مقدمة
منذ عام 2015، تحوَّلت منطقة الساحل وغرب إفريقيا من هامش جغرافي في خريطة الإرهاب العالمي إلى بؤرتها المركزية. فبحسب مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2026، الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام، ظلت منطقة الساحل، للعام الثاني على التوالي، بؤرة الإرهاب الأولى عالميًّا؛ إذ وقع فيها أكثر من نصف ضحايا الإرهاب في العالم خلال عام 2024 وحده(1). وقد تفاقم هذا الواقع مع تعاظم قدرة تنظيمي "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" (JNIM)، الموالي لتنظيم القاعدة، و"تنظيم الدولة الإسلامية/ولاية الساحل" (ISSP)، الموالي لتنظيم الدولة الإسلامية، على استثمار الفراغات الأمنية والسياسية الناجمة عن الانقلابات العسكرية المتعاقبة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، بين 2020 و2023، وانسحاب القوات الغربية، لاسيما الفرنسية، من المنطقة(2).
غير أن الأخطر من التمدد الجغرافي لهذه التنظيمات هو التحول النوعي الذي طرأ على آليات تجنيدها واستقطابها للأفراد والمجتمعات. فالنماذج التفسيرية التقليدية التي سادت الأدبيات الغربية لعقدين، والقائمة على فرضية "التحول الأيديولوجي" الفردي كمسار وحيد نحو الانضمام إلى التنظيمات الجهادية، أثبتت عجزها المتكرر عن تفسير كيفية تجنيد عشرات الآلاف من الأفراد في سياق الساحل وغرب إفريقيا. فحتى الدراسات الصادرة عن مؤسسات دولية معنية مباشرة بمكافحة التطرف تقر اليوم بأنه "لا يوجد دليل يُذكر على أن الالتزام الأيديولوجي هو المحرك الأساسي للتجنيد؛ بل إن الضرورة الاقتصادية والهواجس الأمنية هما العاملان الأكثر تأثيرًا"(3).
بناء على ذلك، تُطرح تساؤلات حول: أولًا: طبيعة التحول الذي طرأ على أنماط التجنيد والاستقطاب داخل التنظيمات المسلحة في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، وثانيًا: الآليات التي حلَّت محل نموذج "التحول الأيديولوجي" الكلاسيكي في تفسير هذا التمدد غير المسبوق، وثالثًا: تداعيات هذا التحول على مستقبل انتشار هذه الجماعات جنوبًا نحو دول الساحل الغربي الساحلية (بنين وتوغو وغانا وكوت ديفوار)، وعلى الأمن الإقليمي والقاري، بل وعلى الأمن الدولي، في ظل تصاعد الروابط بين هذه التنظيمات وشبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود؟
أولًا: حدود النماذج التفسيرية التقليدية للتجنيد والاستقطاب
أ) نموذج "التحول الأيديولوجي" ومحدودية إسقاطه إقليميًّا
يفترض النموذج الغربي السائد لتفسير التجنيد الإرهابي أن الفرد يمر بمسار معرفي متدرج -من التعرض للأفكار المتطرفة، إلى تبني مظالم أيديولوجية، إلى الالتزام التنظيمي الكامل- قبل الانضمام إلى التنظيم(4). وقد طُوِّر هذا النموذج أساسًا من دراسة المقاتلين الغربيين الذين انضموا إلى تنظيم الدولة الإسلامية، وهي شريحة سكانية حضرية متعلمة تختلف جوهريًّا عن الشريحة الريفية الأمية، غالبًا، التي تُشكِّل الخزان البشري الأساسي لتنظيمات الساحل وغرب إفريقيا.
وتؤكد بيانات تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تحت عنوان "رحلة إلى التطرف في إفريقيا (2023)" Journey to Extremism in Africa (2023)، هذا التباين بوضوح: من بين ما يقارب 2200 مستجوَب في ثماني دول إفريقية جنوب الصحراء، أفاد 17% فقط بأن الأيديولوجيا الدينية كانت أحد أسباب انضمامهم، في حين أفاد ما يقارب 71% ممن حددوا حادثًا محددًا كنقطة تحول بأن انتهاكات القوات الأمنية، مثل قتل أحد أفراد العائلة أو الأصدقاء -لا الانجذاب الأيديولوجي- هي ما دفعهم نحو الانضمام(5). وهذا ما يؤكده أيضًا تقرير مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2026، حين يخلص إلى أن "الظروف البنيوية القائمة في الساحل لا تزال تدعم توسع الجماعات المسلحة؛ فقد عجزت الحكومات عن توفير الخدمات الأساسية أو الفرص الاقتصادية... وبالنسبة لكثير من الأفراد، يوفر الانضمام إلى جماعة جهادية دخلًا وحماية في آن واحد"(6).
ب) من التطرف الفردي إلى الصراع الجماعي
يُقدِّم تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الصادر عام 2022 بعنوان: "ديناميات التطرف العنيف في إفريقيا" Dynamics of Violent Extremism in Africa، إطارًا تحليليًّا بديلًا يتجاوز مستوى الفرد إلى مستوى "النظام الإيكولوجي للنزاع" (conflict ecosystem)؛ حيث تتنافس التنظيمات المسلحة المحلية مع الدولة ومع النخب التقليدية على الشرعية والموارد، ضمن ما يسميه التقرير "مسارات الافتراس" (pathways of predation)؛ وهي علاقة مثلثة بين أصحاب النفوذ الذين يعتمدون على شبكات المحسوبية، والمجتمعات التي يتحكمون بها، والجماعات المسلحة العاملة داخل هذه المجتمعات(7).
ويخلص التقرير إلى أن التنظيمات المسلحة المحلية الأكثر رسوخًا -وعلى رأسها فروع تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية في الساحل- قد بدأت تتحول تدريجيًّا من نمط "الرجل القوي" (Big Man)، القائم على الولاء الشخصي لقائد بعينه، إلى نمط "الفكرة الكبرى" (Big Idea)، القائم على تماسك أيديولوجي أعمق يقترن ببناء هياكل شبه دولتية توفر الأمن والعدالة والضرائب، فيما يصفه التقرير بـ"الدولة الوسيطة التنافسية" (competitive mediated state) و"الدولة الجنينية" (proto-state)(8).
