الخطاب الأخير نتنياهو في الأمم المتحدة: كلام مكرر مأزوم

يَعُدُّ نتنياهو مشاركته في الاجتماعات السنوية لهيئة الأمم المتحدة منبرًا مركزيًّا لموقعة نفسه قائدًا دوليًّا قويًّا، ومُمثلًا للشعب اليهودي ودولة إسرائيل، بما يتجاوز التمثيل الدبلوماسي التقليدي لرؤساء الدول إلى تمثيل فيه طابع تاريخي، لقائد يُمثل شعبًا يعده الأقدم في العالم، ولدولة هذا الشعب، فهو مبعوث لتاريخ يمتد لآلاف الأعوام، وليس لفترة سياسية محدودة، يتقلد بها منصبًا رسميًّا في دولة عادية.
(رويترز)

يَعُدُّ نتنياهو مشاركته في الاجتماعات السنوية لهيئة الأمم المتحدة منبرًا مركزيًّا لموقعة نفسه قائدًا دوليًّا قويًّا، ومُمثلًا للشعب اليهودي ودولة إسرائيل، بما يتجاوز التمثيل الدبلوماسي التقليدي لرؤساء الدول إلى تمثيل فيه طابع تاريخي، لقائد يُمثل شعبًا يعده الأقدم في العالم، ولدولة هذا الشعب، فهو مبعوث لتاريخ يمتد لآلاف الأعوام، وليس لفترة سياسية محدودة، يتقلد بها منصبًا رسميًّا في دولة عادية.

تحمل خطاباته مركَّبًا من الأستاذية على الدول الأخرى ونخبها، لا تخلو من الاستعلائية العنصرية، والتفوق المتخيل على الآخرين، بشخصه ودولته. كان خطاب نتنياهو الأخير، في 24 سبتمبر/أيلول 2026، هو الخطاب الرابع عشر، منذ عودته للحكم عام 2009، والخامس عشر في تاريخه السياسي. حرص نتنياهو على المشاركة في أغلب اجتماعات الهيئة العامة السنوية للأمم المتحدة، ولم يتغيب عن اجتماع لها سوى في الأعوام 2010، و2019 و2022. في الحالات الثلاث، كان نتنياهو مضطرًّا للتغيب. في العام 2010، بسبب بدء محاولة جديدة من المباحثات الفلسطينية-الإسرائيلية في عهد باراك أوباما، وتغيب في العام 2019، بسبب محاولته تشكيل حكومة بعد انتخابات سبتمبر/أيلول، وتغيب في العام 2022، لأنه كان في المعارضة.  

كانت الأمم المتحدة بالنسبة لنتنياهو المنبر الذي جعله يقفز بسرعة للمشهد السياسي الإسرائيلي في سنوات الثمانينات، عندما شغل منصب سفير إسرائيل في الأمم المتحدة (1984-1988). كان هذا المنصب مرحلة مهمة في حياته السياسية، فوصوله لهذا المنصب كان سريعًا، نظرًا لغياب تجربة طويله له في العمل الدبلوماسي، والطريق منه لرئاسة الحكومة في العام 1996، كان أيضًا سريعًا، بغياب تقلده أي منصب وزاري شغله قبل توليه المنصب، يُكسبه التجربة وشؤون الحكم. وعلى الرغم من أن نتنياهو لم يخطب في الهيئة العامة خلال توليه منصبه سفيرًا في الأمم المتحدة، فإنه أحسن استغلال هذا المنصب للانكشاف على المجتمع الإسرائيلي، الذي لم يكن يعرفه، باستثناء أنه شقيق يوناتان نتنياهو، قائد الوحدة العسكرية الخاصة "متكال"، والذي قُتل في عملية تحرير الرهائن الإسرائيليين في عنتيبي في أوغندا، عام 1976، وتحوَّل لبطل قومي إسرائيلي، لأنه كان الوحيد الذي قُتل في العملية العسكرية الناجحة، التي تحولت لرمز قومي إسرائيلي تدل على الشجاعة.

على كل حال، منحه منصب السفير في الأمم المتحدة انكشافًا إعلاميًّا كبيرًا، وهو استغل ذلك بذكائه، وخبرته، ودراسته التسويق في معهد التكنولوجيا في ماساشوستس (MIT)، وطلاقته في اللغة الإنجليزية. في الحقيقة لم يُحقق نتنياهو خلال سنوات عمله الدبلوماسي في الأمم المتحدة أي إنجاز دبلوماسي يُذكر، باستثناء نجاحه في فتح أرشيف الأمم المتحدة حول النازيين، وهو أيضًا تحول لمادة دعائية مستهلكة لسنوات من طرفه. تَلَخَّص عمله الدبلوماسي في الدعاية، والظهور في وسائل الإعلام، مُسوِّقًا نفسه قبل مواقف إسرائيل.

