المقدمة
شهدت النزاعات المسلحة المعاصرة توسعًا في دور الشركات العسكرية والأمنية الخاصة والفاعلين المسلحين غير الحكوميين العابرين للحدود، بما أعاد طرح أسئلة قانونية حول خصخصة الحرب، وحدود احتكار الدولة لاستخدام القوة، ومدى قدرة قواعد القانون الدولي الإنساني على تنظيم أنشطة هذه الكيانات ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات المرتبطة بها. وتبرز الإشكالية بصورة خاصة عندما تتداخل المهام العسكرية مع المصالح الاقتصادية وشبكات التمويل والتعاقد، بما يتيح للأطراف المعنية الاستفادة من الغموض القانوني وصعوبة إسناد المسؤولية.
وتتناول هذه الدراسة ظاهرة الارتزاق في صورتها المؤسسية من خلال مقارنة النزاع الليبي، مع التركيز على مجموعة فاغنر، والنزاع السوداني، مع بحث وضع قوات الدعم السريع وطبيعتها المؤسسية والاقتصادية. وتسعى المقارنة إلى تقييم مدى كفاية الإطار القانوني الدولي القائم في التعامل مع هذه الأنماط، والكشف عن الفجوة بين القواعد القانونية وتطبيقها العملي في النزاعات المسلحة غير الدولية.
أهمية الدراسة
تنبع أهمية الدراسة من تناولها تحولًا في طبيعة الارتزاق من صورة الفرد المقاتل إلى أنماط مؤسسية وشبكية ترتبط بالشركات العسكرية والأمنية الخاصة، والتمويل، والتعاقد، واستغلال الموارد الطبيعية. كما تتصل أهميتها بتقييم قدرة قواعد القانون الدولي الإنساني وقواعد المسؤولية الدولية على التعامل مع هذه الأنماط، وببحث آثار الغموض القانوني وصعوبات المساءلة على حماية المدنيين ومكافحة الإفلات من العقاب.
وتكتسب الدراسة أهمية تطبيقية من المقارنة بين حالتين تختلفان في بنية الفاعلين المسلحين وعلاقاتهم بالدولة وبالقوى الخارجية، مع وجود أوجه تشابه في تعدد الفاعلين، وتداخل المصالح العسكرية والاقتصادية، وصعوبة تحديد المسؤولية القانونية.
إشكالية الدراسة
تتمثل المشكلة البحثية في الفجوة بين الإطار القانوني الدولي المنظم لظاهرة المرتزقة وقدرته التطبيقية على التعامل مع الكيانات المؤسسية والشركات العسكرية والأمنية الخاصة في النزاعات المسلحة غير الدولية. ويبرز هذا القصور في صعوبة استيعاب التعريف التقليدي للمرتزق، ولا سيما الشروط التراكمية الواردة في المادة (47) من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، لطبيعة هذه الكيانات وأنشطتها، فضلًا عن صعوبات إسناد المسؤولية الدولية إلى الدول الداعمة أو المتعاقدة معها، وضعف آليات المساءلة عن أفعال الكيانات الاعتبارية.
كما تتصل الإشكالية بالعلاقة بين النشاط العسكري وشبكات التمويل والتعاقد واستغلال الموارد الطبيعية، وما قد ينتج عن ذلك من استقلال مالي للكيانات المسلحة وإطالة أمد النزاعات وصعوبة إخضاعها للرقابة والمساءلة.