وهذا التحول البنيوي هو ما يفسر انتقال محور تحليل التهديد، بحسب التقرير ذاته، من مسألة "تطرف الأفراد" إلى مسألة "منافسة الدولة" على الولاء المجتمعي.
ثانيًا: الآليات البديلة للتجنيد والاستقطاب
يمكن استنتاج خمسة أنماط أو آليات تجنيد أو استقطاب جديدة، متمايزة تحليليًّا، تعمل مجتمعة على تفسير الحجم غير المسبوق لتجنيد الآلاف من الأفراد في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، دون أن يشكِّل أي منها بمفرده تفسيرًا كافيًا.
أ) الآلية الأولى: توظيف النزاعات الأهلية بين المزارعين والرعاة
تُعد النزاعات المتصاعدة بين المجتمعات الزراعية المستقرة والمجتمعات الرعوية المتنقلة -لاسيما جماعة الفولاني (البول) (Peul)- أخصب تربة للتجنيد في وسط الساحل. وتستثمر الجماعات الجهادية هذه النزاعات عبر تقديم "حماية" للمجتمعات المستضعفة من الطرفين معًا، بما يجعل الانضمام إليها قرارًا أمنيًّا عقلانيًّا أكثر منه التزامًا عقديًّا(9). هذا بالإضافة إلى أن التركيبة الإثنية والدينية المشتركة في الساحل -لاسيما انتشار لغتي الهوسا والفولفلدة (Fulfulde) عبر نيجيريا والنيجر والكاميرون والسنغال ومالي وغانا- قد سهَّلت على هذه التنظيمات تجاوز الحدود الوطنية في تعبئتها المجتمعية(10).
وللبعد المناخي والبيئي دور مباشر في تأجيج هذه النزاعات، وليس مجرد خلفية بعيدة لها؛ إذ يوضح تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن كثيرًا من النزاعات "تندلع حول حقوق الأرض، المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بإدارة المياه"، وأنها "تتفاقم حين تُنظر سياسة إدارة الأراضي على أنها تحابي مجموعة هوياتية على حساب أخرى" كأن تُفضَّل المجتمعات الزراعية المستقرة (ذات الغالبية المسيحية غالبًا) على حساب الرعاة (ذوي الغالبية المسلمة)(11). وقد لخص الأمين العام للأمم المتحدة هذه الدينامية بقوله: إن "الاضطراب المناخي مضخِّم للأزمات ومُسرِّع لها"، فيما يخلص التقرير ذاته إلى أن "حرمان سبل العيش الناجم عن التصحر والتدهور البيئي يصب في مصلحة الجماعات المتطرفة في مناطق تعاني أصلًا من التهميش البنيوي"(12).
ويتجلى الأثر التراكمي لهذه الآلية بأوضح صوره في العنف الدوغوني-الفولاني بإقليم موبتي، بوسط مالي، وتحديدًا مجزرة أوغوساغو، في مارس/آذار 2019؛ حيث جنَّدت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين من صفوف المجتمعات الفولانية المتضررة من هجمات المزارعين، مع توفيرها، في الوقت ذاته، بنية أمنية وتنظيمية عجزت الدولة المالية عن توفيرها(13). كما أسهمت ميليشيات "المتطوعون للدفاع عن الوطن" (VDP)، التي أنشأتها حكومة بوركينا فاسو، عام 2020، كقوات مساعدة، في تفاقم هذه الدينامية بدلًا من احتوائها؛ إذ توثق دراسات متخصصة أنها "كثيرًا ما فاقمت الوضع الأمني باستهداف الرعاة، مثل الفولاني (البول)، مستغلة صلاحياتها الجديدة لتحقيق مكاسب اقتصادية أو تأجيج التوترات بين المجتمعات"، بما دفع مزيدًا من الفولاني نحو أحضان الجماعات المسلحة بحثًا عن حماية بديلة(14).
ب) الآلية الثانية: الحماية من تغوُّل السلطة الأمنية
تُظهر معطيات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن انتهاكات قوات الأمن الحكومية تمثل المحرك الأقوى تجريبيًّا للانضمام إلى الجماعات المسلحة؛ إذ أفاد نحو 71% ممن مرُّوا بحادث محدد شكَّل نقطة تحول بأنه كان انتهاكًا من قوات الأمن(15). وهذا النمط يتكرر في مالي؛ حيث إن "النخب التقليدية رفيعة المستوى في شمال مالي أصبحت مندمجة في هياكل الحوكمة المسلحة"، إما بصفتها مؤسِّسة لجماعات مسلحة غير حكومية أو حليفة لها، في ظل تراجع سلطة الزعامات التقليدية وعجزها عن أداء وظائفها الحمائية التقليدية(16).
ويندرج هذا النمط ضمن إطار تحليلي أوسع يقترحه تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بعنوان "مسارات الافتراس"، والذي يفسر كيف يتحول أصحاب النفوذ المحليون -عبر علاقتهم الزبائنية بأصحاب السلطة- إلى شركاء موضوعيين للجماعات المسلحة في إدامة انعدام الاستقرار، ولو تنافسوا معها ظاهريًّا على النفوذ(17). وليست قوات الجيش النظامي وحدها مصدر هذا التغول؛ فقد وثَّقت دراسة استندت إلى بيانات مشروع بيانات مواقع وأحداث الصراعات المسلحة (ACLED) أن تحالفًا مخصصًا من ميليشيات إثنية محلية في الشريط الحدودي بين إقليمي تيلابيري وتاهوا بالنيجر وإقليم ميناكا بمالي "أفضى إلى آثار سلبية؛ إذ اتخذ العنف طابعًا بين-مجتمعيٍّ وبين-إثنيٍّ متزايدًا، وخرجت العمليات في نهاية المطاف عن السيطرة"، وهو ما استثمرته جماعات موالية لتنظيم الدولة الإسلامية في الساحل لتقديم نفسها بديلًا حمائيًّا(18). وهذا يعني أن آلية "الحماية من تغول السلطة" لا تقتصر على الجيوش النظامية، بل تشمل كذلك القوات المساعدة وجماعات الدفاع الذاتي التي كثيرًا ما تتحول هي نفسها إلى مصدر تظلم يغذِّي التجنيد، بدلًا من أن تكون أداة لاحتوائه.