بناء على ذلك، بقيت هذه الساحة عالقة في ذهن نتنياهو بوصفها ساحة دعائية وسياسية مهمة، جعلته في بداية طريقه يدخل المشهد السياسي الإسرائيلي بقوة، وينتصر على قادة حزب الليكود الكبار (سِنًّا ومكانة)، ويُنتخب رئيسًا للحزب، عام 1993، ورئيسًا للحكومة، عام 1996، كأول رئيس حكومة وُلد بعد تأسيس دولة إسرائيل (1949).

خلال ولايته الأولى (1996-1999)، ألقى نتنياهو خطابًا واحدًا في الأمم المتحدة، عام 1998، وربما جاء هذا الخطاب بسبب تراجع شعبيته في صفوف اليمين، بعد قراره الاستمرار بتنفيذ اتفاق أوسلو وإعادة انتشار الجيش في الخليل. كان الخطاب نوعًا من العودة إلى نقطة البداية، التي رفعته سياسيًّا وشخصيًّا، وبعد عودته للحكم عام 2009، لم يفوِّت نتنياهو أي اجتماع للهيئة العامة، إلا لظروف قاهرة.

الخطاب الأخير

كان اجتماع الجمعية العامة مناسبًا لنتنياهو بسبب شغفه بهذا المنبر من جهة، وقربه من الانتخابات الإسرائيلية من جهة ثانية. ولا يكون هذا التزامن إلا في حالات قليلة ونادرة. يعلم نتنياهو أن إسرائيل معزولة دوليًّا، وهو أكثر عُزلة منها، ويتجنب الجميع لقاءه، وتزداد عزلته مع رفضه أي تسوية أو اتفاق ينهي جبهات الصراع المختلفة، على الرغم من أنها تسويات تستجيب للمصالح الإسرائيلية، وتفضيله للحروب، والاحتلال، فضلًا عن مذكرة اعتقاله من محكمة الجنايات الدولية بسبب ارتكابه جرائم حرب، وانحصار أصدقائه في قادة اليمين المتطرف الشعبوي، لاسيما في أميركا الجنوبية.

ازدادت عزلته لحالة الإنكار التي يبديها (قصدًا) لإرهاب المستوطنين في الضفة الغربية، وغياب المساءلة، والمحاسبة. والحقيقة أن الدول الديمقراطية، أو الدول التي لديها نظام مساءلة قضائي وقانوني، تستغرب ما تراه في الواقع: مجموعات مسلحة من المواطنين يعتدون على أجساد وممتلكات أناس آخرين غير مواطنين في تلك الدولة التي تحتلهم، وفي حالات كثيرة يهجِّرونهم من أراضيهم، وهذه الدولة لا تفعل شيئًا لمواطنيها الذي يرتكبون جرائم، حتى بالمستوى الجنائي منها، ولا حتى تعتقلهم. في خطابه الأخير، تطور إنكاره لإرهاب المستوطنين، بالقول: إنهم يدافعون عن أنفسهم، وإنهم ربما قتلوا شخصين، أو كتبوا شعارات على الجدران، ولكن ليس أكثر من ذلك.

لم يكن هذا الخطاب الأول الذي تقاطع فيه وفود الدول الأعضاء خطاب نتنياهو، ففي اجتماع 2025، حدث نفس الأمر؛ حيث غادر 70 وفدًا القاعة عندما بدأ نتنياهو بالخطاب، وارتفع العدد إلى 78 وفدًا في الخطاب الأخير. جاء نتنياهو ليصطدم مع العالم في خطابه، خطاب يبدو وكأن صاحبه طائرة "كاميكاز دبلوماسية"، لتدميرها فوق الأعداء وهو يقودها، موضحًا ما يعني بمقولته السابقة: إن على إسرائيل أن تكون "سوبر إسبرطة"، تعيش في عزلة، وتتعامل معها وتقبلها، وتتصرف بموجبها.

اتهم نتنياهو في خطابه وفود الدول التي خرجت من القاعة بالجُبن، والخبث، والجهل، مُدعيًا أن ما تفعله إسرائيل هو دفاع عن الحضارة ضد البربرية. وهو كلام مكرر، أصبح ديباجة ثابتة في جميع خطاباته حتى قبل السابع من أكتوبر. وهو أمر يؤمن به فكريًّا، وظهر بشكل واضح في كتابه "مكان تحت الشمس".

يظهر في خطابات نتنياهو كلام مكرر عن قضايا ثابتة تقريبًا، مع اختلاف الصياغة، أو ترتيب أولويات الكلام حولها، أو التشديد عليها، وأهم ما يتكرر في خطابات نتنياهو:

أولًا: إسرائيل تمثل رأس الحربة في الحضارة المسيحية-اليهودية ضد البربرية، والإرهاب، والإسلام الجهادي.