السؤال الرئيس والأسئلة الفرعية
السؤال الرئيس: هل يُعدّ الإطار القانوني الدولي الإنساني الحالي المنظّم لظاهرة الارتزاق المؤسسي كافيًا للتعامل مع الإشكاليات القانونية الناشئة عنه في النزاعات المسلحة غير الدولية، كما يتجلى في النزاعين الليبي والسوداني؟
وتتفرع عنه الأسئلة الآتية:
• ما طبيعة الإشكاليات القانونية والإنسانية الناشئة عن توظيف الشركات العسكرية والأمنية في النزاعين السوداني والليبي، وكيف تختلف الأنماط المؤسسية المعاصرة عن نموذج المرتزق الفرد التقليدي الذي صُمّم الإطار القانوني الدولي للتعامل معه؟
• ما أبرز الثغرات القانونية والمعوقات العملية التي تحول دون التطبيق الفعّال لقواعد القانون الدولي الإنساني والاتفاقيات الدولية ذات الصلة بأنشطة الشركات العسكرية والأمنية الخاصة في النزاعات المسلحة غير الدولية، بالاستناد إلى التجربتين الليبية والسودانية؟
• هل تكشف التجربتان عن حاجة إلى تطوير الإطار القانوني الدولي القائم للتعامل مع الارتزاق المؤسسي؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما السبل الواقعية لتعزيز تنظيم الشركات العسكرية والأمنية الخاصة على المستويين الدولي والوطني وتحسين آليات مساءلتها ومراقبة أنشطتها؟
أهداف الدراسة
• تحليل الفجوة بين الإطار القانوني الدولي وواقع الارتزاق المؤسسي، مع تقييم مدى ملاءمة التعريف القانوني التقليدي للمرتزق للكيانات العسكرية والأمنية المنظمة.
• بحث أثر خصخصة الحرب في احتكار الدولة لاستخدام القوة وفي تحديد المسؤولية عن الأفعال والانتهاكات المرتبطة بالكيانات المسلحة والشركات الخاصة.
• تقييم فعالية القواعد القانونية وآليات المساءلة من خلال دراسة حالتي ليبيا والسودان ومقارنة طبيعة الفاعلين وشبكات الدعم والتمويل في كل منهما.
• تحليل الصلة بين النشاط العسكري واستغلال الموارد الطبيعية والتمويل الذاتي، وأثر ذلك في استمرار النزاع وصعوبة المساءلة.
• بلورة مقترحات لتطوير التنظيم القانوني والرقابة والمساءلة بما يعزز حماية المدنيين ويحد من الإفلات من العقاب.
المنهجية والإطار النظري
تعتمد الدراسة منهجًا نوعيًا يقوم على التحليل القانوني النقدي للنصوص والقواعد الدولية ذات الصلة، والاستفادة من الوثائق والتقارير الدولية لفحص مدى ملاءمة الإطار القانوني للواقع الميداني. كما تستخدم تصميم دراسة الحالة المقارنة بين النزاعين الليبي والسوداني لتقييم أوجه التشابه والاختلاف في بنية الفاعلين المسلحين، وطبيعة العلاقات مع الدولة والقوى الخارجية، وشبكات التمويل والتعاقد، وإمكانات إسناد المسؤولية.
وتوظف الدراسة إطارًا نظريًا متعدد المستويات، يتضمن نظرية الاختيار العقلاني لتفسير دوافع اللجوء إلى الكيانات العسكرية والأمنية الخاصة، وقواعد المسؤولية الدولية للدول لتحليل إسناد الأفعال، ومقاربة الاقتصاد السياسي للنزاعات لفهم دور الموارد الطبيعية والتمويل في استمرار الحرب، إلى جانب مقاربة الحروب الجديدة لفهم تداخل الفاعلين الحكوميين وغير الحكوميين وطمس الحدود بين النشاط العسكري والمصالح الاقتصادية.
أهم النتائج
• خلصت الدراسة إلى أن الإطار القانوني الدولي الحالي لا يوفر استجابة كافية للإشكاليات البنيوية التي تثيرها ظاهرة الارتزاق المؤسسي في النزاعات المسلحة غير الدولية.
• تُظهر الدراسة أن الشروط التراكمية لتعريف المرتزق في المادة (47) من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 تثير صعوبات في تكييف وضع العاملين ضمن الكيانات العسكرية والأمنية المؤسسية المعاصرة.
• تواجه قواعد المسؤولية الدولية صعوبات عملية في إسناد أفعال الكيانات والشبكات المسلحة إلى الدول الداعمة أو المتعاقدة، ولا سيما في ظل الغموض التعاقدي وتعدد الروابط والولاءات.
• تظل مساءلة الكيانات الاعتبارية محدودة في إطار المحكمة الجنائية الدولية، بما يعزز مخاطر الإفلات من العقاب عن الانتهاكات المرتبطة بأنشطة هذه الكيانات.
• تكشف المقارنة بين ليبيا والسودان عن اختلاف في طبيعة النموذجين: حضور فاعل خارجي منظم في الحالة الليبية، مقابل بنية محلية هجينة ذات امتدادات مؤسسية واقتصادية في الحالة السودانية؛ مع وجود أوجه تشابه في تداخل المصالح العسكرية والاقتصادية.