ج) الآلية الثالثة: الإدماج والإكراه الاقتصادي المنظم
يتجاوز البُعد الاقتصادي للتجنيد اليوم النمط التقليدي المتمثل في فرض "الضرائب" على مواقع التعدين الحرفي للذهب في شرق بوركينا فاسو وشمال مالي، والذي وثقته مصادر عدة، بما فيها معهد الدراسات الأمنية الإفريقي (ISS Africa) والمبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود (GI-TOC)(19). فمنذ أواخر عام 2025، انتقلت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين إلى توظيف الاقتصاد سلاحًا مباشرًا، عبر فرض حصار وقود واسع على العاصمة المالية، باماكو، وعدة مدن أخرى، شمل مهاجمة أكثر من مئة صهريج نفط واختطاف سائقيها، فيما وُصف بأنه إستراتيجية "حرب اقتصادية" ترمي إلى "إثبات عجز الحكومة المالية عن إعالة مواطنيها أو حمايتهم"(20). وقد دفع هذا الحصار المتواصل حكومات فرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة إلى حثِّ رعاياها على مغادرة مالي فورًا، بينما نفت الحكومة المالية أن يكون سقوط باماكو بيد الجماعة أمرًا وشيكًا(21). هذا التطور يُظهر أن الإدماج الاقتصادي لم يعد مجرد آلية لتمويل التنظيم وتجنيد أفراد جدد، بل أداة ضغط إستراتيجي مباشر على الدولة ذاتها.
وتتجاوز البنية الاقتصادية لهذه التنظيمات مصدرًا وحيدًا للتمويل نحو محفظة متنوعة من الإيرادات؛ إذ تُقدَر عائدات جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وحدها بما بين 18 و35 مليون دولار سنويا، تتوزع بين إتاوات على طرق العبور الخاضعة لسيطرتها، ومجتمعات منخرطة في التعدين الحرفي، وبقدر أقل، عمليات الاختطاف مقابل فدية(22). وتضيف مصادر أن أحدث مصدرَي دخل رئيسيين آخرين هما سرقة المواشي وغسل الأموال، بما يجعل التنظيم أقرب إلى "اقتصاد حرب" متكامل منه إلى جماعة متطرفة تقليدية تعتمد على التبرعات أو التمويل الخارجي(23). وما يميز هذا الإدماج الاقتصادي عن الاقتصادات الإجرامية العادية هو طابعه "شديد المحلية" (hyperlocal)، بحسب توصيف تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لحالة كتيبة ماسينا تحديدًا: فالتنظيم لا يكتفي بفرض الإتاوات، بل ينظِّم النزاعات بين ملاك المناجم، ويحدد أسعارًا "أكثر انخفاضًا وقابلية للتنبؤ" من الابتزاز غير الرسمي الذي كانت تمارسه فصائل مسلحة متعددة ومتنافسة قبل سيطرته، وهو ما يمنحه نوعًا من الشرعية الاقتصادية المحلية تُغري بالانضمام إليه كخيار معيشي عقلاني، لا كالتزام عقدي(24).
د) الآلية الرابعة: التعبئة القرابية والمجتمعية
يظل بُعد القرابة، لاسيما ضمن جماعة الفولاني، الأكثر توثيقًا في أدبيات التجنيد الجماعي. فالانضمام إلى "كتيبة ماسينا"، بقيادة أمادو كوفا في وسط مالي، أو إلى "أنصار الإسلام" في بوركينا فاسو، لا يتم غالبًا على المستوى الفردي بل على مستوى الجماعة القرابية بأكملها، بفعل الضغط الاجتماعي وسلطة الشيوخ ورجال الدين المنتسبين للتنظيم أو المتعاطفين معه(25). وتلاحظ دراسة معهد مكافحة الإرهاب الدولي (ICT) أن انضمام مكونات فولانية إلى "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" لعب دورًا محوريًّا في توسيع قاعدتها الاجتماعية، نظرًا لكون الفولاني من أكبر المجموعات الإثنية الرعوية في إفريقيا (يقارب عددها 40 مليون نسمة)، والأكثر تهميشًا تاريخيًّا في مجتمعات الساحل الزراعية المستقرة(26).
غير أن التعبئة القرابية داخل تحالف جماعة نصرة الإسلام والمسلمين ليست متجانسة، بل تكشف عن مسارين متمايزين يعكسان ازدواجية بنية التنظيم ذاته: فبينما يعكس مكوِّن "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" (AQIM) نمطًا "من أعلى إلى أسفل"، تقوده نخبة سياسية/دينية تتموضع ضمن صراع نخبوي متغير، مع استثمار واضح من قادة مثل إياد أغ غالي في اكتساب عمق وشرعية دينية؛ فإن "كتيبة ماسينا" تعتمد، على العكس تمامًا، نمطًا "من أسفل إلى أعلى"؛ إذ تستثمر غضب عامة الفولاني (بخلاف نخبتهم) من تواطؤ هذه النخبة المفترض مع تجاوزات الدولة، لتبني حركة تعبئة شعبية القاعدة(27). وهذا التمايز بين النمطين -النخبوي والشعبي- داخل تحالف واحد يمنح التنظيم قدرة مضاعفة على مخاطبة جمهورين مختلفين بعروض متناقضة ظاهريًّا، وهو ما يفسر جزئيًّا اتساع قاعدته الاجتماعية مقارنة بجماعات أحادية النمط، كحركة الشباب الصومالية ذات الخطاب القومي الموحد(28). كما يرتبط هذا العمق القرابي عضويًّا بالتحول البنيوي من نمط "الرجل القوي" إلى نمط "الفكرة الكبرى" المشار إليه آنفًا: فكلما ازداد اعتماد فرع تنظيمي على شبكة قرابية متجذرة محليًّا، تعززت قدرته على الصمود أمام مقتل أو اعتقال قادته الميدانيين؛ لأن الولاء عندئذٍ يُبنى على المجتمع لا على الفرد(29).