ثانيًا: إسرائيل دولة تكنولوجية متقدمة وهي مستعدة لمشاركة الآخرين بتقدمها التكنولوجي المتميز، مع التأكيد على قطاع التكنولوجيا العالية والزراعة.

ثالثًا: الشعب اليهودي يعيش حربًا وجودية مستمرة، وإن مساهمته للإنسانية والبشرية غير مسبوقة، وإن إسرائيل سوف تنتصر وتدمر أعداءها، ولن يسمح اليهود أن "يُساقوا مرة أخرى للمذبحة".

رابعًا: العالم الغربي جاهل، وغير مدرك للمخاطر التي تحيط به، وأنه يدركها أكثر منهم، فهم يعيشون حالة إنكار. إسرائيل لوحدها، ولكنها ستنتصر.

خامسًا: الجيش الإسرائيلي الأكثر أخلاقية في العالم، وإسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، ويتمتع فيها المسيحيون، والأقليات -بتعبيره- عمومًا، بالأمان أكثر من أي مكان في الشرق الأوسط.

منذ خطاباته عام 2009، يركز نتنياهو على إيران. كان خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة، عام 2012، هو الأهم في خطاباته فيما يتعلق بإيران، لدرجة أنه خصَّص له مساحة في مذكراته التي نشرها عام 2022. في هذا الخطاب استعمل نتنياهو بشكل مسرحي صورة توضح الخط الأحمر للبرنامج النووي الإيراني، ويتضح من مذكراته أنها كانت مجرد وسيلة دعائية لا أكثر ولا أقل، لم يشترك في وضعها خبراء نوويون، بل سياسيون مقربون منه مثل سفير إسرائيل في واشنطن آنذاك، رون ديرمر. وضع نتنياهو الخط الأحمر في حالة وصلت إيران إلى نسبة تخصيب 90%، وهو معناه أن إيران وصلت للقنبلة النووية، بما يؤكد أنه كان مجرد رقم دعائي ليس أكثر. للتذكير فالخطاب الإسرائيلي في تبرير الحروب الأخيرة ضد إيران، حذَّر من تحقيق إيران لنسبة تخصيب يورانيوم تصل إلى 60%، بما يعني أنها قاب قوسين أو أدنى من القنبلة النووية، وأن مسألة صنعها باتت تتعلق بقرار سياسي إيراني لا أكثر.

كان الشيء الجديد في خطاب 2026 هو تحديد هدف إسرائيل الجديد في إيران، وهو إسقاط النظام الإيراني. روَّج نتنياهو لإسقاط النظام الإيراني بسبب سعيه لتطوير المشروع النووي، وكان يؤكد في خطاباته السابقة أن إسرائيل لن تقبل أن تكون إيران نووية. في خطابه 2026، قال نتنياهو: إن الحربين على إيران في يونيو/حزيران 2025، وفبراير/شباط 2026، أدَّيتا إلى تدمير البرنامج النووي الإيراني، وإنه منع إيران من امتلاك قنبلة نووية وأوفى بوعده. ومع ذلك، لم يغلق نتنياهو هذا الملف، معتبرًا أن الهدف القادم هو إسقاط النظام الإيراني، بغضِّ النظر عن قدراته النووية، لأن إسرائيل تريد الحرية للشعب الإيراني، بمعنى أن نتنياهو أعلن أنه لم يفشل في حروبه ضد إيران، وهي رسالة موجهة للداخل الإسرائيلي مع قرب الانتخابات، والتشكيك الحاصل بجدوى الحروب مع إيران بدون تحقيق أهدافها، فهو يعيد التصريحات التي أطلقها للإعلام اليميني قائلًا: إن إسرائيل دمرت البرنامج النووي، وإنه أنقذ إسرائيل من الإبادة، لأن إيران كانت قد امتلكت قنابل نووية، أما في الخطاب الأخير، فلم يعد البرنامج النووي هو الهدف بل النظام وبدون علاقة مع التهديد الوجودي على إسرائيل.

لا يستطيع نتنياهو أن يكون كما كان بدون إيران، هو بحاجة لها، مرة بالقول: إنها نووية، ومرة: إنها طاغية، وإذا اضطر للقول إنه دمر المشروع النووي الإيراني، وهو أمر تنفيه كل تقارير أجهزة الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية، ولكنه كان مضطرًّا لقوله ليبرر ادعاء النجاح، ودعاية الانتصار في الحرب، فإن إبقاء إيران خطرًا وجوديًّا بسبب طبيعة النظام السياسي فيها، هي حاجة للبقاء السياسي، لان وجود نتنياهو السياسي متعلق بزرع حالة الخوف عند اليهود من خطر وجودي حقيقي أو مُتخيل، وهو أمر بات العالم يدركه جيدًا عن هذا الشخص.ش

نبذة عن الكاتب