إدارة عدد من الأزمات الإقليمية، واحتواء النزاعات الداخلية، والمحافظة على درجة من التماسك داخل المجمع الأمني لغرب إفريقيا، بما جعل منطقة الساحل جزءًا من هذا المجال الأمني، وليست إقليمًا مستقلًّا عنه.
غير أن سقوط الدولة الليبية، سنة 2011، وما أعقبه من إعادة انتشار للسلاح، وانتشار الجماعات المسلحة، وتزايد التهديدات العابرة للحدود، قد أدَّى إلى إضعاف القواعد التي استند إليها هذا النظام. ومع انتقال مركز الثقل الأمني نحو الساحل، اتجهت فرنسا إلى تبني مقاربة جديدة تجاوزت التدخل العسكري المباشر إلى إنشاء ترتيبات أمنية إقليمية تمثلت في عمليتي "سيرفال" و"برخان"، ثم مجموعة دول الساحل الخمس (G5 Sahel)، غير أن هذه المقاربة، رغم ما حققته من مكاسب عملياتية، لم تنجح في بناء نظام أمني مستقر أو في الحد من التدهور الأمني الذي عرفته المنطقة.
بالمقابل، كشفت الدراسة أن تراجع القيادة النيجيرية، وتآكل فاعلية "إيكواس"، وانسحاب فرنسا، لم يؤدِّ إلى فراغ أمني بقدر ما فتح المجال أمام إعادة توزيع النفوذ بين فاعلين دوليين وإقليميين جدد، وإلى بروز ترتيبات أمنية بديلة، كان أبرزها تحالف دول الساحل. وقد عكس ذلك انتقالًا تدريجيًّا من نظام أمني يرتكز على مركز قيادة واضح، إلى نظام أكثر تعقيدًا، تتعدد فيه مراكز القوة، وتتداخل فيه الأدوار، وتتنافس داخله تصورات مختلفة لإنتاج الأمن وإدارة المجال الإقليمي.
وبناء على ذلك، تؤكد الدراسة الفرضية الرئيسة التي انطلقت منها، والذي تذهب إلى أن ما يعرفه الساحل منذ أكثر من عقد لا يمثل مجرد أزمة أمنية، وإنما يعكس تحولًا بنيويًّا في النظام الأمني الإقليمي. غير أن هذا التحول لا يعني أن المنطقة استقرت ضمن نظام أمني جديد بل إنها تعيش مرحلة انتقالية تتسم بإعادة تشكيل قواعد الأمن، وإعادة تعريف مصادر الشرعية، وإعادة توزيع النفوذ بين الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين، في ظل غياب إطار مؤسسي قادر على إنتاج توازنات مستقرة.
وعلى المستوى النظري، تقترح الدراسة أن حالة الساحل تكشف حدود الاكتفاء بمفهوم المركب الأمني الإقليمي في تفسير التحولات الجارية؛ إذ يفترض هذا المفهوم قدرًا من الاستقرار في بنية الإقليم وأنماط التفاعل بين وحداته، بينما تشير تجربة الساحل إلى أن الأقاليم الأمنية قد تمر بمراحل انتقالية تتفكك خلالها مراكز القيادة التقليدية، وتتعدد المؤسسات والتحالفات، وتزداد مستويات الاختراق الخارجي، بما يؤدي إلى إعادة بناء النظام الأمني على أسس جديدة. ومن ثم، فإن تحليل هذه التحولات يقتضي توسيع النقاش النظري من دراسة المجمعات الأمنية إلى دراسة تحولات النظم الأمنية الإقليمية، بما يسمح بفهم أفضل للتفاعلات التي تنشأ في المراحل الانتقالية، حين تتغير موازين القوة، وتتعدد الفواعل، وتصبح قواعد الأمن نفسها موضوعًا للصراع والتفاوض.
وتفتح هذه النتائج آفاقًا لبحوث لاحقة يمكن أن تتناول أثر تحالف دول الساحل في إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية لغرب إفريقيا، أو انعكاسات التنافس بين القوى الدولية على مستقبل الأمن الإقليمي، أو موقع المبادرات الإفريقية الجديدة، وفي مقدمتها المبادرة الأطلسية المغربية، في إعادة بناء النظام الأمني في الساحل. فهذه القضايا لا تمثل امتدادًا للأزمة الأمنية الراهنة فقط بل تشكل مؤشرات على مرحلة جديدة في تطور النظام الإقليمي بإفريقيا، لا تزال معالمها في طور التشكل.
1)- Barry Buzan & Ole Wæver. *Regions and Powers: The Structure of International Security*, Cambridge University Pres, 2003.
2)- Ibidem, p. 44.
3)- Ibidem, p. 45.
4)- Ibidem, p. 46.
5)- Ibidem, p. 53.
6) انظر التحليل نفسه عند بوزان ووايفر في المرجع السابق، صص 238-241.
7)- Adebajo, Adekeye. *Building Peace in West Africa: Liberia, Sierra Leone, and Guinea-Bissau*. Boulder, CO: Lynne Rienner Publishers, 2002, pp. 137-165.
8)- Adebajo., pp. 140-145.
9) انظر المواد من 25 إلى 52 من البرتوكول المتعلق بآلية منع النزاعات وإدارتها وحلها وحفظ السلام والأمن (1999).
10) انظر القسم الأول، المواد 1-2. والقسم الثامن، المواد 45-46 من البروتوكول الإضافي بشأن الديمقراطية والحكم الرشيد (2001).
11) إسماعيل حمودي، الانسحاب الفرنسي من مالي: تحولات ميزان القوى أم حسابات جديدة؟، مركز الجزيرة للدراسات، 7 مارس/آذار 2022 (تم التصفح في 15 أغسطس 2026)
https://studies.aljazeera.net/ar/article/5313
12)- Charbonneau, Bruno. Counter-insurgency Governance in the Sahel, *International Affairs, 97:6,* (2021), pp. 1805–1807.
13)- Adebajo, pp. 137–165.
14) عبيد إميجن، تحالف دول الساحل والحاجة إلى اعتماد الأفارقة على الذات، مركز دراسات الجزيرة، 31 يناير/كانون الثاني 2024، (تم التصفح في 14 أغسطس 2026)، https://studies.aljazeera.net/ar/article/5843
15) شادي إبراهيم، الدبلوماسية الروسية في الساحل: إستراتيجية جديدة في مواجهة مع التحديات الميدانية، مركز دراسات الجزيرة، 7 يوليو/تموز 2025، (تم التصفح في 10 أغسطس 2026)، http://studies.aljazeera.net/ar/article/6260https://studies.aljazeera.n…
16) المرجع نفسه.
17)- Donelli Federico & Alessandra Russo. *Unravelling Turkish Involvement in the Sahel*. Clingendael Institute, Policy Brief, July 2023.
18)- Charbonneau, Bruno. Op. Cit. pp. 1805–1808.ش