هـ) الآلية الخامسة: التطرف داخل مراكز الاحتجاز
توفر أنظمة الاحتجاز غير المؤهلة في دول الساحل، المكتظة، غير المفصولة بين المعتقلين التنظيميين وغيرهم، الخالية من برامج إعادة التأهيل، توفر بيئة خصبة لتعميق الانتماء التنظيمي. وقد قدَّم انهيار السيطرة على مخيمات الاحتجاز في شمال شرق سوريا مطلع عام 2026 -حيث فَرَّ أو فُقِد أثر أكثر من 20 ألف شخص من مخيم الهول عقب انسحاب القوات الكردية- أوضحَ مثالٍ حديث على الخطر البنيوي الذي تمثله مجتمعات الاحتجاز غير المؤمَّنة على نطاق واسع(30). ورغم أن هذه الواقعة ليست حالة ساحلية، فإنها توضح المخاطر البنيوية ذاتها القائمة في مرافق الاحتجاز بمالي وبوركينا فاسو والنيجر؛ حيث تؤدي الاعتقالات الجماعية، في سياق العمليات المضادة للإرهاب، إلى تحويل مرافق الاحتجاز إلى حاضنات تجنيد فعلية.
وثمة فارق جوهري بين نمط التطرف داخل السجون الأوروبية ونظيره الساحلي يستحق التوقف عنده: ففي المنظومات الأوروبية، يحدث التطرف عبر نشاط شبكي منظم داخل سجون تملك أصلًا برامج تأهيل ورعاية دينية وبنية رصد يخترقها التطرف؛ أما في المنظومات الساحلية، فإن الانتماء التنظيمي والتطرف ينشآن من واقع اجتماعي بسيط، هو أن أعضاء التنظيم يشكِّلون نسبة معتبرة من نزلاء المرفق، ويوفرون بذلك البنية الاجتماعية والحماية والمعنى التي تتطلبها بيئة الاحتجاز، في غياب أي بديل مؤسسي. ويُفاقم من هذا الخطر طول فترات الحبس الاحتياطي دون محاكمة، حيث تتحول الاعتقالات الجماعية الناتجة عن عمليات مكافحة الإرهاب -دون قدرة استيعابية كافية للفصل بين المعتقلين- إلى ما يشبه خطَّ إنتاج تنظيميًّا داخل المنشأة الاحتجازية ذاتها، بدلًا من كونها أداة لإضعاف التنظيم.
ثالثًا: توظيف الآليات الخمس لدى التنظيمات المسلحة
أ) جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM): الهيمنة عبر الحوكمة البديلة
توظِّف الجماعة، التي تأسست في مارس/آذار 2017 من اندماج "أنصار الدين" و"المرابطون" و"جبهة تحرير ماسينا" وفرع الصحراء لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، تحت قيادة إياد أغ غالي، الآليات الخمس مجتمعة، مع رجحان واضح لآليتَي الحماية من تغول السلطة والتعبئة القرابية(31). وقد بلغ عديد مقاتليها في عام 2025 نحو 6000 مقاتل، لتصبح أكبر قوة مسلحة في الساحل، مع تسجيل أكثر من 280 هجومًا في بوركينا فاسو وحدها خلال النصف الأول من عام 2025(32). وبحسب مؤشر الإرهاب العالمي 2026، تسببت الجماعة في مقتل 1274 شخصًا، عام 2025، عبر أربع دول (بنين وبوركينا فاسو ومالي والنيجر)، لتصبح ثاني أخطر تنظيم مسلح في العالم من حيث عدد الضحايا، بعد تنظيم الدولة الإسلامية(33).
وتعكس رقعة السيطرة الميدانية للجماعة عمق هذا الاستثمار في الآليات الخمس مجتمعة: فبحلول عام 2025، كانت تنشط أو تسيطر على 11 من أصل 13 إقليمًا إداريًّا في بوركينا فاسو خارج العاصمة، واغادوغو، مع تسجيل 512 إصابة موثقة نتيجة عنفها في البلاد بين يناير/كانون الثاني وأبريل/نيسان من العام ذاته وحده(34). وتمثل مدينة جيبو، الواقعة شمال بوركينا فاسو، نموذجًا مصغرًا لتضافر الآليات الخمس: فمنذ عام 2022، تفرض الجماعة عليها حصارًا شبه دائم يضطر السلطات لإمداد سكانها جوًّا، بلغ ذروته في هجوم مايو/أيار 2025، حين اجتاحت قاعدة عسكرية في المدينة وقتلت نحو 200 جندي، في مزيج من الحصار الاقتصادي (الآلية الثالثة) والتموضع كبديل حمائي أمام عجز الدولة (الآلية الثانية)(35).
ب) تنظيم الدولة الإسلامية-ولاية غرب إفريقيا وحوض بحيرة تشاد
انشق هذا التنظيم عن جماعة بوكو حرام، في أغسطس/آب 2016، إثر خلاف داخلي حول العنف العشوائي ضد المدنيين المسلمين الذي انتهجه أبو بكر شيكاو، حين أزاحت قيادة تنظيم الدولة المركزية شيكاو ونصبت أبا مصعب البرناوي واليًا، فيما احتفظ أنصار شيكاو الموالون باسم بوكو حرام (جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد)(36). ويعتمد التنظيم اليوم اقتصادًا ضريبيًّا متطورًا على الصيادين والمزارعين والرعاة في حوض بحيرة تشاد؛ إذ وثَّق تحقيق صحفي أن جمعية الصيادين الخاضعة لسيطرته تضم نحو 15 ألف صياد مسجل يدفعون ضريبة عن كل صندوق سمك، بما يقدَّر بأكثر من 100 مليون دولار سنويًّا من العائدات الضريبية على الزراعة والصيد والثروة الحيوانية مجتمعة، وهو مبلغ يفوق بأضعاف ما تجبيه حكومة ولاية بورنو النيجيرية من الإقليم ذاته(37). وشهد شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2025 اندلاع اشتباكات عنيفة بين بوكو حرام وتنظيم ولاية غرب إفريقيا في قرية دوغون شيكو، المطلة على بحيرة تشاد، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 200 عنصر، معظمهم من مقاتلي ولاية غرب إفريقيا، في أحدث فصول التنافس على الهيمنة داخل حوض البحيرة(38).