• ترتبط شبكات التمويل واستغلال الموارد الطبيعية، بما في ذلك النفط في ليبيا والذهب في السودان، باستقلال مالي للفاعلين المسلحين وبصعوبات إضافية أمام أدوات الضغط والعقوبات التقليدية.
• تؤكد الدراسة أن معالجة الظاهرة لا تقتصر على التجريم الجنائي، بل تتطلب إدماج الرقابة المالية وشبكات التمويل والتعاقد ضمن مقاربة قانونية أوسع.
الخاتمة
تخلص الدراسة إلى أن الإطار القانوني الدولي الإنساني القائم لا يكفي للتعامل مع التعقيدات البنيوية للارتزاق المؤسسي في النزاعات المسلحة غير الدولية، كما يتضح من حالتي ليبيا والسودان. وتبيّن المقارنة أن اختلاف بنية الفاعلين بين نموذج خارجي منظم ونموذج محلي هجين لا يلغي الصعوبات المشتركة المتعلقة بإسناد المسؤولية، ومحدودية المساءلة، واستغلال الغموض التعاقدي وشبكات التمويل.
وتؤكد النتائج أن معالجة الفجوة بين النص القانوني والواقع الميداني تقتضي تطوير مقاربة تنظيمية ملزمة لا تقتصر على الوصف التقليدي للمرتزق، بل تتناول طبيعة الكيانات، وأنشطتها، وروابطها التمويلية ،والتعاقدية. كما تستدعي إدماج البعد الاقتصادي والرقابة المالية في أدوات المساءلة، وتعزيز دور المؤسسات الإقليمية في دعم التنفيذ وحماية المدنيين.
التوصيات
• العمل على تطوير إطار تنظيمي دولي ملزم ينظم أنشطة الشركات العسكرية والأمنية الخاصة والأنماط المؤسسية للارتزاق في النزاعات المسلحة، مع مراعاة التحولات التي طرأت على طبيعة الفاعلين المسلحين.
• إعادة تقييم مدى كفاية التعريف التقليدي للمرتزق وشروطه التراكمية، وبحث إمكان تطوير معايير وظيفية تراعي طبيعة المهام والأنشطة المؤداة بدل الاقتصار على الدافع الشخصي.
• تعزيز قواعد وآليات إسناد المسؤولية الدولية من خلال فحص علاقات التوجيه والرقابة والدعم والتعاقد، وعدم إغفال البنية الشبكية للكيانات التي قد تسمح بإخفاء الروابط مع الدول.
• تطوير آليات المساءلة الدولية، بما في ذلك بحث مقترح تعديل نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لإدراج المسؤولية الجنائية للكيانات الاعتبارية، وفق ما تقترحه الدراسة.
• إنشاء أو تطوير آليات رقابية مختصة تعزز شفافية العقود العسكرية والأمنية، وتراقب الامتثال للقانون الدولي الإنساني، وتدعم التحقيق في الانتهاكات.
• إدماج تتبع مصادر التمويل والرقابة المالية وشبكات التجارة والموارد الطبيعية ضمن تدابير منع استمرار النزاعات ومساءلة الجهات المستفيدة من اقتصاد الحرب.
• تعزيز دور المنظمات الإقليمية، ولا سيما الاتحاد الأفريقي، في دعم تنفيذ القواعد ذات الصلة وسد فجوات الرقابة وحماية المدنيين.
• تشجيع مزيد من البحث في صور الارتزاق المرتبطة بالتقنيات المتقدمة والدعم الفني، بما في ذلك تشغيل الطائرات المسيّرة وصيانة الأسلحة، لتقييم وضع العاملين فيها ومسؤولياتهم القانونية.
تنويه:
- تعبّر الآراء الواردة في هذا البحث عن وجهة نظر صاحبها.
- يمكن الاطلاع على البحث كاملًا عبر هذا الرابط.
- تُرسل رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه إلى العنوان التالي: ajcs-publications@aljazeera.net
- النشر في باب "أطروحات جامعية " لا يحول دون قيام الباحثين بنشر رسائلهم وأطروحاتهم في أماكن أخرى.