وتعكس البيانات الميدانية اتساع نطاق عمليات التنظيم مقارنة ببقية فروع تنظيم الدولة عالميًّا؛ إذ نفَّذ، وفق تقديرات متخصصة، هجمات أكثر من أي ولاية أخرى تابعة للتنظيم بين يوليو/تموز 2024 ويونيو/حزيران 2025(39)، فيما أسفرت عملية "هادن كاي" العسكرية النيجيرية عن مقتل 438 عنصرًا من بوكو حرام وتنظيم ولاية غرب إفريقيا خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2025 وحدها، دون أن يوقف ذلك زخم توسعه(40). ولا يقتصر النظام الضريبي للتنظيم على الجباية السلمية بل يقترن بعقوبات جسدية صارمة على المخالفين؛ إذ توثق شهادات ميدانية أن دخول أحد الصيادين مياهًا خاضعة لسيطرة التنظيم دون إثبات سداد الضريبة "قد يعني الموت جَلْدًا"، بينما يؤدي رفض تاجر السمك الدفع إلى مصادرة شحنته أو حياته أو اختطافه، وهو ما يكشف أن "الحوكمة البديلة" التي يقدمها التنظيم قسرية بقدر ما هي خدماتية(41).
ج) تنظيم الدولة الإسلامية-ولاية الساحل (ISSP) والتنافس مع تنظيم القاعدة
شهد هذا الفرع نموًّا هائلًا بلغ ما بين أربعة وستة أضعاف خلال سبع سنوات: من نحو 425 مقاتلًا في نهاية 2018 إلى ما بين 2000 و3000 مقاتل بحلول منتصف 2025، وفق تقديرات معهد مكافحة الإرهاب الدولي(42). ويخوض التنظيم مواجهة متقطعة مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين على النفوذ في منطقة ليبتاكو-غورما الحدودية الثلاثية (مالي وبوركينا فاسو والنيجر)؛ إذ تمكن من طرد الجماعة من إقليم ميناكا المالي، أواخر 2023، فيما تتفوق جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في مالي وبوركينا فاسو، ويهيمن تنظيم ولاية الساحل نسبيًّا على النيجر(43). ويُعزى هذا التنافس، بحسب التحليلات المتخصصة، إلى تباين إستراتيجي أكثر منه عقديًّا: يتبنى تنظيم القاعدة مقاربة محلية تدريجية تراعي الحساسيات الإثنية، بينما ينتهج تنظيم الدولة مقاربة عالمية أكثر تشددًا تجاه من يعدهم "كفارًا"، بمن فيهم المسيحيون والمسلمون غير الملتزمين بتفسيره المتشدد للشريعة(44). وقد أفرزت هذه الدينامية أيضًا ظهور جماعات هجينة جديدة، أبرزها "لاكوراوا" في شمال غرب نيجيريا، التي تعود جذورها إلى رعاة ماليين قاتلوا ضمن تحالف "سيليكا" في جمهورية إفريقيا الوسطى قبل أن يستقروا في نيجيريا، والتي صنَّفتها الحكومة النيجيرية رسميًّا تنظيمًا مسلحًا في يناير/كانون الثاني 2025(45).
وقد اتسع نطاق عمليات التنظيم ليشمل استهداف رموز السيادة الوطنية ذاتها؛ إذ نفذ، مطلع عام 2026، هجومًا على المطار الدولي الذي يخدم العاصمة النيجرية، نيامي، في مؤشر إضافي على قدرته على تحدي سلطة الحكومات العسكرية الثلاث في بوركينا فاسو ومالي والنيجر مجتمعة(46). وتُظهر حالة "لاكوراوا" -التي قُدِّر عددها بنحو 2000 عنصر بحلول مطلع 2026- كيف تتقاطع الآليات الخمس عمليًّا على الأرض: فالجماعة نشأت أصلًا بوصفها ميليشيا دفاع ذاتي استقدمها زعماء محليون لمواجهة عصابات "قطاع الطرق" (بما يتقاطع مع آلية الحماية من تغوُّل الأمن)، قبل أن تتحول تدريجيًّا إلى جهة انتزاع اقتصادي مسلح تفرض الزكاة قسرًا وتراكم اقتصادًا موازيًا (آلية الإدماج الاقتصادي)، وهو ما جعلها هدفًا لضربات أميركية، في 25 ديسمبر/كانون الأول 2025، قُدِّر أنها أوقعت نحو 136 قتيلًا في صفوفها(47).
رابعًا: تصاعد مخاطر تمدد الإرهاب نحو السواحل
إن التمدد التدريجي جنوبًا لعمليات التجنيد الجهادي من منطقة الساحل نحو غرب إفريقيا الساحلي، بوصفه التطور الجغرافي الأكثر أهمية تحليليًّا في مشهد الإرهاب بغرب إفريقيا منذ عام 2022، لا يمكن تفسيره من خلال نموذج التحول الأيديولوجي، الذي يفترض أن الانتشار يتبع أنماط التعرض للمحتوى عبر الإنترنت.
فقد بلغ القلق الدولي إزاء هذا التمدد الساحلي ذروته في 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، حين حذَّر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أمام مجلس الأمن الدولي من أن "الجماعات الراسخة توسع نطاقها... وثمة دول ساحلية عديدة مهدَّدة. إننا نواجه خطر تأثير الدومينو الكارثي عبر المنطقة بأكملها"(48). وقد ربط غوتيريش هذا الخطر مباشرة بانهيار العقد الاجتماعي، محذرًا من أنه "حيثما تفشل الحوكمة، وتتعثر التنمية، وتنهار الخدمات العامة، وتُنتهك حقوق الإنسان، وتُهمَّش المجتمعات، ويفقد المواطنون الثقة بمؤسساتهم، يجد المسلحون سبلًا لاستغلال مظالم الناس"(49).
وتؤكد البيانات الكمية هذا التحذير: فقد تضاعف عدد القتلى في بنين ليبلغ 173 قتيلًا خلال عام واحد، بينما سجلت توغو 69 قتيلًا في الفترة ذاتها، وارتفع عدد الأحداث العنيفة المرتبطة بالجماعات المسلحة ضمن نطاق خمسين كيلومترًا من حدود دول الساحل الساحلية بأكثر من 250% خلال عامين، متجاوزًا 450 حادثًا(50). وفي يناير/كانون الثاني 2025، أسفر هجوم تبنَّته جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في شمال بنين، قرب الحدود مع بوركينا فاسو والنيجر، عن مقتل 28 جنديًّا بنينيًّا، فيما سجلت توغو عشر هجمات أسفرت عن 52 قتيلًا خلال عام 2024 وحده، تبنَّت الجماعة أربعًا منها التي أوقعت 41 قتيلًا -بزيادة عن 12 قتيلًا في 2023-(51). كما أعلنت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تنفيذ أول هجوم لها داخل الأراضي النيجيرية، في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وهو تطور دفع الولايات المتحدة إلى تنفيذ ضربات جوية استهدفت جماعات مسلحة في نيجيريا يوم عيد الميلاد، وصفها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بأنها "ضربة قوية وقاتلة ضد أوغاد تنظيم داعش الإرهابي"(52).
ووفق التقديرات، بلغ عدد القتلى جرَّاء العنف المرتبط بالإرهاب في القارة الإفريقية، عام 2025، نحو 23.968 قتيلًا، بزيادة 24% عن العام السابق، منها 9826 قتيلًا في الساحل وحده (تشكِّل بوركينا فاسو نصف هذا العدد تقريبًا)، بينما سجَّل حوض بحيرة تشاد ارتفاعًا بنسبة 28% في عدد الضحايا مقارنة بالعام السابق، نتيجة تصاعد هجمات بوكو حرام وتنظيم الدولة. وقد فسر مديرُ مركز غرب إفريقيا لمكافحة التطرف في أكرا هذا التصاعد بالقول: إن "ما يقود الإرهاب في هذه المنطقة هو البطالة بين الشباب وفشل الحوكمة في استيعابهم على نطاق واسع"(53).
وقد استجابت دول المنطقة الساحلية بإنشاء "مبادرة أكرا"، عام 2017، التي تضم بنين وبوركينا فاسو وكوت ديفوار وغانا وتوغو، وانضمت إليها مالي والنيجر، عام 2020، فيما تحتفظ نيجيريا بصفة مراقب، منذ أبريل/نيسان 2022، بهدف مواجهة انتشار التطرف العنيف ومنع الهجمات المسلحة والتصدي للجريمة المنظمة العابرة للحدود(54). بيد أن فاعلية هذه المبادرة تظل محدودة أمام حجم التحدي، لاسيما في ظل انسحاب دول تحالف دول الساحل (بوركينا فاسو ومالي والنيجر) من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، عام 2025، وتراجع آليات التنسيق الأمني الإقليمي التي كانت قائمة سابقًا ضمن مجموعة الساحل الخماسية وبعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي (مينوسما)(55).
ويتسم هذا التمدد بثلاث خصائص تحليلية رئيسية:
أولًا: الانتقائية المجتمعية: حيث يتركز داخل المجتمعات ذات الأصول الإثنية الساحلية-الصحراوية، والتي تعتمد على الاقتصاد الرعوي أو الزراعي-الرعوي، بدلًا من الانتشار بشكل متجانس عبر مجمل سكان غرب إفريقيا الساحلي.
ثانيًا: اتباع فجوات الحوكمة القائمة مسبقًا: فالمناطق الشمالية المحددة في دول غرب إفريقيا الساحلي التي سُجِّلت فيها عمليات تجنيد جهادي هي نفسها المناطق التي تعاني من أضعف مستويات تقديم الخدمات الحكومية، وأعلى درجات حدة صراعات المزارعين والرعاة، وكذلك أعلى معدلات الشكاوى المدنية المرتبطة بعمليات قوات الأمن.
ثالثًا: التسارع بفعل فرط الاستجابة في مكافحة الإرهاب (CT over-response): إذ إن ردود فعل قوات الأمن في دول غرب إفريقيا الساحلي تجاه الوجود الجهادي الأولي -مثل الاعتقالات الجماعية، وحرق القرى، والعقاب الجماعي للمجتمعات المشتبه بتعاطفها- تولِّد نفس دينامية "التجنيد القائم على الحماية من الحوكمة" التي أسهمت في نمو تنظيمي جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وتنظيم الدولة في منطقة الساحل.
ويحمل نمط الانتشار الساحلي دلالة محددة فيما يتعلق بمكافحة التجنيد؛ إذ إن نافذة معالجة آليات التجنيد الخمس في غرب إفريقيا الساحلي أضيق مقارنة بمنطقة الساحل؛ حيث بلغ ترسخ التنظيمات عمقًا يمتد لعقود. فأنماط فجوات الحوكمة، والصراعات المجتمعية، وسلوك قوات الأمن التي تغذِّي هذه الآليات الخمس موجودة بالفعل في المناطق الشمالية الساحلية، لكنها لم تصل بعد إلى درجة الترسخ المؤسسي العميق كما في الساحل.
وعليه، فإن الاستثمار الوقائي في هذه المرحلة -لاسيما في مجالات تعزيز الحوكمة، وحل النزاعات بين المجتمعات، وإصلاح سلوك قوات الأمن- من شأنه معالجة هذه الآليات قبل أن يبلغ ترسخ التنظيمات مستوى يجعلها غير قابلة للعكس. ولو تم تنفيذ نفس هذه الاستثمارات في منطقة الساحل خلال الفترة 2012–2015، لكان من الممكن منع النمو التنظيمي الذي جعل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين اليوم ثاني أكثر التنظيمات المسلحة فتكًا في العالم.
خاتمة
تكشف هذه الورقة أن أزمة التجنيد في الساحل وغرب إفريقيا ليست، في جوهرها، أزمة أفكار متطرفة بقدر ما هي أزمة دولة وشرعية وحماية. فقد تحولت التنظيمات المسلحة من جماعات تستقطب الأفراد بالعقيدة إلى سلطات موازية تستثمر النزاعات المحلية، والانتهاكات الأمنية، والحرمان الاقتصادي، والروابط القرابية، وهشاشة السجون، لتنافس الدولة على السكان والموارد والولاء. ومن ثم فإن قصور خطاب "مواجهة التطرف" يعود إلى استهدافه المقولات الأيديولوجية، بينما تظل البيئات المنتجة للتجنيد قائمة.
ويجعل التمدد نحو دول خليج غينيا هذه الخلاصة أكثر إلحاحًا؛ لأن ما ينتقل جنوبًا ليس العنف وحده بل نموذجًا كاملًا لبناء النفوذ داخل فجوات الحوكمة. ولا تزال أمام الدول الساحلية نافذة وقائية، لكنها تضيق كلما تحولت المظالم المحلية إلى شبكات حماية واقتصاد وولاء عابرة للحدود. لذلك لن يُحسَم الصراع بزيادة القوة العسكرية وحدها، بل باستعادة الدولة لوظائفها وعدالتها وثقة مجتمعاتها؛ فحيث تعجز الدولة عن حماية الناس، تجد التنظيمات في حاجتهم إلى الحماية أقصر الطرق إلى حكمهم.
(1) Jessica Moody. "Jihadists in the Sahel: What is Behind Expansion and What is the Threat to Coastal West Africa?" Vision of Humanity (Institute for Economics & Peace), 2 April 2026. https://www.visionofhumanity.org/jihadist-expansion-in-the-sahel-and-threats-to-coastal-west-africa/ . Accessed 2 July 2026.
(2) David Doukhan. "The Rise of the Islamic State in Africa: In the Sahel, West, and East Africa." International Institute for Counter-Terrorism (ICT), 26 October 2025. https://ict.org.il/the-rise-of-the-islamic-state-in-africa-in-the-sahel-west-and-east-africa/ . Accessed 2 July 2026.
(3) Jessica Moody, "Jihadists in the Sahel..." Ibid.
(4) Ufiem Maurice Ogbonnaya. "Terrorist Threats and Vulnerabilities in West Africa and the Sahel." In Rohan Gunaratna and C. Nna-Emeka Okereke (eds.), Palgrave Handbook of Terrorism in Africa. Palgrave Macmillan / Springer Nature, Cham, 2025, pp. 541–568. https://doi.org/10.1007/978-3-031-89940-9_2 1. Accessed 2 July 2026.
(5) United Nations Development Programme. Journey to Extremism in Africa: Pathways to Recruitment and Disengagement. UNDP, New York, 2023, pp. 34, 88–89. https://www.undp.org/publications/journey-extremism-africa-pathways-recruitment-and-disengagement Accessed 2 July 2026.
(6) Jessica Moody, "Jihadists in the Sahel..." Ibid.
(7) United Nations Development Programme. Dynamics of Violent Extremism in Africa: Conflict Ecosystems, Political Ecology and the Spread of the Proto-State. UNDP, New York, February 7, 2023. p. 33 https://www.undp.org/prevent-violent-extremism/publications/dynamics-violent-extremism-africa-conflict-ecosystems-political-ecology-and-spread-proto-state Accessed 2 July 2026.
(8) "Dynamics of Violent Extremism in Africa" Ibid. pp. 10, 40–42. Accessed 2 July 2026.
(9) Alexander Thurston. Jihadists of North Africa and the Sahel: Local Politics and Rebel Groups. Cambridge University Press, Cambridge, 2020. pp. 147 – 191. DOI: https://doi.org/10.1017/9781108771160.005
(10) "Terrorist Threats and Vulnerabilities..." Ibid. p. 555.
(11) " Dynamics of Violent Extremism in Africa" Ibid. p. 37.
(12) " Dynamics of Violent Extremism in Africa" Ibid. p. 38.
(13) "Jihadists of North Africa and the Sahel", Ibid.
(14) "Dynamics of Violent Extremism in Africa" Ibid. p. 21.
(15)"Journey to Extremism in Africa",Ibid. pp. 88–89.
(16) Clingendael Institute. "Traditional Authorities in Mali: Armed Alliances and Insecurity." Netherlands Institute of International Relations Clingendael, The Hague, 2019. https://www.clingendael.org/pub/2019/legitimacy_traditional_authorities_mali_niger_libya/4-traditional-authorities-in-mali-armed-alliances-and-insecurity/. Accessed 2 July 2026.
(17) "Dynamics of Violent Extremism in Africa" Ibid. p. 33.
(18) "Dynamics of Violent Extremism in Africa" Ibid. p. 28.
(19) Institute for Security Studies (ISS Africa). "Unravelling the Illicit Economies That Sustain Terrorism in the Sahel." ISS Today, Pretoria, 2025. https://issafrica.org/iss-today/unravelling-the-illicit-economies-that-sustain-terrorism-in-the-sahel . Accessed 2 July 2026. See also: Global Initiative Against Transnational Organized Crime. "JNIM in Burkina Faso." GI-TOC, Geneva, August 2022. https://globalinitiative.net/wp-content/uploads/2022/08/Burkina-Faso-JNIM-29-Aug-web.pdf. Accessed 2 July 2026.
(20) Security Council Report. "West Africa and the Sahel." December 2025 Monthly Forecast, 30 November 2025. https://www.securitycouncilreport.org/monthly-forecast/2025-12/west-africa-and-the-sahel-16.php. Accessed 2 July 2026. See also: Africa Defense Forum. "Al-Shabaab's Tactics Evolving." ADF, U.S. Africa Command, May 2026. https://adf-magazine.com/2026/05/al-shabaabs-tactics-evolving/. Accessed 2 July 2026.
(21) "West Africa and the Sahel,", Ibid. Africanews. "Mali's Foreign Minister Dismisses Fears of Jihadist Takeover." 13 November 2025. https://www.africanews.com/2025/11/13/malis-foreign-minister-dismisses-fears-of-jihadist-takeover/. Accessed 2 July 2026.
(22) Daniel Eizenga and Wendy Williams. "The Puzzle of JNIM and Militant Islamist Groups in the Sahel." Africa Center for Strategic Studies, Washington, DC, December 1, 2020. https://africacenter.org/publication/puzzle-jnim-militant-islamist-groups-sahel/ Accessed 2 July 2026.
(23) Africa Defense Forum. "Terror Groups Diversify to Find Steady Flow of Illicit Financing." ADF, U.S. Africa Command, 30 September 2025. https://adf-magazine.com/2025/09/terror-groups-diversify-to-find-steady-flow-of-illicit-financing/. Accessed 2 July 2026.
(24) "Dynamics of Violent Extremism in Africa" Ibid. p. 28.
(25) Alexander Thurston, Jihadists of North Africa and the Sahel (as in note 9), ch. 4; David Doukhan, "The Rise of the Islamic State in Africa" (as in note 2), n. 24.
(26) David Doukhan, "The Rise of the Islamic State in Africa" (as in note 2), n. 24.
(27) "Dynamics of Violent Extremism in Africa" Ibid. p. 28.
(28) Ibidem.
(29) "Dynamics of Violent Extremism in Africa" Ibid. pp. 10, 40–42.
(30) Devorah Margolin. The Collapse of Indefinite Detention in Northeast Syria: Implications Seven Years Later for Syria and Beyond. Combating Terrorism Center at West Point. April 28, 2026. Accessed July 3, 2026. https://ctc.westpoint.edu/the-collapse-of-indefinite-detention-in-northeast-syria-implications-seven-years-later-for-syria-and-beyond/
(31) Martynova E. Gold, Guns, and Cattle: JNIM’s $100 million War Economy in the Sahel. Insightthreatintel.com. September 11, 2025. Accessed July 3, 2026. https://newsletter.insightthreatintel.com/p/gold-guns-and-cattle-jnims-30-billion
(32) Ibidem
(33) Institute for Economics & Peace. Global Terrorism Index 2026: Measuring the Impact of Terrorism. IEP, Sydney, March 2026, p. 17. https://www.visionofhumanity.org/wp-content/uploads/2026/03/Global-Terrorism-Index-2026-Report.pdf. Accessed 2 July 2026.
(34) Shola Lawal,"Is Mali About to Fall to Al-Qaeda Affiliate JNIM?" 6 November 2025. https://www.aljazeera.com/news/2025/11/6/is-mali-about-to-fall-to-al-qaeda-affiliate-jnim. Accessed 2 July 2026; "Mali's Foreign Minister Dismisses Fears of Jihadist Takeover" Ibid.
(35) "Is Mali About to Fall to Al-Qaeda Affiliate JNIM?" Ibid.
(36) International Crisis Group. "JAS vs. ISWAP: The War of the Boko Haram Splinters." Africa Briefing N°196, ICG, Brussels, 28 March 2024. https://www.crisisgroup.org/africa/west-africa/nigeria/b196-jas-vs-iswap-war-boko-haram-splinters . Accessed 2 July 2026.
(37) Malik Samuel. "When Rebels Rule: ISWAP's Formula for Winning Support in Nigeria's Northeast." The New Humanitarian.org, 24 July 2025. https://www.thenewhumanitarian.org/analysis/2025/07/24/when-rebels-rule-iswap-formula-winning-support-nigeria-northeast-tax-control. Accessed 2 July 2026.
(38) Vanguard News. "Boko Haram, ISWAP Clash Claims 200 Lives in Lake Chad Region — Sources." 10 November 2025. https://www.vanguardngr.com/2025/11/boko-haram-iswap-clash-claims-200-lives-in-lake-chad-region-sources/amp/. Accessed 2 July 2026.
(39) Mustapha Bature Sallama. "The Rise of ISWAP Over Boko Haram: How the Lake Chad Basin Became the Islamic State's Most Active Theatre." Modern Ghana, June 2026. https://www.modernghana.com/news/1504710/the-rise-of-iswap-over-boko-haram-how-the-lake.html. Accessed 2 July 2026.
(40) Africa Defense Forum. "Rival Terrorists in Battle for Control of Lake Chad Islands." January 2026. https://adf-magazine.com/2026/01/rival-terrorists-in-battle-for-control-of-lake-chad-islands/. Accessed 2 July 2026.
(41) Africa Defense Forum. "ISWAP Drains Lake Chad Region Through Taxes." ADF, U.S. Africa Command, 19 August 2025. https://adf-magazine.com/2025/08/iswap-drains-lake-chad-region-through-taxes/. Accessed 2 July 2026.
(42) "The Rise of the Islamic State in Africa", Ibid.
(43) "The Rise of the Islamic State in Africa" Ibid.; Miles Charles and Liam Karr. "Salafi-Jihadi Areas of Operation in West Africa: Interactive Map and Campaign Analysis." Critical Threats Project, American Enterprise Institute, 24 November 2025. https://www.criticalthreats.org/analysis/salafi-jihadi-areas-of-operation-in-west-africa-interactive-map-and-campaign-analysis. Accessed 2 July 2026.
(44) "The Rise of the Islamic State in Africa", Ibid.
(45) Institute for Security Studies. "Lakurawa: Nigeria's Hybrid Threat That Attracted US Missile Fire." ISS Today, 2 February 2026. https://issafrica.org/iss-today/lakurawa-nigeria-s-hybrid-threat-that-attracted-us-missile-fire. Accessed 2 July 2026.
(46) Africa Defense Forum. "Terror Groups Pressure Sahel Capitals." ADF, U.S. Africa Command, 3 March 2026. https://adf-magazine.com/2026/03/terror-groups-pressure-sahel-capitals/. Accessed 2 July 2026.
(47) "Lakurawa: Nigeria's Hybrid Threat That Attracted US Missile Fire.", Ibid.
(48) Africa Defense Forum. "Terrorist 'Domino Effect' Threatens West Africa." ADF, U.S. Africa Command, 2 December 2025. https://adf-magazine.com/2025/12/terrorist-domino-effect-threatens-west-africa/. Accessed 2 July 2026.
(49) Ibidem.
(50) Daniel Eizenga and Amandine Gnanguênon. "Recalibrating Coastal West Africa's Response to Violent Extremism." Africa Security Brief No. 43, ACSS, Washington, DC, February 2026. https://africacenter.org/publication/asb43en-recalibrating-multitiered-stabilization-strategy-coastal-west-africa-response-violent-extremism/. Accessed 2 July 2026.
(51) "West Africa and the Sahel.", Ibid.
(52) Joseph Hammond. "African Terror Groups Expand Beyond Sahel as Death Toll Nears 24,000." The Washington Times, 30 April 2026. https://www.washingtontimes.com/news/2026/apr/30/african-terror-groups-expand-beyond-sahel-death-toll-nears-24000/. Accessed 2 July 2026.
(53) Ibidem.
(54) "Recalibrating Coastal West Africa's Response to Violent Extremism."Ibid.
(55)"West Africa and the Sahel.", Ibid.